القصة الثانية

القصة الثانية

14 0

"صدى الغرقى خلف الجسر"

لم تكن الحرب في مدينة "لوكان" ناراً وقذائف فقط، بل كانت ماءً غاضباً. حين قصف الأعداء السدود العظمى، تحولت الشوارع إلى أنهار من الوحل الكيميائي الأسود الذي يبتلع كل شيء.

أنا سيلا، كنتُ ممرضة متدربة قبل أن يصبح عملي الوحيد هو محاولة إبقاء رؤوس المتعبين فوق سطح الماء. خلف ظهري، كنتُ أحمل طفلاً صغيراً لا أعرف اسمه، وجدته متشبثاً بجذع شجرة محترق وسط الفيضان. كان صامتاً تماماً، لا يبكي ولا يصرخ، كأنه فقد صوته في جوف الموجة التي ابتلعت عائلته.

"تمسك جيداً يا صغيري.. الجسر ليس بعيداً،" همستُ له، رغم أن الماء كان يضرب صدري بقوة، ورائحة الكبريت المنبعثة من النهر تخنق أنفاسي.

كانت لوكان تغرق ببطء. أسطح المنازل التي كانت تظهر من فوق الماء بدت مثل جزر مهجورة. وفوقنا، كانت السماء بلون الرصاص، تمطر رذاذاً يلسع الجلد. كان هدفي هو "الجسر الحجري القديم"، القنطرة الوحيدة التي لم ينهشها الموج، والتي تؤدي إلى الطريق المرتفع نحو حدود ٱركيديان.

بينما كنتُ أصارع التيار، رأيتُ أشياءً تطفو بجانبي كسرت قلبي؛ مهد طفل فارغ، صور عائلية ممزقة، وكراسي خشبية محطمة. صرخ الطفل خلف ظهري فجأة، كانت صرخة مكتومة وهو يؤشر بيده الصغيرة نحو يميننا. نظرتُ بذهول، فرأيتُ جسداً يطفو ببطء.. كانت امرأة ترتدي فستاناً أزرق، يداها ممدودتان وكأنها تحاول الإمساك بشيء لم يعد موجوداً.

"لا تنظر.. أرجوك لا تنظر،" قلتُ للطفل وأنا أدفع رأسه الصغير ليختبئ في عنقي.

وصلنا أخيراً إلى قاعدة الجسر. كانت الحجارة زلقة، وأصابع يدي تنزف من محاولة التشبث بالشقوق. كلما حاولتُ الصعود، سحبني الماء للأسفل. بدأت قواي تنهار، وشعرتُ أن النهر يريد أن يضمني لجيش الغرقى في قاعه.

"سيلا.. لا تستسلمي الآن،" قلتُ لنفسي بصوتٍ مسموع لكي أطرد اليأس.

وفجأة، امتدت يد قوية من الأعلى. كان رجلاً يرتدي سترة نجاة ممزقة، يصرخ وسط ضجيج الماء: "أعطني يدكِ! بسرعة!"

بكل ما تبقى لي من عزم، رفعتُ الطفل أولاً. أمسك به الرجل وسحبه للأعلى، ثم مد يده لي مرة أخرى. تعلقتُ به حتى شعرتُ بكتفي يخلع، لكنني في النهاية وجدتُ نفسي ملقاة على حجر الجسر الصلب، ألهث بعمق وأخرج الماء من رئتي.

نظرتُ خلفي، كانت المدينة التي عشتُ فيها طوال عمري قد اختفت تحت السواد. لم يعد هناك سوى صوت هدير الماء المرعب. الطفل الذي كان معي جلس صامتاً، ينظر إلى قميصه المبلل.

وضع الرجل يده على كتفي: "أنا ماركل.. نحن نجمع الناجين في الجهة الأخرى. هناك شاحنات ستنقلنا إلى المعسكر الحدودي."

نظرتُ إلى الطفل، ثم إلى الطريق الطويل أمامنا. "هل تعتقد أن هناك مكاناً لا يصله الغرق؟" سألتُه بمرارة.

أومأ ماركل برأسه وهو ينظر للأفق البعيد: "يقولون إن خلف الجبال، هناك شمس لم تنطفئ بعد. علينا فقط أن نستمر في السير."

حملتُ الطفل مرة أخرى، وسرنا فوق الجسر الحجري، تاركين وراءنا مدينة خذلها الضوء وابتلعها الماء، باحثين عن رصيف جاف في عالمٍ صار كله بحراً من الرماد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مدن خذلتها الشمس ( مجموعة قصصية)

المؤلف Heba Nabil
2026/04/25 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة