الفصل السابع : سديم الغفران في محارب الجبل لنكمل على بركة الله
و اولا صوتوا و علقو
💗💞
كانت الشمس تميل نحو المغيب، تنسج خيوطاً برتقالية تارةً و ذهبية تارةً أخرى فوق سطح النهر المتلألئ. سارت كلارا بخطوات ثقيلة، يسبقها راين وحبيبته الجديدة التي لم تكن روح كلارا تطيق حضورها.
كان الهواء مشبعاً برائحة الطمي الرطب وأوراق الأشجار الندية، لكن هذا الصفاء الطبيعي لم يفلح في تهدئة العاصفة التي كانت تختلج في صدرها.
منذ إشراقة هذا الصباح، وكلارا تشعر ببرودة غريبة تتسرب إلى علاقتها بأخيها. لم يعد "راين" الذي تعرفه؛ فصوته فقد نبرة الحنان المعهودة، ونظراته التي كانت دوماً أمانها، غدت غريبة وقاسية، وكأن جداراً غير مرئي بدأ يُبنى بينهما.
حاولت كتم ضيقها، لكن الكلمات أبت إلا أن تخرج، فنطقت بصوتٍ محمل بمرارة مكتومة:
— «راين، أرجوك.. أريد أن أتحدث معك قليلاً.»
توقف راين، لكنه لم يلتفت إليها بالكامل، وزفر زفرة طويلة مشوبة بضجر لم يحاول حتى إخفاءه:
— «ليس الآن يا كلارا، ألا ترين أننا نستمتع بوقتنا؟»
في تلك اللحظة، تحركت
"الحبيبة المزعومة" بخبثٍ متقن، فتقدمت خطوة نحو الأمام واصطنعت ملامح الانكسار والضعف، ثم تراجعت فجأة وكأنها تترنح، وقالت بصوت متهدج يكاد يفيض بالدموع الزائفة:
— «لماذا تنظرين إليّ بهذه الطريقة يا كلارا؟ لماذا استغللتِ أن راين لم يكن ينظر ودفعتِني بقسوة؟ هل تغارين مني إلى هذا الحد؟»
تجمدت الدماء في عروق كلارا، ومن شدة الصدمة شُلَّ لسانها لبضع لحظات وهي تحدق في تلك الملامح التي تفيض بالكذب، ثم صرخت مدافعة عن نفسها:
— «أنا؟ أنا لم ألمسكِ حتى! كيف تجرئين على قول هذا؟»
لكن راين كان قد استدار بالكامل الآن، وكانت ملامحه قد تبدلت تماماً؛ غابت الألفة وحلّ مكانها غضب مكتوم وشكٌّ جارح. نظر إلى أخته وقال بنبرة حادة كالنصل:
— «كلارا، كفى! هذا التصرف غير مقبول بتاتاً، لم أتوقع منكِ هذا الحقد.»
— «راين، صدقني! إنها تكذب، إنها تحاول إفساد ما بيننا!»
لكن الكلمات كانت تسقط ميتة أمام جدار صمته وقسوة نظراته.
أدركت كلارا في تلك اللحظة المريرة أن الحقيقة لا وزن لها حين يختار القلب أن يصدق الوهم. شعرت بخيبة حادة تخترق صدرها كخنجر مسموم، ولم تعد تحتمل البقاء تحت وطأة تلك النظرات الشاكة،
فاستدارت واندفعت هاربة نحو ضفة النهر والدموع تملأ عينيها.
وقفت هناك عند حافة الماء المتحرك، تراقب جريان النهر وشهقاتها تمتزج بصوت خرير الماء، تحاول جاهدة السيطرة على ذلك الانهيار الداخلي. وفجأة، شعرت بحضورٍ لم يربك صمتها بل احتواه؛ ناتسو الذي كان واقفا هناك على مقربة من الضفة.
ما إن وقعت عيناه عليها وهي في تلك الحالة، حتى تحركت قدماه غريزياً نحوها، وبخطوات هادئة ورزينة توقف أمامها مباشرة. لم ينطق بحرف، ففي بعض الأحيان يكون الصمت أبلغ من ألف كلمة. كانت نظرته وحدها،
المليئة بالتفهم والاحتواء، كافية لتجعلها تنهار أمامه، فانهمرت دموعها بغزارة أكبر.
لم يتردد ناتسو للحظة؛ فتح ذراعيه في دعوة صامتة للأمان، فارتمت كلارا في أحضانه، وأحاطها هو بحضنه الدافئ وكأنه يرمم بقلبه ما حطمه الآخرون. وضعت رأسها على صدره، تسمع دقات قلبه المنتظمة التي بدأت تهدئ روعها، بينما كانت يده تمر بلطف وحنان فوق شعرها، ثم انحنى قليلاً وطبع قبلة رقيقة على رأسها، تحمل في طياتها وعداً بأن كل شيء سيكون بخير.
قال بصوت خافت:
— «تشاجرتِ مع راين ثانية، أليس كذلك؟»
أجابت من بين شهقاتها المتقطعة:
— «نعم.. كل هذا بسبب تلك الفتاة.. لقد تلاعبت بعقله كلياً.»
شدد من عناقه وكأنه يحاول حمايتها من العالم أجمع، وقال بهدوء:
— «اهدئي يا سكرتي... وأخبريني بكل ما حدث.»
بدأت كلارا في الحديث، تفرغ ما في جعبتها من وجع، من الاتهام الزائف إلى تلك النظرة القاسية التي رمقها بها أخوها والتي كانت أشد إيلاماً من أي ضربة. ظل ناتسو يستمع بإنصات عميق؛ لم يقاطعها ولم يلمها، بل كان يمتص حزنها بصمته الحكيم حتى فرغت تماماً.
تنهد ناتسو بعمق، ممرراً يده ليداعب شعرها، وسألها برقة:
— «هل تشعرين أنكِ أفضل الآن؟»
مسحت دموعها بأطراف أصابعها، ورفعت عينيها إليه قائلة بصوت منهك:
— «نعم.. حضنك دافئ جداً، شعرت وكأن ثقلاً انزاح عن صدري.»
ابتسم ابتسامة صغيرة صادقة تضيء وجهه الوسيم ونطق:
— «إذن، هل نعود إلى المخيم الآن؟ الوقت بدأ يتأخر.»
هزت رأسها نفياً بحركة طفولية، واقتربت منه أكثر متمسكة بقميصه:
— «لا أريد العودة الآن.. أريد فقط أن أبقى هنا، داخل حضنك، بعيداً عن الجميع.»
أجابها بلطف وهو يداعب خصلات شعرها:
— «حسنًا، سنبقى كما تريدين.. لكن علينا العودة بعد قليل لكي أتحدث مع راين وأضع حداً لهذا الأمر من أجلكِ يا "حلوتي"؛ فأنا لا أحتمل رؤية الحزن في عينيكِ، وأنا أحبكِ جداً.»
أغمضت كلارا عينيها واستسلمت للسكينة التي تغمرها وهمست:
— «ابقَ هكذا فقط.. لا تتركني، أرجوك.»
نظر إليها بعينين تفيضان بالحب والدعابة الخفيفة، وقال بصوت هادئ:
— «ماذا؟ إلى هذه الدرجة يعجبكِ حضني ولا تريدين فراقه؟»
اشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، وارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها وهي تقول:
— «أجل، بالطبع.. هو المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني بخير.»
وبقيا هكذا، واقفين تحت ظلال الجبال الشاهقة، يحيطهما صوت النهر الهادر وهدوء المساء الساحر، يشعران أن ذلك العناق وحده كان كافياً لترميم ما انكسر، ولتخفيف ثقل العالم بأسره عن كاهليهما.
بعد مرور بضع دقائق، سار ناتسو وكلارا جنباً إلى جنب نحو المخيم ممسكين بأيدي بعضهما. حين وصلا، كان راين يجلس هناك، ملامحه واقعة في شباك ميارا، بينما كانت ميارا تجلس بجانبه تحاول كسبه أكثر لصفها بكلمات رقيقة حانية كأنها تعزف أنغاماً على بيانو.
ما إن وقع بصر راين على كلارا وهي تقف بجانب ناتسو، حتى نهض واقفاً، وعادت ملامح الجفاء لترتسم على وجهه. لكن ناتسو لم يمنحه فرصة للكلام؛ أشار لكلارا بهدوء أن تدخل خيمتها لتستريح، وانتظر حتى اختفت خلف القماش، ثم التفت نحو راين بنظرة حادة كالصقر، جادة لدرجة جعلت الفتاة التي بجانب راين تشعر بالارتباك.
نطق ناتسو بصوت منخفض لكنه يحمل سلطة لا تُرد:
— «راين، نحتاج للتحدث.. على انفراد ولوحدنا.»
ارتبكت الفتاة وقالت بصوتها المصطنع:
— «راين، أنا خائفة، إنه ينظر إليّ بطريقة غريبة ومخيفة..»
لم يلتفت إليها ناتسو، بل ظل مثبتاً عينيه في عيني راين. زفر راين بضيق وأشار لميارا بالابتعاد قليلاً. ما إن انفردا، حتى اقترب ناتسو خطوة واحدة، وقال بهدوء مخيف:
— «منذ متى وأنت تسمح للغرباء بأن يكسروا قلب أختك يا أستاذ راين؟ منذ متى وأنت تشتري كذباً مفضوحاً وتدفع ثمنه من دموع أختك "كلارا"؟»
رد راين بحدة يحاول فيها إخفاء شعوره بالذنب:
— «أنت لا تعرف ما حدث، لقد كانت كلارا قاسية معها، لقد دفعتها و..»
قاطعه ناتسو بضحكة باردة:
— «دفعتها؟ راين، أنا أعرف كلارا منذ سنوات، وأنت تعرفها منذ ولدت. هل رأيتها يوماً تؤذي نملة؟ هل كلارا التي نعرفها تملك ذلك النوع من اللؤم والحقد؟»
صمت راين، وبدأ التردد يغزو ملامحه. استمر ناتسو بلهجة أكثر عاطفية:
— «لقد وجدتها عند النهر محطمة، ليست غاضبة منك، بل منكسرة لأنك "شككت" بها. تلك الفتاة التي تدافع عنها، مثلت دور الضحية ببراعة، وأنت سقطت في الفخ وتركت أغلى ما تملك في مهب الريح.
٠ انظر إلى خيمتها الآن.. إنها تبكي ليس لأنها كذبت، بل لأن أخاها لم يعد يراها بقلبه.»
ساد الصمت لثوانٍ، لم يكن يُسمع فيها سوى طقطقة الحطب في النار. بدأ الحجاب ينقشع عن عيني راين، وبدأ يدرك سوء ما فعل. شعر بغصة في حلقه وهو يتذكر نظرة كلارا المصدومة قبل أن تهرب.
قال ناتسو وهو يضع يده على كتف راين بقوة:
— «الحب لا يجب أن يعمينا عن الحق، ولا عن أولئك الذين قضوا عمرهم يحبوننا بصدق.
اذهب واعتذر منها، ليس غداً، بل الآن.
وإلا فإنك ستخسر شيئاً لا يمكن
لأي امرأة في العالم أن تعوضه.»
ترك ناتسو راين واقفاً أمام النار يتخبط في ندمه، واتجه مباشرةً نحو خيمة كلارا. وقف بالخارج وهمس برقة:
— «أميرتي.. هل أنتِ مستيقظة؟»
خرجت كلارا، وكانت عيناها لا تزالان محمرتين. ابتسم لها ناتسو ومسح طرف أنفها بمرح ليخفف عنها:
— «لقد تحدثت معه، وسترين كيف سيعود راين الذي تحبينه. لا تسمحي لأحد بأن
يطفئ نور روحك، اتفقنا؟»
ارتمت كلارا في حضنه مرة أخرى،
لكن هذه المرة كانت الضمة مليئة بالامتنان والسكينة. همست له:
— «شكراً ناتسو.. لولا وجودك لضعتُ في حزني.»
انحنى مقبلاً جبينها قائلاً:
— «أنا هنا دائماً؛ في النهر، في الجبل،
وفي كل لحظة تحتاجين فيها إلى ملجأ.
والآن، ابتسمي، فجمال هذا الجبل لا يكتمل إلا بضحكتكِ.»
وفي تلك اللحظة، ظهر راين من بعيد،
يقترب بخطوات مترددة وعينين مليئتين بالاعتذار،
فأدركت كلارا أن العاصفة قد مرت،
وأن حضن ناتسو كان فعلاً هو الأمان الذي لا يخون.
يتبع...
انتهى الفصل السادس
---
حساب على الانستقرام
@kristalya_nt_97
تابعوني عشان تعرفوا أكثر عن الرواية
دمت في رعاية الله و حفظه
---
.
.
.
.
.
.
.
و هنا انتهى الفصل السادس لروايتنا
اتمنى ان تكون قد نالت اعجابكم ولا تنسو
التعليق و التصويت
💗💞
دمت في رعاية الله و حفظه
mimi mira