عندما وصل أوس إلى القصر، لم يدخل فورًا.
توقّف عند العتبة، كأن قدميه ترفضان الاعتراف بالمكان، كأن جسده كله يحاول إقناعه بأن ما يراه وهم، بأن القصر ما زال كما تركه ذات يوم؛ صلبًا، شامخًا، حيًّا.
لكن الحقيقة كانت أمامه، عارية، قاسية.
كان القصر شبه واقف... وقد تحطّم فيه الجزء الأكبر. الجدران مشققة، النوافذ بلا زجاج، والأبواب مائلة.
الريح كانت تمرّ عبره بحرّية، تعوي بين الفراغات.
شدّ قبضته، حتى أبيضّت مفاصله، وأغمض عينيه لحظة قصيرة… لحظة واحدة فقط.
مرّت فيها وجوه صخر، وآسر، وخالد.
ليس كما ماتوا…
بل كما كانوا: يضحكون، يتجادلون على أشياء تافهة، يمشون خلفه دون سؤال، يثقون به ثقة عمياء.
فتح عينيه بألمٍ حاد، كأن الذكرى طعنة لا تريد أن تُشفى.
ثم… دخل.
الأروقة كانت أطول مما يتذكر، أضيق، أكثر ظلمة.
الغبار يلتصق بالجلد، يدخل الرئتين مع كل نفس، والرائحة خانقة، مزيج من رطوبة، ودخان قديم، وموت لم يبرد بعد.
خطواته كانت حذرة، لا تصدر صوتًا تقريبًا، خرج صوته أخشن مما توقّع:
"إيما…"
تردّد الاسم بين الجدران، عاد إليه ضعيفًا، مكسورًا.
رفع صوته قليلًا، ليس نداءً، بل رجاءً:
"أين أنتم؟"
لم يكن ينتظر جوابًا.
كان فقط يحتاج أن يسمع صوتًا حيًّا… أي صوت.
سامر كان أول من رآه.
وقف في نهاية الرواق، لا يبتسم، لا يركض، لا يلوّح.
فقط ينظر. عيناه كانتا أوسع من المعتاد، ثابتتين، وكأنهما رأتا شيئًا لم يره أوس بعد.
نظر سامر إليه… ثم رفع نظره ببطء نحو الأعلى.
أوس تبعه بعينيه.
التشققات كانت واضحة الآن. خطوط رفيعة، متفرعة. كان السقف يتشقق… ببطء مرعب.
سامر فهم قبل الجميع. ركض نحو أوس، صرخ بقوة:
"ٱحذر!"
دفعه بعيدًا بكل ما يملك من قوة.
سقط أوس على الأرض، انزلقت يده على الغبار، وفي اللحظة التالية بدأ السقف ينهار.
لم يكن سقوطًا واحدًا. لم يكن انفجارًا. كان موتًا بطيئًا، الحجارة نزلت واحدة تلو الأخرى، أصواتها ثقيلة، حاسمة.
سامر حاول التراجع خطوة… خطوة واحدة فقط.
لكن حجرة كبيرة سقطت عليه. لم تسحقه تمامًا، بل ثبّتته. ألصقته بالأرض، لكنه بقى واعيًا.
أنفاسه كانت مسموعة، خشنة، صدره يتحرك بصعوبة، يرتفع وينخفض كأنه يقاوم الموت.
يداه ارتجفتا، أصابعه انغرست في التراب، يحاول… فقط يحاول أن يبقى مستيقظًا.
رفع رأسه بصعوبة، بحث عن أوس. وحين التقت أعينهما…
هدأ سامر، لم تكن هناك كلمات، لا وصايا.
لا اعتذارات. فقط نظرة واحدة، كافية لتقول كل شيء. سامر كان مستلقيًا، عيناه مفتوحتان، أنفاسه متقطعة، متباعدة، كأن الهواء نفسه يبتعد عنه.
ثم… أغمض عينيه.
استسلم.
ثانية... ثم أخرى... ثم لا شيء.
أوس لم يقترب. كان يعرف. كان يعرف أن الاقتراب لن يغيّر النهاية.
في الطرف الآخر من القصر، كانت إيما ويزن مختبئين خلف جدار نصف منهار. وجهيهما شاحبان.
حين رأوه، ركض أوس نحوهما. همست إيما، صوتها يكاد لا يُسمع، كأنها تخشى أن تُجاب:
"أين الآخرون؟"
صمت أوس. الصمت كان أثقل من أي كلمة.
كان يرفض النطق… يرفض الاعتراف.
اقتربت إيما خطوة، نظرت إلى وجهه، قرأت الإجابة قبل أن تُقال، وسألت دون صوت تقريبًا:
"صخر… آسر… خالد؟"
هزّ رأسه ببطء. لم تنهَر، لكن شيئًا انكسر في عينيها.
شيء صغير… ولم يُصلَح أبدًا، تحاملت على نفسها.
نطق يزن بصعوبة:
"هنالك مخرج آمن في القبو تحت. "
تحرّكوا نحو المخرج، الأقدام تتعثر، الأنفاس متلاحقة، والأصوات تختلط: سقوط، صراخ بعيد، ارتطام.
ثم… قذيفة.
الدرج اهتز بعنف، تشقّق تحت أقدامهم.
يزن توقّف فجأة، التف إلى إيم، لم تكن هناك بطولة في نظرته. لا تحدٍّ. لا شجاعة زائفة.
فقط وضوح. قال بهدوء تام، كأن الأمر محسوم منذ البداية:
"لا تتوقفي."
دفعها بعيدًدا، وسقط هو، لم يختفِ تحت الركام فورًا.
كان واعيًا، يشعر بالثقل، بالبرد، بالعجز.
تنفّس بصعوبة... ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، غريبة، لا مكان لها وسط الدمار، كأنه تذكّر شيئًا جميلًا.
قال بصوت منخفض، بالكاد سُمع:
"إيما… عيشي."
أنفاسه خرجت ببطء… ثم لم تعد، صرخت إيما.
صرخة قوية، حقيقية، مزّقت المكان:
"يزن…!"
وأوس وقف هناك... لا يتحرّك.. لا يصرخ.
لا يحصي الموتى... لم يعد يعدّ الأسماء... كان فقط يشعر... أن شيئًا في داخله انهار معهم.
لم يكن هناك وقت للبكاء.
الصوت الذي خرج من إيما بعد سقوط يزن كان قصيرًا، حادًا، ثم انقطع. لم تتوقف لتلتفت خلفها، لم تحاول الاقتراب. كانت تعرف أن التوقف الآن يعني أن يبقى الاثنان هنا.
أوس شدّ ذراعها، سحبها نحوه بقوة كافية ليجعلها تتحرك، لا أكثر. قال بصوت منخفض، متماسك رغم ضيق أنفاسه:
"امشي."
لم يكن أمرًا عسكريًا، ولم يكن قاسيًا. كان صوت شخص يعرف أنه إن تردد لحظة، فلن يخرج أحد.
تحركا عبر الممر. الأرض غير مستقرة، وبعض الأجزاء انهارت جزئيًا، مما أجبرهما على تغيير الطريق أكثر من مرة. أوس كان في المقدمة، يختار الخطوات، يمد يده لإيما كلما تعثرت.
لم يكن يفكر. كان يتحرك فقط، إيما كانت تتنفس بصعوبة، ليس من الركض فقط، بل من محاولة إبقاء عقلها حاضرًا. كانت تحاول ألا تعود بذاكرتها إلى الخلف، إلى الأسماء، إلى الوجوه. كانت تعرف أن العودة الآن ستجعلها تتوقف.
تريد أن تركز حاليا فقط على الحاضر، نفسها وأوس.
مرّا بجانب غرفة جانبية. لم ينظرا إليها.
لم يعد هناك شيء يُبحث عنه.
سقط حجر صغير بالقرب منهما. توقفا لثانية.
أوس نظر إلى الأعلى، ثم إلى الطريق أمامه. قال بهدوء:
"لا تقفي."
هزّت رأسها، وتابعت.
كلما اقتربا من المدخل، زاد الغبار في الهواء. الرؤية صارت أصعب، لكن الضوء كان واضحًا. ليس قويًا، لكنه كافٍ ليُرى الاتجاه.
إيما سعلت، وضعت يدها على فمها، وتباطأت.
أوس التفت إليها.
"أنتِ بخير؟"
أجابت بعد لحظة:
"نعم."
كانت إجابة صادقة، لكنها لم تكن كاملة. أكملوا السير.
في منتصف البهو، سمعا صوت انهيار جديد في الخلف. لم يلتفتا. لم يعد هناك سبب لذلك.
خطوة أخرى، ثم خطوة. فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهما. إيما فقدت توازنها للحظة، وأوس أمسكها من كتفها قبل أن تسقط.
نظر إليها سريعًا. كانت عيناها مفتوحتين، تركّزان عليه. قالت بصوت منخفض، بالكاد مسموع:
"لا تتركني."
لم يجب فورًا.. شدّ قبضته قليلًا على كتفها، ثم قال:
"لن أفعل."
تابعا السير. قبل الوصول بخطوات قليلة، سُمع صوت ارتطام قوي في الأعلى. أوس رفع رأسه غريزيًا.
رأى جزءًا كبيرًا من السقف غير مستقر.
لم يكن هناك وقت للتفكير. دفع إيما للأمام بكل ما لديه من قوة. سقطا معًا تقريبًا، ثم شعر بثقل مفاجئ.
شيء سقط عليهما، لم يكن كاملًا، لكنه كان كافيًا ليطرحهما أرضًا. الهواء خرج من صدريهما بقوة.
لم يستطع أوس أن يتنفس للحظة. سمع إيما تلهث بجانبه.
لم يتحركا فورًا... مرت ثوانٍ...
ثم قال أوس بصوت مبحوح:
"إيما…أين أنتِ؟ تحدثي"
جاءه صوتها بعد تأخير قصير:
"نعم… أنا هنا."
حاول أن يتحرك. شعر بألم في ذراعه وظهره، لكنه استطاع أن يرفع رأسه قليلًا. الغبار كان كثيفًا، الرؤية شبه معدومة..مد يده، لمس يدها. وقال:
"لا تتحركي بسرعة."
سألته:
"أوس… هل نحن…"
توقفت... لم تُكمل... أجاب بهدوء:
"لسنا بالخارج بعد."
سكتت للحظة، ثم قالت:
"لكننا لسنا عالقين بالكامل."
لم تكن سؤالًا، بل ملاحظة.. أوس جرّب أن يسحب نفسه قليلًا.
"أعتقد ذلك."
حاولا التحرك ببطء. الجزء الذي سقط كان فوقهما مباشرة، يضغط، أغلب أضلاعهما وأعضائهما تدمرت وتكسرت، تنفسا بعمق، قالت إيما فجأة، بصوت منخفض جدًا:
"يزن قال لي… لا تتوقفي."
لم يرد فورًا... ثم قال:
"وأنتِ لم تتوقفي."
سكتت.. ثم قالت:
"وسامر."
أغمض أوس عينيه لثانية.
"نعم."
لم يضيف شيئًا... مرت لحظات صمت، لم تكن طويلة، لكنها كانت كافية لتجعل كل شيء أثقل... إيما نظرت إليه من خلال الغبار.
"أوس… هل أخطأنا؟"
فتح عينيه، نظر إليها.
"في ماذا؟"
"في العودة."
فكر قليلًا، ثم قال:
"لو لم نعد… لما كنا نعرف."
هزّت رأسها ببطء.
"ومع ذلك…"
قاطعها بهدوء:
"ما حدث، حدث. لا وقت للندم."
وضعت يدها على الأرض، حاولت الجلوس لكن الألم غلبها.
"أنا متعبة."
"أعرف."
ثم أضاف:
"لكنكِ ما زلتِ هنا."
نظرت إليه مباشرة.
"وأنت."
تنفس بعمق.
"نعم."
حاولا التحرك مرة أخرى... الضغط ما زال موجودًا، لكن الطريق أمامهما لم يُغلق تمامًا.
الضوء كان ما يزال مرئيًا... قالت إيما بصوت ثابت رغم التعب:
"عندما نخرج…"
توقفت. ليقول:
"ماذا؟"
"لا أريد أن ننسى."
نظر إليها.
"لن ننسى."
سكتت، ثم قالت:
"وإذا لم نخرج الآن؟"
لم يأتي رد...
وهي لم تسأل مرة أخرى..
صمت...
وهكذا حين خيم الليل فوق المملكتين، لم يبقى من الرحلة الطويلة سوى رماد يتناثر، سقط خالد، صخر، آسر، سامر، يزن...
ثم تركتهم الحياة جميعا ليجتمعوا في الآخرة.
ماتوا واحدا تلو الآخر.
وأخيرا، أوس وإيما، القائدان العظيمان، مات الجميع لحمايتهم.
ثم..
على السواحل، ظهر كيانا ضخم..
توضحت الصورة.. سفينة قادمة.. عبرت الجدار الجليدي.. مرة أخرى...
لا يدركون أنهم يكررون الخطوة الأولى من قصة انتهت..
كأن المشهد يشبه اعادة تشغيل قدر قديم..
رحلة تبدأ من جديد.
وعالم يستعد ليعيد الحكاية نفسها..
من البداية تماما.
••••••••••••••••••••••••♡••••••••••••••••••••••••
2025/12/28
♡ أهلاً بفراشات الظلام العزيزات ♡
الفصل الختامي وأخيرا أنهينا الرواية التي أنهتنا معها... بكاء... فقدان...
ما رأيكم؟
أوس؟
إيما؟
صخر؟
خالد؟
آسر؟
سامر؟
يزن؟
النهاية الصادمة؟
السفينة القادمة؟
كيف هو الفصل؟
من أكثر شخصية بكيتم على موتها؟
أي أسئلة؟
أجيبوا على هذا لكي تفرغوا الحزن في داخلكم 😔💔
وهنا تنتهي رحلتنا.. مع السلامة.
دمتم في رعاية الله فراشاتي.
> مع الحب،
[فَـــراشَـــةُ الظّــــلامِ مـآريـﮯنآ] - ملكة الظلام
novelist_salma