البِـــدايَـة المـجْـــهُولـة.

البِـــدايَـة المـجْـــهُولـة.

46 1

في منتصف القرن الحادي والعشرين، حيث يخفي الجدار الجليدي أسرارًا عظيمة.

كان الجميع يتساءل:

ما الذي يوجد وراء الجدار؟

هل عالمنا حقًا جزء من الكرة الأرضية... أم أن الحقيقة أعمق من أن تُحتمل؟

لا أحد يعلم، أو بالأحرى... لا أحد يريد أن يعلم.

في أحد المقرات البحثية السرّية في المغرب، اجتمع مجموعة من الأشخاص حول طاولة معدنية ضخمة، يعلوها ضوء أبيض بارد. وجوههم متوترة، ملامحهم مشدودة، وكلٌّ منهم يدرك أن ما يُناقش هنا قد يغيّر مصير البشرية بأكملها.

2

قطع الصمت صوت امرأة في منتصف الثلاثينات، قوية النظرة، رزينة الهيئة.

"هذه مهمة خطيرة جدًا!"

قالتها بحدةٍ واضحة.أجابها الرجل الجالس بجانبها بابتسامة خفيفة تخفي شيئًا من التحدي.

"لكن نتائجها ستكون عظيمة... لو نجحنا فيها، عالِمة إيما."

رفعت إيما حاجبها باستغراب، كأنها تزن كلماته ببرود.

"قلت لو نجحنا فيها يا أوس... لسنا متأكدين بعد. نسبة فشلنا خمسون بالمئة."

ابتسم أوس بثقة، وعيناه تلمعان بإصرارٍ لا يُقاوَم.

"ونسبة نجاحنا خمسون بالمئة أيضًا... إذًا سنفعلها."

دفع كرسيه للخلف ونهض، واضعًا كفيه على الطاولة أمامه، بنبرة آمرة.

"المهمة ستُنجز، ولن أقبل أي خطأ أو تهاون. انتهى الاجتماع. انصراف."

تحرك الجميع مغادرين الغرفة، بينما ظلّ أوس واقفًا يحدّق في الجدار أمامه كأنه يرى شيئًا لا يراه غيره.

أما إيما فبقيت جالسة، متجهمة الملامح، غارقة في التفكير.

كسر أوس الصمت بصوته الهادئ.

"سنوات ونحن نبحث وندرس... هذه لحظتنا يا إيما."

قالها وكأنه يخاطب نفسه أكثر مما يخاطبها.

تنهدت، ونهضت بخطوات بطيئة حتى وقفت خلفه مباشرة.

"حسنًا... سنفعلها."

استدار أوس إليها بدهشةٍ خفيفة؛ لم يتوقع موافقتها بهذه السرعة.

ربما هي الأخرى تؤمن أن هذه الفرصة قد لا تتكرر، وأن فشلها يعني ضياع سنوات من العمل المضني.ابتسم أوس وربت على كتفها بلطف.

"لكن لا تفرح كثيرًا... إذا واجهنا خطرًا هناك، سنعود فورًا."

ضحك بخفة.

"حسنًا، حسنًا."

خلال الأيام التالية، أجريت أبحاثٌ مكثّفة وتحضيرات دقيقة.

وفي الليلة التي سبقت الانطلاق، اجتمع الفريق في قاعة الاجتماعات بمدينة الدار البيضاء.

وقف أوس أمام خريطةٍ ضخمة للعالم، يشير بأصبعه إلى خطّ أحمر يبدأ من المغرب.

1

"وفقًا للأبحاث، الرحلة من ميناء الدار البيضاء إلى مطار أوشوايا ستستغرق حوالي ثلاث عشرة ساعة..."

صمت قليلًا، يمسح نظره على الحضور ليتأكد من تركيزهم، رغم أن الجميع يعرف التفاصيل مسبقًا.

"سنمكث هناك يومًا واحدًا فقط، ثم ننطلق من ميناء أوشوايا نحو القطب الجنوبي."

أشار بإصبعه عبر الخريطة، حيث يمتد الخط عبر المحيط الهائج.

"سنعبر مضيق دريك... وبسبب المناخ القاسي، سنستغرق ثلاثة أيام للوصول."

ساد صمت ثقيل. الجميع يعرف أن مضيق دريك ليس طريقًا... بل اختبارًا للبقاء.

أمواجه الهائلة تبتلع السفن كأنها تحرس سرًّا لا يُسمح بتجاوزه.

تلك الليلة لم تكن سهلة على أحد.

كان بينهم من ودّع عائلته دون أن يعلم إن كان سيعود، ومن حمل الخوف في صدره كسرٍّ لا يُقال.

ومع أول خيوط الفجر... كانت الطائرة المخصصة تنتظرهم على المدرج.

وقف أوس وإيما عند البوابة، يراقبان أفراد الفريق وهم يصلون واحدًا تلو الآخر.

ظهر أولهم، رجل ضخم البنية، عريض الكتفين، ملامحه صلبة كالصخر، وعلى لباسه شارة كتب عليها الحارس التكتيكي.

أومأ له أوس.

"ادخل، صخر."

ردّ عليه بإيماءة احترام، ثم صعد للطائرة دون كلمة. تلاه رجل آخر أنيق المظهر، يبدو عليه الهدوء والعقلانية، على شاراته كتب الناطق الرسمي والمستشار الاستراتيجي.

نظر لأوس نظرة قصيرة ثم حوّل بصره نحو إيما، التي اكتفت بإيماءة هادئة.

"خالد."

ابتسم خالد ابتسامة خفيفة وغامضة، ثم دخل الطائرة. بعده ظهر رجل بملامح غامضة، عيناه تراقبان كل حركة بدقة مريبة، وعلى شاراته كتب الاستخبارات الميدانية.

"سامر."

دخل سامر دون كلمة، بخطوات ثابتة كمن اعتاد الظلال. ثم جاء آخرهم، بابتسامة مشرقة تخفف من حدة التوتر العام، وعلى شاراته كتب المستطلع والاتصال الخارجي.

قال أوس وهو يبادله الابتسامة.

"يزن."

رد يزن بمرح.

"جاهزون للتحليق نحو المجهول؟"

ضحكت إيما بخفة، في حين اكتفى أوس بإيماءةٍ غامضة. لكن قبل أن تُغلق البوابة، دوّى صوت خطوات حازمة خلفهم.

استدار أوس فرأى رجلاً يقترب بخطواتٍ واثقة، ملامحه حادة، عيناه تعكسان ذكاءً وقوة لا تخفى.

على بزته شارة كتب عليها المستكشف الميداني.تبادل الرجلان نظراتٍ متوترة قبل أن يقول أوس.

"آسر... ظننتك انسحبت من الفريق."

ابتسم آسر ابتسامة جانبية باردة وقال بصوت منخفض.

"انسحاب؟ لا، كنت أستعد... كما أفعل دائمًا قبل دخول المعركة."

اقترب أكثر حتى وقف أمام أوس مباشرة، نظرة التحدي واضحة بينهما، حتى كادت إيما تتدخل لكسر التوتر.

قال أوس ببرود.

"أتمنى أن يكون استعدادك هذه المرة مفيدًا للفريق."

ردّ آسر بثقة.

"طالما أنت القائد... سأفعل ما يلزم، لا أكثر ولا أقل."

رغم التصادم الواضح بينهما، إلا أن شيئًا خفيًا في عيون كلٍ منهما كان يعترف بقدرة الآخر، احترامٌ متبادل وخصومة مكتومة، كشرارة تنتظر اشتعالها في الوقت الخطأ.أشار أوس نحو الطائرة وقال بحدة.

"اصعد."

مرّ آسر بجانبه، ووقف لحظةً قصيرة عنده، تمتم بصوت بالكاد يُسمع.

"أتمنى ألا نندم على هذا القرار."

ثم صعد بخطواتٍ ثابتة، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً وابتسامة غامضة على وجه أوس. كانت الطائرة تنتظرهم بصمتٍ مهيب، كأنها تعرف أنها ذاهبة إلى مكانٍ لا عودة منه.

بدأت الطائرة تشقّ ظلام الصباح وهي تغادر الدار البيضاء. داخلها، جلس الفريق في هدوء.

أوس يراجع المؤشرات على الشاشة أمامه،

إيما تقلّب صفحات دفترها،

وصخر يجلس بثبات لا يتزحزح.

أما آسر، فكان يراقب المشهد من النافذة بتركيز، وكأنه يلتقط تفاصيل قد تبدو عادية للآخرين.

بعد 13 ساعة، هبطوا في أوشوايا تحت سماء باردة ورطبة.

لم يقفوا طويلًا. في فجر اليوم التالي، صعدوا إلى سفينة بحثية صغيرة بدأت رحلتها عبر مضيق دريك.

منذ بداية العبور، كانت الأمواج مرتفعة والرياح قوية.

لم تكن عاصفة، لكنها ظروف صعبة تجعل الحركة على السطح غير مستقرة.

وقف صخر على السطح ثابتًا رغم الاهتزاز.

يزن كان يحاول الحفاظ على توازنه، بينما سامر يسجّل الملاحظات بهدوء.

اقتربت إيما من أوس الذي بدا مشغول الذهن.

"هل كل شيء طبيعي؟"

أجاب دون أن يبعد عينيه عن الشاشة.

"تابعي البيانات الجوية… التغيّرات سريعة."

من فوق، كان آسر يقف عند نقطة المراقبة العلوية، يتابع اتجاه الرياح وحركة السحب دون تعليق.

استمرت الرحلة ثلاثة أيام عبر بحر غير مستقر.

النوم كان قصيرًا، وحركة السفينة لم تهدأ تقريبًا.

وفي اليوم الثالث، تغيّر الجو فجأة.

تراجع الضباب خلال دقائق، وظهرت أمامهم كتلة جليدية ضخمة.

قالت إيما بصوت منخفض.

"بدأت تتضح المعالم."

سامر راجع أجهزة القياس.

"الحرارة تتغير بسرعة… هذا أمر غير معتاد في هذه المنطقة."

أما آسر فاكتفى بقوله.

"وصلنا إلى النطاق المستهدف."

وقف أوس عند مقدمة السفينة

"هذه ليست تضاريس جليدية معتادة."

ظهرت أنتاركتيكا أمامهم، لكن التضاريس بدت معقدة أكثر مما هو موثّق.

تكوينات جليدية مرتفعة، ممرات طبيعية ضيقة، وانعكاس ضوء الشمس على السطح كان حادًا.

لكن الشيء الذي أوقف السفينة هو الجدار.

جدار جليدي يمتد على الأفق، ارتفاعه كبير، وسطحه أملس لدرجة لافتة.

لا يشبه التراكم الجليدي العشوائي المعتاد في المنطقة.

الخطوط الطولية الدقيقة فيه بدت وكأنها طبقات انضغطت عبر آلاف السنين، لكنها منتظمة بشكل يصعب تفسيره.

همس يزن دون أن يبعد نظره.

"لم أر شيئًا بهذا الشكل من قبل."

إيما تقدمت خطوة، تلاحظ انتظام الطبقات.

"التكوين مستقيم أكثر من المتوقع… يحتاج دراسة دقيقة."

تقدم صخر ببطء، يراقب الحواف.

"لا توجد كهوف ظاهرة… الجدار كتلة واحدة تقريبًا."

أما أوس، فوقف أمامه مباشرة، يراقب السطح لفترة طويلة قبل أن يقول.

"هذا هو الهدف."

ومن خلفه قال آسر.

"علينا تحديد نقطة مناسبة للفحص قبل أي محاولة اقتراب."

في تلك اللحظة، ساد الصمت.

الرياح خفت.

والفريق وقف أمام الجدار، يجهل ما إذا كان طبيعيًا بالكامل… أم يخفي شيئًا آخر خلفه.

•••••••••••••••••••••••••♡•••••••••••••••••••••••••

♡ أهلاً بفراشات الظلام العزيزات ♡

نزل الفصل أخيرا.

أوس؟

إيما؟

صخر؟

خالد؟

يزن؟

آسر؟

سامر؟

الجدار الجليدي؟

كيف هو الفصل؟ هل أعجبكم؟

كما تعلمون الرواية قصيرة لذا سيتراوح عدد فصولها بين 7 و 10 فصول، لن أتأخر عليكم بالنشر لأنني يجب أن أسلمها للمسابقة في شهر ديسمبر.

تفاعلو على الفصل فراشاتي 🦋.

التحديثات في قناتي في أنستاغرام mary_darkbutterfly

علقو بين الفصول.

دمتم في رعاية الله فراشاتي 🦋🥹

> مع الحب،

[فَـــراشَـــةُ الظّــــلامِ مـآريـﮯنآ] - ملكة الظلام

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ما وراء الجدار.

المؤلف novelist_salma
2025/10/05 مكتملة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة