اقتربت السفينة من الميناء، تبطئ تدريجيًا حتى هدأ صوت اصطدام الأمواج بجانبها. وقف الفريق على السطح، يتبادلون نظرات حذرة لما ينتظرهم. لم يكن في المكان ضجيج كبير؛ فقط حركة قليلة لرجال يمرون ببطء، ووجوه لا يعرفونها..
سامر كان يقف قريبًا من الحافة، أصابعه تعبث بحبل معلق، كأن القلق يجري تحت جلده.
إيما كانت خلفه بقليل، تنظر إلى الميناء بعينين فيهما مزيج من الحذر والذهول.
أما أوس فكان يقف أمامهم، كتفاه مشدودتان، وعيناه لا تتوقفان عن لمس التفاصيل الصغيرة: أعمدة خشبية بسيطة، قوارب صغيرة مربوطة بحبال قديمة، وبعض الأضواء الخافتة التي تشي بوجود حياة هنا.
قال سامر بصوت منخفض:
"هذا المكان غريب..."
لم يعلق أحد، لكن الجميع شعر بالأمر ذاته. شيء ما في هذا المكان لم يكن يشبه الزمن الذي ينتمون إليه.
وعندما توقفت السفينة تمامًا، ورمى صخر الحبل الأخير نحو أحد الرجال عند الرصيف، ظهر عدد من الحراس من خلف المباني الخشبية الصغيرة، كأنهم كانوا مختبئين أو مترقبين. كانت خطواتهم منسّقة، نظراتهم صلبة، ووجوههم لا تشي بأي ودّ.
تقدم أحدهم وقال بنبرة لا تخطئ الحزم:
"قفوا حيث أنتم! من أين أتيتم، وبأي إذن دخلتم مرفأنا؟"
لم يجدوا وقتًا للرد، فقد أمسك حارسان آخران بصخر وآسر وخالد بقبضة قوية.
قال حارس آخر، صوته أكثر ثقلاً:
"غرباء الوجوه... ولسنا نرى في أمرهم علّة خير. لعلّهم من جواسيس مملكة كالدار."
شدّ صخر قبضته فورًا، كان على وشك أن يرد أو ينتزع ذراعه من يد الحارس، لكن أوس التفت إليه بسرعة وأشار له إشارة صامتة، فأخفض صخر يده وهو يضغط على أسنانه.
قال أحد الحراس بلهجة آمرة:
"شدّوا وثاقهم... ولا تدعوهم يفلتون، ففي أمرهم ظنّ."
ربطوهم بالحبال وسحبوهم من السفينة كما يُسحب الأسرى. لم تكن في الأمر قسوة ظاهرة، لكن فيه شدّة صامتة لا تخطئها عين.
---
ساروا عبر الدكاكين الصغيرة التي كان بعضها مغلقًا وبعضها الآخر يضيء بشمعة واحدة فقط. مرّوا أمام خيم منصوبة، وأمام منازل طينية أبوابها قصيرة وعتباتها مرتفعة قليلًا عن الأرض. كان المكان يذكّرهم بحقبة قديمة.
وكانت العيون تتّبعهم أينما مرّوا.
امرأة كانت تمسك بيد طفل صغير، توقفت وحدقت فيهم طويلًا، ثم قالت لجارتها: "من هؤلاء؟ ... ما عهدت عيناي مثل هذه الهيئات."
أجابها رجل عجوز يجلس أمام متجر بسيط، يبيع سلالًا قديمة: "لعلّ القدر ساقهم شرًّا... أسأل الله أن يحفظ المملكة من كل دخيل."
لم يتوقف أحد عن النظر إليهم. شعور بالكراهية، بالخوف، بالتساؤل... كل شيء كان واضحًا، رغم أنهم لم يفهموا السبب.
---
وحين وصلوا إلى القصر، رأوا أنه ليس بالقصر الضخم، لكنه يملك حضورًا يجعل العين تتوقف أمامه. لمسات بسيطة، جدران حجرية مستقيمة، باب خشبي كبير مزخرف بنقوش غير متقنة لكنها عتيقة.
أدخلهم الحراس إلى قاعة واسعة ذات سقف مرتفع. في نهايتها عرش يجلس عليه الملك نيريوس، ملامحه حادة وملابسه الأنيقة تدل على سلطة لا ينازعها أحد.
انحنى كبير الحراس وقال:
"مولاي... جلالتك. جئنا بمن وجدناهم عند الميناء. سفينتهم غريبة عن سفننا، وليس لهم سابقة في أرضنا. نظنّ أنهم من رجال مملكة كالدار."
رفع الملك رأسه ببطء، ينظر إليهم واحدًا واحدًا.
ثم قال بنبرة واضحة:
"من أنتم؟ ومن أرسل بكم إلى ديارنا؟"
تقدم أوس خطوة صغيرة، وقال بثبات:
"أنا أوس من دولة المغرب... عبرنا الجدار الجليدي طلبًا للبحث والاكتشاف."
ما إن أنهى كلامه حتى سرت ضحكات خافتة في القاعة. بعض المستشارين تبادلوا نظرات متعجبة، وبعضهم وضع يده على رأسه كأن أوس قال شيئًا مستحيلًا.
قال أحد المستشارين:
"الجدار الجليدي يا مولاي؟ أ نعود إلى حكايات الأجداد الآن؟"
أما الملك فقال، وفي صوته سخرية خفيفة ممزوجة بفضول: "ولنفرض أني صدقتك... ما الذي ترجوه من وراء هذا العبور؟ وما الذي جئت تبحث عنه؟"
أوس بقي صامتًا، يحاول أن يجد كلمات تعبر عن الحقيقة دون أن تزيد شكوكهم.
الملك نظر إليه طويلًا، ثم أشار للخدم:
"أكرموا وفادتهم... وألينوا لهم القول. ففي أمرهم شيء يستوجب النظر."
قال الخدم بصوت واحد:
"سمعًا وطاعة يا مولاي."
فك الحراس وثاقهم، لكن الشعور بأنهم مراقَبون لم يفكّ عنهم.
---
في الأيام التالية، عاشوا في غرف واسعة، وأُحضر لهم الطعام الأفضل في المملكة، لكن النظرات بقيت كما هي.
في الممرات يسمعون همسات:
خادمة تقول:
"وجوه لا تشبه أهل أرضنا... في قلوبهم سرّ دفين."
وتردّ الأخرى:
"أخشى أن يكون وراءهم أمر عظيم."
وفي السوق، كان الرجال يتمتمون:
"احذروا الغرباء... فما كل قادمٍ سالمًا."
كانت المملكة كلها تتعامل معهم كأنهم علامة نذير.
---
وفي إحدى الليالي، اجتمع الفريق في غرفة أوس. الغرفة من الحجر، والنافذة صغيرة، وبابها الخشبي يبدو قديمًا بما يكفي ليحمل أسرارًا كثيرة.
جلس خالد على الكرسي وقال:
"أوس... لم نأتِ هنا لبعض الأكل والشراب الفاخر. ماذا سنفعل؟"
تنهد أوس:
"أعرف يا خالد... لكنهم لا يثقون بنا. ولا نعرف وضعهم الحقيقي بعد."
إيما رفعت رأسها:
"سمعت من الخادمات أن المملكة في حرب مع مملكة كالدار... هذا يفسر خوفهم منا."
يزن قال بلا تردد:
"الحل واضح... نعود بأدراجنا. بلادنا تنتظرنا."
أومأت إيما:
"أجل... العودة أفضل من البقاء في أرض لا تريدنا."
ظل أوس صامتًا طويلًا، حتى قال صخر:
"أوس... في ماذا تفكر؟"
رفع أوس بصره وقال بنبرة هادئة لكن حاسمة:
"لن نرجع الآن. النصف سيذهب معي نحو مملكة كالدار، والنصف الآخر يبقى هنا مع إيما."
صخر قال فورًا:
"أنا معك."
آسر لحقه:
"وأنا كذلك."
أوس تابع:
"حسنا. أنا وصخر وآسر وخالد سنذهب. إيما ويزن وسامر سيبقون هنا. نحتاج أحدًا يراقب الوضع من الداخل."
إيما سألت بقلق:
"وإن حدث لكم سوء؟"
أجابها أوس بنبرة ثابتة:
"فليحدث ما كُتب. لكن علينا أن نعرف ما يجري."
سامر قال:
"حسنًا... لكن لا تطيلوا غيابكم. لست مرتاحًا لهذه المملكة."
وقف أوس وقال:
"استعدوا جميعًا. الطريق نحو مملكة كالدار لن يكون سهلًا..."
نظروا إلى بعضهم، وكل واحد منهم شعر بأن هذه الليلة ليست مجرد اجتماع... بل بداية لنهاية وشيكة.
••••••••••••••••••••••••♡••••••••••••••••••••••••
♡ أهلاً بفراشات الظلام العزيزات ♡
نزل الفصل.
أوس؟
إيما؟
صخر؟
خالد؟
يزن؟
آسر؟
سامر؟
الملك؟
الحرب بين المملكتين؟
تفاعلو على الفصل فراشاتي 🦋.
التحديثات في قناتي في أنستاغرام mary_darkbutterfly
علقو بين الفصول.
دمتم في رعاية الله فراشاتي 🦋🥹
> مع الحب،
[فَـــراشَـــةُ الظّــــلامِ مـآريـﮯنآ] - ملكة الظلام
novelist_salma