[مواجهة الانفجار]
نظر محمد إلى تيشينا نظرة وقال:
– تجهّزي… سنذهب.
رفعت رأسها نحوه بدهشة حادّة، وكأنها تُفتّش في ملامحه عن تفسير:
– وأنت؟ إلى أين ستذهب الآن؟
كان يرتدي معطفه ببطء، وصوته ثابت لا يتغير:
– سأوصلكِ إلى مدينة أباستوفو.
تجمدت نظراتها لثانية، ثم قالت بنبرة فيها شيء من العناد:
– لا داعي… يا سيّد بروك-لا-تِي-يِه.
ثم تقدمت خطوة وسألت بحدّة مخنوقة:
– ولماذا لم توقظني؟ لماذا تركتني أنام إلى هذا الوقت؟ ماذا كنت تريد أن تصل إليه بالضبط؟
توقّف محمد، والتفت نحوها ببطء.
لم يكن غاضبًا… لكن نظرته كانت ثقيلة، كأنها تحمل سؤالًا أكبر من كلامها.
– وماذا تقصدين بكلامك هذا… يا فتاة؟
قربت خطوة منه، وكأن كل خوفها وقلقها انفجر دفعة واحدة…
رفعت يديها الصغيرتين وضربت صدره بخفة غاضبة، ضربة تحمل عتبًا أكثر مما تحمل قوة.
كانت كلماتها ترتجف:
– أنت لا تعلم… لا تعلم ماذا سيحدث…!
لم يتحرك محمد. تركها تفرغ كل شيء… غضبها، خوفها، توترها، وكل ما تحمله داخلها. كان يقف كما هو، يستطيع سماع نبضها المرتبك قبل كلماتها.
وحين انتهت وابتعدت خطوة عنه، أخذت حقيبتها بيد مرتجفة وخرجت من المنزل بخطوات سريعة غاضبة، ثم توقفت عند السيارة دون أن تلتفت.
بعد لحظات… خرج محمد خلفها، وأغلق باب المنزل.
[الطريق والهدوء القسري]
على الطريق… لم ينطق أيٌّ منهما بكلمة.
كان الصمت سيد المكان، صمت كثيف يختلط مع هدير السيارة وثلوج الليل التي تهبط ببطء، كأنها تُثقل الهواء بينهما.
مرّت نصف ساعة تقريبًا، قبل أن يمدّ محمد يده ويشغّل القرآن.
اختار سورة البقرة بصوت هادئ، صوت ينساب بين برودة الجو وعتمة الطريق الطويل.
تيشينا بقيت صامتة في البداية. تسمع… ثم تتنفس بعمق… ثم تسكت.
حتى مرّت خمس دقائق، وقالت بصوت مبحوح:
– أطفئها… الآن.
التفت محمد نحوها، ولاحظ كيف تغيّر وجهها وبدأ يميل إلى السواد، وكأن الظلال تتجمع تحت عينيها.
قال بهدوء ثابت:
– كلا… لن أفعل.
وكأنه كان يعلم جيدًا ما الذي ينتظره بعدها.
صرخت من جديد، بصوت أقوى وأشدّ ارتجافًا:
– قلت لك أطفئها!
لم يزد محمد إلا عنادًا، وبدأ يقرأ مع القارئ بصوت منخفض لكنه ثابت.
[الانهيار]
وبعد لحظات… مدت تيشينا يدها بعنف وضربت مكان المسجّل.
صرخت، ويدها بدأت تنزف من قوة الضربة، ثم بدأت بالصراخ أكثر… صوتها مخيف، غير مألوف.
عندها انحرف محمد نحو جانب الطريق، وأوقف السيارة بسرعة.
أطفأ القرآن، وخرج نحو الجهة التي تجلس فيها.
وحين فتح الباب… كانت تيشينا قد فقدت الوعي تمامًا.
بدأ يرش الماء على وجهها ويديها:
– تيشينا!
– تيشينا هيا استيقظي!
كان يشعر بقلق لم يعرفه من قبل… فملامحها كانت هذه المرة مختلفة تمامًا عن المرات السابقة. لونها أصبح أصفر جدًّا، يداها وقدمها ترتجفان، وكأنها نوبة صرع حقيقية.
أمسك بها بقوة، ورفعها من المقعد، ثم جلس على حافة الطريق وهي بين ذراعيه.
ضرب على خدها بخفة، يداه ترتجفان، حتى فتحت عينيها فجأة وصرخت:
– أنت! ابتعد عني!
تراجع قليلًا وهو مصدوم.
لم يعرف محمد ما بها… هل هو صرع؟ هل هو مسّ؟ هل هو شيء آخر تمامًا؟
أمسك كتفيها وهمس:
– اهدئي… أنا معك.
ظلت تحدّق في وجهه لثوانٍ طويلة… كأنها تحاول تمييزه، ثم قالت بصوت مرتعش:
– لماذا كنت تصرخ؟ كانت هناك أصوات عالية جدًّا في رأسي… ماذا حدث؟ هل كنت نائمة؟
التفتت حولها بتوتر، وصوت محرّك السيارة أعاد جزءًا من وعيها، لكنها ما تزال تشعر بدوار شديد.
همست بصوت ضعيف:
– محمد… سأُغمى علي…
وما إن أكملت الكلمة… حتى سقطت من جديد بين يديه
الكاتبة جنة الكردية