عودةٌ باردة ولقاءٌ مُفاجِئ
عادت تيشينا إلى منزلها بعد غروب الشمس، وكانت منهكة ومتعبة. رمت بنفسها على سريرها بلا صلاة ولا عبادة، كأن حياتها صارت مجرد روتين متكرر: عمل، نوم، أكل، استيقاظ، حفلات، وأصدقاء مختلطون.
وفي مدينة أخرى، كان بروك-لا-تِي-يِه يتمدد على فراشه، يحدق في السقف غارقًا في أفكاره وحياته. كان وحيدًا في هذه الدولة بعد انفصال والديه، يعيش في صمتٍ ثقيلٍ يملأ روحه بالغربة.
كان بروك-لا-تِي-يِه مسلمًا في أصله، من أم تركية وأب عربي كردي. تزوجا في سن صغيرة، ولم يُكتب لهما النجاح في زواجهما، فكان هو الضحية التي دفعتها الظروف إلى عالم الوحدة.
عاش طفولته ومراهقته بين المساجد ودور الأيتام في روسيا، بعد أن تزوج كل من والديه وتركه كأنه لم يكن موجودًا ولم يولد. ثم جاء أحد الشيوخ وغير اسمه إلى محمد، بعدما اكتشف معنى اسمه الحقيقي السيئ: "بروك-لا-تِي-يِه"، والتي تعني بالروسية: "لعنة".
ويبدو أن والداه أطلقا عليه هذا الاسم معتقدين أن هذا الطفل كان "لعنة". وهو ما صاغ حياة محمد المبكرة في ظل شعور مستمر بالغربة والخذلان، وجعله ينشأ متحفظًا، خائفًا، ووحيدًا في عالمٍ لا يرحم.
كان محمد، المعروف باسم بروك-لا-تِي-يِه، شابًا ملتزمًا، رقيق القلب، يعيش حياته على هدى ديني واضح. كان يستيقظ مع أول ضوء الفجر، متوجّهًا إلى المسجد لأداء صلاته، متابعًا دروسه بانتظام، رغم بلوغه الثانية والعشرين من عمره.
تعلّق محمد بالمسجد وبشيخه الذي أصبح بالنسبة له مقام الأب، منذ أن كان عمره سنتين فقط، وكأن الشيخ أصبح عائلته وروحه. وكان محمد دائم الحضور في موعد صلاة الفجر، لا يتأخر عنه ولا يغيب إلا لمرض أو نوم غالب. وكان هذا الانضباط ينسج حياته بحب وطمأنينة، ويجعله نموذجًا للشاب الهادئ الملتزم، رغم كل الصعوبات التي مر بها في صغره.
استيقظت تيشينا بعد أن أشرقت شمس اليوم الثاني، وأخذت تركض في الغرفة، وهي تقول:
"أين حذائي؟ أين حقيبتي؟"
ردّت عليها شقيقتها الصغرى، زينب، بنبرة مستغربة ومستاءة:
"أنتِ مقرفة! ما هذا؟ تناولي شيئًا، رائحة فمك تكاد تقتلني، وحتى ثيابك هذه، ترتديها منذ زمن!"
أضافت زينب:
"قال لي والدي إن الوضوء خمس مرات في اليوم يجعلنا جميلات."
توقفت تيشينا للحظة، واستغربت:
"ماذا يقصد؟ هل يحاول أن يجعلنا نقوم بنفس الحركات التي يقوم بها خمس مرات في اليوم؟ لا أعلم… أنا فقط أفعل ما أريد، مفهوم؟"
قالت زينب بتنهيدة صبر:
"هذا ليس مجرد حركات، هذا وضوء. وأنتِ منذ صغرك تتهربين من كل شيء يخص تعليمنا عن الإسلام والقرآن."
هنا تذكرت تيشينا العجوز، والصوت الجميل الذي كان يخرج من منزلها، واسم القارئ إسلام صبحي. قالت لنفسها بحماس:
"نعم، نعم… لدي لقاء مع المغني إسلام صبحي! وداعًا!"
وخرجت مسرعة من الغرفة.
توقفت زينب وهي مذهولة:
"منذ متى أصبح القارئ إسلام صبحي مغنيًا؟!"
ثم أضافت في نفسها: "إنها مجنونة… أو جنت فعلًا… حمقاء!"
كان محمد، الذي كان يُدعى سابقًا بروك-لا-تِي-يِه، يخرج من المسجد بعد إتمام صلاته، ولم تكن الشمس قد ظهرت تمامًا بعد. كان الضباب يغطي كل شيء، والبرد يلسع أطرافه بلطف. كان يرتدي معطفًا فوق جاكيتٍ أسود طويل، وكان شعره الأسود قد التصق ببعضه وعليه شيء من الثلج الأبيض.
تقدّم في طريقه بخطوات هادئة، حتى اقترب من منزله… وإذ به يصطدم بشخصٍ قادم من الجهة المقابلة، فسقطا معًا على الرصيف المبلل بالثلج الخفيف.
نهض بسرعة وهو يتنفس بعمق، ثم مدّ يده لذلك الشخص قائلًا بصوتٍ متفاجئ:
"آسف… لم أكن منتبهًا."
وما إن رفع رأسه، حتى تجمّد لحظة.
وقال: "أ... أنتِ؟ صاحبة البريد؟ ماذا تفعلين هنا؟ على ما أظن اليوم ليس الخميس… اليوم يوم الجمعة."
قالت تيشينا ضاحكة رغم البرد:
"نعم نعم، ولكنني أردتُ أن أبحث عن سر."
قال محمد باستغراب:
"سر؟ أي سر؟"
ولا تزال تيشينا تمسك بيده، ثم قالت مبتسمة:
"يدك دافئة… وكأنها مدفأة."
عندها سحب محمد يده بسرعة وقال:
"لا يجوز."
قالت تيشينا باستغراب:
"ماذا تعني بـ 'لا يجوز'؟"
ومشى محمد دون أن يجيب.
ركضت تيشينا خلفه وكأنها أحد أصدقائه الشباب، وأمسكت بكتفه العريضة القوية وأوقفته قائلة:
"أمسكتُ بك يا سيد بروك-لا-تِي-يِه! هل تعلم أن اسمك غريب في الروسية؟ شيء غير مرغوب… إن كنت لا تعلم."
عندها احمرّ وجه محمد من الغضب، وصرخ بصوتٍ عالٍ، فزاد الهدوء الصباحي صدى غضبه:
"اتركي كتفي! لا يجوز لكِ هذا. الحياء للمرأة جميل يا أختاه… تيشينا
قالت تيشينا بعد أن تركها محمد ودخل منزله:
"يا له من رجلٍ جميل وهو غاضب… إنّه يشبه أبطال الروايات في شكله."
ثم ضحكت مع نفسها وقالت:
"أتمنى أن يكون بطلي…"
ثم تنهدت وأضافت:
"ماذا يقصد بـ 'لا يجوز'؟ أنا أحببتُ الدفء الذي في يده… على أي حال يا سيد بروك-لا-تِي-يِه، لدي الآن عملٌ مهم، وهو معرفة تلك الأغنية… أو السورة، كما قالتها تلك العجوز اللطيفة."
وصلت تيشينا إلى منزل العجوز، ووقفت أمام الباب. وما إن وصلت حتى سمعت ذلك الصوت من جديد… آيات جديدة تتلى بصوتٍ خاشع. توقفت قليلًا وبدأت تستمع. كان الشيخ يقرأ سورة الكهف، وحين وصل إلى الآية:
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾
جاء صوت العجوز عائشة وهي تتحدث وكأنها في درسٍ عبر الإنترنت مع طلابها. بدأت العجوز عائشة تشرح معاني الآيات، ولا تزال تيشينا تستمع خلف الباب رغم البرد القارس في الخارج.
أمّا محمد، فلم يعد إلى النوم.
كان هو الآخر في منزله، جالسًا أمام مدفأته، على سجادته، يقرأ أذكاره الصباحية وسورة الكهف.
الكاتبة جنة الكردية