وُخزُ الذكريات وحدّةُ الحياء
أزاح محمد نظره عن تيشينا، وقال بصوتٍ متماسك رغم الاضطراب الواضح فيه:
"خالتي عائشة… أريد الحديث معكِ على انفراد."
قالت:
"حسنًا يا ولدي، تعال."
ذهبا إلى المطبخ، بينما كانت تيشينا —بطبعها الفضولي الذي لا تُنكره— تقف خلف الباب، تنصت إلى كل كلمة.
سمعته يقول بنبرة محمّلة بألمٍ دفين:
"خالتي… أنا أحبكِ وأراكِ بمقام الأم. ليس مقام أمي… لأنني لا أعرف معنى ذاك الشعور أصلًا."
انخفض رأسه، وأطبق جفنيه كأن ذكرى ما طعنته في داخله.
رفعت عائشة رأسه بيدها وقالت بقلق:
"ما الذي حدث يا محمد؟ لماذا تقول هذا؟"
قال وهو يضغط على أسنانه:
"صاحبة البريد… من أخبرها بقصتي الملعونة؟ لا أريد أن يعلم أحد أن والديّ تركاني وأنا في عمر السنتين. الأفضل للجميع أن يظنّوني يتيمًا… هذا أقلّ وجعًا."
شعرت عائشة بوخز في قلبها، وقالت بأسف:
"أعتذر يا بني… الحق عليّ. لكنها فتاة طيبة جدًا، ولن تخبر أحدًا."
قطّب محمد حاجبيه وقال بحرارة امتزج فيها الغضب والسخرية:
"فتاة طيبة؟ إنها فتاة سافرة… ولا تحمل من الأنوثة شيئًا! تتحرك كأنها آريــان… بل أشعر وكأنها رجل متحوّل!"
[نقطة الانفجار]
في تلك اللحظة، دفعت تيشينا الباب بعصبية ودخلت:
"وماذا تقصد بـ 'المتحوّلة'؟"
عمّ الصمت المكان… صمتٌ ثقيل، كحدّ السكين.
ثم قالت عائشة وهي تضع يدها على جبينها:
"تيشينا… هل كنتِ تستمعين لحديثنا من خلف الباب؟"
احمرّ وجه تيشينا واحترق من الإحراج:
"ك–كلا… لم أفعل!"
لكن كذبها كان مكشوفًا مثل الشمس.
أدار محمد ظهره وقال بحدة باردة:
"تكذبين أيضًا؟ أسوأ ما عندي… أنني لا أحتمل الأشخاص الكاذبين."
وقبل أن يصل إلى الباب، التفت لعائشة قليلًا وقال بنبرة حزينة لكنها حازمة:
"خالتي عائشة… لديكِ آريــان. شاب في سنّ الزواج… لا تُدخلي إلى بيتك الفتن. هو يحاول أن يصمد… فلا تحمّليه فوق طاقته."
ثم قرأ بصوت مؤثر:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ﴾
وأضاف تفسيرًا قصيرًا:
"أول ما يفتتن به الإنسان… النساء. وهذا يدل على قوة هذه الفتنة، ووجوب الحذر منها."
ثم خرج… دون أن يلتفت
الكاتبة جنة الكردية