(بعد ثلاثة أيام من جريمة القتل)
باريولي حيٌّ سكني في قلب روما، بتوزيع حضاري عصري، وشوارع واسعة وحدائق عائلية هادئة، لا يُسمع فيها سوى زقزقة الطيور وصوت الكلاب والقطط وهي تلعب مع أصحابها.
باختصار، إنه حيّ يحمل معنى الرقي في كل تفاصيله.
تمتد فيه فيلل عالية جميلة، متباعدة عن بعضها، تحيط بها أسوار ضخمة توفّر خصوصية قصوى.
وفي داخل إحدى الفلل، ذات التصميم المميز الذي جمع بين الحداثة والطابع الروماني الأصيل، وقفت سيدة في السادسة والأربعين بملامح جميلة ، وشعر أسود متوسط الطول، وعيون زيتونية لامعة، وشفاه ممتلئة.
وبجوارها وقف فتى مرهق في الثامنة عشرة، طويل بالنسبة لسنّه، ذو بنية عضلية نوعًا ما، يشبهها كثيرًا، وخاصة في عينيه.
حدقت فيه لثوانٍ بنظرة حادة قبل أن تقول مستفسرة بنبرة مشحونة: "أين كنت… كل هذا الوقت؟"
قلب المراهق عينيه بامتعاض، وزفر بعمق قبل أن يجيب بنبرة غاضبة: "أمي… كنت في حفلة، حسنًا؟ ما المشكلة؟ جميع من هم في عمري يذهبون."
ثم زفر قائلاً بنزق:
"ألا ترين أنني متعب؟ وأنتِ تزيدينه سوءًا."
تنفست بعمق، تحاول موازنة مشاعرها المتأججة، ثم أشارت برأسها نحو الدرج:
"تفضل إلى غرفتك، وارتح الآن
نتابع حديثنا لاحقًا."
مرّ بجانبها وصعد الدرج المزدوج المصنوع من الرخام الإيطالي كلكتا، والمزين بسجادٍ صوفي بلون البيج.
اتجه نحو الجهة اليمنى من الدرج، ثم إلى الممر الذي يفصل بين غرف النوم، يدخل غرفته، أول غرفة على اليسار.
في الأسفل، تنفست هاربر بيأسٍ عميق من حال ابنها الذي يزداد تمردًا مع كل يوم يمرّ.
تقدمت نحو مكتب زوجها الغائب لورنزو خوسيه؛ مكتبٌ بسيط من خشب البلوط، يغلب عليه اللون الأزرق مع لمساتٍ خفيفة من البرتقالي.
أمسكت الهاتف الأرضي الموضوع على الطاولة الصغيرة، تتوسطه كنبة وكرسي أسود اللون. ضغطت الأزرار ووضعته على أذنها، تنتظر ردًا، لكن لم تستقبل سوى صفير رسالة خارج الخدمة.
جزّت على أسنانها بضيق، وأعادت إدخال رقمٍ آخر. رفع رجلٌ مجهول سماعة الهاتف بصوتٍ أجش بلكنة إيطالية ركيكة:
"مرحبًا، كيف يمكنني مساعدتك؟"
قالت بحدة:
"أوصل المكالمة إلى مكتب جيوفاني روسو، أو أحد رجاله."
استغرب، وردّ بعمليةٍ جافة:
"عذرًا سيدتي، السيد جيوفاني روسو في اجتماع مهم، ولا أستطيع مقاطعته الآن."
قاطعته قائلة:
"إذًا، أوصلني بـ عيسى. هيا… قل له: هاربر خوسيه فقط."
ورغم أنه لم يطق نبرة صوتها، نفذ ما طلبت. استخدم الهاتف الداخلي واتصل باليد اليمنى لجيوفاني،
فجاءه الردّ دون تأخير:
"نعم؟ ما الأمر؟"
ابتلع الموظف ذو الأصول الهندية ريقه بقلق، وقد أدرك التهديد المبطن في صوت المتحدث، وقال بتوتر:
"استقبلتُ اتصالًا من سيدة تدعى هاربر خوسيه… تقول إنها تريد الوصول إليك أو إلى الزعيم."
أطبق عيسى أصابعه على جسر أنفه وقال ببرود:
"أخبرها أنّني سأتحدث إليها بعد قليل."
ثم أغلق الخط دون انتظار رد، وغادر مكتبه ليعود إلى غرفة الاجتماعات، ممسكًا عقب سيجارته ليكملها دون إزعاج رئيسه.
تنهد بتعب، ثم عاد إلى الهاتف الآخر محاولًا الهدوء قائلاً:
"سيدة خوسيه، السيد عيسى يبلغك أنه سيكلمك بعد قليل."
شعرت بالضيق، فأغلقت الخط دون أي رد.
فتح باب القاعة الواسعة، حيث تمتد طاولة مستطيلة طويلة يحيط بها سبعة وعشرون كرسيًّا، خمسة منها مشعولة الأربعة القريبة من رأس الطاولة، والخامس هو مقعد الصدارة الذي يجلس عليه جيوفاني في جوّ من الغموض والخطر الصامت.
جلس الرجال إلى اليمين في توتر واضح، بينما كان الآسيوي ومساعده على اليسار في وضع أكثر استرخاءً.
اقترب عيسى بصمت، واتخذ مكانه خلف رئيسه… دون أن ينطق بكلمة.
«تابع»
كانت كلمة واحدة خرجت من حنجرته
كفيلة بأن تجعل كل من في الغرفة يتوقف عن الحركة لوهلة، قبل أن يستأنف الشاب العشريني حديثه وهو يبتلع ريقه ويتوتر صوته.
كان يشرح شروط ومميزات عقد الانضمام إلى مشروع صناعة السفن الحربية، بالشراكة بين جيوفاني روسّو وياما موتو، رجل الأعمال الياباني الأصل ورئيس واحدة من أكبر الشركات الصناعية في المجال الحربي، والمتعاون مع جيوفاني في هذا المشروع الضخم.
بعد أن أنهى الشاب حديثه والذي ارتكب فيه بعض الأخطاء نتيجة الضغط، نظر إليه جيوفاني نظرة حادة، ثم اكتفى بإيماءة تحية صغيرة قبل أن يعود الشاب إلى مكانه وسط صمت مطبق يخيم على القاعة.
كانوا جميعًا ينتظرون رده، وكأنهم محكوم عليهم بالإعدام مترقّبين لحظة إعلان العفو.
وكعادته الغريبة، أحب جيوفاني أن يترك التوتر يتخمر في الهواء.
لم يقل شيئا في البداية، بل اكتفى بمتابعة الوجوه بهدوئه المستفز. ثم تحرك لسانه أخيرا، محررًا الجميع من الصمت الثقيل.
قال بصوت خافت لكن نافذ:
"أعجبني العقد، فهو… همم… مقبول."
أنهى جملته، ونهض واقفا وهو يعدل بدلته بعناية، ثم أبعد عينيه عن الشاب ورئيسه، موجها نظرة مباشرة نحو الرجل الآسيوي الذي كان الشيب يزين رأسه ولحيته الرمادية الخفيفة.
قال بنبرة هادئة ولكن تحمل السلطة:
"ياماموتو… تفضل معي. نود استضافتك، فأنت نادرا ما تزور روما."
أجابه العجوز الياباني: "بكل تأكيد، يسعدني ان يستضيفنى جيوفاني روسو لديه."
أشار إليه أن يتقدمه بهدوء، فتحركا خارجا بينما انشغل أحد الرجال بمتابعة ما تبقى من تفاصيل العمل مع الشاب،
عند الباب أوقفه عيسى ، يهمس في أذنه بشيء.
رافعا رأسه قليلا بسبب الفارق الكبير في الطول بينهما. كان جيوفاني، بطول يقارب المتر وتسعين، ذا كتفين عريضين وملامح قاسية تشبه الصخور، وشعر أسود مشدود إلى الوراء يبرز صرامة عينيه الزرقاوين.
أما عيسى، فكان أقصر بقليل، ببنية نحيلة ووجه نحاسي اللون، تقلقه عينان بنيتان متحفزتان ، وشعر فوضوي يلمع تحت الضوء.
ثم استقام تزامنا مع وصول ياماموتو أمام المصعد، فالتفت جيوفاني إليه مبتسما باحترافية:
"اعذرني قليلاً… سأحل خطأ تقنيا صغيرا، وسأراك في الفندق."
أنهى جملته وأعطاه ظهره، فتبدلت ملامحه مئة وثمانين درجة، محركا عينيه بإشارة إلى عيسى ورجله الآخر ماثيو كي يلحقا به.
★★★
غادر أنطونيو كونتي قسم الشرطة برفقة ثلاثة ضباط متجهين نحو السيارة الواقفة في الموقف. ما إن صعدوا إليها حتى قال بحزم:
هيا… إلى شركة جيوفاني روسو.
★★★
انتهى دمتم بخير 🫰 💞 🫰
مومنة ريكان