الفصل الأول

الفصل الأول

45 0

(إيطاليا...)

البلاد العريقة، بلاد تحكمها حكومة جمهورية برلمانية ظاهريا، لكنها في الحقيقة تعد وكرا المافيا في أوروبا؛ فبالإضافة إلى كونها المتحكمة في حكومة الدولة ورئيسها نفسه، تتحكم أيضًا في أقوى حكومات أوروبا.

روما، عاصمة إيطاليا ومدينة التلال السبعة، مدينة جمعت معجزات العالم كافة على أرضها.

ارتفع صوت طلقات نارية في حي تراستيفيري، أحد أشهر أحياء المدينة الأسطورية، حيث تجري مطاردة بين رجال جيوفاني روسو ورجل يعمل جاسوساً لصالح ريكاردو رومانو، تم القبض عليه أثناء نقله معلومات حول أهم صفقة أسلحة بنسبة لهم هذا الشهر .

وبعد أسره بعدة ساعات، تمكن من الهروب بفضل خبرته الطويلة، لكنهم اكتشفوا هربه بسرعة قياسية، مما حال دون اختبائه جيدًا.

ولتشتيتهم، اندفع إلى ذلك الحي ذو الأزقة الضيقة الطويلة و المزدحم خاصة في ليالي الأحد.

حلت حالة من الهرج على شوارع الحي بعد إطلاق النار من جديد؛ ارتفعت أصوات إغلاق أبواب المقاهي والمطاعم، وعلت أصوات محركات الدراجات النارية، واختلطت روائح العطور والنبيذ برائحة البارود، انطفأت بعض الأضواء.

كل ذلك زاد من توتر وخوف لورنزو الذي أصبح حائر لا يدري ما يفعل، خصوصًا مع ازدياد اقتراب أصوات الرجال منه.

أحد الرجال صاح: " هيا كثفوا البحث، لا تدعوه يهرب حياته مقابل حياتنا. لا فرصة لديه الآن مع إخلاء الشوارع، تفرقو هيا"

أجابوه في وقت واحد:"حاضر."

أغمض لورنزو عينيه بخوف وتوتر، لكنه تمالك نفسه. اقترب من زقاق ضيق مظلم مليء بسلال المهملات، وانزلق بينها يخفي نفسه جيدًا. ساعدته نحافة جسده وطوله المتوسط على الانكماش في المكان، وكتم أنفاسه قدر استطاعته.

ارتفع وجيب قلبه مع اقتراب خطوات أحدهم، وازداد عمق تنفسه لكنه كبته وهو يضم جسده أكثر، يشعر بأن الموت يقترب منه.

وعلى بُعد خطوة واحدة من السلال، سمع صوت أحد الرجال ينادي زميله، يخبرهم بأنه رآه يهرب نحو الشمال. فتراجع الرجل الذي كان على وشك اكتشافه، ولحق بهم.

عاد نفس لورنزو إليه، وبدأت عضلاته بالاسترخاء أخيرًا، دون أن يفقد يقظته.

فعلى الرغم من بلوغه الخامسة والأربعين، كان ما يزال محتفظا بحدة حواسه.

ظل متجمداً في مكانه ساعتين كاملتين، يفكر بما سيفعله عند خروجه.

نعم، لقد نجا الآن... لكن ماذا بشأن عائلته؟ ابنته؟ زوجته؟ ابنه البكر؟ ماذا سيحل بهم؟

شعر بغصّة تخنق حلقه، واحمرار يغزو عينيه، لكنه تحامل على نفسه.

وبعدما تأكد من إخلاء المكان، خرج بهدوء، يلتفت حوله متصفح الأزقة قبل أن يخرج من بين المهملات، مستنشقًا الهواء براحة.

قطع هذه اللحظة صوت أجش بلكنـة إيطالية متقنة جاء من خلفه: " أخيرًا خرجت... لقد تجمدت وأنا أنتظر".

ساد الصمت بعد تلك الجملة، ومع التفاته شعر بمزيج من التوتر والاستغراب؛ فمن كلام الرجل اتضح أنه كان يعرف مكانه منذ البداية.

فلماذا انتظر خروجه؟ أما كان أسهل قتله فورا؟

لكن أفكاره توقفت حين ظهر أمامه رجل طويل يرتدي معطفا أسود، ملامحه غير واضحة بفعل عتمة المكان عند مدخل الزقاق.

كان يحرك رأسه بصفير غريب لا يوحي بالاحتراف، ويدور بين يديه سلاح ناري مميز ذو رأس فضي يلمع تحت ضوء القمر الخافت.

هبت نسمات أواخر نوفمبر وبداية ديسمبر، فارتجف لورنزو من البرد وبلع ريقه، يحدق في ذلك الغريب.

قال بصوت مرتجف:

:" ولماذا كنت تنتظرني؟"

لمع بريق أسنانه البيضاء في ابتسامة باردة، ومرر لسانه عليها قائلاً: "كي تشكرني".

قطب لورنزو حاجبيه مستغربا، لكن الآخر لم يمنحه الوقت ليفهم، فأطلق رصاصة اخترقت قلبه مباشرة. هوى لورنزو أرضا مصدومًا، تلاشى بريق عينيه مع آخر نفس.

مال الرجل الغريب برأسه نحو اليسار، ينظر إلى ملامح الضحية في فضول غريب.

ثم انحنى قرب الجثة وقال بابتسامة مائلة: " هل عرفتني؟ مممم..."

نهض واقفًا، وغادر المكان بنفس تلك الطريقة الغريبة وهو يواصل صفيره المتقطع، تاركًا الجثة خلفه، والليل يبتلع كل أثر.

★★★

بعد ساعة من الحادثة، امتلأ المكان بسيارات الجهاز الأمني تُحاصِر الطريق المؤدي إلى الباب الخلفي لمطعم يقع على الطريق الرئيسي، مانعةً عيون المارّة الفضوليين من الاقتراب.

فقد تم العثور على جثة رجل في منتصف الأربعين من عمره تقريبًا، ميتٍ إثر طلقة اخترقت قلبه.

كان ممدّدًا على بطنه، تحت جسده بركة من الدماء، وعيناه جاحظتان، وإحدى يديه لا تزال قابضة على موضع الرصاصة.

تجمّع حوله فريق من رجال الأمن، كلٌّ منهم مسؤول عن جزء من التحقيق.

تحرّك رئيس مركز شرطة تراستيفيري أنطونيو كونتي نحو رأس الجثة، يطالع عينيه ثم يتبع اتجاه نظراته للحظات، قبل أن يضيق عينيه بتفكير عميق، ويصدر أوامره للضابط الأقرب إليه:

أنطونيو:" اذهب مع الفريق الطبي، وتحقق لي من هويته سريعًا".

ثم وقف مستقيمًا، وعيناه لا تزالان معلّقتين على نقطة واحدة، وكأنه يحاول فكّ لغز ما، قبل أن يدير جسده ويتوجه نحو سيارته.

★★★

(الثامنة صباحاً.)

«مركز شرطة تراستيفيري.»

بالدخول إلى مكتب مطلٍ باللون الرمادي مع أثاث أسود، كان اللون الوحيد الزاهي في المكان هو لون الباب البني، مما أضفى على المكان طابعًا باردًا كصاحبه.

جلس أنطونيو كونتي يعمل على حاسوبه بتلقائية، وبقربه على المكتب وُضع فنجان قهوة.

ساد الصمت في المكان لا يقطعه سوى النقر الخفيف على لوحة المفاتيح.

طرق الباب بخفّة، ثم دخل ضابط يقدّم التحية.

قال:" سيدي، بعد التحقق من هوية المجني عليه، تبيّن أنه لورنزو خوسيه، وأحد أكثر الرجال سلطة من رجال جيوفاني روسو".

رفع إليه بصره وأوقف عمله، ينقر بأسنانه وقال ببطء:

جيوفاني روسو... وماذا عن القاتل؟ هل عرفتم أي معلومات عنه؟

تردد الضابط لوقت قصير قبل الرد:

أجل، بعد استخراج الرصاص من الجثة ومعاينته، تبين أنه نفس نوع الرصاص الذي يستخدمه "السرعوف".

توقفت أصابعه التي كانت تنقر على سطح مكتبه، وضاق عينيه قليلًا.

انطونيو بتوتر وترقّب:

"هل راجعتم تسجيلات كاميرات المراقبة في المنطقة؟"

الشرطي:

"نعم، سيدي، لكن لم يظهر شيء في التسجيل.

يبدو أنّه تمّ مسحُه بالكامل."

جزّ أنطونيو على أسنانه بانفعالٍ نادر الحدوث.

قال: يمكنك الخروج، وأبلغني بكل جديد.

عاد بظهره إلى الوراء، يرفع رأسه بينما يعيد تكرار حركة أصابعه على المكتب.

ممم... السرعوف... جيوفاني روسّو... ترى ما الذي نقبل عليه؟

★★★

(مساء نفس اليوم)

صدر من الهاتف صوت إشعار، فمدّ يده يمسكه، يتفقد الشاشة ليرى إشعارًا بكلمة واحدة فقط:

"تم."

ارتفعت زاوية شفتيه بابتسامة صغيرة، وضغط على شاشة هاتفه لثوانٍ، ثم أعاده إلى مكانه ليكمل عمله بهدوء.

★★★

دمتم سالمين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل فريد

المؤلف مومنة ريكان
2025/12/05 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة