الفصل العاشر – عاصفة في الجسد
كانت أشعة العصر، بلونها المائل إلى الخردلي، تتسلل عبر فتحات القبة المعدنية وتنساب على أرضية الساحة كخيوطٍ من نحاسٍ ساخن، تُلقي بظلالٍ طويلة متكسّرة. لم يَسمع إياس سوى صدى أقدام سامان وهي تتردد في فضاء المعترك، قبل أن يهتز الجو فجأة بانفجارٍ هائل لهالةٍ لم يألفها من قبل.
هواء ثقيل أخذ يلتف حول جسد سامان، يرتفع ويهبط، يحمل معه دوامة من اللهب الأخضر والأحمر، تتمايل شراراتها في الهواء كأنها رقصة جحيمية، فيما تهاوى الغبار من السقف وارتجفت أرضية الحلبة تحت وطأة اندفاع الطاقة. انعكس لهيب النيران في عيني سامان، واحتدّ شعره مع اندفاع النار كأن عاصفة عمرها قرون انفجرت فجأة داخل جسده. رفع يده اليمنى ببطء، وتسلل صمتٌ ثقيل لثوانٍ، قبل أن يخترقه صوته الجهوري، مبحوحًا، لكنه واثق:
«إياس… هذا هو دمج الأرواح: نارٌ ورياح! جسدي صار أخف، أسرع، أشدّ سخونة… هاتان الروحان خضعتا لإرادتي. استعد… فلستَ نداً لي بعد الآن.»
تقلّصت حدقتا إياس للحظة، وأحسّ بالهواء يلتف حوله كغشاءٍ لزجٍ يصعب التنفس من خلاله. لكن بدلاً من أن يتراجع، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشبعة بالتوتر، خليطٌ من الجنون والثقة الغريبة.
همس كمن يحدث نفسه: «جميل… حان دوري.»
خفض جسده حتى لامس صدره تقريبًا الأرض، وغرست قدماه في أرضية الساحة حتى اهتزت، كأن عضلاته كلها تجمّعت في نقطة الانفجار. كان جسده يرتعش من احتشاد الطاقة، أو ربما من رغبةٍ متهورة في كسر حدوده. بدا لوهلة وكأن أوتاره تنهار، ثم فجأة شدّها بقبضة إرادته:
«اشحن… اشحن… غريزتي تصرخ: هذه فرصتي!»
استدعى قدرته، "الذكاء الخارق – التحكم بالخلايا الجسدية"، وبدأ يضغط خلاياه إلى أقصى ما يمكن أن يتحمله جسد إنسان. صرخ في داخله، ثم بصوتٍ مسموع فيه سخرية حادة:
«سامان… أنت لست نداً لي في نفس مجال قوة "الذكاء خارق". أنت تعرف كم هو مرعب أن يستطيع إنسان السيطرة على جسده حتى آخر خلية…»
ثم اختفى.
لم يرَ سامان سوى اختلال في الهواء، ثم وجد إياس أمامه فجأة، يطل من مسافة أنفاس، يهمس بجدية لا تخلو من قسوة:
«لكن… للأسف، أنت ما زلت تعتمد على سحرك أكثر من قوتك الأصلية.»
الذهول جمّد ردّ فعل سامان. وقبل أن يستعيد نفسه، اختفى إياس مجددًا، ليعود كبرقٍ يخترق الصمت. الهواء تلاطم خلفه وأمامه، ثم خبا فجأة، وظهر صوته:
«هنا!»
ركلة سريعة اندفعت إلى صدر سامان، لكنه بالكاد رفع ذراعه ليصدّها، لتختفي ضربة إياس في اللحظة نفسها.
ضحك سامان بسخطٍ متحدٍّ، وهو يدور مكانه: «هل تظن نفسك شبحًا؟! أرني أنك لست مجرد دودة كتب!»
لكن إياس كان يتحرك فوق فراغٍ صاغه بذكاء. لقد صنع "منصات غير مرئية" بقدراته الذهنية، يمشي عليها كما لو كان يرقص فوق درجٍ لا يراه أحد. قفز بزاوية مستحيلة، والطاقة الزرقاء الذهنية تتوهج حوله، ليصوغ كرة ضغطٍ في راحة يده وصنع بها قبة ضخمة حولة ساحة كله، ثم يندفع خلف سامان محاطًا برياحٍ هادئة تحولت فجأة إلى تيار يبتلع الحلبة. لم تكن تلك حركات فوضوية؛ بل خيوط متشابكة من ذكاءٍ متسلسل، حيلةٌ وراء أخرى.
همس سامان بين أسنانه وهو يحدّق في الدوامة المتصاعدة: «لقد صنع إعصارًا داخل القبة؟ عبقري…» ثم صرخ باتجاه إياس: «أحسنت… يا عبقري!»
الإعصار لم يكن مجرد هواء، بل قفصٌ مميت. الحلبة تحولت إلى قبة شفافة مغلقة، أخذت تصغر شيئًا فشيئًا بينما يتكاثف الضغط بداخلها. الهواء يتقلص، والدوامة تنحشر حتى صارت كتلة من الانفجار المحتجز. في اللحظة الأخيرة، قفز إياس خارجها، وترك القبة تختنق بنفسها حتى تحطمت فجأة…
بووووم!
اهتزت الساحة كلها، انفجار هائل مزق الركن الشمالي للحلبة، والغبار ابتلع المكان كستارٍ كثيف.
إياس سقط على ركبتيه يلهث، جسده يرتجف، والدرع يومض فوق جلده:
⚠ الدرع: 30%
كان تأثير انفجار كافياً بتحطيم معضم متانة درعه...
همس بصوت متقطع، يقطر سخرية مع مرارة الإرهاق: «ف… ماذا عن الآن؟ هل تضن ان هذا حركات دودة كتب؟»
لكن الدخان انقشع، وإذا بظلال سامان لا تزال قائمة وسط الركام. كان واقفًا، درعه يشع بقوة لم تهتز كثيرًا:
⚠ الدرع: 72%
ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة، وقال بصوتٍ ممتزج بالضحك: «تبتكر إعصارًا، وأنا أتنفس رياحك! ألا تعلم أن روح الرياح تسكن جسدي؟» ثم أضاف بنبرة ساخرة فيها تقدير: «سأسميك… فراشة. لقد تطورت كثيرًا يا إياس.»
إياس ابتسم رغم الألم، عيناه تلمعان بشغفٍ متجدد، وهو يعيد شحن ما تبقى من طاقته.
لكن سامان لم يمنحه مهلة. جسده اشتعل بانفجار جديد، نار ورياح اندفعت معًا لتتحول إلى عاصفة متقدة، الأرض تتفتت تحت قدميه. أما إياس، فاستدعى ما تبقى من قواه الذهنية، وأنشأ خمسة دروع شفافة تدور حوله كمدارٍ قطبي. ومع ذلك، كان يدرك أن طوفان سامان أكبر من أن يُكبح.
قفز سامان بخفة قاتلة، يتنقل من يسارٍ إلى يمين، يترك خطوطًا من الضوء الأخضر والأحمر في الهواء، كأنها نيازك صغيرة. ثم جمع هالته في إعصارٍ ناري هائل، صرخ قائلاً: «سأذيقك طَعم سلاحك نفسه!»
الإعصار ضغط على دروع إياس طبقةً بعد أخرى:
⚠ الدرع: 25%
⚠ الدرع: 14%
⚠ الدرع: 5%
الصمت سبق النهاية، قبل أن تخترقه قبضة سامان مشبعة بضغط ناريٍّ مرعب.
بووووم!
الضربة اخترقت بطن إياس، والدرع انطفأ:
⚠ الدرع: 0%
أعلن صوت النظام الاصطناعي ببرود: «الفائز: سامان. تهانينا.»
اقترب سامان وهو يضحك عاليًا: «لقد ترقّيت يا دودة كتب.»
رفع إياس رأسه بصعوبة، يتكئ على كفيه، يبتسم بتحدٍّ ساخر: «وأنت… أعلى مني في الغرور. لا يمكنني مجاراتك في هذا المجال.»
ضحك سامان بازدراء: «هل يصعب عليك الاعتراف بخسارتك؟»
رد إياس ببرود: «وهل تظن أنها كانت معركة عادلة من البداية؟ أنت أنهيت الطابق السابع… وأنا لم أتجاوز الأول الى منذ مدى.»
قهقه سامان: «مع ذالك،حتى الآن لم أقاتل بجدية.»
زفر إياس، متقبلًا النتيجة دون رضا. لكن أصوات النظام قاطعت حديثهما:
> دينج… دينج…
سامان: +25 نقاط قوة.
دينج… دينج…
إياس: +5 نقاط قوة.
عقوبة: ثلاث مهام مضاعفة لثلاثة أيام.
سامان ابتسم بخبث، وقال وهو يلوّح كالممثل المسرحي: «لن أطالب بجائزة رهان الآن… سأستعيرها منك لاحقًا. إلى اللقاء… يا بطل الإرهاق!»
تركه ومضى، بينما النظام يعلن: «جارٍ ترميم الساحة باستخدام خلايا نانوية.»
أما إياس، فقد خرج متثاقل الخطى من القبة، وراح يسير في الأزقة، والغروب يلطّخ السماء بالأرجواني. كان يجرّ نفسه مرهقًا، إلى أن انبثقت أمامه فجأة شاشةٌ شفافة بلونٍ أحمر دامٍ.
«جارٍ التحليل…»
تجمّد في مكانه، حدّق بالشاشة، وصوته يخرج متحشرجًا: «ماذا… هذا؟ مجددًا؟»
وهنا… أسدل الليل ستاره على الفصل.
---
BARAN