"فضول الأرواح"

"فضول الأرواح"

22 0

الفصل السابع – "فضول الأرواح"

كان نسيم المدينة يمر بخفة بين المباني العالية، يحمل معه عبق الزهور البرية المنبعثة من أطراف المنتزه. في ساحة شبه مهجورة، كان إياس وسامان يتبادلان الحديث بصوت منخفض، حين اخترق صمتهما صوت أنثوي عالٍ يحمل مزيجًا من السخرية والدهشة:

"أيها الغبيّان! من النادر أن أراكما معًا!"

التفت كلاهما في اللحظة ذاتها، وكأن الصوت قد وخزهما في القلب. معًا، وكأنهما تدربا على ذلك لسنوات، قالا بصوت واحد وبرائة طفولية:

"روجيييين!"

كانت تقف خلفهما بذراعيها المشبوكتين وحاجبيها المرفوعين، بينما يتطاير شعرها الطويل – الذي يتدرج بين الأحمر والنحاسي الذهبي – مع نسمات ألفا الوردية.

روحان متناقضتان اجتمعتا فيها: فتاة في التاسعة عشرة، هجين نادر بين إلف وثعلب ذي تسعة ذيول، وإن لم تمتلك حتى الآن سوى ثلاثة ذيول فقط. آذانها طويلة ومدببة أقرب للإلف منها للثعالب، مزينة بأقراط معدنية تلمع تحت الشمس.

وجهها يحمل جمالًا متمردًا لا يخلو من السخرية، ببشرة بين البياض الفاتح والسمرة الخفيفة، وأنف مستقيم دقيق، وفم دائم الابتسامة الساخرة. كانت ترتدي بدلة رياضية ضيقة وقصيرة بلوني الرمادي والوردي، مع حذاء خفيف بألوان زاهية، وشعرها مربوط في ذيل حصان عالٍ يتمايل مع حركتها النشيطة.

في أذنيها سماعتان إلكترونيتان تبثان نغمة إيقاعية خافتة، والعرق يتصبب منها برشاقة فتاة تمارس الرياضة كل صباح دون أن يُخلّ ذلك بأناقتها.

تقدمت بخفة، قافزة بخطوتين، ثم وقفت أمامهما تميل برأسها وتحدق في وجهيهما بفضول لا يُشبع:

"عن ماذا كنتما تتحدثان حتى لم تشعرا بي؟ هيا أخبراني!"

اقتربت حتى أصبحت وجنتاها على بُعد أنفاس من وجهيهما.

رفع إياس يده أمام وجهه ببطء: "توقفي يا فضولية... سنخبرك، فقط لا تأكلي وجهينا."

ضحك سامان وهو يربت على كتفه: "عادي، هذه روجين كما هي."

لكن نظرة خاطفة من عيني روجين – حادة كالسيف – كانت كافية لخنق ضحكته في حلقه. التفتت بعدها لإياس، مغمضة عينًا وسائلة بنبرة لاذعة:

"وماذا عنك؟ لسانك لا يزال حادًا كما هو؟"

رد سامان وهو لا يزال يحاول التخلص من بقايا ضحكه: "ليس بحدة عينيك، يا ملكة الإزعاج."

ضحكوا جميعًا، لكن الضحكة كانت أعمق هذه المرة، دافئة، تحمل في طياتها رائحة الأيام القديمة وذكريات الصبا حين كان العالم بسيطًا ومليئًا بالأحلام الكبيرة.

قالت روجين بصوت ناعم مفاجئ: "لقد مر وقت طويل فعلًا... اشتقت لكما."

---

وجدوا أنفسهم تحت شجرة سنوير حمراء ضخمة، أوراقها المتوهجة تميل مع الرياح وتعكس ضوء شمس ألفا الوردية. كان جذعها يلتف حول نفسه كأنه ينمو بحكمة عجوز.

جلست روجين القرفصاء تمضغ عود نبات أخضر بطرف فمها، ثم قالت بلهجة تحقيق: "حسنًا... عن ماذا كنتما تتحدثان؟ لا تقولا فتيات، وإلا سأركلكما."

رد إياس: "كنت أسأله عن البرج."

اعتدلت روجين فورًا، وكأن جسمها تلقى صدمة كهربائية: "أخيرًا! موضوع يستحق الفضول. تكلم، يا عبقري."

---

بدأ سامان يشرح وهو يتثاءب ويمد ذراعيه بتكاسل: "كل شخص بعمر تسعة عشر عامًا، تظهر له شاشة شفافة – يسمونها النظام. فيها خمس خصائص أساسية: الذكاء، العقل، الحياة، الروح، الجسد. كل واحدة لها نسبة."

قاطعه إياس: "وهل تتغير مع الوقت؟"

"طبعًا. كلما نفذت مهامًا، أو تدربت، أو تعرضت لصدمات، تتغير النسب."

تمددت روجين على العشب: "وما الذي يجعل شخصًا مميزًا عن الباقي؟"

أجاب سامان، وقد غدت نبرته أكثر حيوية: "القدرات الإضافية! مثل: سحر الأرواح، الهالة، القوة البربرية، الذكاء الخارق... أشياء لا يملكها إلا القلائل."

في هذه الأثناء، كانت روجين تحفر خلف الشجرة تبحث عن... صخرة؟

---

تابع سامان، بينما كانت روجين تنفخ على أصابعها المغطاة بالغبار:

"الإلف: سادة سحر العناصر والأرواح.

إلف الظلام: لهم نفس خصائص الإلف لكنهم يتقنون سحر الأرواح الشريرة.

التنانين: أقوى الأجناس، أجسادهم خارقة وسحرهم مهيب.

البشر: متنوعون وأذكياء.

الأقزام: أسياد الحِرف والحدادة، وإن كانوا مغرورين.

الثعالب ذوو التسعة ذيول: غامضون، جذّابون، ويمكنهم التلاعب أو حتى غسيل العقول."

التفت كلاهما نحو روجين في اللحظة ذاتها، عيناهما تتسعان بشك مدروس.

قالت وهي تتوقف عن مضغ عودها: "ماذا؟ لماذا تنظران إلي هكذا؟"

اقتربا منها ببطء... ثم انسحبا بسرعة وهمية بطريقة مسرحية مبالغ فيها.

صرخت: "لا تفعلا هذا ثانية إلا إن أردتما أن أغسل عقولكما بنفسي!"

ثم قفزت عليهما دفعة واحدة وضربت رأسيهما بقوة، جعلتهما يصرخان ضاحكين.

---

قال سامان وقد استلقى على ظهره: "عندما تصل لعمر عشرين، يرسل لك البرج دعوة. عندها، يتم دعوتك تلقائيًا لاختبار خاص."

همس إياس: "لماذا؟"

رد سامان وهو يحدّق بالسماء: "لا أحد يعرف. البعض يعتقد أنه اختبار قبول، البعض الآخر يراه رؤية مستقبلية... لكن المؤكد: بعده يبدأ الصعود الحقيقي، من الطابق الثاني."

سألت روجين بجدية مفاجئة: "وماذا عن المهام؟"

"يومية، أسبوعية، وحتى شهرية. تنفذها وتأخذ مكافآت: نقاط، جرعات، أدوات، كتب... كلها ترفع خصائصك. المستويات تبدأ من: شائع، عادي، غير عادي، نادر، ممتاز، أسطوري، ثم ملحمي."

قال إياس وهو يفكر بصوت عالٍ: "هل يوجد شيء أعلى من ملحمي؟"

ابتسم سامان: "يُشاع عن شيء يُدعى المستوى السري... أو النقي. لكن لم يره أحد قط."

---

بينما كانوا يسيرون باتجاه قلب المدينة، كانت المدينة B – الشمال نابضة بالحياة.

في الأسواق، الباعة يصيحون بأصوات متداخلة:

"لدينا أطايب نباتات ألفا!"

"أفضل مشروبات الطاقة المتحوّلة!"

على الجوانب: مكتبة سحرية، متجر حدادين، محل إلكترونيات نانوية، ومتحف يعرض رفات أبطال قدامى.

مروا بحديقة أطفال: أقزام يركضون بجانب بشر، إلف صغار يضحكون، وثعالب يقفزون بخفة.

---

جلس الثلاثة أخيرًا على قمة صغيرة تُطل على المدينة كلها. استلقوا على ظهورهم ينظرون نحو سماء لم تكن زرقاء، بل خليط من الوردي والأحمر تتناثر فيها نجوم فضية تلمع كأنها كائنات تراقبهم من بعيد.

قالت روجين وهي تغمض عينيها: "وقت العشاء... تعالا إلى منزلي."

نظر سامان وإياس إلى بعضهما ببطء: "إنها ستطبخ بنفسها؟ هذا مخيف."

صرخت: "سمعت ذلك!"

ضحك الثلاثة، والضحكة هذه المرة... كانت مليئة بالحياة.

---

خرج الثلاثة من التلّ الصغير بخطوات متثاقلة. روجين كانت تسير في المقدمة كقائدة لا تقبل النقاش، بينما سامان وإياس يتبادلان نظرات مترددة، كأنهما ذاهبان إلى ساحة إعدام لا إلى مائدة عشاء.

قال سامان وهو يهمس لإياس:

"لو وضعت السم بدل الملح، ما الحل؟"

أجابه إياس بوجه جاد على غير العادة:

"نأكل... ونصلي."

رفعت روجين يدها في الهواء من غير أن تلتفت:

"سمعتكما! وإذا لم يعجبكما الطعام، سأطبخكما أنتما الاثنين."

ضحك إياس بخفوت، بينما اختنق سامان بكحة مصطنعة.

على جانبي الطريق، كانت المدينة تزداد حيوية. قزم ضخم يسحب عربة محملة بأوانٍ معدنية تصدر أزيزًا، بجانبه إلفيّ يبيع ورودًا متوهجة تنبض بضوء خافت كأنها قلوب صغيرة. أطفال من مختلف الأعراق يركضون ويضحكون، فيما رجل آلي قديم يعزف لحنًا رتيبًا على آلة وترية، صوته يشبه الصدى في أنبوب معدني.

توقفت روجين فجأة أمام متجر للحلويات، عيناها تتسعان كطفلة:

"نشتري بعض الحلوى قبل العشاء، صحيح؟"

اعترض سامان فورًا:

"لكن الحلوى قبل الأكل—"

قاطعته وهي تدفعه بيدها:

"اسكت، يا حكيم الصحة. لا أحد يرفض الحلوى."

إياس ابتسم وهو يراقب المشهد، لكنه لم يفوّت الفرصة ليزيد الطين بلة:

"فعلاً يا سامان، الحلوى ضرورية. قد تكون آخر وجبة صالحة قبل عشاء روجين."

ضربته على كتفه بقوة جعلته يترنح، وهي تقول بسخرية:

"أتحداك أن تقول ذلك بعد أن تتذوق طبخي."

واصلوا السير في شارع جانبي أهدأ، حيث تتدلى فوانيس ورقية مضاءة بألوان زرقاء وخضراء، والهواء محمّل برائحة الخبز الطازج ممزوجة بدخان المواقد. في هذه الأجواء، بدا كل شيء كأنه لوحة متحركة.

أخيرًا وقفوا أمام منزل روجين. كان منزلاً تقليديًا ذا جدران بيضاء ونوافذ خشبية مزخرفة، تحيط به حديقة صغيرة من نباتات ألفا المتوهجة. بدا المكان ودودًا... أكثر مما توقعا.

ابتسمت روجين بثقة وهي تفتح الباب:

"تفضلوا أيها السادة... إلى وليمة لا تُنسى."

تبادل إياس وسامان نظرة متوترة أخرى، ثم دخلا وراءها بخطوات حذرة، كأنهما يدخلان برجًا غامضًا لا مطبخًا منزليًا.

نهاية الفصل السابع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الذكاء في ظلام

المؤلف BARAN
2025/10/07 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة