"عشاء واختبار"

"عشاء واختبار"

15 0

الفصل الثامن – "عشاء واختبار"

(نهاية اليوم – منزل روجين)

كانت الشمس تميل نحو المغيب، ترسم بخيوطها الذهبية لوحةً فوق أسطح المدينة. نسيم العصر دخل من نوافذ المنزل الخشبي، محمّلًا بعطر التربة وأريج الزهور، يحرك الستائر بخفة كأنه همس غير مرئي.

جلس إياس وسامان حول طاولة مستديرة من خشب مصقول، يتأملان اللوحات المعلقة على الجدران والأدوات التقليدية التي تملأ الزوايا، فتمنح المكان روح بيت قديم لا يزال ينبض بالدفء والكرامة.

خطوات خفيفة قادمة من المطبخ كسرت الصمت.

ظهرت "ليلا"... أم روجين.

لم تدخل كأي امرأة عادية، بل كأنها انزلقت من مشهد قديم محفوظ في ذاكرة الزمن.

---

ليلا

من فصيلة الثعالب ذات الذيول التسعة.

جسدها رشيق كأنه منحوت بعناية، شعرها الطويل الداكن يتماوج كخمر معتق، وعيونها الواسعة الزرقاء كأنها تخبئ مجرات. تسعة ذيول تتحرك خلفها ببطء، تتوهج في الضوء الخافت كألسنة نار صامتة.

رغم بساطة ملابسها المنزلية، كانت تحوي في حضورها ما يكفي لإرباك أي رجل. ابتسمت بثقة، وقالت:

> "مرحبًا بكما، سامان... إياس. مر وقت طويل."

وقف الاثنان احترامًا. ابتسم سامان وقال بمجاملة صادقة:

> "لقد صرتِ أجمل يا سيدة ليلا... كأنك أخت روجين لا أمها."

ضحكت بخفة أنثوية، ثم ردت:

> "ما زلت بارعًا بالكلام يا سامان. لقد نضجت فعلًا."

ثم التفتت إلى إياس، عيناها تلمعان بشيء يشبه الفضول:

> "وأنت، يا إياس... ما أخبارك؟ هل ما زلت تقرأ تلك الكتب التي أعطيتك إياها؟"

أجابه بثبات:

> "نعم يا سيدة ليلا. كانت كتبًا غير عادية. إن كان لديك المزيد منها، أود استعارتها."

رفعت حاجبًا بابتسامة خفيفة:

> "أملك المزيد، لكنك لست مؤهلًا بعد لقراءتها. مستواك ما زال منخفضًا."

قال إياس ببرود:

> "لقد أنهيت الطابق الأول من البرج."

ارتسمت لمحة دهشة في عينيها، لكنها أخفتها بسرعة:

> "إذن... سأرسل لك كتابًا لاحقًا عبر روجين."

شكره إياس باحترام. عندها، غيّرت نبرتها بسلاسة:

> "والآن، ماذا تودون على العشاء؟"

سامان ضحك وقال:

> "أي شيء من يديك سيكون رائعًا."

ثم نظرت إلى إياس:

> "وأنت؟"

أجاب بخفة، وهو يلقي نظرة جانبية على روجين:

> "فقط... لا تدعي روجين تطبخ. لقد نجوت من البرج، ولا أريد أن أموت على مائدتها."

انفجرت ليلا ضاحكة، وردت بثقة:

> "اطمئن، سأتولى الأمر بنفسي."

ثم اختفت في المطبخ كأنها لم تكن موجودة.

---

سامان همس مذهولًا:

> "هذه أمها؟! تبدو أصغر من روجين نفسها..."

ضحك إياس بصوت خافت، لكنه لم يبعد نظره عن المطبخ.

بعد دقائق، عادت ليلا تحمل صينية ضخمة، تتلألأ ألوان الطعام عليها كلوحة فنية. الروائح سبقت الأطباق: لحم مشوي تفوح منه توابل غريبة، حساء وردي يتصاعد منه بخار كأنه ضوء قمري، وخبز هشّ يُصدر صريرًا خفيفًا عند لمسه.

شهق سامان بدهشة:

> "هذا وليمة، مش عشاء!"

وضعت ليلا الصحون برشاقة:

> "تذوقوا أولًا... ثم احكموا."

---

اللقمة الأولى

رفع إياس الملعقة بتردد، ثم وضعها في فمه.

سكون... كأن الزمن توقف.

لم يكن الطعام مجرد نكهة، بل تجربة. لم يكن من صنع روجين أبدًا، بل من يد طاهية محترفة.

سامان اتسعت عيناه وهو يصرخ بدهشة:

> "هذا... سحر! هل تطبخين بجرعات؟!"

ضحكت ليلا، لكن فجأةً تغيّرت ملامحها.

صارت ابتسامتها أعمق، ونظرتها أثقل.

> "هل هو لذيذ إلى هذا الحد...؟"

الإضاءة خفتت. الذيول التسعة بدأت تتحرك ببطء، كأنها تُلقي تعويذة صامتة.

---

الاختبار

سامان تجمّد. توقف عن الكلام، عن التفكير، وصار يحدق في ليلا بنظرات فارغة.

اقتربت منه ببطء، همست:

> "مارأيك أن تتذوقني أنت هذه المرة؟"

مدّت يدها نحو وجهه، وكاد يستسلم بالكامل...

لكن قبضة قوية أوقفتها.

إياس أمسك معصمها بثبات:

> "هل انتهى اختباركِ، يا سيدة ليلا؟"

تلاقت نظراتهما.

حاولت أن تغريه كما فعلت مع سامان، صوتها ناعم، متصنع:

> "آه... إياس، لقد آلمتني. ألا تشفي جرحي؟"

اقتربت أكثر، أناملها تلامس صدره بخفة، عيناها تتأمله كأنها تبحث عن نقطة ضعف.

لكن صوته كان باردًا كالجليد:

> "أعتقد أن المسرحية انتهت. فلنعد لتناول الطعام."

شهقت روجين بخفوت.

ارتبكت ليلا للحظة، كأنها لم تتوقع أن يقاومها أحد.

في عيني إياس لم يكن هناك خضوع، ولا رغبة، ولا تردد.

فقط عزيمة صلبة.

ابتسمت أخيرًا، وتراجعت:

> "عادة قديمة... مجرد اختبار."

---

عودة الهدوء

رمش سامان وكأنه استيقظ من حلم:

> "ما الذي... حصل للتو؟"

ضحكت ليلا بخفة:

> "لا شيء، مزحة لا أكثر."

لكنها ألقت نظرة طويلة على إياس، مليئة بدهشة عميقة.

ثم قالت لابنتها:

> "أصدقاؤكِ ليسوا عاديين يا روجين."

عادوا لتناول الطعام.

ابتسمت روجين بفخر:

> "أمي أفضل طاهية في دولة الحكماء كلها، صح؟"

سامان قضم قطعة خبز وهو يضحك:

> "لا أملك حجة لأعارضك."

إياس أضاف بخبث:

> "على عكسكِ تمامًا يا روجين."

فتوهج وجهها غضبًا طفوليًا، ما أشعل ضحكات دافئة ملأت الغرفة.

---

نهاية العشاء

بعد أن انتهوا، وقفت ليلا تمسح يديها:

> "اعذروا ابنتي الطائشة... لم ترَ والدها قط، فدللتها أكثر من اللازم."

احمرّ وجه روجين:

> "أماه!"

تعالت الضحكات.

شكرها الجميع على الطعام والضيافة، وغادروا المنزل بينما نسيم المساء ينعش وجوههم بلطف.

---

خارج المنزل – هدوء العصر

بينما كانوا يسيرون وسط الحديقة، قال إياس فجأة:

> "أريد قتالًا وديًا."

رفع سامان حاجبه بدهشة:

> "الآن؟!"

ابتسم إياس:

> "الجو مثالي... والدم دافئ من الطعام."

ضحك سامان:

> "كأنك قرأت أفكاري. ما زلت أريد التخلص من أثر تلك المحاولة الفاشلة لغسل دماغي."

توقف إياس فجأة:

> "ما زلت تتذكر؟"

أجابه بابتسامة جادة:

> "طبعًا. لكني لم أرد إحراج أم روجين أمامها."

اندفع الاثنان نحو الساحة، والظلال تتمدد فوق العشب.

من خلفهما، ارتفع صوت روجين:

> "لا تكسروا عظام بعضكما! لدينا يوم طويل غدًا!"

ضحكات خفيفة تعالت، ثم عاد السكون ليغطي المكان.

---

نهاية الفصل الثامن

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الذكاء في ظلام

المؤلف BARAN
2025/10/07 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة