الفصل الخامس – "العائلة أولاً"
في نفس نهار عودته من الطابق الأول، كان الصمت يحيط بمنزل إياس. خطواته المترددة على الأرض الخشبية تتردد كصدى داخلي، وكل حركة يده الشاحبة نحو المقبض المعدني للباب كانت كأنها تجرّ وراءها خوفًا مخفيًا.
"كليك."
انفتح الباب بخفة، فانبثق دفء خافت من الداخل. لكنه لم يجد الراحة المنتظرة.
صفعة.
سريعة، قوية… ثقيلة بالحب المذعور أكثر من الغضب.
تجمد إياس. عيناه اتسعتا قبل أن يلتقط نظرة الثابت أمامه.
رجل في منتصف الثلاثينات، طويل القامة، نحيل الجسد، لكن في أكتافه عرض يوحي بقوة صامتة. شعره الأسود المجعد يتدلى حول وجهه بإهمال مدروس، وعيناه الخضراء كأوراق الزيتون في ظل عميق تحملان كل ما لم يقله الكلام. وجهه وسيم بشكل غريب، يجمع بين القسوة واللطف، بين العقل والقلب، بين شخص اختار أن يرى كل شيء ويسكت.
تزيّن فكه بلحية جانبية خفيفة، تكمل جملة لم يجرؤ أحد على إنهائها.
"رشاد."
صوت خافت يختنق بالغضب:
"هل فقدت عقلك؟ تذهب إلى البرج هكذا… دون كلمة؟!"
لكن الغضب كان عناقًا متخفياً، حبًا مختلطًا بالخوف.
من الداخل، جاء صوت أنثوي، ناعم لكنه آمر:
"دعْه يدخل… الطعام سيبرد."
---
دخل إياس بصمت، والأرض تئنّ تحت قدميه. رائحة الخبز الساخن والبهارات الحلوة تحتضنه كذكرى منسية، وكأن المنزل نفسه يتنفس الماضي.
في الزاوية، وقفت امرأة في منتصف الثلاثينات، شعرها القصير يلامس عنقها، ترتدي قميصًا أبيض وتنورة ضيقة، وعلى يديها قفازات بلا أصابع منقوشة برموز غامضة. عيناها الحمراء تتوهجان كجمرتين هادئتين، حضورها لا يُنسى.
إنها آسيا. زوجة رشاد. حكيمة كما في الروايات القديمة، صلبة بلطف، عقلها دقيق، قراراتها حادة، وكأنها ترى ما خلف الكلمات.
قالت دون أن تلتفت:
"اذهب واغسل يديك… البرج لا يُؤكل معه."
---
جلس إياس عند المائدة، مواجهةً رشاد مباشرة. آسيا على الجانب، تراقب كأنها تقرأ كل سطر مخفي خلف الوجوه.
الصمت كان ثقيلاً، وكأن المكان يحبس كل نفس.
مدّ يده للخبز… ثم سحبه. حاول رفع عينيه للحديث، لكنه لم يستطع. كل ما رآه داخل البرج، كل الأصوات والصور، علقت في حلقه.
رشاد بصوت منخفض:
"أتعلم كم مرة نظرت إلى هذا الباب… وتمنيت أن تفتحه؟"
آسيا أضافت دون أن تلتفت:
"نعلم أن الدعوة لا تُرفض. لكنك لم تمنحنا وداعًا حتى."
همس إياس:
"لم أكن أعلم… كيف أقولها."
رشاد:
"بل كنت تعلم. لكنك خفت. وجعلتنا نخاف أكثر."
ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة:
"لكن على الأقل… عدت. وهذا وحده معجزة."
---
رشاد شرب من كوبه، وتنهد:
"تعلم؟ الطابق الأول ليس واحدًا للجميع."
"البرج يراك كما أنت… لا كما تتظاهر."
"أنا رأيت شيئًا لا يشبه ما ترويه القصص."
"هناك من مات… لأنهم لم يفهموا."
إياس بصوت خافت:
"لقد… اجتزته."
رفع رشاد حاجبه، وإياس قال:
"لا أستطيع أن أشرح. كان… حلمًا؟ أم شيئًا أكثر؟"
"غريب… طويل… غارق في الرموز."
آسيا نظرته فجأة، كأنها مزقت الغشاء بينه وبين الحقيقة:
"أنت… تخفي شيئًا."
ابتسم إياس ابتسامة مجروحة:
"ربما… لكنها ليست الأكاذيب التي تظنونها."
---
في داخله، تمتم بصوت خافت:
كذبت. لم أخبرهم عن تيمور، ولا ليلي، ولا الطابق صفر، ولا الحاسوب، ولا العلامة على روحي.
لم أخبرهم عن العين… التي رأتني.
لكنهم لن يفهموا الآن. لا يجب أن يعرفوا… ليس بعد.
---
ويتغير وقت الى صباح جديد – بعد كل شيء
تسللت أشعة الشمس كسولة من الشباك، ترسم خطوطًا ذهبية على الأرض.
إياس فتح عينيه ببطء، نهض، اغتسل، بدّل ثيابه، ونزل.
رشاد يقرأ شيئًا على شاشة شفافة، وآسيا تُحضّر الإفطار بتركيز.
إياس قال:
"سأخرج اليوم… أحتاج لهواء آخر."
رشاد ابتسم:
"كنت أعلم أنك ستقول هذا."
آسيا أشارت إليه بملعقتها:
"لا تنسَ المخبز الأزرق. تلك الفطائر… لا تزال تُدهشني."
إياس ضحك:
"حسنًا… يبدو أنني لم أنجُ من البرج، لأموت في مهمة فطائر."
---
ذلك الصباح… لم يكن هناك برج.
لا طوابق، ولا رموز، ولا شاشات حمراء.
فقط منزل… عائلة… وخبز ساخن.
وضحكة… ولو كانت قصيرة، لكنها كانت معجزة.
---
نهاية الفصل الخامس
BARAN