الفصل السادس: دولة الحكماء
الفصل السادس – دولة الحكماء
"من قال إن الهروب من البرج يعني النجاة؟ أحيانًا، الشوارع العادية تخفي خلفها ألغازًا أعقد من الطوابق نفسها."
كان الصباح مختلفًا عن الأمس. فتح إياس باب المنزل ببطء، كأن أصابعه تخشى أن تكسر سكينة هذا الهدوء. تسللت أشعة الشمس بين الأشجار، انعكست على شعره الأبيض المبعثر، فبدا كأن الضوء يبحث عن مأوى داخله. أغمض عينيه لحظة، غير متأكد إن كان ما يعيشه حلمًا طويلًا أم يقظةً متعبة.
من الداخل تسكنه راحة عابرة، ومن الخارج كانت المدينة تتنفس. الهواء مليء برائحة التراب المبتل بالندى، وصوت العصافير يتمازج مع ضجيجٍ خافتٍ لمدينة تبدأ بالاستيقاظ.
رفع يده اليمنى، واستدعى نظامه البرجي. شاشة شفافة تشكلت من العدم، يحيط بها وهج أزرق ناعم. ضغط على رمز الاتصال، فظهر وجه مألوف على الفور.
سامان، بابتسامته الساخرة المعتادة:
"إياس؟! أخيرًا تذكرت أنني موجود؟"
ابتسم إياس بخفة، محاولًا إخفاء ارتباكه:
"صباح الخير يا سامان... هل لديك وقت؟"
ضحك الآخر بصوت صاخب كعادته:
"أوه، السيد العاشق للكتب يريد التجول؟ يوم تاريخي! أنا في طريقي، انتظرني."
---
في الخارج، وعلى الرصيف الحجري قرب بوابة النقل الذكي، لمح إياس هيئة سامان قبل أن يصل صوته. شاب في الثانية والعشرين، معطف رمادي يعكس أشعة الشمس، شعره الأسود نصف الطويل يتوهج بلون خفيف حين يتخلله الضوء، وعيونه الداكنة العميقة كأن القمر خبأ سرَّه فيها. ملامحه وسيمة بطريقة غير مألوفة، كأنها سُرقت من صفحات أسطورة.
قال سامان مازحًا:
"لم أرك منذ شهور، وتطلبني الآن كدليل؟ أيها المنعزل، ظننتك تحولت لقطعة أثاث في مكتبتك."
رد إياس بابتسامة باهتة:
"لا أحتاج إلى المخبز ما دامت الكتب عندي."
ضحك سامان بخبث:
"ولا أصدقاء أيضًا؟"
تردد إياس قليلًا، ثم قال بصوت خافت:
"...كان لديّ صديق. ثم صار مشهورًا، تسلّق الطوابق، وأصبح اسمه يثير رهبة الأرواح. بسبب حصولك على قدرة الارواح"
رمش سامان بعينيه، ثم ابتسم ابتسامة جانبية:
"أوه؟ يبدو أنه يشبهني كثيرًا."
ضحكا معًا، ثم اقترب سامان ومد يده على كتفه:
"اشتقت إليك، يا إياس."
"وأنا أكثر، سامان."
---
سارا بين أزقة المدينة B ـ الشمالية، حيث بدت الحياة وكأنها تنهض من نوم عميق. نداءات الباعة تتناثر:
"جرّبوا حلوى الإدراك! تنظّف الروح وتفتح البصيرة!"
رائحة البهارات اختلطت بعبق الخبز الطازج. أطفال يركضون بين الأرصفة، أحدهم يمسك بوحش صغير بأجنحة مضيئة، وآخر ينزلق على لوح طائر. إياس توقف للحظة حين لمح صبيًا سايبورغ يقفز بمرح على ساق معدنية، ضحكته تملأ المكان دون أن ينظر إليه أحد باستغراب.
تمتم إياس في نفسه:
"كم تغير العالم... في الماضي، كان البشر يفرّقون بينهم باللون أو المال. في كوكب الارض... ولاكن التنوع صار هو القاعدة هنا."
ابتسم سامان وهو يراقب انشغاله:
"هذه ليست الأرض يا صديقي. هذه دولة الحكماء... والاختلاف هويتنا."
---
توقفا في مقهى اسمه حكماء البرج. الأرضية تلمع كمرآة، والمقاعد نصف شفافة، وعلى كل طاولة شاشة صغيرة تضيء بهدوء. جاء روبوت أبيض، صوته رقيق مبرمج:
"مرحبًا بالضيفين. ماذا تطلبان؟"
قال سامان بلا تردد:
"مشروب الهالة الصفراء."
وأجاب إياس:
"قهوة ألفا... دون سكر."
بينما كان الروبوت يعالج الطلبات، فتح سامان خريطة هولوجرافية ثلاثية الأبعاد. ظهر نموذج الدولة أمامهما ككريستالة مقسّمة بدقة.
شرح سامان بصوته الساخر المعتاد: وقال اسمع جيداً
"الدولة تنقسم إلى ثلاث دوائر متداخلة حول البرج: A الأقرب للبرج، B الوسطى، و C الأبعد. والجدار المرسوم على شكل X يقسمها لأربع جهات: شمال، جنوب، شرق، وغرب. النتيجة؟ اثنتا عشرة مدينة."
أشار إياس للخريطة بتفحص:
"وبما أننا في B... وفي شمال فهذا يعني أننا في مدينة B ـ شمال في منتصف أحد أذرع الـX؟"
أومأ سامان:
"تمامًا. والمدن يحكمها أربعة يسمّون أنفسهم الحامون. لا أحد يعرف وجوههم. فقط أسماء رمزية... وصمت طويل."
تساءل إياس:
"ومن يدير التفاصيل اليومية للمدن؟"
ضحك سامان بخفة وهو يرفع حاجبيه:
"هناك وكلاء، موظفون، سكرتارية، قادة صغار... سمّهم ما شئت. نحن نراهم على الشاشات كل يوم."
---
وقبل أن يكمل حديثه، سمعا صرخة فرح في الشارع. أحد أفراد عرق السحالي يقفز عاليًا، دموعه تختلط بضحكاته:
"انتهيت... أخيرًا انتهيت من المهمة بعد نصف عام كامل!"
ركضت نحوه فتاة من الأقزام، وهنأته بحرارة.
توقف إياس مدهوشًا:
"نصف عام من أجل مهمة واحدة؟! لقد أنهيت مهامي بسهولة أكبر بكثير..."
ابتسم سامان باستهزاء:
"وهل تظن أن الجميع مثلك يا دودة الكتب؟"
ثم أضاف بجدية:
"المهام تختلف من شخص لآخر. وكلما ارتفعت مستواك.... ازدادت صعوبة."
هز إياس رأسه بتفكير:
"إذن، البرج لا يساوي بين أحد."
ابتسم سامان وهو يربت على الطاولة:
"تمامًا... وهذا ما يعجبني فيك. تفهم المعلومة أسرع من أي أحد."
اقترب إياس منه قليلًا وهمس:
"لكن... من يدير هذه المهام؟ هذا النظام كله، من يراقبه؟"
خفض سامان صوته، وصارت كلماته أثقل:
"كل شيء... تحت أعين البرج. كل مهمة تُسجَّل، كل اختيار يُراقَب. النظام يقيمك، يمنحك... ويأخذ منك. لا أحد يخرج عن المراقبة انه مثل ذكاء الإصتناعي خاص بنا ! ولاكن اكثر تقدماً."
جاء الروبوت الصغير حاملًا الفاتورة:
"المجموع: خمس عملات برجية."
فتح إياس واجهته، حيث لمعَت بياناته: مستوى الطاقة، حالة الروح، التوافق السحري، ورصيد العملات. دفع بإشارة واحدة، ثم قال ممازحًا:
"أضف هذا إلى دفتر ديوني الطويل، سامان."
ضحك الآخر:
"أقبلها فقط... إن أرسلت قصيدة معها."
---
خرجا معًا إلى الرصيف المبلط بالحجر ذهبي لون، والشمس تميل للغروب. وبين خطواتهما، جاء صوت ناعم، ساخر، مزق الهواء:
"أيها الغبيان...! لم أركما معًا منذ زمن طويل."
توقف الزمن للحظة. شعر إياس بدمه يتسارع قبل أن تلتقط عيناه الوجه. ملامح مألوفة، نظرة تعرف الأسرار. خطوة واحدة من الماضي كانت كافية لتشعل قلبه كله.
نهاية الفصل السادس
---
BARAN