الفصل التاسع – جنون رهان
كان ضوء العصر يتسلّل كخيوط ذهبية واهنة، يغمر الساحة المعدنية الباردة التي بدت كأنها مرآة عملاقة تعكس وهج السماء. كل شيء غارق في صمتٍ ثقيل، صمتٍ يشبه الحبس القسري لأنفاس العالم. حتى الرياح، حين مرّت بخفة عبر الحواف المعدنية، بدت وكأنها تعزف صفيرًا قصيرًا يوقظ القلق العالق في الصدور.
في قلب الساحة، وقف إياس وسامان متقابلَين، لا يفصل بينهما سوى الفراغ المشحون بالترقّب. كان زيّهما القتالي الأسود يلتصق بأجسادهما، ليكشف أكثر مما يخفي: عضلات سامان المتوترة كأنها منحوتة من حجر، وجسد إياس النحيف المرن، الذي يخفي تحت هدوئه وعدًا بقوة مختلفة، ليست عضلية فحسب، بل عقلية أيضًا.
قال سامان، وصوته أشبه بلهيب يسبق العاصفة:
"ما رأيك أن نرفع هذا القتال إلى مستوى آخر؟"
ارتسمت ابتسامة مشتعلة على فمه، كأنها دعوة للجنون.
رفع إياس حاجبًا، ونبرة الحذر في صوته واضحة:
"مستوى آخر؟ تقصد ماذا؟"
ضحك سامان، ورمى بصره نحو السماء، يده ممدودة كأنه يستدعي شيئًا غائبًا:
"رهان. شيء قيّم. والفائز… يحق له سؤال يتجاوز الرهان نفسه."
في لحظة قصيرة، انعكس بريق غامض في عيني إياس، كأنه برقٌ اخترق ذهنه. قال بهدوء، لكن نبرته أخفت تحديًا:
"أملك كتابًا نادرًا يتحدث عن الأرواح، لخصته بنفسي من مخطوطات قديمة. أظنه يناسب تخصّصك الجديد."
توسعت عينا سامان بدهشة، ثم انعقدت قبضته بحماس:
"كتاب من ذلك النوع؟ حسنًا… سأقابله بسوار ذكاء خاص. لم أفلح في تفعيله، لكنه قد يكشف سره بين يديك. حصلت عليه كمكافأة من الطابق الثاني."
امتدت الأيادي، وتشابكت الأصابع بقوة. اللحظة كانت كختم غير مرئي، جعل الهواء حول قبضتيهما يرتجف.
"تم الرهان!"
---
قبل أن يبدأ القتال، انبثقت شاشات شفافة أمامهما، تحمل ختم البرج، كأنها وثيقة لا جدال فيها.
> شاشة سامان
الفوز: +25 نقطة قوة
الخسارة: مضاعفة المهام اليومية ×3
> شاشة إياس
الفوز: +50 نقطة قوة + جرعة شفاء نادرة
الخسارة: +5 نقاط قوة + مضاعفة المهام ×3
قرأ سامان التعليمات وعيناه تتسعان:
"نقاط تعادل عمل يومين كاملين!"
ابتسم إياس مائلًا، وكأنه يستفزه عمدًا:
"حتى البرج نفسه لا يريدك أن تفوز بسهولة."
انقبضت كف سامان، وقال بصرامة:
"إذن، لنرَ كم تغيّرت منذ لقائنا الأخير."
---
انطلق العدّ التنازلي. عشرة… تسعة… ثمانية…
الأرضية المعدنية أصدرت دوّيًا خافتًا يشبه قرع طبول قديمة، والإضاءة فوق الساحة اشتدت، مسلطة ظلالًا متكسرة على وجوه المتبارزين.
وفجأة، انطلق صوت أنثوي اصطناعي من مكبّرات خفية، هادئ لكنه يحمل قسوة الآلة:
"لقد جُهزت بدلاتكما بدرع شفاف يحاكي قوة تحمّل الجسد. أرجو أن تتوقفا فورًا إن وصلت المتانة إلى صفر بالمئة. بالتوفيق."
خمسة… أربعة… ثلاثة… اثنان… واحد…
وبدأ القتال.
---
كان سامان أول من تحرك. زفيرٌ عميق خرج من صدره، وفجأة اشتعل جسده بهالة خضراء شفافة.
"سحر الأرواح – الرياح: اندماج جسدي!"
اختفى جسده في لحظة، تاركًا تموجًا خفيفًا في الهواء. بدا الأمر كأن الرياح قد ابتلعت جسده وأعادته في مكان آخر.
ركلة خاطفة انطلقت من يسار إياس!
لكن إياس لم يزح قدميه، عيناه وحدهما تحركتا، تقرآن الحركة كما يقرأ العالِم معادلة مألوفة.
"ذكاء خارق – تحليل عصبي فوري!"
انثنى جسده بمرونة غير بشرية، زاوية مستحيلة جعلت الركلة تمرّ بجانب خده، تشق الهواء دون أن تمسّه. ومن ثم تدحرج بخفة على الأرض، ليستعيد توازنه في لمح البصر، وينقض خلف سامان محاولًا سحب قدميه. لكن سامان دار بحركة بهلوانية مذهلة، ووجه ركلة مرتدة من الأعلى.
رد إياس بهجوم مضاد، وركز ذهنه:
"كرة ذهنية!"
انطلقت كرة زرقاء صغيرة من جبهته، وميض برق قصير سبق الانفجار.
– بوم! –
اصطدمت في صدر سامان، فاهتز جسده للخلف.
لهث إياس، وهو يتمتم لنفسه:
"أصابته… اليد العليا لي الآن."
لكن فرحته انكسرت حين ظهرت الأرقام أمامه:
> [درع سامان: تضرر بنسبة 10%]
زم سامان شفتيه، يتصاعد البخار من صدره. قال بابتسامة مشدودة:
"تحليلك أصبح أسرع من سرعتي!"
أجابه إياس بابتسامة ساخرة:
"هل ظننتني مجرد قارئ كتب؟"
قهقه سامان، وصوته يحمل سخرية لاذعة:
"بل ظننتك دودة كتب ليس إلا."
اشتعل الغضب في عيني إياس، قبضته ترتجف:
"إذن… لم أضربك كما ينبغي بعد!"
---
رفع سامان يديه فجأة، فتغيّر المشهد كله.
الأرض اهتزّت، والهالة التي تحيط بجسده انفجرت كعاصفة مصغرة. هذه المرة، لم تكن الرياح فقط… بل نيران متقدة التفّت حوله، شرارات تتناثر من أطراف أصابعه، والهواء صار أثقل وأشد حرارة، يدفع إياس إلى الخلف.
وتمتم لنفسه:
"سحر الأرواح – الرياح + نار : اندماج جسدي!"
بعدها اضاف بصوت عميق:
"استعد… هذه المرة لن أُمسك نفسي!"
ارتفعت قدماه عن الأرض، تاركًا وراءه تشققات دقيقة في المعدن المصقول. جسده بدأ يطفو وسط العاصفة النارية، والهالة من حوله تحولت إلى إعصار ملتهب.
شهق إياس بصمت، تسارع قلبه، لكنه لم ينسحب. على العكس، ثبت قدميه، اتخذ وضعية قتالية جديدة، وارتسم على وجهه هدوء قاتل لم يخلُ من الحماس.
"لن أتراجع الآن…" همس، ثم أضاف بابتسامة متشنجة: "دمي يغلي شوقًا للقتال."
في تلك اللحظة، لم يعد إياس ذلك العقلاني البارد، بل صار كأنه يحمل شخصيتين متصارعتين: المفكر الهادئ… والمحارب المندفع.
---
اشتعلت الساحة.
الضوء انكسر فوق أجسادهما، الهالات تتصارع وتتشابك، والأنفاس في صدور المتفرجين (لو وُجدوا) كانت لتُحبس. كل ثانية تمرّ كانت كدقة قلب، تضرب كطبول حرب قديمة.
لم تعد الساحة أرضًا للقتال وحسب، بل مسرحًا للعبقرية والجنون معًا.
وتقابلت عيونهما في نظرة متعطشة، نظرة محاربَين يعرف كل منهما أن النهاية لن تكون سهلة.
ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيهما، خليط من الحماس والتهديد.
يا تُرى، من ستكون له اليد العليا في هذه المواجهة؟
ذلك ما سيكشفه الفصل القادم.
(يتبع في الفصل العاشر…)
---
BARAN