حَلِمتُ حُلمًا أَعزف فيهِ رُوحي عنِ البَوحِ، واستمالَت نَفسي لِلرقص. صِرتُ أَسِيفَةً، ما تَوَقعتُ أَنِّي سَأَنسَاقُ خَلفَ أَوَّلِ ضَوءٍ رَأَيتُه. البُستَانِيُّ الذي كانَ يَرعَى حَدِيقَتِي مَلَّ مِن رِيِّهَا، حتى جَفت واعتَلَتِ التُّربَة فيها.رحلت مَن أَغدَقَتنِي بِأَمطَارِ الحَنُوِّ، وتَرَكَتنِي حتَّى غَدَوتُ قَاحِلَة.
حينَ اجتَرتنِي الحَيَاةُ، تَلقُمُنِي الوَيلَةَ خَلفَ الوَيلَةِ، ما رَحِمَت صِغَرَ سِنِّي وَلا قِصَرَ حُلمِي. استَمَرتِ الحَيَاةُ بِلَطمِي عَلِّي أَستَقِيمُ، وما أَخَذَت في الاِعتِبَارِ أَنِّي أُنثَى، وبَدلَ أَن أَستَقِيمَ انكَسَرت.
انحَلتِ الغَشاوَةُ مِن عَينَيَّ مِن دقائِقَ، ونَزَفَتِ الدقَائِقُ حتَّى طَالَ سُكُونِي. اجتَرُّ مِن نَفسِي اعتِرَافَاتٍ لِما حَدَثَ قَبلَ أونٍ، ظُلمَت الغُرفَة مِنْ حَولِي، والمِصبَاحُ الوَحِيدُ الَّذي اتكَاء عليهِ يُنِيرُ بَعضَ زَوَايَا المَكَان.
ما انعَقَدَ الفَجرُ بَعد، هذا يَعنِي أَنِّي لم أُطِل في مُجَارَاةِ عَينَيَّ.
تَرَأسَ على قَائِمَةِ رَأسِي صَخَبٌ كونهُ الصُّدَاع. أَذكُرُ أَنِّي كُنتُ أَهذِي، ورُوحِي كَادت تُعَانِقُ السَّمَاءَ لو ما انتَشَلَنِي مِن مَوطِئِي.
ما الَّذي كُنتُ أَتوَهمُهُ؟ الرجُلُ بالأَمسِ لا يَحمِلُ صِلَةً بِمَن كُنتُ أَتَخَيلُه. كُنتُ أَبتَغِي السَّلامَ لا طَائِلَ مِن كَثرَةِ العِتَابِ.
ومَن أَنَا حَتَّى يَرَانِي شَيء أَمَامَهُ؟ يومَ إذَا عَلِمتُ مِن أَيِّ الطبَقَاتِ هُوَ، انغَصَ قَلبِي، وصَارَت أَحلَامِي عُبابًا عُباب. وبينَ الفَينَةِ وَالفَينَة أُقنِعُ نَفسِي أَن لا شَيءَ تَغَيرَ إِلا مَوتُ الجَانِب الإِيجَابِي مِن عَقلِي.
إهَانةٌ في حقِّ كِبرِيائِي أَنْ أَعِيشَ عالةً، لَستُ أَنوِي البقَاء طوِيلًا حتَّى وإن لَطَمَتنِي نَسَمَاتٌ وبَرَدَاتُ تِشرِينِ الثَّانِي. تُخبِرُنِي هَمَسَاتُ بِأَنِّي فَقَدتُ نَفسِي، حتَّى انعِكَاسِي في المِرآةِ صَارَ يُزعِجُ بُؤرَتِي.
وجبَ عَلَيَّ المُغادرَة الآنَ، تَحامَلتُ على نَفسِي نَاهِضَةً، اعتَذَر مِنكِ ‹يُون ها› إلى أن لا طَاقةَ لِرُوحِي أَن تَستَمِر. سَحَبتُ حَقَائِبِي مِن أَسفَلِ السرِيرِ ولَمَمتُ مَتَاعِي.
تَلقفَت المَكَانُ بِنظَراتٍ فَاتِرةٍ أُودعُهُ. سَأَرتَحِلُ إلى ‹بُوسَان› إلى صَديقَة جَدتِي، عَلهُ المَكَانُ الوَحِيد الَّذي أَملِكُهُ حتَّى الآنَ.
فَتَحتُ البَابَ على مَهَلٍ كي لا يُخرجَ صرِيرُهُ أحد، وجرَرتُ حَقِيبَتِي الأُولَى إلى الخَارِج، تَلِيهَا الأُخرَى مَعَ الصُّندُوق.
الأَضوَاءُ مُغلَقَة، هذا يَعنِي أَنَّهُ لا أَحَدَ مُستَيقِظ. سَلَكتُ طَرِيقَ البَابِ لأَنِّي أَهتَدَيتُهُ والعَتمَةُ لم تَمنَعنِي مِن سُلُوكِه.
"إلى أَينِ؟"
وَجِلَ قَلبِي ويَبِسَ الدَّمُ دَاخِلِي، ظَنَنتُهُم نِيَامًا.
أَشعَلَ المِصبَاحَ مِن زَاوِيَةِ المَطبَخ، ما اضطُرِرتُ إلى الاِلتِفَاتِ نَحوَهُ.
يَقِفُ جوار الثَّلاجَةِ وبِيَدِهِ كَأسٌ أَفرَغَ مَخزُونَه.
لم أَدَع عَينَيَّ تَتَخَبطَانِ في صَفحِهِ، بَل عَزَمتُ أَن لا تَرَاهُ، وأَحتَجَبتُ بِنَظَرِي إلى حَقِيبَتِي. وبِصَوتٍ خَافِتٍ أجبته.
"رَاحِلَة."
وَضَعَ الكَأسَ مِن يَدِه، تَرَكَ البَارَ مِن خَلفِهِ وتَلَكأَ بِخُطُواتِهِ حَتَّى صَارَ قُبَالَتِي.
"إذَا لم تَخذُلنِي ذَاكِرَتِي، فَلا أَحَدَ لَكِ تَذهَبِينَ إلَيه."
أَن يَغرِزَ إِصبَعَهُ في جُرحٍ لا يَلتَئِمُ وكَأَنهُ خُلِقَ لِيَكُونَ مَفتُوكًا ما عاد يُؤلِم، فَالاِعتِيَادُ سَيِّدُ الحَيَاة.
ما مَنَحتُ نَفسِي سُلطَةَ البَقَاءِ عِندَ أَحَدٍ، كَمَا أَنَّ الهِجرَةَ مِن دِيَارٍ إلى أُخرَى مُضنٍ. كَيفَ تَتَأَقلَمُ الطُّيُورُ مَعَ فُصُولِ السَّنَةِ وَلا سَيطَرَةَ لِي عَلَى فُصُولِ حَيَاتِي؟
"لا أُرِيدُ أَن أَكُونَ عِبئًا ثَقِيلًا عَلَى أَحَدٍ."
يَكفِي أَنَّ الأَرضَ بِالكَادِ تَحمِلُنِي، فَغَوصِي بِهَا عَمَّا قَرِيب.
تَكَتَّفَ بذِرَاعَه أَمَامَ صَدرِهِ، ورَاحَ يُنَاظِرُنِي، ما عَلِمتُ فَحوَى طَقسِهِ، فَعَينَايَ لم تَجرُؤ عَلَى النظَرِ إلَيه.
"يَبدُو أَن لُعبَةَ المُطَارَدةِ أَعجَبَتكِ، تَختَفِين ونَحنُ نَبحَث."
شَعَرتُ بِأَنَّ أَوصَالِي ترتَخِي، كَيفَ لَهُ أَن يَكُونَ صَلدًا، إلى أَن دَاخِلِي ما زَالَ يَحتَرِقُ مِن هَجرِه.
وما يَئِستُ مِن رِيِّ فُضُولِي، احتَدَّ صَوتِي غَيظًا.
"لَستُ أَنَا مَن يَختَفِي، جَرِّب أَن تَسألَ نَفسكَ هذا السُّؤال، لَقَد طَرَحتُه عَلَيكَ كَثِيرًا ولَم أَتَلَقف أَيَّ إِجَابَةٍ مِنكَ."
طَالَتهُ عَينَايَ سَأَلتًا عَسَاهُ يَتَنَازَلُ عَنْ صَمتِهِ، فما تَوَانَى عن نَهرِي وإِبعَادِي عَنِ الحَقِيقَة.
"إِجَابَتهُ لَن تُعجِبكِ، ولَن تنَال رِضَاكِ."
حتَّى وإن نَالَت رِضَايَ، مَن استَباحَ لكَ فَهمِي كَما تَرغَب، دُونَ المُحاولةِ لأَفهمَ أنا؟ تَراخَت عَينَاي كَما تَراخَت يَدِي عَن مِقبَضِ الحَقيبَةِ.
"لقد فَكرت، أَنتَ لم تَثِق بِي بِالشكلِ الكَافِي لِتُعلمنِي بِعلتِك، فما كُنتُ لكَ شَيئًا مِنَ الأسَاس."
تَلمسَت أَنَامِلُهُ ذَقنِي تَنتَشِلُهَا مِن بُقعَةِ الأَرض، رُج جَانِبِي الأَيسَر حِينَ التَقَت عَبرَتِي بسَوادِ عينيه، لطالما كُنتُ خَائِفَةً من خُرُوجِ مشاعري معَرضَةً عن حُكمِ عَقلِي. إلى أَن دَاخِلي ما زَالَ يَنضبُ له.
"وَإِن عَلِمت بِالسبَب، سَتبقين؟"
تَراقَصَت حاجِبايَ في بادِرَةِ الأَمَلِ، واستَسلَمَت عَينايَ تَبحَثانِ عن مَصُوغٍ لأَفعالِه، حَقيقَة أَنهُ اختارَ الرَّحيلَ عنِ البَوح لم تُوصِلني لأي مُبَرر. شَتتني أفعالُه فَنَسِيتُ الكَلِمات، لولا أَن هَداني عَقلي للاستمرارِ. حَبَستُ أَنفاسي لوهلةٍ، ثُم أَكمَلتُ بشُرودٍ.
"مَن يَعلَم، رُبما الشيء الذي فَشِلتَ بفعلهِ قَد لا أَفشَلُ أنا به... قَد أكونُ أمامَ ظُنُونِكَ، أو أُسقِطُها."
تَأَملَني بصَمتٍ زَلزلَ مُهجَتي وأَجتَرني إلى حَربٍ بيني وبيني، وما اكتَفى بِذَلِكَ، راحَ يُداعِبُ خُصلاتي بحُرّيةٍ ما أَبَحتُها له .
حتى اجتَرتهُ لَحظَةُ الإدراكِ فَانسحَبَ بِمهلٍ، وما وَدِدتُ هَجرَ يَدِهِ عنِّي، أَمَ اعتادَت نَفسي الهَجرَ؟ تَمَلصَ مِن مُواجَهَتي، وما انفَكت عَينايَ تَتبَعانِه تَنتَظِرانِ الخَلاصَ.
"لقد سَلَبتَ رُوحًا... وما ظَلَلتَ عليها."
تَنَفسَت رُوحي صخبًا، أَبحثُ عن ترجمةٍ لأَقُولهُ، فَكُلنا نَسلبُ الأرواحَ بإرادتِنا أو بدونِها، كُل يوم أَسلِبُ رُوحي حَق المَضِي والنسيانِ إلى أني أُعيدها إلى نُقطَةِ البِدايَة.
فَأَي روحٍ يقصِد؟ رُوحٌ يُملِكُها أَم أُخرَى انتهَكها؟
طالَ صَمتي في مُحاوَلَةٍ مِنِّي لإدراكِ مَكنُوناتِهِ، إلى أني لَم أُفلِح.
"لَم أَفهم."
مَضى مُتَنهدًا مِن أمامي، عازِمًا على الذهابِ لِوِجهَتِه، فَاستَدار يُلقِمُني بَعضَ ما يَختَزِنهُ.
"الحَقيقَةُ مُرة، ولكنها تظَل حَقيقَة. سَتَبقِينَ، ولن تُغادِري."
لهجتُهُ كانت آمِرَةً، لا طلب فيها. بَقيتُ في نَفسِ بُقعَتي، وتَناوبَ الشُّرودُ جالِسًا مَكانهُ، حتى عادَ ثانيةً، عَلَّهُ نسيَ إخباري بشيءٍ، إلى أنه أَمسَكَ بيَدِي واضِعًا عليها شيئًا ما لَم أَهتَدهِ، لأنَّ عَينايَ كانَت معه، وتتَبَّعتُهُ حتى رَحل مُجَددًا.
عندها أَبصَرتُ ما اختَزنَتهُ يَدي: هاتِفي؟! أَمَا فَقَدتُهُ؟!
عِتابُ تِسعَةِ أَعوامٍ مِنَ الهَجرِ انتهَى في ثَوانٍ. كانت حُدودُ مَعرِفَتِنا أَربَعَةَ فُصولٍ إلى الرَّبيع الذي أَخَذتهُ أَنْتَ يومَ رَحيلِك.
وُجودُهُ فِتنَةٌ أَيقَظَتني مِن سُباتي كَتنينٍ ما عَهِد الاستِيقاظَ إلى حينِ دُخولِ مُغامرٍ إلى كَهفهِ.
تَأَمَّلتُ الهاتفَ في يَدي، يُشبِهُ خاصتي، لكنهُ ليسَ هو. لا أَعلمُ لِمَ طوَّقتُ نَفسي به، وبكلماتِهِ أجتر مُمتَلَكاتي، أو ما تَبَقى منها إلى الغُرفَةِ، عَلِّيَ انتَظَرتُ منه إخباري بالبَقاء.
اِرتمَيتُ على المِلاءةِ البَيضاءِ، وفي شُرودٍ أَخَذتُ أَتَأَملُ الهاتفَ حتى فَتَحتُهُ وكُلِّي تَخَوفٌ. اِنهالَتِ الرَّسائِلُ كَقَطَراتٍ تَحَررَت أخيرًا مِن غَيمَتِها، ما عَلِمتُ أني مُهِمةٌ عندَ أحدٍ.
وكُلي فُضولٌ، تَفَحصتُها، كانت رَسائِلَ تَعزيَةٍ مِن زُمَلاءِ المَسرَحِ، وأُخرَى لِلِاطمِئنانِ مِن تَلامِذَتي، لأَني كنتُ مُعَلمةَ بِيانو خاصة.
لِمَ انزَلقَت تِلكَ الفِكرَةُ مِن رَأسي؟ أَستَطيعُ العَودَة إلى تَعليمِ العَزفِ، إلى أن ذلكَ يَستَغرِقُ طألا مِن الوَقتِ حتى أَجمَع المَبلَغ المُقَدرَ لِسَدادِ الدين.
تَدريجيا تَعالَت أَساريري وأنا أُرَددُ على مَسامِعي كَلِماتٍ أَرَدتُ سَماعَها.
"إنهم يَهتَمونَ بأمري."
وخِلالَ لَحظاتٍ تَخَللَتها استِنكار وتصديق أَماتهُ الوَسَنُ إذ طَوقَني ثانيةً، وما أَعدَمتُهُ بل تَقَفيتهُ، وأَساريري تَهذي ابتِساماتٍ حتى غلَب عليَّ النوم، وما وارَيت عَينايَ عن صراطِعها إلا على طَرَقاتٍ مُتَتالية على البابِ.
لم أُرهِق نَفسي وأَنهَض لِفَتحه، بل اقتَحمَتهُ "يون ها" على عجَلٍ، ورَتلَت مَطالِبَها ومُتَطَلباتها دون أَخذِ رأيي.
"سَآتي لأَخذكِ مساءً لِتَناوُلِ العَشاء في الخارج، كُوني على استِعداد."
لَم تُعطِني أحَقيةَ الرد، ولَطَمَتِ البابَ خَلفَها. تُجعِلُني أَتَساءَلُ دائمًا عن ماهِيَّةِ نَواياها، لأَنَّها غَريبَةُ الأطوارِ.
تَلَحفتُ على الفِراشِ، أَدثُرُ نَفسي أَكثَر، وعُدتُ إلى عالَمي، العالَمِ الذي لا سُلطَة فيه ولا سُلطان، لا ظالِم فيه ولا مَظلوم، فقط عندما يَتَسلط عليك يُغيثُك مِن قسوتي الواقِع.
تَناهَيتُ عن مَضجَعي بعد ساعاتٍ، الشَّمسُ قد وريت خَلف حَوالكِ الليل، والغَيمُ يُعربُ عن تَمَلكهِ لهذا الشَّهر. قد تثلجُ لأيامٍ حتى تُغَطي الثَّرَى وتخلف أنامَها عليه.
وارَيتُ نَفسي خَلفَ دِثارٍ يُقِيني بُرودَة الأَجواء: بنطال أَسوَد صُوفِي، وقَميص مِن نَفسِ جِنسِه، وأَلتَحفت فوقَهُ قَميصًا آخرَ بلَونٍ أَبيَض. لا ضَيرَ مِن شَحنِ الروحِ وإلهائِها عن قَساوَةِ الواقِع.
اصطَحبَتني "يون ها" بعد عَودَتِها، اكتَفَيتُ بالصمتِ حتى نَصِلَ، أَنوي غَدقها بطألٍ مِن الأَسئِلة جَهزتُها حينَ استَيقَظتُ سابِقًا.
وحينَ ارتَأَينا وِجهتَنا، حطَطنا بأقدامِنا على المَطعَم، فارهًا مُحاطًا بالحرَسِ مِن كُل فَج. أَولُ شيءٍ لفتَ ناظِرَي كانتِ الثرَيا البَراقةُ تُضِيءُ المكانَ وتَتَباهَى بجَمالِها.
وبعد أنِ احتَكَرنا زاوِيتَنا مِن المَطعَم الذي حَجزَتهُ لنا، خَلعَت مِعطَفَها وأَلقَتهُ على مِعصَم الكُرسِي.
"لَم أَسأَلكِ قَط، ولكن أينَ والِداكِ أو أَقرِباؤُكِ؟"
هذا ما خَشِيتُهُ، جَلَساتُ الصراحَة. أَرَحتُ ذَقني على راحَة يَدي أَتَأملُها قبلَ أن أُجيب.
"إِذًا كانَ هَدَفُكِ التَّحقيق، وليستِ التَّسلِيَة."
وَضَعَت قَدَمًا على الأُخرَى، ابتَسمَت لِتَنفي بِسَبابَتِها.
"ليسَ الأَمرُ كَذَلِك، اكتَشَفتُ أني لا أَعلَمُ الكَثير عنكِ، فقط."
"أَلَم يُخبركِ جي هون عني؟"
نَفَت بِرَأسِها وأَرختهُ على الكُرسِي.
"جي هون شَحيحُ الثغرِ، لَدَي مَصادِري الخاصَّة، ولا يُمكِنُ تَسريبُها."
ظَلَمتُهُ حينَها، فقد كانَ جَبا عَميقًا لَم يُفضَح أَمري، إذا كانَ الأَمرُ كذلِكَ. زالَت بَهجَتي عندَ ذكرِ أَمرِهِما.
صَحيحٌ أن جَدتي لَم تُقَصر معي، بَل أَعطَتني أَكثَر مِن ذَلِك، إلى أن المَرء يَحتاجُ لِوالِدَينِ. كَم كُنتُ أَتَلَوى حُزنًا عندَ رُؤيَةِ الآباءِ مع أَبنائِهِم، إلى أني تَحملت.
"كُنتُ خَطَأً خارِجَ الإطار، لِذَلِكَ أُلقِيَ بي، وبَقِيتُ مع جَدتي."
رَنَّت ضَحِكاتُها في المكانِ، هل بَدا الأَمْرُ كنُكتةٍ لها؟ بَررت حينَ طالَ صَفحي فَرأتهُ مُستَنكِرًا.
"لا أَختَلفُ كَثيرًا عنكِ في هذا."
"ماذا؟"
"لا تَهتمي."
نَهَرَتني بِعينيها أن لا أَستَمِر بتَساؤُلاتي، فَصَمَت وأَكتَفَيتُ الحِوار.
أَتى النادِل يَسأَل عن مُتَطلباتِنا، إلى أن الحديث سرقَنا وما اطلَعنا على القائِمَة. "يون ها" كانت تُدرِك ما تَرغَب، وأَملت رغباتِها. طلبت قِطعة لَحمٍ مَغمورَةً بالصلصَة، وزُجاجَة شَمبانيا.
تَأَملتها بصَمتٍ، وفي عَيناي واربَت أَسئِلة جمة، إلى أنها ظَلت في عَيناي. استدار النادِل إلي يَنتظر طلبي، وحينَها أَدرَكتُ أن مَعرِفتي بِعالمهم ضَئيل.
تَداركتُ الوَضع، وحملتُ القائمة، وأَسهَبتُ بِاختِيارِ أَولِ شيءٍ لَفَتَ ناظِريَّ: سَمكٌ مُشَوح، أَمَّا الشَّراب فَاكتَفَيتُ بالذي طَلَبَتهُ.
اِنسكبَ الوَقتُ على أَعتابِ الزمان، يَسرِقُ مِنَ اللَّحظَةِ تِلو الأُخرَى، ويَحسَبُها علينا. كِلتانا تُحارِبُ شيئًا يُزاحِمُ داخِلَها، إلى أني هَجَأتُهُ، وما انتَظَرتُ.
"أَخبِرني، هي جون سابقًا أنه سلب رُوحًا، ماذا كانَ يَقصِد؟"
شرَعت عينَاها بِالنظَرِ إِلَي، وَتَكادُ تَقسِمُ أَنهَا لَا تُصَدِّقُ مَا تسمعه.
"هَل فَعلَ ذَلِكَ الجبَان؟"
وَعَلَى قَائمةِ رَأسِي عَلتِ استِفهَامَات عِدة، مَرَّةً تَضحَكُ بِسُخرِيَة، وَأُخرَى تَهذِي مَعَ نَفسِها، إِلَى أَن أَدرَكَت أَفعَالها، عدلَت قامتها بِهُدُوء.
"اُنْظُرِي، لَا أَتحدثُ بهَذا فقط لِكونك صَدِيقَته، الآن أَنْتِ بِمَثابة أُختِي الصغرَى، وَأَنَا بِجدية استمتعت بِكُل لَحظةٍ قضَيتُها معك."
أَخذتُ أَرَى أَحلَامِي تَتحققُ، شَخصٌ مَا لَا يرَاني بِعينٍ تَزِيغُ إِلَى حقيقتِي، وَلَا تَستَغِل ثَغَرَاتي بَل تَسدهَا، وَأَنَا استَمتعتُ بَل امتنَنتُ لِكُل لَحظَةٍ وَجَدتُكِ بِهَا جَانبِي، إِلَى أَن مُقَدمَاتكِ تِلكَ تَحمِلُ كَارِثَة بَعدَهَا كَمَا سَلَفَ عِندَ عتبةِ بابي.
اِنتظَرتُ إِكمَالها فَما فَعلت، أَتى النادِل يَضَعُ كُل طَبقٍ عَلَى حدَة، وَبَعد أَن تَحَررَت يَدهُ مَسح عَلَى القِنيَة بِالمِنشَفَة التِي تَتدلى مِن مِعصَمه، عَبأ كُؤوسَنَا حَتى المُنتَصف، وَبَعد اِنتِهَائِه أَعَادها إِلَى حَاملَةِ المَشرُوبِ بِجَانِبِنَا، اِنحنَى وَأَسهبَ عنا.
رَاقَبنَا تَحَركَاتهِ بِصَمتٍ حَتى رَحَل، فَعَادَت نَظَرَاتنَا نَرمقُ بَعضُنا، اِنتظَرتُ مِنهَا المَضِي.
"عَاهِديني أَنكِ لن ترحَلِي حِينَ مَعرِفتكِ بِالأَمرِ."
مَا الذِي أَحدثهُ بِحَق حَتى غَاب أَعوَامًا وَصمَت عَن بَوحهِ حِين اَمتثَلتُ أَمامه؟ تنهدتُ بِضيق، أَكره هذا، وَلَكِن لَا بد مِن تَحَملِ قَراراتِي أَينَ كَانت.
هَززتُ رَأسِي مُوافِقةً لِعَهدِها، إِلَّا أَنهَا نَفت، تَطلبُ تَوقيعًا صَوتِيا.
"حسنًا، أُعَاهدُكِ بِذلِك."
اِستلتِ الشوكَةَ من الجَانب وَالسكينَ من الاخر، وَصبت اِهتمامهَا فِي تَقطِيعِ مَا يَشغَلُ مَعِدَتهَا، أَخَذتُ أَنا الْأُخرَى أَصُب اِهتِمامِي في طَعامي.
"جي هيون قَتلَ شَخصًا مَا."
تَجَمدَت أَطرَافِي، بَحثتُ فِي صَفحِها عَن أَي مَزحَةٍ فَمَا رَأَيتُها، كَانَت جَادةً، سَقطَتِ الأوَانِي مِن يَدَي، بَدَأتُ أَتُوهُ فِي عتَمَة الحَقِيقَة، الحقِيقَة المرة التي كَان يَتَقصدُها، وَسَنَت عَينَايَ حُزنًا.
"يَأخذُ الأَمرَ وِزرًا على عَاتقه رَغمَ أَنهَا كَانَت بِالخَطَأ."
"هَل يمكِنُ إِخبَارِي الحَقِيقةَ دُونَ تَجزِئَتهَا؟"
"إِنهَا قِصة مستنزِفة، وَلَا أَرَى الوَقْتَ مُنَاسِبًا لِأَروِيَها، كَمَا أَنِّي لَا أَنوِي المُمَاطَلة، فَقَط لَيسَ الان، رجاءً."
تُخبِرُني بِـ "لَيسَ الان"، وقَد أَطلَقت علَى جبِينِي رَصَاصَاتٍ تحومُ وَتحومُ دُون أَن تَجِد لَها مَمَرا لِتَخرُج مِن رَأسِي.
لِمَ قد يَقتُلُ "جي هون" شَخصًا مَا؟ "جي هون" الذي كُنتُ أَرَى فِيه الرفِيقَ وَالصدِيقَ وَحَتى الحبِيب، الذي كُنتُ أَنسَى بِسبَبِه آلامِي التِي شَطبَت جَانِبي المُشرِقَ، الشخصَ الذِي كَان وُجودُهُ يُبهِجُ أَسَارِيرِي، أَينَ لهُ أَن يَسلُبَ رُوحًا! بَل كيف!
.
شكرًا لحسن القرءة 💗🫂
𝑍𝑎𝑖𝑛𝑜𝑟𝑎