الفصل السادس: صَخَبُ المَشَاعِر

الفصل السادس: صَخَبُ المَشَاعِر

19 0

~sora~

في أيّامي الباهتة، عندما كانت فُروعي ناضِبَةً بالحبِّ والوُد، وعندما كنتُ أرى الأسودَ أبيضَ، والأبيضَ أسودَ، تواريتُ خلفَ عباءةِ البَراءةِ، فعشتُ من الاستغلالِ والعبَثِ ما يُخوّلني كَرهَ الجميعِ، والحقدَ على نفسي.

في كلِّ مرّةٍ كان يَدنو منّي شخصٌ يُعبِّرُ عن مكنوناته ورغباته بمرافقتي، كنتُ أقفزُ ويتطايرُ الفرحُ منّي، إذ ظننتُ أنّي مرغوبةٌ من الجميعِ، حتى فارقتُ الواقِعةَ بيني وبين خيالاتي التي لم تَصِلْ نصفَ السماءِ.

التنمّرُ الذي كنتُ أُحابيه لكوني ابنةَ عشيقةٍ ومن بُؤرةٍ غيرِ سَويّةٍ، كان لا شيء، أمامَ ذروةِ كون لا أحدَ ليقفَ كالحائطِ المتينِ من خلفي... كنتُ أعودُ وطائلٌ من الحُزنِ يُغطّيني؛ مرّةً يُلقى عليَّ الكَلِمُ، ومرةً يُطبقُ عليَّ الفِعل. لم أُفصِحِ الأمرَ لأحد، وتركته لنفسي.

ما زال طَعمُ الطِّينِ الذي كانوا يَرشُقونني به يُداعِبُ ذاكرتي، وصوتُ ضحكاتِهم يتخلّلُ لحظاتي. في كلِّ مرّةٍ كانوا يَقتادونني إلى باحةِ المدرسةِ، أو إلى السطحِ، أو حتى إلى المَلعبِ الداخليّ، كنتُ أُسايرُهم بطواعيّةٍ وأنا أعلمُ ما سأُواجِهه لاحقًا.

كنتُ لُقمةً سائغةً لهم، خاصةً وأنّ سِيرتي على كلِّ لِسان.

أفشَتْ سِري فتاةٌ كانت تَعيشُ في حَيّي، حاولت استمالتي إليها، لأكون إحدى تابعاتها ولكنّي كنتُ أجهلُ ما يَصبو إليه مستقبلي، فَنَهرتُها في ضيقٍ، رافضةً إطاعتَها، فانتقمت منّي كما ترى، وأخبَرت مَن في صَفّها أنّي ابنةُ مَن هوى، حتى صِرتُ الصَّفحةَ الأولى في المجلةِ المدرسية...

كلّما تَناهَيتُ إلى أنظارِهم رَشقوني بالضحكاتِ والسُّخريات، إلى أنّي تَشبَّثتُ ولم أنهَر أمامَ أحد، وحين انتهاءِ اليومِ الدراسيِّ كنتُ أَخْتَمِرُ بُقعتي على كُرسيِّ الحديقةِ، أُشكيه بُؤسَ أيّامي، وتَتَهَافَتُ دمعاتي، الواحدةُ تِلوَ الأُخرى، وبعدها أعودُ أدراجي بصَمت.

الأملُ كان داخلي ولم يَمُتْ، اعتقدتُ أنّ ذهابي إلى الثانويةِ سيُغيّرُ كلَّ شيءٍ، وأنّ الوجوهَ الجديدةَ لن تَنالَ حقيقتي، إلى أنَّ ذاك محضَ هُراء، لأنّنا التصقنا حتى في ذلك.

وعند خلاصي من سنواتي الدراسيةِ، جرَّني الأملُ ثانيةً، واجترّتني التوقّعاتُ، إلى أنَّ الحبلَ كان واهن، وكلَّ شيءٍ ترابطَ في بعضِه. كنتُ أعزفُ على البيانو بشغفٍ حتى صار حُلمي والغناء.

التحقتُ بإحدى المسارحِ ونجحتُ، إلى أني قابلتُ نهايتي عندها، إحدى المُتنمّراتِ اللواتي كُنَّ يتكالبنَ عليّ. ما تحملتُها، خاصّةً عند سَلبِي من الدّورِ الرئيسيِّ لإعطائِها إيّاه، هي ابنةُ السُّلطانِ، فلن يُرفَضَ لها طَلَبٌ.

ثُرتُ حينها، ولم أعرِفْ مَن أكونُ حين ألقَيتُها من أعلى المسرح.

الشعورُ الفَتيُّ الذي اقتادني كان نَعيمًا، والابتسامةُ التي رَصَصتُها وأنا أراها تَهوي وتتلوّى ألمًا، جعلَتْ من أنفاسي تَهيمُ... تلبَّسني الشيطانُ حينها، إلى أنَّ ذاك الشيطانَ لم يكن سوى ما تراكَمَ منهم من عَجاج.

وأنا أعيشُ تداعياتِ ذلك اليومِ بسببِ شعورٍ فَتيٍّ مات لحظتَها. لقد مرَّ عامانِ على ذلك.

لم أكن أملكُ من البَشرِ من أَثِقُ فيه وأُخَوِّلُه مساعدتي، إلى أنَّ قطعةً ساقطةً من السماءِ وقعتْ أمامَ بابي، انتشلتْني من بين تلابيبِ البؤسِ، لو ترى نفسَها في عينَيَّ لنصّبتْ نفسَها وزيرةَ عدل.

شعورُ العجزِ يأكلني وأنا أرى دَيني يتفاقم.

جسدي مرتمٍ على كُرسيِّ سيّارتها، عائدتَين إلى وَكرها، بعد إذ زرنا البنكَ لمعرفةِ ما يَجري من تقاريرَ جَراءَ مَصيري الموسومِ بالحظِّ العَثِر... كانت غلطتي الوحيدةِ إلى أنّها سلبتني جبلًا ممّا أملك.

تنازعتُ معها وأنا أفتحُ النافذةَ وهي تُغلقُها وتَنهرُني ببرودةِ الجوِّ، إلى أنّه لم يَطَلْني منه شيءٌ، فالشتاءُ الذي يتأصّصُ داخلي أشدُّ منه ضَراوةً... نِهايةً أَوصدتِ النوافذَ من جِهتِها وتركَتني أُحارِبُ أفكاري بسُكونٍ لمُدّةٍ لا بأسَ بها.

"ما السببُ الذي جعلَ جدّتَكِ تتديَّنُ هذا الكم من المال؟"

حمقي وتخلُّلُ الغباءِ في رأسي كان السبب.

إن قلتُ لا أعلَمُ فقد كذبتُ، وأنا والكذبُ لا نلتقيان عادةً، أُحبِّذُ الصمتَ على ذلك.

اختلستْ منّي النظرات تُشفِي فُضولَها علّها ترى شيئًا لا أراه. واريتُ وجهي إلى النافذةِ وأسندتُ رأسي بيدي.

"جُرمٌ ارتكبته في حقِّها."

كانت المسكينةُ تُحاولُ جاهدَةً لَملمةَ ما أحدثتُه حينها، كما لَمْلَمتْ أفعالَ ابنتِها.

"أيُّ نوعٍ من الجُرم؟ وضِّحي، لأنّ المبلغَ مُبالغٌ فيه قليلًا."

اكتشفنا أنَّ جدّتي لم تَرْهَن منزلها وحسب، حتّى مجوهراتِها تخلت عنها.

لم أتماسك عن البوحِ مطولًا إذ جَهَرْتُ:

"أوقعتُ شخصًا من المسرح، وطالبتْ عائلتُه بالمال."

خَبَّأتُ جرمي وسَتَرْتُه، لم أَبُحْ خوفًا من تداعٍ في عَينَيْها.

هذا سيجعلها تصمت عن التَّساؤلات، إلى أني نسيتُ أنَّها محامية، وتُمسك الثَّغرات بعزم.

"إن كانت حادثةً فلا أحقّيّةَ لهم بمطالبةِ المبلغ، تكاليفُ العلاج لا تتطلّب كلَّ ذلك."

هذا إن كنتُ بريئةً كما تراني عيناكِ.

أغمضتُ عينيَّ، وقد تكرّرتِ الذكرى داخلهما، طعمُ الانتصار جميلٌ إلى أنه ألمني، ويدي قد حَبَتْ طريقَها إلى رأسي تُطَبْطِبُ عليه علَّه يهدأ.

"هل كان عمدًا؟"

ويالَ دهائِها، أمسكتُها وهي تَجُرّ الحقائقَ من صَفْحي وقد نَجَحَتْ.

طوال طريق عودتنا حاولت نَبْشَ الكَلِمِ من حقيبةِ فمي المهترئة، إلى أني أرفضُ البوح.

لا أعرفُ عنها شيئًا غير أنها أختُه، هو الذي خذلني ذات مرّةٍ راحلًا عن طريقِ فؤادي.

عَزَمْتُ أنه حين تُولِيه الأيامُ ألمًا حتمًا سيعود إلى أساريري التي كانت تَنضُجُ فَرَحًا، وحين عودته فكّرتُ وفكّرتُ كم مرّةً عليَّ إهانتُه وزجرُه، إلى أنه حين انقشع الغمامُ عن غيابه وشرقتْ طالته إليّ، اختزلَ الكَلِمَ فيّ، وخذلتْني نفسي إذ كنتُ أنا المُهانةَ وليس هو.

فِيَّ كبرياءٌ وعنادٌ أجهلُ من أيِّ فجٍّ وُلِد، إلى أنَّ كبريائي لا ينساق دائمًا إلى ما أريد.

طريقي محفوفٌ بالألغام، أخافُ أن أنساقَ إلى حقلِه، وأتحوّلَ فُتاتًا فُتاتًا، ولا أجدَ لنفسي سوى الأشلاء.

خائفةٌ من مصيري، من مستقبلٍ لا أرى خيطًا له، ولم أحسب حسابَ عودته أبدًا إلى مَداري.

خلال بقائي للأيامِ الزائلة في هذه الدار، ما تهوَّنتُ في الاختفاء خشيةَ اصطدامي به ولو بالصدفة، أوصدتُ الباب من خلفي، واختبأتُ في العتمة. مرَّت أربعةُ أيامٍ منذُ احتلَيْتُ دارًا غير داري، واستكنَّ رأسي بوسادةٍ غير وسادتي، وداخلي ينخرني بكلماتٍ تؤلمني.

كنتُ أختلسُ النظرَ عبر النافذة في كلِّ مرةٍ يدوي فيها صوتُ محركاتِ السيارة، عليَّ أراه، وصادفتُه عدّةَ مراتٍ، تُخولني معرفةَ متى ظهوره وغيابه.

أخرجتني "يون ها" من الغرفة عنوتًا عند خروجه من داره، استغربُ منها كيف تثقُ في الغريبٍ بسرعة، وتتركه في دارها، لا، وليس لها وحدها! ألم تخف قطّ أن تضعف نفسي، وأسرقَ مَعوَلتهم الثمينةَ وأَنفُذ؟

أقفُ على مقربةٍ منها، وظهري متكئٌ على أرففِ المطبخ.

لم أرَها تُعِدُّ طعامًا أبدًا منذو ذلك اليوم، إمّا نأكل من الخارج أو تأتي مدبّرةُ المنزل فتُعدُّ لنا الطعام و تتدبر أمور الدار.

أوْلتْني بظهرها ويداها تعبثان بآلةِ القهوة، حالَ ما انتهت ناولتني كوبًا أخضرَ داكنًا، وكان كوبها أصفر.

اجترعتُ منه عدّةَ مرات، فسَورتني الشكوك حين لمحتُها تبتسمُ عدّةَ ابتسامات. لو ما عرفتُ أنَّ نفسَها لن تُسوِّلَ لها قتلي ، لأيقنتُ وضعَها للسمِّ داخله، تجاهلتُ ذلك كأني لم أَرَه.

إلى أنَّ عينَيَّ الفضوليتين كقطٍّ يُحبّ حشرَ نفسه في الأماكن الضيقة، كنتُ أسترقُ النظراتِ إلى الضفة الأخرى، ضفّته التي خشيتُ رؤيتَه.

"تُريدين أخذَ جولةٍ هناك؟"

استنكرتُ الأمرَ بأساريري، ولكن سرّي يُريد رؤيةَ ذلك، إلى أني زجرتُها بعيني أنفي ذلك.

"شكرًا على العرض."

ضحكتْ وكأني أنفقتُ نكتةً من نُكَتِ السَّخف عليها.

"أجهلُ سببَ غطرستِكما أنتما الاثنين، في الماضي ما انفكَّ أخي يُنبئُ عنكِ كلَّ مرّةٍ يركُ بها... كلَّ مرّةٍ كانت تسأله أمي."

بدأتْ حديثَها بحماسٍ طائشٍ، وأنفقتْ من لغةِ جسدِها ما يكفيها، إلى أن أنهتْه بحزنٍ بالغ، وتسمّرتْ عيناها على الكوب في يدها.

هل كان يتحدث عني؟ ماذا كان يقول؟ أم كان يُفرط في امتداحي كما كنتُ أفعلُ عند جدّتي؟ مدةُ معرفتِنا كانت قصيرة، إلى أنها عميقةٌ كالجُبّ.

ما خفتُ إخبارَه عن كوني من بؤرةٍ فاسدةٍ، من امرأةٍ بَغَتْ برجلٍ زانٍ، وأُنزلتُ لأكونَ عِقابَهما.

أتساءلُ أحيانًا، هل استمرّا بحياتهما ونسيا الخطيئةَ التي تركاها خلفهما؟

ما زالت خَيْبَةُ الهِجرةِ تُحايِبُنِي، لا أعلَمُ لِمَ اختارَ الإنسحابَ دونَ وَداعٍ. تَساءلتُ كثيرًا ما الخَطأ الذي اقتَرَفتُهُ بحقِّه حتّى رَحَل، إلى أنّي لم أهتَدِ إلى شيءٍ يَهديني إليه.

تَرَكَهُ لي والرَّحيلُ تَرَكَ بي بَصمةً إن حاولتُ مَحوَها ثَبَتَت أكثر.

غيَرت مَجرى الحَدَثِ ثانيةً وبِسَلاسةٍ بعد أن طالَ صَمتي.

"لا ضَيرَ من لَمحَةٍ خاطِفةٍ تَروي فُضولَكِ."

تنهَّدتُ ولم أُلقِ بالًا، أَخافُ أن أَصبُو بابَهُ فيَقبِضَ علينا كَاللُّصوص، وخاصَّةً أن تواجُدي هنا ليس في مجالِ إدراكِه.

كِدتُ أَرتَشِفُ من الكوبِ لَو ما نَشَلَتْهُ منّي، تَضعُهُ أعلى الرُّخامِ وكوبُها قد سَبَقَه، اجتَرَّتني قَسرًا حتّى اجتزنا الحاجزَ. كان المكانُ حالِكَ العَتمةِ غيرَ ضوءِ المَطبخِ الذي يُنيرُ عَتَباتِ غُرفةِ الجُلوسِ.

حرَّرَتني وانطلَقَت تُوقِظُ الأضواءَ، حينَها تَرَاءى المكانُ في عَينيَّ. كُلُّ شيءٍ هنا مُنسَّقٌ ومُرتَصٌّ بتَمعُّن، جُدرانُهُ رماديةٌ، إلى واحدة لونُها كَالياقوت القاتمِ كحالِ الأرائِك.

لوحاتٌ هندسيةٌ تأطَّرَت على إحدى الحوائط، والأخر يَختزِنُ أرفُفًا فارغةً إلى واحد كان يَعتليهِ مُجسَّمٌ لسيارةٍ سوداء.

مختلفانِ كالشَّمسِ والقمرِ، كالسُّهادِ والوَسَنِ.

اختَلافُ "يُون ها" عنهُ بَليغ، طَرفُها ذاتُ ألوانٍ مُشرِقةٍ وأثاثٌ كثير، إلى أنّه جميل.

أسرفتُ عَينَيَّ النَّظرَ في المكان حتى قاطعتني.

"تُوجَدُ غُرفتانِ هناكَ ومكتبٌ كحالِ خاصَّتي."

أشارت تُرشدُني إليه، وما زَهِدتُ في النَّظرِ فاختَلَستُه.

لم أعلَمْ عنهُ الكثيرَ كما فَعَلَ هو، ما أعرِفُهُ عنهُ شُحٌّ.

أمسكَتْ بمِعصمي لِتَقتادَني إلى غُرفتِه، إلى أنّي انتَشلتُ يدي منها، وعَصَمتُ عن الاستمرارِ في تفتيشِ ممتلَكاتِه.

صَبَوتُ عَتبَةَ الحاجزِ، اخترقَ أُذُنيَّ نَغَماتٌ تُنبِئُ بمحاولةِ فتحِ قُفلِ البابِ الآليّ. لم أتَوانَ في الوقفِ بل رَكَضتُ واختبأتُ خلفَ الحاجزِ.

صوتُ انقشاعِ البابِ هدَّدَ راحةَ جسدي، وقلبي نَفَضَ الغُبارَ عن سُكونِه.

عِندها سَمِعتُ صوتَهُ العَميق، ما نَسيتُهُ. أذكُرُ أنّي لم أَغتَرِفْ من بِئرِ فَمِه الكثيرَ ذاكَ اليومَ إذ نَهَرتُهُ وارتَمَيتُ في العِتابِ.

وبَّخَ "يُون ها" توبيخًا طفيفًا لتطفُّلِها على حَيِّزِه، ومن الواضحِ أنّه اعتادَ فِعلَها لذلك.

احتلَّ الصَّمتُ المكانَ لبرهةٍ ظنَنتُها دهرًا. عادَ باكرًا جدًا، ولم يكن ذلكَ في حُسبانِ أيٍّ منّا.

انهالَ على سمعي وابلٌ من الصَّدماتِ، أخبَرَتهُ الخائنةُ أنّ في منزلِها ضيفًا، ألا تُريدُ لقاءَهُ؟

توسَّلتُها مِرارًا عدمَ إخبارِه بوجودي معها، إلى أن توقعاتي عنها كانت زائدةً. ويالا راحةِ الفؤادِ ومرارةِ الكلماتِ حينَ قالَ إنّه لا يَهتَمّ، وغادَرَ مُصِدًّا البابَ خلفَهُ.

أردتُ توبيخَها توبيخًا يليقُ بفعلَتِها، ولكنّي تذكَّرتُ فَضلَها عليَّ فخَمَدَ غَضبي عنها.

جرَرتُ قَدَمايَ إليها أنوي استفسارَ أفعالِها، إلى أنّ عَينَيَّ اصطَدَمَتا بهِ لا بها.

واجتَرَّني الصَّمتُ كحليفٍ يَتأبَّطني لِيُراقِصَني في مَحفَلِ الالتقاءِ حين ألقاهُ.

التَهمتْهُ عينايَ شوقًا، وروحي سَهَب وددت أن لِغيابِه عني مُبرِّر، لَأَرتميتُ بين أحضانِه، ولَطوَّقتُهُ ببسماتٍ لم تَعُد تَنجَبُها مُهجَتي.

كنتُ أُخطِّطُ في أيّامي الغابرةِ للاعترافِ لهُ بمشاعري، لكنه اختفى.

عيناهُ لم تَعدْ كما كانت، تَرشُقُ ودًّا وفَرَحًا. رأيتُهُ عن قُربٍ كالإحترَاقِ في لَهيبٍ مُسعَرٍ.

إنّهُ ليسَ نفسَ الشخصِ قالبًا وقلبًا. أصبحَ شامخًا كجِبالٍ راسِيةٍ لا يُهزُّها شيء. ملامحُهُ احتَدَّت، تَنضُخُ رُجولةً، مُتخلِّيَةً عن مَظهرِ الصَّبيِّ الذي عَهِدتُهُ.

عكسي تمامًا.

سَرابيلُهُ داكنةٌ تَتَحالَفُ واللَّيالي.

لا أرى العَجَبَ في تفاصيلِه ولا الشَّوقَ، منذ إذٍ نَسيتُ أنّي كنتُ حُبلى بحُبِّه ولم أُنجِبْهُ.

نظراتُهُ حائرة، ونظراتي خائبة. سَلَّطتُ عَينَيَّ إلى الأرضِ، ويدايَ تُعَنِّفانِ كَفِّيَّ في ضَمَّةٍ مأسويَّةٍ. حينَ ارتأيتُ رَفعَ عينيَّ، رأيتُهُ يُغادِرُ أدراجَهُ.

لِمَ؟! ما جُرمي بحقِّك؟!

اعتَلَتْني الدَّهشةُ حينَ فارقَ المساحةَ وغادَرَ المنزلَ.

أردتُ الهُدنةَ، أردتُ السلامَ، إلا أن ليسَ لي أيُّ آمال.

"يُون ها" كانت مَشحونةً بالتَّساؤلِ، إلى أنّها صَمَتَت.

ركَضتُ خَلفَهُ وداخِلي يتآكَلُ: لِمَ؟

لم أَنتظِرِ المِصعَدَ بل ركَضتُ الدَّرجَ ودونَ تغييرِ خفاي أو إلتحافٍ ما يُواريني من عُريَ البردِ.

توقَّفتُ أستلُّ أنفاسي، والليلُ يَلتَحِفُ آفاقَ السَّماء.

كان يعتزمُ المضيَّ، إلى أنّي التحَقتُ به أقطعُ الشَّارعَ إلى حيثُ مَركبَتِه.

وبصوتٍ غَلَبَ عليه الشَّجنُ و الإرهاق بُحتُّ:

"جي هون..."

كانت أولَ مرّةٍ أنطِقُ فيها اسمَهُ منذ إذ نَفيتُهُ خارجَ مَوطِنِ حروفي.

توقَّفَ جَسَدُهُ عن الصُّعودِ وأغلَقَ البابَ، التَفَّ إليَّ وصفحُهُ فارغ.

اللَّعنةُ، مَن تكون؟

صَمت يَنتظِرُ مِنّي المُبادَرةَ وقد فَعَلتُ.

"لِمَ رَحلتَ؟ ولِمَ كُنتَ تُراقِبُني في صَمت؟ وتَرَكتَني لِوَساوِسي؟ لِمَ؟"

جالَ صوتي باهتًا، خافتًا، مَليئًا بتساؤلاتي.

استَكنَنتُ قُبالَتَهُ بعزمٍ عليَّ أن أعلمَ أسبابَه.

صَمتُهُ طالَ، وكأنّهُ لا يَملِكُ من الكَلِمِ في جُعبتِه ما يُرضي فُضولي.

عَيناهُ تُراقِصانِ صَفحي دونَ توقُّفٍ، خَلَّفَ التوتّرُ فيَّ.

"يَخافُ المرءُ أن يَخسَرَ ما يُواسيهِ ويَجرَحُه، حياتي كانت شاقَّةً بالفعل، فلا تزيديها."

أراهُ يَستمر في التهرُّبِ من إجابتي، ولكني عازمةٌ على مَعرِفةِ السَّببِ.

"وهل أنا سَببُ شَقائِك؟ تساءلتُ كثيرًا إلى أنّي لم أَهتدِ إلى إجابةٍ."

تنهَّدَ حتّى طالَ دُخانُ أنفاسِه صَفحي، وأجابَني ببرود:

"الصَّبيُّ من ماضيكِ رَحَلَ ولن يعود، حبَّذا لو ما قَتَلتِيهِ فيكِ."

فعلاً، ما عُدتُ الشَّخصَ الذي كان يُلقي إليَّ سَمعَهُ، وما كانت عَيناهُ تَغيبانِ عنّي حينَ حديثي.

"صَدِّقني، إن رحلتُ فلن أَعود، ولن أَغفِرَ لكِ ما حَيِيتُ."

كنتُ عازِمَةً على رَحيلي، إلى أينَ لا أدري.

فَوَطني مَنكوُبٌ، وكوكَبي موبوءٌ، لعلَّ رحيلي أفضَلُ من عَودَتي إلى ديارٍ ليسَ لي فيها أهل.

استَدَرتُ مُغادِرَةً، حتّى فاءَ من عُمري أشواط.

مَرَّ أمامي الآنَ شَريطُ حياتي كامِلًا. كِدتُ أُدهَسُ لَولا يَدُهُ التي اجتَرَّتني إلى أحضانِه.

ارتَدَدتُ فيه بجمودٍ، تَصَفَّحتُ أخاديدَهُ عن قُربٍ، يَسولُ لنفسي الفَساد.

كنتُ عاجزةً عن دَحرِ عينيَّ عنه، وهوَ يُطلُّ إلى السيارةِ التي كادت تُرديني قتيلةً بشررٍ من عينيه، حتى أغدقَني بوابلِ نَظراتِه الخائفة.

تسلَّطَ ضوءُ الإنارةِ عليه و صفحه أضيء منها، إلهي... نُدفةُ ثلجٍ سقطت من أعلى السماءِ على أنفِه، أما خَجِلت؟

ما عَلِمتُني رَخوةً أتشكَّلُ على قوالِبِ الحُب.

كنتُ للتوِّ أزجُرُه، والآنَ أُحلِّقُ في أُفقِ أحلامٍ جَسَّدتُها له.

لَطماتٌ من يَدِه كانت واهِنةً، وشفَتُهُ تَهذيانِ بما لا يُدرِكُ سَمعي، وجسَدي خائبٌ بينَ يديه.

قرأتُ بعينيَّ شيئًا من ثَغرِه يقولُ:

"تَنَفَّسيني... تَنَفَّسيني."

فأجَبتُ، وكُلّي خُمولٌ:

"أتنفَّسُك."

_____

الفصل كان جاهز من فترة طويلة ولمن جيت أعدله انحذف

مره كنت زعلانة عليه بس أكتشفت إني حافظته في محادثة وسحبت عليه عشان اكره التدقيق و التعديل .

عرفنا ليش سورا أتجاهلت زميلتها

كيف الفصل ؟

سورا ؟

يون ها ؟

جي هون ؟

قراءة ممتعة 💗

دمتم في رعاية الله وحفظه

إحتمال الفصل الجاي مو مرة مطول 🌚

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

you in every winter

المؤلف 𝑍𝑎𝑖𝑛𝑜𝑟𝑎
2025/09/04 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة