جلستُ فِي الصفوفِ الأُولى، كَما المعتادِ، أُصغي إِلى البروفيسورِ يُلقي محاضرتهِ، لَكنِ كلماتَه كانت ضبابًا فِي عُش رأسي.
اللّوحُ الأبيضُ، والمعادلاتُ، وأصواتُ الأقلامِ... كُلّها محاولاتٌ عبثيّةٌ لِلسيطرةِ عَلَى تركيزي، لَكنَّ ذهني كان يلتفُّ حَولَها، حَولَ نظراتِها، حول استِماتتها بالمَوت!
يَدي الملفوفة بالضِماد تَتحرّكُ بلا إرادةٍ مني، أُقلّبُ الصفحةَ تتلوها الأخرى، أَكتُبُ شيئًا غَيرَ مفهومٍ، ثُمَّ أَقرؤُهُ وَلا أستطيعُ استيعابَهُ.
نُقوشُ يَدِها لمُحاولاتٍ سابقة وَمرضُها، لَكَأني أَرى الموتَ مستتبًا خلفَ تِلكَ العسليّتَينِ... وَذُوِي ابتسامتِها.
مُحاصَرٌ فِي صورةٍ لَا أَستطيعُ التخلّصَ مِنها.
الوقتُ يَمُرُّ بِبطءٍ، السّاعةُ تَكادُ تَتوقّفُ، وَأَنا عالقٌ بَينَ المُحاضَرةِ وَبَينَ شقّةٍ صَغيرةٍ فِي الطّابِقِ الرَابع، وَأضرِحَةِ المُستشفى.
إيبرهارت مورغان، صامِتةٌ، مُتجمّدةٌ، وَعالقةٌ فِي الظِل.
رفعتُ رَأسي من الدفتر حتى النَوافذ، أرى الأصيل متربعًا رُقعة السَماء بالغِمام، وَصوتُ البروفيسور يَملأ القاعة بِحدةٍ: كيف يُفسِّرُ العقلُ البشريّ ظاهرةَ الانفعالاتِ المتناقضةِ لدى الأفراد؟
توقفَ قليلاً، وَنظرَ إلينا جميعًا، وَتوقَّفَت عقلي عن الانشغال بها لثوانٍ قليلة.
تراجعَ قلقي، وحاولَت كلّ خليةٍ في ذهني التركيزَ على الإجابة.
ثم رفعتُ يدي بلا وعي، وَابتسم البروفيسور بخفّة، وَأومأَ لي بالإشارةِ للتحدث.
أخذتُ نفسًا عميقًا، وَفتحت فمي، انبس: يُفسّرها عبر التفاعل بين الوَعي واللاوعي، حيثُ تلعب العواملُ الداخلية والخَارجية دورًا في تعديل الاستِجابة العاطفية، وقد تتعارض الانفعالات أحيانًا لتشكّل سلوكًا معقدًا متناقضًا.
- إجابةٌ ممتازة، داريان.
حِسُّ الانتصارِ الصغيرِ يَنسكبُ ليُثلجَ صَدري، وَجاهدت لتناسي كلَّ شيءٍ عدا مرورِ تلكَ الدقائقِ.
...
خَرَجتُ من القاعةِ، أستشعرُ الهواءَ الباردَ على وَجهي، وَنداءٌ أجش هَتفَ بي: داريان! أخيرًا خَرَجت!
قالَ لي 'كيثٌ' ذلك مُبتسمًا، وَهو شابٌّ أشقرُ أخضرُ العينين طويلٌ، يلوّحُ بيده، يَرفرفُ بِحركتهِ الخفيفةِ قربَ عددٍ من أصدقائي.
اندمجتُ معهم في حديثِ 'ليندون'، صديقِ طفولتي آسياويّ الأصل، لصديقَيَّ الآخرينَ، يشرحُ شيئًا هامًّا جدًا لم أفهم منهُ حرفًا، كَوْنُ عقلي جالسٌ مكاني في القاعة.
ضَحكوا قليلاً، وَتحدّثوا عن الخططِ بعد المحاضرةِ، عن المشاريعِ، عن مقاهي الجامعةِ، عن أيّ شيءٍ سوى ما يهمني.
أحسستُ بالغربة، كأنّي موجودٌ بينهم بجسدي فقط.
اقتربَ مني كيثٌ مرةً أخرى، وقالَ مازحًا: هيا دارا، أنتَ تُفكّر في شيءٍ آخر، أليس كذلك؟
ابتسمتُ بخفوتٍ، مُحاولًا أن أخفي ما بداخلي، لكن عيني لم تَستطعِ الكذبَ فأومأتُ لأحدثهم: تذكرونَ الفتاةَ مورغان صاحبةَ الاسمِ الأوّلِ باختبارِ قبولِ جامعتنا العام الماضي؟
أومأوا جميعًا، فاستردفتُ: إنها...
آه، ربما، لا ينبغي قولُ هذا أمام العلنِ، غيرُ لائقٍ بتاتًا، لا ينبغي على أحد معرفة أننا نتشاطر سكننا! سيبلغ الوغد جيرمن -يقف خلف كيث مباشرةً- ذلك للإدارة فورًا، لا أعلم حقًا لكنهُ يبدو من هَذا النوع.
- إنَها خرساء!
لا يزال يبدو هذا أيضًا سيئًا.
تفاجأوا من تلك الحَقيقة، وتَساءلوا كيف علمتُ بهذا، دَقِيقي الملاحظةِ.
لكنّي فقط غيّرتُ الموضوع، أُحوّل الأنظارَ لكيث: هل تعلم سببَ نفور الجميعِ عنها؟
سَخِر جيرمن -أسود الشعر- يقولُ ربما تكون بَشعة، أبتلعُ شتيمةً بشق الأنفسِ.
"لا أعلم حقًا، لكنَ لها أُصولاً ألمَانية" قال كيث ذلكَ يحاولُ التذكر ثم نطق بعدها: لا أحد يعلمُ من والدها أو كيف أتت، لكنَ والدتها كانتْ بالسجنِ لدَعمها النازية.
"ربما هِي تلك النَازية التي يَتحدثون عنها في الجَامعة؟ ألسنةُ الناسِ لا ترحم" نطق بذلك ليندون فأومأتُ له، متفاجئًا من تلك الحَقيقة.
وأضاف الأبعد والأخير جيريك بخفوت: ربما والدَها ضَابط بريطاني؟
"حسنًا غَيروا المَوضوع، ما رأيُكم أن نَجتمع نِهاية الأسبوع للتزلج؟"
تَنصلتُ للذَهاب بعدما اجتَروا موافقَتي، وَتخطّيتُهم حتى السَكن، حيث كَانت جالسةً في الشرفة تَقرأ كِتابًا.
دلفتُ غرفة المعيشة بِصمت، يضجُّ قلبي فضولاً بشأنها.
رأيتهَا هناك، تقلب الصفحاتِ رويدًا فوق المِنضدة المستديرة ذاتِ قُطرٍ صغير، يكفي لأجلس أمامها فاستغربتْ، ينسابُ شعرها تهدلًا ليغطي نِصف وجهها.
جلستُ أمامها، أراقب كلَّ تفاصيلها، بينما هِي أسقطت بصرها ناحية الكِتاب مجددًا.
تبًا لكَ جيرمن.
كل شيءٍ فيها يجعلني أكثر فضولاً بها، أكثر إدراكًا أنّ هذه الفتاة، قِطعة الجليد، قد أسرَت قلبي بلا كلمةٍ واحدة، وقد فَعلت ذلك مسبقًا من قَبل، بِمُجرد النظرِ في اسمها عَلى اللوح.
مددتُ يدي ببطء، مع ورقةٍ وقلم إليْها وسألت: أريدُ سؤالكِ أمرًا، لكن أولاً هل تناولتِ دواءكِ؟ والغَداء الذي تركته؟
أزعجَني برودهَا وهيَ ترمقني بنظراتها المُميته، تقلب الصَفحة، يا إلهي سُرعة قراءتها أصَابتني بالذُهول..
"أعلمُ أن لا حقَ لي بالسُؤال، لكن هَل لي أن أعرفَ ما السببُ وراء محاولاتكِ هذه للانتحار؟"
الجرحُ لن يندمل بالنظر إليه، ولن يُشفى بالصمتِ فقط.
انحنيتُ قليلًا ناحيتَها، تحدّق في الفراغِ، بلا أي شعورٍ ظاهري.
ثم أخذتْ القلمَ لتكتبْ، وصعبَ عليها جدًا الضَغط على القلمِ، ناولتني الوَرَقة وكانَ بها بخطٍ سيءٍ جدًا: أغربْ عن وَجهي.
"أنا جادٌ في مُساعدتك، أريد أن أعرفَ على الأقل"
شُعورٌ بِالحَرجِ يَغمرُني، وهي تُطيلُ التحديقَ بِعيني هكَذا، ثم كَتبت: لا شَيء يَدعو للاحتفالِ به، في عالَمٍ يَتجرعُك في كُلَّ أُمسية ليَسكرَ بك.
هذا كانَ كُلُّ ما لَدَيها حينَ أَفاضَت به، فَقُلتُ بِهدوءٍ يُججُ النارَ داخلي: لا تَرثي نَفسَك، فَجَميعُنا سَنرحلُ بالنهايةِ، وكَيفَ عِشناها؟ إجابتكِ ستحَدد مصيرك، أَلا تُحولينَ النَسمةَ إلى تَربيتةٍ تَعزفُها الرياحُ لأجلكِ؟ ألا تَنظرين لها كفُرصة؟
أَصبحتُ أَراقبُها عن كَثبٍ، أَحاولُ أَن أَلتقطَ أَيَّ خيطٍ مِن الأملِ فيها، لكنَّ عَينيها كانتا سَاحلتين بِصمتٍ ثَقيلٍ.
هَمَستُ بِصوتٍ كادَ يَتلاشى: أَتعلمينَ، أَحيانًا نَحتاجُ لِنَسمةٍ واحدةٍ فَقط، تَذكُرنا أنَّ الحياةَ ما زالت تَستحقُّ أن نَعيشها، حتى لو بِقَطعٍ صغيرةٍ مِن الرِضا.
هُزَّت رَأسها ببطءٍ، يمينًا ويسارًا، وهمستْ بِحركتها 'لا' ثم طرحت أوزارَها في الوَرقة ونَاولتني: جَرب أولاً وتَحدث.
تَجمدتُ لِلحظةٍ، أُقلبُ الورقةَ بين يديّ، أَرسل بصري للبَعيد، أقُول بِنبرةٍ خفيضةٍ أُحِدثُ فيها ظِلّها: أَتحدثُ… عن ماذا؟ عن الحياةِ التي نَتعثرُ فيها كل يوم؟ أَم عن تلكَ النُقطةِ التي نَشعرُ فيها أَنَّ كلَّ شيءٍ يَسقطُ فجأة؟
مُعلقٌ ما بينَ نَفَسٍ ونَفَسٍ. أَخذتُ شَهيقًا ضَيّقًا، ثم قُلتُ: حَسنًا… أَتعلمينَ؟ أعتَذر إن كان قِناعي قد خَدعك لِهذا الحد، إنما أنا فَقط اُخفي الشُقوقَ واغلقُ الأبوابَ على وَجعي حتى أظنَّ أنهُ اختفى، لكنهُ هناك، يَنتظرُ أوّلَ لحظةِ وَهنٍ ليَنبثق.
ازدردُ ريقي استَطرد: أَعرفُ مَذاقَ السقوطِ، وأَعرفُ كيفَ تَبقى اليدُ معلقةً في الهواءِ لا تَجدُ شيئًا تَتشبثُ به، وكيفَ يَصبحُ الليلُ طَويلًا جدًا… أطولَ مما ينبغي.
رفعت رأسَها قليلاً، ومدّت يدَها نحو الورقةِ مُجددًا، ببطءٍ مُنهك، وكتبتْ جملةً قصيرةً، ثُم دفعت بها إليّ:
لِماذا أنتَ مُهتمُّ بيّ؟
سَمَيتُ برأسي إليها، وقُلتُ بنبرةٍ جافة: لأَنَّكِ تَسقطين… وأنا أَعرفُ جيدًا كيفَ يكونُ السقوطُ حين لا يَراكِ أَحد.
لم تَطرف مُبقيةّ عيناها ثابتتَين عليّ هكذا طويلاً...
"أَنَّنا، مهما ادّعينا القسوة، لا نَريدُ أن نجدَ أحدهم مُلقى عند حافةِ الليل" قلت انصبُ بصري صَوبها.
وعَينَيها تُخاطبُني بأنّها تُريدُ الخَلاص.
"هَلا أَكونُ خَلاصَكِ؟" قُلتُ، وأَردفتُ: وأُقاسي الوُجودَ مَعكِ؟ لأُصارحَكِ، لعامٍ كامِلٍ وأَنا أَبحثُ عنكِ، أَبهَرَتني دَرجةُ قَبولِكِ، وأنَّ فَتاةً مَن حَصَلتُ عليها. لَم أُصَدّقِ الأَمر، ولِعامٍ كامِلٍ كُنتِ وَحدَكِ مَن يُشغِلُ عَقلي وتَفكيري.
نظرت إليّ بعينَين صافيتَين، هادئة، ثمَّ أمالت رَأسها جانبًا بخفوتٍ، وكتبتْ برقة: أسمَعُك.
قُبول هَادئ لصَمتها البَارد.
اتبسّم بِلهفة والغروب نشرَ سَرابيلهِ الحَمراء فَوقنا، أعدتُ بصري من السماءِ إليها، أرى لونَها مخطوفٌ تُقاومُ النومَ، فَتَسَاءَلْتُ إِن كَانَت بِخَيْرٍ، لَكِنَّهَا كالمغشّية أَخَذَت تَسِيرُ لِلْدَاخِلِ وَلَمْ أَسْمَع سِوَى غَلْقِ بَابِ غُرفتها وَرَاءَهَا.
تقدّمتُ نحو المطبخ، فتفقدتُ الثلاجةَ والرفوف، جلسْتُ فوقَ الطاولةِ، أستندُ بكفّي على ذقني فوق فخذي، أراقبُ القدورَ وأفكّرُ ماذا أعدُّ للعشاء.
لم استَغرِق وقتًا حتى أفضتُ بما يكفي لنَأكلهُ، وأخذت بعينِ الإعتبارِ أنَّها تَجاهلت الغَداء.
توَقَّفتُ نَفَسًا، أَحْسِب مَنْطقَ الخطْوَة التَّالِيَة، فَرَتَّبْتُ الأَطباق، أَزِلْتُ القمَّام، وَأَعدْتُ المَكَان كَأَنَّ شيئًا لَم يَكُن.
تركتُ طَعامها قُربها أوقِظها لتأكُل، وما أن وضعتْ أول لُقمة في فَمِها حتى خرجت.
ولذلك المَساء، اختزلتهُ بالتنظيفِ عِوضًا عن المُذاكرة، وقد ندِمتُ على ذَلك لاحقًا، لكن لا بأس؛ فغدًا عُطلة.
انتهيتُ أخيرًا، أمسحُ العرقَ عن جبينيّ، اضطَجع في الأرِيكة سريعًا، خطفتني رائحتُها العالقة في الوِسادة، وتصدعَ عنّي تعب الليلتينِ المَاضيتين، ثم سقطتُ في النَوم.
يتبع...
1160 كلمة.
AlAqeela_II