داريان
تلونَّ الصبحُ قرسًا فوقَ الإسفلتِ حينَ خرجتُ من المستشفى، والضوءُ ينسابُ على الرصيفِ.
وقفتُ عندَ الدرجِ الرخامي، أستعيدُ ملامحَ مورغان كما تركتُها قبلَ دقائق.. صامتةً، شاحبةً، لكنّ في عينيها شررًا لم أفهم مُنشأه.
مسحتُ وجهي براحةِ يدي، ثمَّ هممتُ بالمغادرة، إلى أن اصطدمتُ بحقيقة أني نسيتُ حقيبتي، أصفعُ جبيني لغبائي.
ضاق صدري واستدرتُ للعودة، عبرتُ الأبوابَ الزجاجية. يزحفُ القلق أطرافي.
وصلتُ غُرفتها. ودفعتُ البابَ نصفَ دفعةٍ، ثم أطللتُ…
السريرُ خالٍ والنافذة مفتوحةٌ على مصرعيها، يشقُّ البرد طريقهُ إلى الداخل.
توقفتُ لحظةً لم أفهم فيها ما عليّ فعله، تراجعَ العالمُ خطوةً للخلف. اقدّمُ ببطءٍ، أتحسسُ الغطاءَ المجعد، والوسادةَ الغائبةَ عنها دفئُ رأسها.
النافذةُ مشرعةٌ على الماء، ولا شيء يدل أنها هناك، لا طاولة للتسلق ولا كرسي، وقامتها أقصر من أن تقفز.
خرجتُ إلى الممرِّ بثقلٍ يجرجرُ خطواتي، أسألُ الممرضات والمارة. لا أحد رآها. إحدى العاملات قالت إنها مرّت قبلَ قليلٍ، تمشي وحدها.
لكن… إلى أين؟
السطح؟
تصاعدتْ نبضاتُ قلبي فجأة فركضتُ.
دفعتُ بابَ السطحِ فصرّ البابُ صريرًا معدنيًّا حادًّا، امتدَّ صداهُ في الهواء.
وهناك كانت مورغان واقفةً على الحافة.
أمواج شعرُها تترنح كما جسدها الهش تتودّدُ للسقوط، ويدُها ترتجف، تحرّكتُ نحوها ببطءٍ، ناديتها بصوتٍ اختلطَ بهلعٍ حادٍّ: مورغان! توقفي. أرجوكِ… توقفي!
أدفعُ نفسي للأمام، لأصلَ إليها قبلَ أن تسقط.
كانتِ الريحُ تعوي حولها، أرى دخان أنفَاسها يتصاعد، نصفُ خطوةٍ، فقط نصفُ خطوة، تكفي لابتلاعِها.
ناديتُها مرةً أخرى، أقربَ هذه المرّة، بصوتٍ أثقلَه الذعرُ حتى اختنق: مورغان… ليس بعد أن عثرتُ عليكِ!
التفتتْ نحوي ببطءٍ، بعينينِ غائمتين، وحاجبان معقودان حيرةً. تنهارُ بصمتٍ وسط الدموع.
رجوتها وصدري يتهدّج، أمدُّ يدي إليها: أرجوكِ، خطوةٌ واحدة إلي!
ارتجفتْ شفتاها بكلمةٍ تريد الخروج ولا تملكُ حق الولادة. شددتُ على نفسي، اقتربتُ أكثر، حتى صرتُ أسمعُ رفيفَ أنفاسها الثقيلة.
قلتُ بنبرةٍ أخفض، نبرةٍ أليَن، تتكئُ على ما بقي من قوتي: إن قفزتي فسأقفز خلفك، ولن أسمح لكِ أن تموتي!
شعرتُ أنّها تميلُ، ووجهها يتغضن استنكارًا، اندفعتُ بكلِّ ما بي، أمسكتُ بها بقوةٍ حين أفلتت منها خطوة، وهوينا في الهواء!
أحمي لها رأسها وإياها بكل مَا لدي، حين ألتف بنا الظلام وأنينِ الريح ثم سَقطنا في الماء...
صدمةً باردةً حدَّ اللسع، أشد قبضتي على مورغان أكثر، خشيةَ أن تنفلت من ذراعي وتَغيب في العتمة.
كدت أفقد الوعيّ أحثها للصعود، أدفعُ رجليّ في العُمق لأعلى، أبحثُ عن الضوء، قبضتُها ضعيفة على قَميصي، لكنها موجودة… موجودة.
اخترقْنا السطح أخيرًا، ومع أول شهيقٍ خرج من صدرها أحسستُ بالظلامِ ينقشع عن خافقي.
ينهش البردُ أطرافنا، لكنّي أبقيتُ ذراعًا ملتفّة حول كتفيها، أرفعُ وجهها فوق الموج.
دفعتُ نفسي نحو أقرب نقطةٍ من الشاطئ، أقاومُ التيار الذي يحاول سحبنا إلى الخلف.
موجةٌ يترتطم بنا يُعيد إليّ صورةَ وقوفها على الحافة وأن المحاولة بلا جدوى. لكنّي تابعت، أسحبها، أجرّها، أقاتلُ الماء من أجلها.
وحين لامستْ قدماي الرملَ المغمور، رفعْتها بيديّ المرتجفتين، أحملها إلى اليابسة أضعتُها برفقٍ على الأرض، كان صدرُها يصعد ويهبط باضطراب.
اِنحنيتُ فوقَها، أتحقّقُ مِنها وأنفاسي تختلِطُ غصّة، أهمس: أنتِ حيّةٌ.
اِنهارتْ دُموعُها تزحفُ بعيدًا حتّى الماءِ، لكنّي أوقفتُها، فعمدتْ على نَفسِها تخدُشُ وجهَها بأظافرِها وذِراعَيها، وبَرزت نُدوبٍ مخيفة على مِعصمها، ثم تضرِبُ نَفسَها في هَستيرية.
ثبّتُّ يديها بينَ يدي مشدوهًا مِنها، ولم يكُن باستطاعتِها المُقاومةٍ، ضَعيفةٌ وممزّقةٌ، كما الأسمال البَالية.
"كفى، أرجوكِ.."
ارتجفتْ شفتاها وهي تُحاولُ سحبَ يدَيها من قبضتي، فلم تستطِع، لا أسمع من نشيجِها غير أنينٍ -أو بالكاد- ثمّ أطبقتْ عينيها لكأنّ العالَمَ كلَّه ينهارُ داخلها.
ضممتُ يديها أكثر، أستطيل بنظري إليها مكللاً بالأسىٰ، فتحتْ عينيها قليلًا، تحملُ نظرةً مشروخة، تبحثُ عن سببٍ واحدٍ يجعلُها تبقى، فسحبتُها إلى صَدري لئلّا تفرَّ مرّةً أخرى نحو عتمتِها المدججة ألمًا.
وبينَ رعشَتِها وأنّاتها المُختنقة ومُحاولات دَفعي عنها، شعرتُ بأنفاسِها تُبطئ، ثمّ تنحني إلي في استسلامٍ مُرهَق، تبكي.. كطفلةٍ ضاعتْ طويلًا بين دهاليز الحياة.
مرّت لحظاتُ صمتٍ طويلة، وبقيتُ أنا والموجُ والصمتُ الذي يحاول ضمّ شظاياها إلى بعضها. رفعتُ يديّ لأمسح بعضَ التراب عن شعرها وكتفها، ولم أقل شيئًا، فقط بقيتُ مَعها، أملًا بلا ضجيجٍ أو تبرير...
تناهَدَت ملتجمةً بصمتها ثمّ مالتْ بجبينِها إلى كتفي، تستسلمُ لثقلٍ جارفٍ طالما قاومَته وحدَها. شعرتُ بارتخاءِ يديها شيئًا فشيئًا، كأنّ الجدارَ الذي بنتْه حولَ نفسها بدأ ينهارُ، ثم نَامت..
أحطتُ ظهرَها بكفّي، أضمّها برفقٍ يناهضُ الريح مرتبكًا، أغلقتُ عينيّ لحظةً، أحبسُ وجعًا داخلي، يمتدُّ الضبابُ حولنا، يبتلعُ أطرافَ الشاطئ شيئًا فشيئًا.
رفعتُ رأسي قليلًا، أحدّقُ في الغيومِ مُدلهمّة، وفي أشجارِ الليمونِ التي تُطوّقُ المستشفى، تحملُ رائحةً خفيفةً مُنعشة، والأرضُ متناثرةً بالصدَف.
أبصرُ تقاسيم سُكونٌ يطلي وَجهها، يستعيد ألوانه الخافتة.
عندما عُدتُ بها إلى الداخل، كانت ثيابُنا قد جفّت بالفعل، بعد أن أطلّت الشمس علينا قبل أن تتوارى مجددًا.
لم تكن تَزِنُ شَيئًا البتّة، أَسحَبُ الغِطاءَ فوقَها، ثُمَّ جَلَستُ إلى جانِبِ السَّريرِ، أَستَنِدُ بِكوعي إلى رُكبَتي، أفتَحُ حَقيبَةَ ظَهري من على الأرض، والتي لم أُلقِ لها بالًا حين ألقَيتُها بإهمالٍ سابقًا. أُخرِجُ الكتاب الذي كان يَفترِضُ بي حضورُ شرحِه، وأشرَعُ في دِراستِه.
رفعتُ طَرفي قليلًا، أنظُرُ إلى مورغان، مستلقيةً هناك، هادئةً على نحوٍ لا يُطمئن..
أغلقتُ الكتابَ بعد دقائق، أمرّر يدي في خصل شعري، وأزفرُ بعمقٍ مُرتَبِك، ثم مِلتُ إلى الخلف أستندُ إلى الجدار، أراقبُ السكونَ الذي يملأ الغرفة.
وداخلي كان يعجُّ بالفوضى، ماذا لو وصلْتُ مُتأخّرًا؟
أخفضتُ نظري نحوها مجددًا، فشعرتُ بارتخاءٍ طفيفٍ يتسرّبُ إلى كتفيّ، ليتحوّل هذا القلقُ المتوتّر إلى مراقبةٍ هادئة، أخشى أن يغيبَ نبضُها إن رمشتُ ثانية.
ثُمَّ أعدتُ الكِتابَ إلى حِجري، تَتسرَّبُ نَظراتي جانِبًا، مِن غيرِ طَوعٍ مِنّي بَينَ الفينةِ والأُخرى..
سَمَحَ الطَّبيبُ بالمُغادَرةِ ليلًا، ولم أَكُفَّ عن مُراقَبتِها حتّى استيقظَتْ، سَألتُها عن عائِلتِها، لكنَّ وَجهَها أفصَحَ بأنَّهُم غيرُ موجودينَ في حياتِها.
"أيُّ أَحَد؟" نَفَتْ بِرأسِها رُويدًا، فقلتُ مُمازحًا: يَبدو أنَّه أنا فَقَط إذًا.
كلا يا داريان، هذا ليسَ وقتَك.
"هَلْ تَستطيعينَ المَشيَ أم أُساعِدُكِ؟"
تَجَهَّمَتْ، وأشارَتْ بِيَدِها أنْ أَنقَلِعْ، مِمّا جَعَلَني أَضحَكْ.
كانَتْ تتعثر كَثيرًا في مَشيِها، فَساعَدتُها، ورَغمَ رَفضِها لمْ تَكُنْ تَستَطيعُ صَدّي، فَقَطْ تَرمُقُني بِنِصفِ عَينِها.
تقدمنا بَبطءٍ، خُطوةً بَعدَ أُخرى، حتّى لَمَستْ أَصابعُها حافَّةَ الجِدارِ لتتزن. كُنتُ أَمُدُّ يَدي كُلَّما كادَتْ تَسقُطْ، وتَمدُّ هي نَظرةً حادّةً تَقولُ بها: لا تَقتَرِبْ.
ومعَ ذلك، كُلَّما صَمَدتْ لِثانيةٍ، تَتَمايَلُ في الثّانيةِ التّالية، صعدنا سيارة أجرة ونظرات الرجل لم تكن مُطمئنة، عِندما وَصلنا كَان مِن الصعبِ جدًا التَواري عَن الأنظار، ولمْ أرتدي الكثيرُ لإخفاء وَجهي.
تَتقدَّم بِبطءٍ، أُحاوِل أن أَستَرقِ النَّظَرَ إلى جانِبِها، يَتلو وَجهَها وَجعُها، وكلَّ خطوةٍ تَسحبُ منها شيئًا من طَاقَتِها.
عِندَما وَصلنا إلى المَهجعِ، تَرَدَّدتْ ثَوانٍ قَصيرةٍ، ثُمَّ قادت خُطواتِها نَحو غُرفتِها، وَصَفَعَت البابَ خَلفَها.
تَوَقَّفتُ لِلحظةٍ أمام بابها، أُدركُ أنَّها تُريدُ البُعدَ عن العالَمِ لِثوانٍ، أن تَستعيدَ شَيئًا مِن هدوئها.
جلستُ أُراقِبُ البابَ بِفتورٍ، والصَمتَ يَثقلُ صدرِي. موعدُ الدَّواءِ بَعدَ ساعةٍ، سأذهبَ لأُعدَّ لها شيئًا.
دلفتُ المطبخَ أَعدُّ الأطباقَ، أَرتِّبُ الأكوابَ، وأُعدّ الشاي وحساء الخُضار.
ثمَّ، وَبعدَ أن أَجهَّزتُ ما أَردتُ، أَخذتُ نفسًا عميقًا، وأَعدتُ النظرَ نحو الغُرفةِ، مُستعدًّا لِحَملِ الدَّواءِ والطَّعامِ. أَدَقُّ البابَ بِخَفَّةٍ.
تَوقَّفتُ لِثَوانٍ، أَستمعُ لصَمتٍ يَحتوي اللا شيءٍ، صَمتٍ يَتَردَّدُ بَين الجدرانِ. ثُمَّ سَمِعتُ حَرَكَةً خَفيفةً، وَفتحتِ البابَ ببطءٍ، وَجْهُها يَحملُ العبوسِ، ونَظراتُها تُخبرني بأن أرحَل.
وفعلاً، حاوَلتْ غَلقَ البابِ في وَجهي بعدما رَأتْ ما أَحمِلُ، إنما استبقَتُها بِوَضعِ قَدَمِي طرفَ الباب، وَفتحته، تَعودُ إلى الوراء بِخُطً هَشٍّ، حتّى سَقَطَت في سَريرِها.
تَقَدَّمتُ، أَضعُ الطَّعامَ قُربَ السَّرير، أُحدثُها بِهُدوءٍ: إن لم تَتناوليه، فسيكونُ لي تَصرُّفٌ آخر. سأَترُك البابَ مُوَارَبًا حتّى أراكِ تَأكلين، وإلا فَعلَي أن أُطعِمَكِ بنفسي.
رَفعت حاجَبًا بِتَبرّمٍ، واشاحَت بِصَرِها إلى الأَرض. ذهبتُ إلى الأرِيكَةِ في غُرفةِ المَعيشة، أُراقِبُها مِن هُناك، فتَناولتِ الطَّبقَ مُجبرةً، لكن لَم تَأكُل الكثيرَ، حتّى استسلمت للنوم بالكاد.
أعطَيتُها الدَّواء، فَتَنَاولَته، وأَشعرُ بِقَلقٍ خَفِيّ لِاستجابَتِها. أتراها تَحيكُ خُطّةً أُخرى؟ أم أنّ استسلامَها هذهِ المَرة يَحملُ في طياتِه قُبولاً؟
تَركتُ لَها كَأسَ ماءٍ فاتِرٍ على الطّاوِلَةِ إذا ما استيقظَت لاحقًا، أُغَطّيهِ بِوَرقَةٍ، ثُمَّ أَطفأتُ النّورَ، وَأغلقتُ البابَ بِهُدوءٍ. ذَهبتُ إلى الحَمّام، آخذُ دُشًّا ساخنًا أستَمِدُّ مِنهُ طاقتي؛ فَاللّيلةَ عَلَيَّ أن أُنهي دِراسةَ ما سَنأخذُهُ وما سَبقَ أَخذُه للغَد.
كانَ الماءُ يَنسابُ على جِلدي يَغسِلُ ثِقَلَ النّهارِ وما به، وكلَّ لَحظةٍ من قَلَقي معها. كَيفَ لها، رغمَ هذا المَرَضِ والوَهَنِ، أن حَازَت عَلاماتٍ أَفضَلَ مِنّي في اختبار القبُول، بل أفضَل نتيجة منذ سِنين؟ كَيْفَ يَعمَلُ عَقلُها؟
ثم وأنا أُسَنِّدُ جَبيني إلى الجِدارِ الدّافئ، تساءلت ماذا لو استعادَت عافيتَها؟ هَل لهَذا دَرجاتها الآن أكثر مِن عاديةٍ مقارنةً بالمُتوقع؟
ازدادت حرارةُ الدُّشّ تُوقِدُ تلك الأسئلةَ في رأسي، فلا أَجِدُ لها جوابًا إلّا أنّها خَطرٌ، وإنّي، رغمَ كُلّ شيء… لا أَعرِفُ كيفَ أَنفَكُّ عن التفكيرِ فيها.
أغلقتُ الماءَ، ولَفَفتُ المِنشَفةَ حولي، أَمشي بخُطًى هادئةٍ نحو غُرفةِ المعيشة، أُلقي نظرةً أخرى على بابِ غُرفتها المُغلق.
إرتديتُ ثيابي وجَلستُ على الأريكةِ أُعيدُ رَسْمَ الطريقةِ التي آلتْ بي إلَيها، حين عَلِق إسمها بي منذُ عام، بِفارق درجاتٍ مهول، هيَ الأولى وأنا الثاني.
وأرَدتُ حَقًا التعرّفَ عَلَيها، لَكن لَم أُصادِفْها وَلَو مَرّةً، وحينَ لَمَحتُ اسمَها بَينَ السِّجِلاّتِ انتابَني فُضولٌ بشأنِها، كَونَ كُلَّ مَن تُحدَّدُ اسمُها لِلسَّكنِ مَعَها تَهرُبُ قَبلَ أن تَرى أمرَها.
غُموضٌ غَريبٌ يَلِفُّها، أَرغَبُ باكشافهِ.
وَضَعتُ دَفتَري أَمامي، أَفتَحُ الكُتُبَ وأُحاوِلُ أن أَبدأ، لَكنَّ الحُروفَ تَتبعثَرُ. كُلَّما حاوَلتُ التَّركيزَ، تَرتَسِمُ صُورتُها، صَوتُها، طَريقةُ سُقوطِها تِلك مِن السَّطح… كُلُّها تَعودُ إليَّ تُطالِبُ بنَصيبٍ مِن وَعيي.
ما سَببُها الحَقيقي؟ مَرضُها؟ رُبّما سَأسألُ أَصدِقائي غَدًا عنها، أَمرُها يَسحَبُني إلَيها بشدة.
أغلَقتُ الدَّفتَرَ مُتضايِقًا مِن عَجزِي، أُسنِدُ رأسي إلى ظَهرِ الأَريكَةِ، وأُطلِقُ تَنهيِدةً طَويلَةً، وَنِمتُ دونَ أن أَشعُرَ في مَكاني.
...
استَفَقتُ قُبَيلَ الفَجرِ على صَوتِ تَحطُّمٍ آتٍ مِن غُرفتِها، فَطرَقتُ عَلَيها مِرارًا أَستقصي شأنَها.
فَتَحتُ البابَ لأراها على الأَرضِ، تَتَعرّقُ بِغَزارَةٍ، ويَدُها مُصابَةٌ مِن الزُّجاجِ، تُنازِعُ أَنفاسَها بِضيقٍ جَليٍّ، كأَنَّ الهَواءَ يَتَقَلَّصُ حَوْلَها.
اقتَرَبتُ ببطءٍ، أُحاولُ أَن أُثَبِّتَ صَوتي الّذي تَرجُفُ حوافيهِ: هل أنتِ بخير مورغان؟
لم تَرفَعْ رأسَها إلّا ثواني، أَمسكتُ يَدَها، أُزيلُ الزُّجاجَ بِأَصابِعي، تَرتَجِفُ هي، ويَرتَجِفُ معها داخِلي، زحفت أَصابِعُها تُمسِكُ قَميصي، ثم تدفعُ بي للخلف.
تَعَثَّرتُ على شَظايا الزُّجاجِ المتناثرة، وانغَرَسَ بَعضُها في يدي. أما هِيَ فقد مَضَت نَحوَ الحَمّامِ تتجاهِلُني كُلّيًّا، تَجرُّ ظِلّها خلفَها؛ فناديتها: مورغان!
لكنَّها لَم تَلتَفِت.
أَحسَستُ بِلَسع يدي والدم يتقاطر منها أرفَعها، وَقَفتُ أُراقِبُ ظَهرَها يَتَلاشى خَلفَ بابِ الحَمّامِ، تُغلِقُ فيه كُلَّ مُحاوَلاتي لِلاقتراب. شَعَرتُ بأنَّ المَسافَةَ بَينَنا -رَغمَ تِلكَ الخُطواتِ القَليلَة- اتَّسَعَت حتّى صارَت هُوَّة.
وانتابَني الغضب، تَنزَلِقُ مِن بَينِ أَصابِعي، وأنَّني رَغمَ كُلِّ شَيءٍ، غَيرُ قادِرٍ على اللِّحاقِ بِها مَهما حَاولت.
...
يتبع...
1580 كلمة.
AlAqeela_II