مد وجزر

مد وجزر

14 0

"أقسى أنواع الغرق ليس الذي يسحبك إلى القاع، بل هو الذي يتركك تطفو وحيدًا في مياه باردة، ترى الشاطئ لكنك لا تستطيع الوصول إليه."

لم تتذكر سولانا كيف وصلت إلى شقتها. كانت تمشي على وضع الطيار الآلي، وأصوات الساحة، ووجه أليو القلق، وابتسامة إيلينا المتعالية، كلها تدور في رأسها كدوامة عنيفة من الألوان

والأصوات المشوهة.

كل خطوة على الحصى كانت بمثابة ضربة مطرقة على جدران ذاكرتها، تعيد المشهد مرارًا وتكرارًا.

أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها عليه، والصمت المفاجئ في شقتها الصغيرة بدا مدويًا أكثر من ضجيج الساحة. ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرضية الباردة، واحتضنت ركبتيها.

لم تبكِ. كانت قد تجاوزت مرحلة الدموع، ووصلت إلى ذلك الخدر البارد الذي يأتي بعد صدمة عاطفية حادة، عندما يقرر الجسد والعقل أن الشعور بأي شيء آخر هو ترف لا يمكن تحمله.

شعرت بأنها غبية. كلمة "غبية" كانت تتردد في رأسها بقسوة لا ترحم. غبية لأنها سمحت لنفسها بأن تشعر بشيء، بأن تفتح صدعًا صغيرًا في جدارها الذي قضت سنوات في بنائه وتدعيمه. لقد كانت تعرف القواعد التي وضعتها لنفسها بعد برشلونة، قواعد النجاة التي نقشتها على روحها: لا تتعلقي، لا تثقي، لا تتوقعي.

وفي غضون أسابيع قليلة، كسرت كل قواعدها من أجل رجل حالم ذي عينين طيبتين وشعر فوضوي ورائحة طين وتراب. والآن، كانت تدفع الثمن. الثمن كان هذا الفراغ المتجمد في صدرها، وهذا الشعور بالهامشية، كأنها كانت مجرد شخصية ثانوية في مسرحية لم تكن تعرف حتى أنها تُعرض.

نهضت على ساقين مرتعشتين وتوجهت إلى حيث وضعت الرسم الذي رسمه لها أليو. كان مسندًا بعناية على الحائط بجانب نافذتها، والضوء الخافت للقمر يلامس خطوط الفحم. نظرت إليه طويلًا. "بورتريه الروح".

يا لها من سخرية. لقد رسم روحها، ثم حطمها في اليوم التالي. أو ربما لم يحطمها هو، ربما هي من تحطمت بنفسها لأنها بنت آمالاً على أرض لم تكن ملكها أبدًا. شعرت برغبة عارمة في تمزيق الرسم إلى ألف قطعة، في محو هذا الدليل المادي على هشاشتها. مدت يدها، وأصابعها كادت أن تلامس الورق الخشن، لكنها توقفت. لم تستطع.

كان الرسم صادقًا جدًا، ومؤلمًا جدًا. كان يمثل لحظة من الحقيقة النقية، لحظة شعرت فيها بأنها مرئية ومفهومة لأول مرة منذ زمن طويل. تمزيقه لن يمحو اللحظة، بل سيجعلها مجرد ذكرى مؤلمة أخرى. بدلاً من ذلك، أخذته ووضعته في خزانتها، ووجهه مواجهًا للحائط، ثم أغلقت عليه الباب، كأنها تدفن سرًا مخجلًا أو طيفًا لا تريد رؤيته.

في اليوم التالي، استيقظت سولانا بقرار جديد. قرار بارد وحاسم تشكل في سكون الليل. لن تهرب. لقد هربت مرة من برشلونة، من الصحافة، من نظرات الشفقة وخيبة الأمل. لن تهرب مرة أخرى من بوسيتانو بسبب رجل وامرأة جميلة.

هذا المكان، بشمسه وبحره وأزقته الضيقة، أصبح جزءًا منها. لن تتخلى عنه. سألت نفسها بصوت مسموع في غرفتها الفارغة: "ماذا كنتِ تفعلين قبل أليو؟" كنتِ تعملين، تقرئين، تسبحين في خليجكِ السري. كنتِ تبنين سلامًا داخليًا، قطعة قطعة. ستعودين إلى ذلك. ستستعيدين سلامك الذي سرقوه منها.

ذهبت إلى عملها، ورسمت على وجهها ابتسامة احترافية، درعًا مصقولًا بعناية. كانت أكثر حماسًا مع الأطفال، وأكثر تركيزًا، كأنها تستخدم العمل كمرساة لتثبيت نفسها في الواقع ومنع عقلها من الانجراف نحو بحر الأفكار المؤلمة. اخترعت ألعابًا جديدة، وضحكت بصوت أعلى من المعتاد، وسبحت معهم حتى شعرت بأن رئتيها تحترقان. كان أداءً متقنًا، ولم يلاحظ أحد، باستثناء ليو.

"أنتِ تضحكين كثيرًا اليوم،" قال لها بهدوء بعد الدرس، "لكن عينيكِ لا تضحكان."

صدمتها ملاحظته الدقيقة. انحنت لتصبح في مستواه، ونظرت في عينيه الجادتين. "أحيانًا، يستغرق الأمر وقتًا حتى تصل الضحكة إلى العينين، يا ليو."

بعد الظهر، بدلاً من أن تتجول في البلدة وتخاطر بلقاء غير مرغوب فيه، سلكت طريقها المعتاد نحو خليجها السري. كان البحر هادئًا اليوم، كأنه يعتذر عن غضبه في الأمس. انزلقت في الماء، وشعرت بالبرودة تلسع بشرتها، مرحبة بها. سبحت بقوة وعنف، ليس برشاقة كعادتها، بل كأنها تحارب الماء، تحارب ذكريات الأمس، تحارب خيبة أملها. مع كل ضربة ذراع، كانت تطرد صورة من رأسها: ضحكة إيلينا، نظرة أليو الحائرة، يدها على ذراعه. سبحت حتى أنهكت عضلاتها، حتى لم يعد في جسدها أي طاقة للغضب أو الحزن. طفت على ظهرها، تلهث، وتنظر إلى السماء الزرقاء الصافية. شعرت بفراغ. لم يكن سلامًا، بل كان مجرد فراغ، حالة من انعدام الوزن العاطفي.

عندما كانت عائدة إلى شقتها عند الغروب، مرّت من أمام مقهى جيوفاني. كان جيوفاني يقف في الخارج، يمسح إحدى الطاولات. عندما رآها، ألقى عليها نظرة قلقة.

"سولانا،" ناداها بتردد. "هل يمكننا التحدث لثانية؟"

توقفت، مستعدة للدفاع عن نفسها. "إذا كنت هنا لتعتذر بالنيابة عنه، فوفر على نفسك العناء. لقد سمعت ما يكفي من الأعذار في حياتي لتدوم مدى الحياة."

تنهد جيوفاني وترك قطعة القماش. "أنا لا أعتذر بالنيابة عن أحد. أليو رجل كبير ويستطيع ارتكاب حماقاته بنفسه. أنا هنا لأتحدث كصديق... لكِ."

فاجأتها كلماته. نظرت إليه بارتياب. منذ متى أصبحا صديقين؟

"انظري،" قال وهو يخفض صوته ويقترب خطوة. "أنا أعرف أليو منذ كنا أطفالاً، وأعرف إيلينا أيضًا. قصتهما... معقدة. ليست قصة حب بسيطة كما تبدو. إنها أشبه بعقد عمل، بشبكة عنكبوت هو عالق فيها منذ سنوات."

"شبكة عنكبوت؟" كررت بسخرية. "لقد بدا سعيدًا جدًا بوجوده في تلك الشبكة."

"ما ترينه ليس هو الحقيقة دائمًا،" أصر جيوفاني. "إيلينا لم تكن مجرد حبيبته. كانت هي من اكتشف موهبته، هي من قدمته إلى عالم الفن في ميلانو، هي من صنعت اسمه. عائلتها تملك المعرض الفني الذي يعرض أعماله. هو مدين لها... أو على الأقل، هو يعتقد ذلك. لقد أقنع نفسه بأن موهبته ملكها لأنها كانت أول من رآها."

صمتت سولانا، تحاول استيعاب هذه المعلومات الجديدة. إذن لم تكن مجرد حبيبة سابقة، بل كانت صانعته، راعيته، ومالكة مستقبله المهني. هذا جعل الأمر أسوأ، وليس أفضل. جعل الرابط بينهما أعمق وأكثر صلابة، كرابط من الفولاذ لا يمكن كسره.

"هذا لا يغير شيئًا، جيوفاني،" قالت أخيرًا، وصوتها متعب. "سواء كان عالقًا أم لا، فهو اختار أن يكون معها. وأنا أختار ألا أكون جزءًا من هذه الدراما."

"أنا أفهم،" قال جيوفاني بحزن. "لكنني رأيت كيف كان معكِ. لم أره يضحك بهذه الطريقة منذ سنوات. لا تدعي شبحها يخيفكِ."

"لقد فات الأوان،" قالت سولانا، واستدارت لتكمل طريقها. "الشبح لم يخفني، بل ذكرني فقط لماذا بنيت جدراني في المقام الأول."

في الأيام القليلة التالية، تحولت بوسيتانو. كان وجود إيلينا محسوسًا في كل مكان، حتى لو لم تكن موجودة جسديًا. بدأت الشائعات تنتشر بين السكان المحليين. "إيلينا كاروسو عادت." "هل ستفتح معرضًا جديدًا هنا؟" "هل عادت من أجل أليساندرو؟" كانت سولانا تسمع هذه الهمسات في السوق، في المقهى، وحتى من أمهات الأطفال الذين تدربهم. كل همسة كانت بمثابة وخزة إبرة صغيرة في قلبها.

في أحد الأيام، بينما كانت تشتري بعض الفاكهة من السوق، رأت ملصقًا أنيقًا على أحد الجدران. كان إعلانًا عن معرض فني سيقام في فندق فاخر على الساحل. "عودة إلى الجذور: معرض لأعمال النحات أليساندرو 'أليو' مارتيني، برعاية الناقدة الفنية إيلينا كاروسو."

نظرت إلى الملصق، وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها. إذن هذا هو السبب. لم تكن مجرد زيارة عابرة، بل كان عملاً. كان كل شيء مخططًا له. وشعرت بغصة في حلقها عندما أدركت أن أليو لم يذكر لها أي شيء عن هذا المعرض. هل كان يخجل؟ أم أنه لم يعتبرها مهمة بما يكفي ليشاركها هذا الجزء الكبير من حياته؟

في تلك الليلة، لم تستطع النوم. خرجت إلى شرفتها الصغيرة، تنظر إلى أضواء البلدة المتلألئة. رأت ضوءًا قادمًا من مرسم أليو في البعيد. كان يعمل في وقت متأخر. تساءلت عما إذا كان ينحت، أم أنه يصلح الشقوق في شبكة العنكبوت التي تحدث عنها جيوفاني.

فجأة، اتخذت قرارًا. لم يكن قرارًا منطقيًا، بل كان قرارًا مدفوعًا بالحاجة إلى إجابات، بالحاجة إلى إنهاء هذا الشعور المعلق. ارتدت ملابسها، ونزلت إلى الشوارع الهادئة، وسارت بخطى ثابتة نحو مرسمه.

عندما وصلت، كان الباب مفتوحًا قليلاً، والضوء يتدفق منه. وقفت في الظل للحظة، تستمع. سمعت صوتها أولاً، صوت إيلينا، هادئ وحاسم كصوت نقر الثلج على الزجاج.

"القطعة المركزية يجب أن تكون 'الصحوة'، أليساندرو. إنها أقوى أعمالك. الصحافة ستتحدث عنها لأسابيع."

ثم سمعت صوته، متعبًا ومقاومًا. "لقد أخبرتكِ، تلك القطعة ليست للبيع. إنها ليست جزءًا من المعرض."

"لا تكن سخيفًا،" ردت بحدة باردة. "كل شيء للبيع. أنت تعرف هذا أفضل من أي شخص آخر. لقد بنينا مسيرتك المهنية على هذا المبدأ."

تقدمت سولانا خطوة أخرى، ونظرت من خلال فتحة الباب. رأت أليو يقف في وسط المرسم، وظهره لها. وكانت إيلينا تقف أمامه، وفي يدها لوح إلكتروني تعرض عليه صورًا لأعماله.

ثم رأت شيئًا جعل دمها يتجمد. في زاوية المرسم، مغطى جزئيًا بقطعة قماش، كان هناك تمثال رخامي لامرأة تخرج من الماء، وجهها يحمل تعابير الألم والولادة الجديدة. "الصحوة".

وكان وجه التمثال... هو وجه إيلينا.

شعور سولانا ليس له وصف 💔

اراكم في الفصل القادم بإذن الله

الي اللقاء

لا تنسوا الضغط علي النجمة

وتعالقتكم بين الفقارات تشجعني علي الكتاب

ما رأيكم في الرواية

وفي الابطال

ما اكثر المشاهد التي اعجبتكم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فسيفساء من ملح وحجر

المؤلف Elysia
2025/08/17 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة