حكايات علي ضوء القمر

حكايات علي ضوء القمر

18 0

"بعض الناس يجمعون الأصداف على الشاطئ، وآخرون يجمعون القصص. كلاهما كنوز، لكن القصص فقط هي التي تدفئك عندما يبرد الليل."

🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼🌼

مر أسبوع على حادثة "دلو الطين"، كما أسمتها سولانا في سرها.

أسبوع أعاد فيه أليو تركيب روتينها الهادئ قطعة قطعة، لكنه ترك بصماته غير المرئية في كل زاوية. لقد أوفى بوعده بشكل مبالغ فيه؛ ففي اليوم التالي، وجدت أمام بابها ليس فقط شبكة تجفيف جديدة، بل أيضًا سلة مليئة بالليمون الأمالفي الضخم الذي يلمع كشموس صغيرة، وقطعة جبن بارميزان ملفوفة في ورق شمعي، وزجاجة نبيذ أحمر داكن. لم تكن هناك رسالة، فقط غصن صغير من إكليل الجبل مربوط بشريط من الخيش. كانت لفتة صامتة، فنية، ومحرجة بعض الشيء.

تجنبت طريقه منذ ذلك الحين، مغيرًة توقيت جريها الصباحي، وسالكةً أزقة مختلفة. لم تكن تهرب منه، بل كانت تهرب من الشعور الغريب الذي أثاره فيها. شعور بأن جدرانها التي بنتها بعناية قد تم اختبارها، ووُجدت أقل صلابة مما كانت تعتقد. كانت تراه أحيانًا من بعيد، كنقطة ملونة تتحرك في ورشته المفتوحة، أو وهو يشرب الإسبريسو واقفًا مع جيوفاني. في كل مرة، كانت تشعر بوخزة غريبة من الفضول، فضول كانت تسحقه بسرعة وتواصل طريقها.

لكن بوسيتانو، بكل سحرها، كانت بلدة صغيرة. الهروب فيها كان وهمًا.

كانت الدعوة قد أتت من كيارا، صديقتها عالمة النباتات التي كانت تزورها من روما. "حفل على الشاطئ، سولانا! جيوفاني ينظمه. سيكون هناك نار، موسيقى، وطعام. يجب أن تأتي! لا يمكنكِ قضاء كل ليلة في محادثة نباتاتك، حتى لو كانت 'الدمع الأرجواني' مستمعة جيدة."

ترددت سولانا، لكن إصرار كيارا، بالإضافة إلى شعور بالوحدة بدأ يتسلل إليها في الليالي الهادئة، جعلها توافق في النهاية.

والآن، ها هي تقف عند حافة الشاطئ الرئيسي، "سبياجا غراندي"، تشعر بأنها غريبة في ثوبها. كانت ترتدي فستانًا صيفيًا بسيطًا بلون أزرق داكن، ينسدل على جسدها الرياضي بنعومة، لكنها شعرت بأنها مكشوفة أكثر من اللازم. كان الشاطئ قد تحول إلى مسرح ساحر. مشاعل الـ"تيكي" كانت ترسم دوائر من الضوء الدافئ على الرمال، وفي المنتصف، كانت نار كبيرة تتراقص ألسنتها نحو السماء المرصعة بالنجوم، مرسلةً شرارات برتقالية كاليراعات. صوت الموسيقى الإيطالية الهادئة يمتزج مع همس الأمواج المتكسرة على الشاطئ. رائحة الخشب المحترق والملح كانت تملأ الهواء.

رأت كيارا تلوح لها بحماس من قرب النار. كانت كيارا عكسها تمامًا؛ قصيرة، ممتلئة بحيوية، بشعر أحمر ناري مجعد يحيط بوجهها المبتسم دائمًا. بجانبها كان يقف جيوفاني، صاحب المقهى، يضحك بصوته المعهود.

"أخيرًا!" صاحت كيارا وهي تعانقها. "ظننت أنكِ ستغيرين رأيكِ!"

"لقد كنت على وشك،" تمتمت سولانا بابتسامة صغيرة، وهي تسلمها زجاجة نبيذ أحضرتها معها.

"سولانا! يا جميلة!" قال جيوفاني وهو يأخذ الزجاجة منها بتقدير مسرحي. "تبدين أفضل بكثير بدون الطين." ثم قدم لها كأسًا من النبيذ الأبيض البارد. "بروسيكو. لتبدأ الليلة بشكل صحيح."

ضحكت سولانا. "شكرًا يا جيوفاني. لطف منك أن تلاحظ."

ثم رأته. كان أليو جالسًا على قطعة خشب كبيرة قرب النار، يتحدث مع شاب آخر لم تره من قبل. كان يرتدي سروالاً من الكتان وقميصًا بسيطًا مفتوحًا عند الياقة، وشعره الفوضوي كان يتلاعب به نسيم البحر. لم يكن يضحك، بل كان يستمع باهتمام، رأسه مائل قليلاً. بدا مختلفًا هنا، أكثر هدوءًا، جزءًا من المشهد وليس كارثة على وشك الحدوث. عندما رفع عينيه ورآها، لم تكن ابتسامته عريضة، بل كانت ابتسامة بطيئة ودافئة، ابتسامة جعلت قلبها يتعثر للحظة. أومأ برأسه بخفة، كأنه يقول "أنا سعيد لأنكِ أتيتِ".

الشاب الذي بجانبه، ذو الشعر الأشقر والعينين الزرقاوين، نظر إليها بفضول. "إذًا، هذه هي 'سيدة الطين' الشهيرة؟"

قال بلكنة إنجليزية مصقولة، لكن ببريق مرح في عينيه.

احمر وجه سولانا قليلاً. "هل هذا هو لقبي الرسمي الآن؟"

وقف أليو وتوجه نحوهم، حاملاً صحنين صغيرين. "سولانا، هذا هو صديقي لوكاس. لوكاس، هذه سولانا." ثم قدم لها أحد الصحنين. "جرّبي هذا. 'أرانتشيني'. كرات أرز مقلية. تخصص والدة جيوفاني."

أخذت سولانا واحدة. كانت ساخنة ومقرمشة من الخارج، وطرية ومليئة بالجبن الذائب من الداخل. "لذيذة،" قالت بصدق.

صافحها لوكاس. "تشرفت بلقائك أخيرًا. لقد سمعت قصة لقائكما الأول... خمس مرات على الأقل. جيوفاني يرويها كأنها ملحمة إغريقية."

"أنا متأكد من أنه يضيف بعض التفاصيل الدرامية،" قالت سولانا وهي ترمق جيوفاني بنظرة ساخرة.

"فقط التفاصيل الضرورية!" قال جيوفاني وهو يرفع يديه ببراءة. "الفن يتطلب المبالغة!"

"لوكاس هو صديقي من برلين،" أوضح أليو. "جاء لزيارتي... وللهروب من التزاماته."

"أنا أسميها استراحة إبداعية،" قال لوكاس بابتسامة. "أنا كاتب، وأبحث عن الإلهام. وقصة لقائكما... ملهمة جدًا. سقوط غير متوقع، فوضى، ثم جمال يظهر من تحت الطين. إنها استعارة مثالية للحياة."

نظرت سولانا إلى لوكاس، ثم إلى أليو. "أنتم الفنانون ترون استعارات في كل شيء، أليس كذلك؟"

"وهل هذا سيء؟" سأل أليو بهدوء. "إنه يجعل العالم أقل عشوائية."

قبل أن تتمكن سولانا من الرد، بدأ جيوفاني يصفق بيديه. "حسنًا يا جماعة! الشمس غربت، والقمر يراقبنا! حان وقت التقاليد! حان وقت 'حكايات النار'!"

تجمع عدد قليل من الأصدقاء حول النار، وجلسوا على الرمال أو على قطع الخشب المتناثرة. أوضح جيوفاني للوكاس وسولانا: "إنه تقليد قديم هنا. كل شخص يروي قصة. لا يجب أن تكون حقيقية، ولا يجب أن تكون منطقية. يمكن أن تكون ذكرى، حلمًا، أو كذبة جميلة. القاعدة الوحيدة هي أنها يجب أن تأتي من القلب."

بدأ البعض في سرد حكايات قصيرة ومضحكة. روت كيارا قصة عن نبتة آكلة للحوم كادت أن تأكل قبعتها المفضلة. وروى جيوفاني قصة مبالغ فيها عن كيف اصطاد سمكة تونة بحجم سيارة فيات صغيرة.

ثم جاء دور لوكاس. صمت الجميع، فضوليين لسماع قصة الكاتب.

نظر لوكاس إلى النار، وعيناه تعكسان اللهب. "سأروي لكم قصة سمعتها في حانة قديمة في دبلن،" بدأ بصوت هادئ. "كانت عن نحات، نحات كان مهووسًا بالبحر. لم يكن ينحت الحجر أو الخشب، بل كان ينحت الأصوات. كان يقضي أيامه على الشاطئ، يسجل صوت الأمواج، صوت النوارس، صوت الريح وهي تهمس عبر الكهوف. ثم يعود إلى ورشته، ويستخدم هذه الأصوات لينحت الصمت. كان يعتقد أن كل صمت له شكل، وأن مهمته هي إيجاده. قالوا إنه في النهاية، نحت صمتًا مثاليًا لدرجة أنه عندما عرضه على الناس، لم يتمكن أحد من الكلام لمدة ساعة كاملة بعد رؤيته. لقد اختفى بعد ذلك، ويقولون إنه تحول هو نفسه إلى صوت، صوت لا يزال يتردد على الساحل الأيرلندي في الليالي العاصفة."

ساد صمت بعد قصته، صمت مختلف، مليء بالصور والأفكار.

واو

قالت كيارا بهمس هذا عميق

"هذا ما يفعله الكتاب،" قال أليو بابتسامة، وهو ينظر إلى صديقه بفخر. "يأخذون الحقيقة ويصقلونها حتى تصبح أكثر جمالاً."

ثم، وبشكل غير متوقع، استدارت كل الأنظار نحو سولانا. شعرت بالحرارة تزحف على وجهها. "أوه، لا. أنا... لست جيدة في هذا."

"هيا،" شجعها أليو بهدوء. "أي شيء. ذكرى صغيرة."

أخذت سولانا نفسًا عميقًا، ونظرت إلى الأمواج المظلمة التي كانت تتقدم وتتراجع بإيقاع ثابت. "عندما كنت صغيرة،" بدأت بصوت خافت، "كانت جدتي تقول لي إن البحر يحتفظ بكل الأسرار التي نهمس بها له. كانت تقول إنه في كل ليلة، عندما يرتفع المد، يأخذ البحر كل همومنا وأسرارنا معه إلى الأعماق، وفي الصباح، عندما ينحسر المد، يترك وراءه فقط الأصداف النظيفة، كبداية جديدة."

توقفت للحظة، وابتلعت ريقها. "لم أكن أصدقها حقًا، لكنني كنت أفعل ذلك على أي حال. كنت أذهب إلى الشاطئ وأهمس بكل أسراري الصغيرة في وجه الأمواج. سر أنني كسرت مزهرية أمي المفضلة، سر أنني كنت أغار من صديقتي... كنت أعود دائمًا وأنا أشعر بأنني أخف. كأن البحر قد أخذ العبء عني حقًا."

نظرت حولها، ورأت أن الجميع كان يستمع باهتمام. لم تكن هناك سخرية، فقط هدوء وتفهم. نظرت إلى أليو، ورأت في عينيه شيئًا جعلها تشعر بالدفء. لم يكن شفقة، بل كان... تقديرًا. كأنه يفهم تمامًا ما يعنيه أن تحمل أسرارًا.

"قصتك جميلة،" قال أليو بصوت خفيض، مخصص لها وحدها. "أجمل من قصة النحات الصوتي."

"قصتي حقيقية،" همست.

"أعلم،" قال. "وهذا ما يجعلها أجمل."

بعد انتهاء القصص، انفض الجمع قليلاً. ذهب البعض ليجلب المزيد من المشروبات، بينما بدأ آخرون يرقصون على أنغام الموسيقى الهادئة. وجدت سولانا نفسها تقف بجانب أليو بالقرب من حافة الماء، بعيدًا قليلاً عن ضوء النار.

"إذًا،" قالت سولانا لتكسر الصمت. "صديقك الكاتب... يبدو مثيرًا للاهتمام."

"لوكاس هو أفضل شخص أعرفه في رؤية ما هو غير مرئي،" قال أليو وهو ينظر إلى البحر. "لهذا هو كاتب جيد. وأنتِ... قصتك عن البحر... كانت صادقة جدًا."

"كانت مجرد ذكرى طفولة."

"أفضل الذكريات هي ذكريات الطفولة،" قال. "لأنها نقية. قبل أن نتعلم كيف نكذب على أنفسنا." التفت لينظر إليها، وضوء القمر كان يضيء جانبًا واحدًا من وجهها. "أنتِ تحبين البحر، لكنكِ تخافينه أيضًا، أليس كذلك؟"

تجمدت سولانا. كان سؤاله مباشرًا، لكنه لم يكن هجوميًا. كان ملاحظة هادئة. "ما الذي يجعلك تقول ذلك؟"

"الطريقة التي تنظرين بها إليه. كأنه صديق قديم خذلكِ. هناك حب، لكن هناك حذر أيضًا. أرى ذلك في الطريقة التي تجلسين بها على الشاطئ كل صباح. أنتِ قريبة، لكنكِ لا تدخلين أبدًا."

شعرت سولانا بأنفاسها تحتبس. لقد كان يراقبها. "أنت... تراقبني؟"

"أنا فنان، سولانا. أنا أراقب كل شيء. أراقب كيف يغير الضوء لون البيوت على الجرف، أراقب كيف تتشكل التجاعيد على وجه جيوفاني عندما يضحك، وأراقب كيف تقفين بثبات ضد الريح كأنكِ منحوتة من صخر هذا الشاطئ."

كانت كلماته تنساب بهدوء، لكنها كانت تخترق دفاعاتها واحدًا تلو الآخر.

"أنا لا أخاف البحر،" قالت، لكن صوتها كان يفتقر إلى القناعة. "أنا فقط... أحترمه."

"هناك خط رفيع بين الاحترام والخوف،" قال أليو بهدوء. ثم غير الموضوع بذكاء، مدركًا أنه ربما ضغط أكثر من اللازم. "هل تعلمين أن والدتي الألمانية كانت تقول شيئًا مشابهًا لقصة جدتك؟ كانت تقول إن كل قطعة حجر تحمل ذكرى الأرض. وإن مهمة النحات ليست خلق شكل جديد، بل تحرير الشكل الموجود بالفعل داخل الحجر."

"إذًا، أنت لا تنحت،" قالت سولانا، ممتنة لتغيير الموضوع. "أنت تحرر."

"أحاول،" قال بابتسامة حزينة. "معظم الوقت، أنا فقط أصنع فوضى."

"مثل دلو الطين؟" سألت، وشعرت بابتسامة حقيقية تتسلل إلى شفتيها.

ضحك أليو، ضحكة عميقة وهادئة. "تمامًا مثل دلو الطين. كانت تلك فوضى من الدرجة الأولى."

بقيوا في صمت مريح للحظات، يستمعون إلى طقطقة النار وصوت البحر. شعرت سولانا بأن جدارًا آخر قد انهار الليلة، ليس بسبب دلو من الطين، بل بسبب بضع كلمات هادئة قيلت على ضوء القمر. شعرت بأنها ليست مجرد "سيدة الطين" أو السبّاحة السابقة. هنا، حول هذه النار، كانت مجرد سولانا. امرأة لديها قصة عن جدتها والبحر. ولأول مرة منذ وقت طويل، شعرت بأن هذا كافٍ.

---

شكرًا لمتابعتكم للفصل الثاني من "فسيفساء من

ملح وحجر". أتمنى أن يكون قد أعجبكم.

لا تنسوا الضغط على النجمة 🤍 لدعم الرواية!

صفحتي على الانستجرام 👇

elysi_a88

تم تحديث فصلين تعويضا عن التأخير 🤍🌼

أعتذر 🥲

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فسيفساء من ملح وحجر

المؤلف Elysia
2025/08/17 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة