فاصل اعلاني

فاصل اعلاني

18 0

"أحيانًا، لا يكون الشبح الأكثر رعبًا هو الذي يطاردك، بل هو الذي يطارد الشخص الذي بدأت تحبه."

غادر أليو المرسم كإعصار مفاجئ، تاركًا وراءه صمتًا مدويًا ورائحة الفحم والتردد. وقفت سولانا وحدها للحظات طويلة، وعيناها مثبتتان على الباب الذي أغلقه خلفه، تستمع إلى صدى خطواته المتسرعة وهي تتلاشى في الزقاق. كان الرسم الذي أمامها، "بورتريه روحها"، لا يزال ينبض بالحياة والدفء، لكن المرسم نفسه أصبح باردًا وفارغًا، كأنه فقد قلبه فجأة. كل تمثال غير مكتمل بدا وكأنه يحدق بها في صمت، شاهدًا على لحظة مسروقة.

شعور بالغيرة، حاد وغير متوقع، طعنها في صدرها. لم تكن غيرة تملكية، فهي لم تكن تملكه لتبدأ. بل كانت غيرة على تلك اللحظة الهشة التي سُرقت منهما، على ذلك الخيط غير المرئي الذي كان قد بدأ للتو في التكون، والذي قطعه الآن صوت من الماضي بقسوة. من هي تلك المرأة التي تملك القدرة على استدعائه بهذه السهولة، على محو كل أثر للدفء من عينيه بكلمات قليلة عبر الهاتف؟

حملت الرسم بعناية فائقة، كأنها تحمل قطعة زجاج ثمينة على وشك التحطم. غادرت المرسم، وأغلقت الباب خلفها برفق. لم تشأ أن تبقى في مكان أصبح فجأة ملكًا لشخص آخر، لقصة أخرى لم تكن جزءًا منها. بينما كانت تسير في الشوارع التي بدأت تظلم، كانت تشعر بأن الرسم بين يديها ليس مجرد ورقة، بل هو دليل مادي على وجود رابط حقيقي، رابط أصبح الآن مهددًا.

مر اليوم التالي كضباب كثيف وثقيل. استيقظت سولانا وهي تشعر بثقل لم تشعر به منذ وصولها إلى بوسيتانو. لم يكن مجرد تعب، بل كان قلقًا باردًا استقر في معدتها. ذهبت إلى مقهى جيوفاني في موعدهما المعتاد، وقلبها يخفق بقلق مع كل شخص يدخل من الباب. طلبت قهوتها وجلست على طاولتهما، تتظاهر بقراءة كتاب لم تكن ترى كلماته. مرت الدقائق بطيئة ومؤلمة. جيوفاني، الذي لاحظ غيابه أيضًا، ألقى عليها نظرة متعاطفة لكنه لم يقل شيئًا، احترامًا لخصوصيتها. بعد نصف ساعة، أدركت أنه لن يأتي. دفعت ثمن قهوتها التي بالكاد لمستها، وغادرت وهي تشعر بخيبة أمل حادة، حاولت إخفاءها خلف قناع من اللامبالاة وهي تتوجه إلى عملها.

حتى الأطفال شعروا بشيء مختلف. كانت طاقتها منخفضة، وصوتها يفتقر إلى الحماس المعتاد. ليو، الذي أصبح أكثر ثقة في الماء، كان هادئًا على غير عادته، يراقبها بعينيه الكبيرتين الفضوليتين.

"هل أنتِ حزينة اليوم، سولانا؟"

سألها وهو يتشبث بحافة المسبح، وقطرات الماء تتلألأ على رموشه.

ابتسمت سولانا ابتسامة باهتة، محاولة إجبار عضلات وجهها على الحركة. "لا يا حبيبي، فقط متعبة قليلاً."

"أمي تقول إن الكبار يصبحون متعبين عندما يفكرون كثيرًا،" قال بحكمة طفولية. "يجب أن تفكري في أشياء سعيدة. مثل الجيلاتي بنكهة الفراولة، أو عندما تطفو على ظهرك وتنظر إلى السحاب."

لامست كلماته البريئة وتراً حساساً في قلبها. كم كان الأمر بسيطًا في عالمه. تمنت لو تستطيع أن تطفو وتنظر إلى السحاب، لكن سماءها كانت ملبدة بالغيوم.

بعد انتهاء عملها، وجدت نفسها تسير بلا هدف نحو الساحة الرئيسية. كانت الشمس قد بدأت بالغروب، والساحة تعج بالحياة. السياح يلتقطون الصور، والعائلات المحلية تتبادل الحديث، وصوت بائع متجول يبيع الليمون الطازج يملأ الهواء. كانت هذه المشاهد التي أصبحت مألوفة ومريحة لها تبدو الآن بعيدة وغريبة. ثم رأته.

كان أليو يقف بالقرب من نافورة الحوت، لكنه لم يكن وحده. كانت تقف بجانبه امرأة لم ترها من قبل، لكنها عرفتها على الفور. كانت طويلة، نحيلة، وتتحرك برشاقة طبيعية كأنها وُلدت لتكون محط الأنظار. كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا وأنيقًا يبرز بشرتها البرونزية وشعرها الأسود الأملس المنسدل على ظهرها. كانت تضحك على شيء قاله، وتضع يدها على ذراعه بطريقة طبيعية وحميمة تحمل في طياتها سنوات من الألفة التي لا يمكن تصنعها.

كانت جميلة. ليس مجرد جمال عادي، بل جمال فني، كأنها خرجت لتوها من إحدى لوحات بوتيتشيلي. وشعرت سولانا على الفور، بحدس لا يخطئ، أنها هي. "إيلينا".

تجمدت سولانا في مكانها، وشعرت بأنها دخيلة تتلصص على مشهد خاص. لم يكن أليو الذي تراه هو أليو الذي تعرفه. كان يبدو أكثر جدية، وأكثر حذرًا، كأنه يرتدي قناعًا للمناسبات الرسمية. كانت هناك مسافة صغيرة بينهما، لكن يدها على ذراعه كانت تجسر تلك المسافة وتعلن ملكيتها له أمام العالم.

في تلك اللحظة، التفت أليو ورآها. اتسعت عيناه للحظة في صدمة، وتغير تعبير وجهه. رأت مزيجًا من الذنب والهلع والأسف يعبر ملامحه في ثانية واحدة. انسحبت يده من تحت يد إيلينا بحركة خفيفة لكنها واضحة، حركة لم تكن لتلاحظها عين عادية، لكن عين سولانا التقطتها كصاروخ موجه.

لاحظت إيلينا نظرته، واستدارت لترى ما الذي جذب انتباهه. تلاقت عيناها بعيني سولانا عبر الساحة المزدحمة. كانت نظرة إيلينا هادئة، ثاقبة، وتقييمية. نظرة فنانة تدرس عملاً فنيًا جديدًا، أو ربما نظرة ملكة تدرس دخيلاً على مملكتها. لم يكن في نظرتها عداء، بل شيء أسوأ: فضول بارد، كأنها تنظر إلى حشرة مثيرة للاهتمام.

شعرت سولانا بأن وجنتيها تحترقان. لم تكن تريد أن تُرى هكذا، ضعيفة ومكشوفة. استدارت بسرعة، وبدأت تسير في الاتجاه المعاكس، وقلبها يدق بعنف في أذنيها، محاولًا إغراق أصوات الساحة.

"سولانا! انتظري!"

سمعت صوته يناديها من خلفها، لكنها لم تتوقف. زادت من سرعة خطواتها، متجاهلة نداءه. لم تكن تعرف من ماذا تهرب، من المشهد الذي رأته، أم من نظرة الشفقة التي خافت أن تراها في عيني أليو، أم من شعورها بالخيبة والألم الذي كان يهدد بإغراقها.

لحق بها أخيرًا عند بداية أحد الأزقة الضيقة وأمسك بذراعها برفق. "سولانا، توقفي. أرجوكِ."

استدارت وواجهته، وحاولت جاهدة أن تبقي صوتها ثابتًا ونبرتها ساخرة كعادتها. "ماذا تريد، أليو؟ أرى أنك مشغول. لا تدعني أفسد لم شملك العاطفي."

"الأمر ليس كما يبدو،" قال بسرعة، وبدا عليه القلق الحقيقي، وكأنه يحاول إطفاء حريق بدأ للتو.

رفعت سولانا حاجبها. "حقًا؟ وما الذي يبدو عليه الأمر؟ يبدو أنك تقضي وقتًا ممتعًا مع صديقة قديمة. لا داعي للشرح. حياتك الخاصة لا تعنيني."

"إنها... إيلينا،" قال، وكأن الاسم وحده يفسر كل شيء، وكأنه كلمة سحرية يجب أن تفهمها. "لقد عادت فجأة. كان عليّ أن..."

"أن تذهب إليها فورًا عندما تتصل بك؟" قاطعته، والحدة في صوتها فاجأتها هي نفسها. "لا بأس، أليو. لست مدينًا لي بأي تفسيرات. نحن لسنا... أي شيء."

الكلمتان الأخيرتان خرجتا بصعوبة، وشعرت بأنهما طعنتاها هي قبل أن تصلا إليه. رأت أثر كلماتها في عينيه، جرحًا سريعًا وعميقًا.

"لا تقولي ذلك،" قال بصوت متألم. "أنتِ تعلمين أن هذا غير صحيح."

"وما هو الصحيح إذن؟" تحدته، وشعرت بأن كل دفاعاتها تعود بقوة. "الصحيح هو أنك كنت معي في لحظة، ترسم روحي كما قلت، وفي اللحظة التالية اختفيت من أجلها. الصحيح هو أنني مجرد فاصل إعلاني في قصتكما التي لم تنتهِ بعد."

"أنتِ لستِ فاصلاً إعلانيًا!" قال بصوت أعلى، وجذب انتباه بعض المارة. "الأمر معقد. هناك تاريخ، هناك... التزامات."

"التزامات؟" ضحكت سولانا ضحكة خالية من المرح، ضحكة قاسية. "هذا ما تسميه الآن؟"

في تلك اللحظة، اقتربت إيلينا منهما بخطى هادئة وواثقة، كأنها تطفو فوق الحصى. وضعت يدها مرة أخرى على ذراع أليو، لكن هذه المرة كانت لفتة تحمل طابع الحماية والملكية الواضحة.

"أليساندرو، هل كل شيء على ما يرام؟" سألت بصوت ناعم كالحرير، لكن عينيها كانتا مثبتتين على سولانا. ثم ابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها. "لم تقدمنا. أنا إيلينا."

نظرت سولانا إلى اليد التي تملك ذراع أليو، ثم إلى وجه إيلينا المثالي. شعرت بأنها تقف أمام لوحة فنية مكتملة وموقعة، بينما هي مجرد رسم أولي بالفحم، مليء بالخطوط الخشنة والظلال غير المكتملة.

"سولانا،" قالت بصوت ثابت، ورفضت أن تظهر أي ضعف أمامها.

"آه، سولانا،" قالت إيلينا، وكأنها تتذوق الاسم وتجده غريبًا. "أليو أخبرني عنكِ. مدربة السباحة الإسبانية، أليس كذلك؟ عمل نبيل جدًا. يجب أن تكوني قوية جدًا للتعامل مع كل هؤلاء الأطفال."

كانت كلماتها مهذبة، لكن نبرتها كانت تحمل طبقة رقيقة من التعالي، كأنها تقول "أعرف مكانكِ في هذا العالم، وهو بعيد جدًا عن عالمي". كانت طريقة ماهرة لوضعها في حجمها، لتذكيرها بأنها مجرد إضافة مؤقتة على حياة بوسيتانو.

لم تستطع سولانا التحمل أكثر. نظرت إلى أليو نظرة أخيرة، نظرة مليئة بخيبة الأمل والجرح الذي لم تحاول إخفاءه هذه المرة. "كان عليّ الذهاب."

استدارت ومشت مبتعدة، وهذه المرة لم يحاول إيقافها. ربما لأن يد إيلينا كانت لا تزال على ذراعه، أو ربما لأنه لم يكن يعرف ماذا يقول. سمعت صوت إيلينا الهادئ يقول شيئًا له، لكنها لم تلتفت. واصلت السير، ورأسها مرفوع، بينما كانت تشعر بأن عالمها الصغير والآمن الذي بنته في بوسيتانو قد بدأ يتصدع من كل الجوانب، وأن البحر الذي هربت منه يزحف الآن إلى الشاطئ ليطالب بها من جديد.

..............................................................................................

مفاجأة صادمة أليس كذلك ☻😎🙄

نتقابل في الفصل القادم بعون الله

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فسيفساء من ملح وحجر

المؤلف Elysia
2025/08/17 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة