بورتريه الروح portrait

بورتريه الروح portrait

15 0

"أخطر الأماكن ليست تلك التي نخشاها، بل تلك التي نشعر فيها بالأمان الكافي لنخلع دروعنا."

...........................................................

كانت الأيام التي تلت زيارتهما للأطلال تحمل في طياتها إيقاعًا جديدًا، إيقاعًا هادئًا ومترددًا كخطوات شخصين يتعلمان الرقص معًا لأول مرة. لم يعد لقاؤهما الصباحي مجرد صدفة مبهجة، بل أصبح نقطة ارتكاز ثابتة في يومهما، مرساة صغيرة من الدفء في بحر الروتين. كان أليو ينتظرها عمدًا، يجلس على طاولته المعتادة في مقهى جيوفاني، ويده ترسم خطوطًا عشوائية في دفتره حتى يلمحها قادمة من بعيد، فتتحول تلك الخطوط العشوائية فجأة إلى منحنى ابتسامتها أو الطريقة التي يداعب بها الهواء شعرها. وكانت هي، لأول مرة منذ سنوات، تتطلع إلى الصباح ليس كبداية ليوم آخر من الواجبات، بل كفرصة لتلك الدقائق القليلة من الهدوء المشترك، حيث لا يتوقع منها أحد أن تكون أي شيء سوى نفسها.

في أحد تلك الصباحات، كان الهواء يحمل رائحة الملح والياسمين، وكانت الشمس قد بدأت للتو في إلقاء أشعتها الذهبية على أسطح المنازل. بينما كانت سولانا ترتشف قهوتها، لاحظت أن نظرات أليو كانت مختلفة. لم تكن نظرات الفنان الذي يدرس تفاصيل وجهها كعادته، بل كانت أعمق، تحمل ترددًا لم تعهده فيه، كأنه يقف على حافة كلمة يخشى أن ينطقها.

"ما الأمر؟"

سألت سولانا، ورفعت حاجبها في حركة أصبحت مألوفة بينهما. "هل اكتشفت عيبًا جديدًا في تصميم وجهي؟

ربما أنفي مائل قليلاً إلى اليسار؟"

ابتسم أليو ابتسامة باهتة، لم تصل إلى عينيه. "لا، على العكس تمامًا. كنت أفكر... هل يمكنكِ أن تفعلي شيئًا من أجلي؟"

"هذا يعتمد،" أجابت بسخرية وهي تضع فنجانها. "إذا كان الأمر يتضمن دلاء من الطين، فإجابتي هي لا قاطعة. قميصي الأبيض المفضل لم يتعافَ بعد من الحادثة الأخيرة."

ضحك أليو ضحكة خافتة. "لا، لا شيء من هذا القبيل، أعدكِ. الأمر أكثر... هدوءًا. أريدكِ أن تأتي إلى المرسم بعد ظهر اليوم. ليس كزائرة تتجول بين التماثيل، بل... كجزء منه."

شعرت سولانا بقلبها يخفق بقوة، نبضة عنيدة دقت جدران صدرها. "ماذا تقصد؟"

أخذ أليو نفسًا عميقًا، وكأنه يجمع شجاعته. "أريد أن أرسمكِ،" قالها أخيرًا، والكلمات خرجت أهدأ مما توقعت. "ليس تمثالاً، هذا يتطلب وقتًا وصبرًا قد لا نملكه. مجرد رسم. بالفحم.

الطريقة التي يجلس بها الضوء على وجهكِ عندما تتحدثين، والظلال التي تتراقص تحت عينيكِ... هناك قصة في تلك الظلال. قصة عن القوة والهشاشة في آن واحد. أريد أن أحاول التقاطها."

صمتت سولانا للحظة، وشعرت بأن الهواء أصبح ثقيلاً فجأة.

فكرة أن تكون محور تركيزه، أن تُدرَس وتُحلل وتُخلَّد على ورقة، كانت مرعبة ومغرية في آن واحد. أن تكون "مرئية" بهذا الشكل الكامل كان عكس كل ما سعت إليه منذ وصولها إلى بوسيتانو. كان جزء منها يصرخ "اهربي!"، هذا هو الخطر الذي حذرتِ نفسكِ منه. بينما كان جزء آخر، جزء لم تكن تعرف بوجوده، يهمس "ابقِ. ألا تريدين أن تعرفي كيف يراكِ حقًا؟"

"لماذا؟" سألت بصوت خافت، والسؤال كان موجهًا لنفسها بقدر ما كان موجهًا إليه.

"لأنني فنان، وسيكون من الجريمة ألا أفعل،" أجاب ببساطة، لكن عينيه قالتا أكثر من ذلك بكثير. قالتا إنه يراها، حقًا يراها، بكل تناقضاتها، وأنه يريد أن يُظهر لها ما يراه.

"حسنًا،" قالت، متفاجئة من نفسها ومن الكلمة التي خرجت من فمها بسهولة غير متوقعة. "لكن لدي شرطان."

"أي شيء."

"أولاً، لا أريد أن أرى الرسم حتى تنتهي منه تمامًا. وثانيًا،" ترددت للحظة، "إذا لم يعجبني، ستحرقه."

نظر إليها أليو طويلاً، ثم ابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة في ذلك الصباح. "اتفقنا. تعالي في الرابعة. عندما يكون الضوء في أفضل حالاته."

---

قضت سولانا بقية اليوم في حالة من التوتر والترقب. أثناء تدريبها للأطفال، كانت شاردة الذهن، تراجع قرارها مرارًا وتكرارًا. هل كان هذا خطأ؟ هل كانت تفتح بابًا من الأفضل أن يظل مغلقًا؟ لكن في كل مرة كانت تقرر التراجع، كانت تتذكر نظرة عينيه، نظرة الفنان الذي وجد أخيرًا موضوعه الذي يستحق.

عندما دقت الساعة الرابعة، وجدت نفسها تقف أمام باب المرسم، وقلبها يدق في حلقها. عندما دخلت، كان المكان مختلفًا. لم تكن الفوضى الخلاقة قد اختفت، لكن كان هناك نظام في قلبها. في وسط الغرفة، حيث يسقط ضوء العصر الذهبي من النافذة العالية كشلال من العسل، كان هناك كرسي بسيط وحامل رسم فارغ. كان أليو يقف بجانبه، وفي يده قطعة فحم، وكأنه جندي ينتظر بدء المعركة.

"لا تقلقي،" قال بهدوء وهو يرى التوتر على وجهها. "لا أريدكِ أن تتخذي وضعية معينة أو أن تبتسمي للكاميرا. فقط اجلسي. كوني هنا. تحدثي معي.

عن أي شيء. عن الأطفال في المسبح، عن كتاب تقرئينه، عن أسوأ نوع قهوة تذوقتِه في حياتك. أريد فقط أن أنسى أنني أرسم، وأريدكِ أن تنسي أنكِ تُرسمين."

جلست سولانا على الكرسي، وشعرت بأنها متصلبة كأحد تماثيله الحجرية. لكن أليو، بحدسه الفطري، لم يبدأ بالرسم فورًا.

جلس على مقعد منخفض قريب، وبدأ يتحدث بصوت هادئ ومرح، يروي لها قصة عن جيوفاني عندما حاول أن يصنع نوعًا جديدًا من الجيلاتي بنكهة الريحان وانتهى به الأمر بصبغ لسان نصف زبائنه باللون الأخضر لمدة يومين.

شيئًا فشيئًا، بدأت عضلاتها تسترخي. وجدت نفسها تضحك، وتشاركه قصصها الخاصة عن غرائب الأطفال الذين تدربهم، عن ليو الذي يعتقد أن بإمكانه التنفس تحت الماء إذا فكر بأفكار "سمكية" كافية.

فقط عندما انغمست في الحديث، نهض أليو بهدوء وعاد إلى حامل الرسم. كانت تسمع صوت احتكاك الفحم بالورق، حركة سريعة وحاسمة تارة، وهمسًا خفيفًا تارة أخرى. لم تنظر إليه مباشرة، بل تركت بصرها يجول في المرآة الكبيرة المعلقة على الحائط المقابل، والتي كانت تعكس ظهر أليو وهو يعمل. كان منغمسًا تمامًا، جبينه مقطب بتركيز، وشعره الفوضوي يتدلى على عينيه.

كان يتحرك برشاقة حول حامل الرسم، يبتعد ليقيم عمله بنظرة ثاقبة، ثم يقترب ليضيف لمسة دقيقة. لم يكن مجرد فنان يعمل؛ كان كاهنًا في معبده، يمارس طقوسه المقدسة.

وبينما كانت تراقبه، وجدت نفسها تتحدث بصراحة أكبر، ليس عن الطقس أو المواضيع السطحية، بل عن السباحة.

"هل تعرف ما هو أغرب شيء في كوني سبّاحة؟" قالت فجأة، وصوتها ملأ صمت المرسم. "أنه في تلك اللحظات تحت الماء، لا يوجد صوت.

لا هتافات، لا صافرات، لا شيء. مجرد صوت أنفاسك ودقات قلبك. إنه المكان الأكثر هدوءًا في العالم، ولكنه أيضًا المكان الذي تشعر فيه بأنك على قيد الحياة أكثر من أي وقت مضى."

توقف صوت الفحم للحظة، كأنه حبس أنفاسه معها.

"لكن هذا الصمت... يمكن أن يكون خادعًا،" أكملت بصوت خافت، والكلمات تتدفق منها كأنها سد انهار. "يمنحك وهم السيطرة. تعتقد أنك وحدك، وأنك تتحكم في كل شيء.

لكنك لست كذلك.

هناك دائمًا شيء أقوى منك. التيار، ضغط الماء، أو... مجرد خطأ واحد. خطأ واحد صغير، وكل هذا الصمت يتحول إلى صراخ لا يسمعه أحد غيرك."

شعرت بأنها كشفت الكثير، وأنها عبرت خطًا غير مرئي. لكن عندما نظرت إلى انعكاس أليو في المرآة، لم ترَ الشفقة في عينيه، بل رأت تفهمًا عميقًا، كأنه يعرف هذا الصراخ الصامت جيدًا.

"الحجر كذلك،" قال بصوت هادئ، وعاد الفحم إلى حركته، لكن بإيقاع أبطأ وأكثر تعمقًا.

"تعتقد أنك من تشكله، أنك تفرض إرادتك عليه. لكن الحقيقة هي أن الحجر هو من يقودك. أنت فقط تزيل الأجزاء الزائدة لتكشف عن الشكل الموجود بالفعل في الداخل.

عليك أن تستمع إليه، أن تحترم شقوقه ونقاط ضعفه. إذا حاولت إجباره، فسينكسر. وأحيانًا، حتى عندما تكون حذرًا، ينكسر على أي حال."

صمت ساد الغرفة، لكنه لم يكن صمتًا محرجًا. كان صمتًا مليئًا بالكلمات التي لم تُقل، تفاهمًا بين فنانين، كل منهما يتحدث لغته الخاصة، لكنهما يصفان نفس الحقيقة المؤلمة عن الجمال والفقد.

بعد ما بدا وكأنه دهر ولحظة في آن واحد، ألقى أليو قطعة الفحم جانبًا.

"انتهيت،" قال، وصوته بدا متعبًا وراضياً.

نهضت سولانا، وشعرت بأن ساقيها ترتجفان قليلاً. "هل يمكنني أن أرى؟"

تردد أليو، ثم أومأ برأسه.

عندما وقفت أمام حامل الرسم، حبست أنفاسها. لم تكن صورة لوجهها، بل كانت... روحها. لقد التقط كل شيء. السخرية في زاوية فمها، والتحدي في عينيها، ولكن أيضًا الحزن الخفي الذي يكمن تحتهما كظل عميق. لقد رسم الظلال تحت عينيها ليس كعلامات إرهاق، بل كأودية تحمل قصصًا. والأهم من ذلك كله، لقد رسم الضوء، بقعة صغيرة من الضوء في بؤبؤ عينيها، ضوء عنيد يرفض أن ينطفئ، كشمعة صغيرة في مهب الريح.

"أليو..." همست، وعجزت عن إيجاد الكلمات. لم تكن تعرف ماذا تقول عن شرطها الثاني، عن حرق الرسم. كيف يمكنها أن تطلب منه حرق قطعة من روحها؟

"هذه هي أنتِ،" قال وهو يقف بجانبها، وصوته قريب جدًا. "ليست السبّاحة، وليست مدربة الأطفال. هذه هي سولانا التي أراها."

في تلك اللحظة، انهار آخر جدار كانت تبنيه حول قلبها. لم تكن قبلة عاطفية أو عناقًا يائسًا. كانت مجرد لمسة. مدت يدها ببطء ولامست يده الملطخة بالفحم. تشابكت أصابعهما، باردة ودافئة، نظيفة وموحلة. كان لقاء بين عالمين، عالم الحجر الصلب وعالم الماء المتغير.

رن جرس الهاتف فجأة، كصوت نشاز حطم اللحظة السحرية. تنهد أليو وأخرج هاتفه من جيبه. نظر إلى اسم المتصل، وتغير تعبير وجهه تمامًا. اختفى الدفء، وحل محله مزيج معقد من الواجب والانزعاج، كقناع جليدي هبط على ملامحه.

"يجب أن أجيب،" قال لها، وانسحبت يده من يدها ببطء، تاركةً إحساسًا بالبرودة والفراغ.

ابتعد بضع خطوات وأجاب بصوت خفيض، لكن في صمت المرسم، كانت كلماته واضحة كوضوح الكريستال. "نعم؟... الآن؟... كنت في منتصف شيء ما... حسنًا، حسنًا، سأكون هناك."

أغلق الخط وعاد إليها، لكنه كان شخصًا مختلفًا. كان بعيدًا، محاطًا بسور غير مرئي.

"أنا آسف،" قال، وعيناه لا تلتقيان بعينيها. "عليّ الذهاب. أمر طارئ."

"هل كل شيء على ما يرام؟" سألت بقلق، وشعرت بموجة باردة من الخوف.

"نعم، لا... إنه مجرد... عمل،" قال بشكل غامض، والكلمة بدت غريبة في فمه. "سأراكِ غدًا."

خرج من المرسم بسرعة، تاركًا سولانا واقفة وحدها أمام رسمها، والبرودة التي خلفتها يده المنسحبة لا تزال على بشرتها. نظرت حولها في المرسم الذي كان قبل لحظات مكانًا دافئًا وآمنًا، والآن أصبح فجأة غريبًا وفارغًا.

من كانت تلك المتصلة التي يمكنها أن تسحبه بعيدًا بهذه السهولة؟ من التي تملك القدرة على إطفاء الضوء في عينيه بكلمة واحدة؟

لأول مرة، أدركت سولانا أنها ليست مجرد هاربة في بلدة هادئة. لقد دخلت قصة كانت قد بدأت قبل وصولها بوقت طويل، قصة مليئة بالأشباح الخاصة بها. وشعرت بغيرة حادة ومفاجئة، شعور لم تشعر به منذ زمن طويل. لم تكن غيرة على أليو الرجل، بل غيرة على تلك اللحظة التي سرقت منهما، على ذلك الخيط الهش الذي كان قد بدأ للتو في التكون بينهما،

والذي قطعه الآن صوت من الماضي.

---

حسابي علي الانستجرام elysi_a88

التصويت مهم جدا  لنزول الفصل القادم 🌟

معني اسم الفصل ( portrait) هي كلمة من أصل فرنسي وتعني لوحة فنية تمثل شخصا بكامل تفاصيلها وكأنها تنبض بروحه ليست مجرد رسمة

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فسيفساء من ملح وحجر

المؤلف Elysia
2025/08/17 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة