فن السقوط الحر

فن السقوط الحر

18 0

"يقولون إن بوسيتانو هي المكان الوحيد في العالم الذي تم بناؤه بشكل عمودي بدلاً من الأفقي. ربما لهذا السبب، كل شيء هنا إما يصعد نحو السماء، أو يسقط نحو البحر. لا يوجد وسط."

– من دفتر ملاحظات سائحة مجهولة.

*************************************

كانت بوسيتانو تلتصق بالجرف الصخري كعاشقة عنيدة، بيوتها الملونة بألوان الحلوى – الوردي، الأصفر المشمشي، البرتقالي الباهت – تتدرج نحو البحر، متحديةً الجاذبية وكل قوانين المنطق. هنا، لم تكن الشوارع مجرد ممرات، بل كانت سلالم لولبية، أزقة ضيقة تهمس بأسرار قرون مضت، وممرات مرصوفة بالحصى تحتفظ بصدى خطوات كل من مرّ عليها؛ من صيادين بسطاء إلى نجوم سينما هاربين من الأضواء. الهواء نفسه كان قصة؛ مزيج كثيف من رائحة الملح، وزهر الليمون الحاد، والثوم الذي يُقلى في زيت الزيتون.

في هذا العالم العمودي، كانت سولانا قد اختارت أن تعيش أفقيًا.

وصلت قبل ثلاثة أسابيع، هاربة من ضجيج برشلونة ومن ضجيج أكبر كان يعصف بداخلها. استأجرت شقة صغيرة في الجزء العلوي من البلدة، شقة لها شرفة تطل على زرقة لا نهائية، وزرقة أخرى كانت تخشى النظر إليها طويلًا. كانت حياتها الجديدة عبارة عن روتين صارم بنته حول نفسها كسورٍ عالٍ. تستيقظ قبل الفجر، حين يكون العالم لا يزال في حلم رمادي. ترتدي ملابس رياضية بسيطة وتبدأ طقسها اليومي: الجري. ليس جريًا هادئًا، بل جري عنيد، قوي، على طول الطريق الساحلي المتعرج الذي يحاذي الجرف. كانت رئتاها تحترقان، وعضلاتها تصرخ، لكنها كانت تستمر، كأنها تحاول أن تسبق شيئًا ما، شبحًا يطاردها ولا يراه أحد سواها.

بعد الجري، كانت تنزل مئات الدرجات إلى الشاطئ الخفي الذي لم يكن يرتاده أحد، وتجلس هناك وتراقب البحر من مسافة آمنة. كانت تلك هدنتها معه. هي لا تتحدى أمواجه، وهو لا يوقظ أشباحها.

صوت صافرة البداية. جسدها ينطلق من المنصة كالسهم. البرودة الأولى للماء وهي تغلفها، صدمة لذيذة ومألوفة. الصمت المطبق تحت السطح، لا تسمع سوى صوت دقات قلبها وإيقاع ذراعيها وهي تشق طريقها عبر الماء الأزرق المكلور.

كل عضلة تعمل بتناغم تام. كانت آلة.

آلة مثالية مصممة للفوز

أغمضت عينيها بقوة، طاردةً الفلاش باك. لم تعد تلك الآلة. الآن، هي مجرد امرأة تجلس على الشاطئ.

بعد طقسها الصباحي، كانت تعود إلى شقتها لتعتني بكنزها السري: شرفتها. لم تكن مجرد شرفة، بل كانت حديقة مصغرة، ملاذ أخضر زرعته بعناية فائقة.

كانت هناك أصص من نبات "الغاردينيا" الإسباني، الذي يذكرها بحديقة جدتها في إشبيلية، وبجانبها نبتة "الدمع الأرجواني" (Purple Tears)، وهي نبتة متسلقة نادرة ذات أزهار صغيرة تشبه قطرات المطر الأرجوانية. كانت قد حصلت عليها من صديقتها أميليا، عالمة النباتات البريطانية، التي أخبرتها أن هذه النبتة تزدهر فقط في المناخات التي تجمع بين حرارة الشمس ورطوبة البحر. كانت سولانا تعتني بها بهوس، كأن نجاحها في إبقاء هذه النبتة حية هو دليل على أنها هي نفسها لا تزال قادرة على النمو.

ثم، بعد الظهر، كانت تذهب لعملها. كانت سبّاحة أولمبية، بطلة إسبانيا التي كانت الصحف تتغنى بقوتها الأسطورية. والآن، أصبحت السيدة التي تعلم أطفال المصطافين الأثرياء كيف يطفون على الماء باستخدام "نودلز" ملونة في حمام السباحة الدافئ والآمن لفندق "فيلا روزا". يا لها من سخرية.

كانت سولانا امرأة لا يمكن تجاهلها، حتى لو حاولت هي ذلك جاهدة. طويلة، ذات قوام رياضي منحوت بدقة، وشعر أسود حالك كليالي إسبانيا، عادة ما ترفعه على شكل كعكة فوضوية. بشرتها بلون الزيتون الدافئ، وعيناها... عيناها كانتا قصتها الكاملة. كانتا بلون العسل الداكن، لكنهما تحملان نظرة حادة، ثاقبة، كأنها تقيّم كل شيء وكل شخص، باحثة عن نقطة ضعف. كانت ترتدي ملابس بسيطة وأنيقة؛ بناطيل كتان واسعة، قمصان قطنية بيضاء، وفساتين صيفية بسيطة. كانت تمشي بثقة ورأس مرفوع، لكن من يدقق في نظرتها كان سيرى حذرًا، كأنها تتوقع دائمًا أن يسقط شيء ما من السماء.

1

في ذلك اليوم، حدث ما كانت تتوقعه.

كانت الشمس قد بدأت رحلتها الأخيرة نحو الغروب، مطليةً السماء بألوان الخوخ والذهب. كانت سولانا عائدة من الفندق، تسير بخطى متعبة في أحد الأزقة الضيقة التي تفوح منها رائحة أزهار الياسمين والبيتزا المخبوزة على الحطب. كانت تحمل حقيبة رياضية على كتفها، وفي يدها الأخرى شبكة ضخمة تتدلى منها عوامات وألواح سباحة صغيرة بألوان فاقعة.

فجأة، سمعت صوت صرير حاد من الأعلى، وقبل أن تتمكن من رفع نظرها، شعرت بثقل بارد ولزج يصفعها.

بووووم!

سقط محتوى الدلو بأكمله مباشرة على رأسها وكتفيها. طين رمادي وبارد غطى شعرها الأسود، وسال على وجهها وقميصها الأبيض النظيف، وحوّل شبكة الألعاب الملونة إلى كتلة موحلة بائسة. وقفت متجمدة للحظة، مصدومة تمامًا، والدلو الفارغ يتأرجح فوقها ببراءة كاذبة.

من شرفة في الطابق العلوي، أطلّ رأس مغطى بشعر بني فوضوي وعينين واسعتين من الهلع. كان رجلاً، ربما في أواخر العشرينيات من عمره، يرتدي قميصًا بسيطًا ملطخًا بنفس الطين الذي يغطيها الآن. كان وجهه منحوتًا بدقة، بأنف مستقيم وفك حاد، لكن ما لفت نظرها هو عيناه. كانتا بلون البندق، دافئتين وقلقتين.

"Mio Dio! Stai bene?" صرخ بالإيطالية

صوته كان مزيجًا من الذعر والدهشة.

"يا إلهي! هل أنتِ بخير؟"

فتحت سولانا فمها لترد، لكن كل ما خرج كان بصقة صغيرة من الطين. مسحت عينيها بظهر يدها، تاركةً خطوطًا موحلة جديدة على وجهها، ونظرت للأعلى بنظرة لو كانت تقتل لكان قد تحول إلى تمثال حجري.

من مدخل مقهى قريب، انطلق صوت ضحكات مدوية. كان جيوفاني، صاحب المقهى المحلي، واقفًا وهو يمسك بطنه من شدة الضحك.

"أليو! يا فنان!" صاح جيوفاني وهو يضحك. "ظننتك تنحت بالرخام، لم أكن أعلم أنك بدأت في نحت البشر مباشرة! وهذه... هذه تحفتك الفنية الجديدة! 'سيدة الطين الحزينة'!"

أليو، الفنان المذعور، نظر إلى صديقه بغضب من الأعلى. "جيوفاني، اصمت!" ثم عاد بنظره القلق إلى سولانا. "أنا... أنا آسف جدًا. حقًا. سأنزل حالاً."

اختفى رأسه من الشرفة، وبعد لحظات من الضوضاء والتعثر، ظهر عند باب ورشة فنية مجاورة للمقهى. كان أليساندرو "أليو" أطول مما بدا عليه من الشرفة، ذو بنية قوية لكنها ليست مفتولة العضلات، بل بنية فنان يعمل بيديه. كان يرتدي بنطال جينز قديمًا وقميصًا بسيطًا، وكلاهما يحمل بصمات فنه. لم يكن وسيمًا بالمعنى التقليدي، بل كان ذا جاذبية فنية فوضوية. شعره البني كان أطول من اللازم، وعيناه تحملان نظرة حالمة.

ركض نحوها، ووجهه لا يقل فوضوية عن وجهها.

جيوفاني، مستمتعًا بالدراما، أكمل سخريته. "انتبهي يا آنسة، قد يحاول أن يجعلكِ جزءًا من مجموعته الدائمة. أليساندرو لديه ولع بالأشياء غير المكتملة، وأنتِ الآن... عمل فني تجريدي بامتياز!"

"جيوفاني!" زأر أليو في وجه صديقه. "كلمة أخرى وسأستخدم الدلو التالي عليك!" ثم التفت إلى سولانا، وبدا قلقه حقيقيًا هذه المرة. "دعيني أساعدكِ."

حاول أن يمسح الطين عن كتفها، لكنه فقط زاد الأمر سوءًا، فنظر إلى يديه الملطختين ثم إليها بيأس. "أنا كارثة متحركة."

سولانا نظرت إليه، ثم إلى جيوفاني، ثم إلى انعكاسها في نافذة المقهى. رأت امرأة موحلة تمامًا بعيون غاضبة. وفجأة، وبدلاً من الصراخ، انفجرت في ضحكة مكتومة وساخرة. كانت ضحكة نادرة، لم تخرج منذ وقت طويل، وكانت مفاجئة لدرجة أنها فاجأت نفسها.

نظرت لأليو مباشرة، وفي عينيها لمعة تحدٍ. "فقط لكي تعلم،" قالت بصوت هادئ وثابت، "وحش الطين خاصتك يدين لي بقميص جديد... وربما بكرامتي أيضًا."

توقف أليو للحظة، مأخوذًا بضحكتها. لقد توقع صراخًا، غضبًا، ربما حتى دموعًا. لكنه لم يتوقع ضحكة. لم يتوقع هذه القوة الهادئة. ابتسامة صغيرة، حقيقية، شقت طريقها عبر قلقه. "القميص والكرامة، كلاهما على حسابي،" قال بهدوء. "أعدكِ. تعالي، هناك نافورة عامة في الساحة الصغيرة خلف المقهى. على الأقل لنغسل هذا عن وجهك وشعرك."

أشار بيده، ثم تردد، كأنه لا يعرف إن كان من اللائق أن يلمسها أم لا. فاكتفى بالإشارة مرة أخرى. "من هنا."

تبعته سولانا، وهي لا تزال تحمل شبكة الألعاب الموحلة، تاركةً وراءها جيوفاني وهو يغمغم "الحب من أول دلو".

كانت الساحة صغيرة وساحرة، بها نافورة حجرية قديمة تصور طفلين يسكبان الماء من جرة. ساعدها أليو في وضع شبكة الألعاب جانبًا، ثم أدار صنبور الماء البارد. انحنت سولانا، وبدأت في غسل وجهها وشعرها تحت الماء الجاري، وشعرت بالبرودة المنعشة تزيل عنها لزوجة الطين وثقل الموقف.

وقف أليو بجانبها، يمرر لها مناديل ورقية من مقهى جيوفاني، صامتًا، يراقبها بقلق. كان يراقب الطريقة التي يتحرك بها عمودها الفقري، القوة الكامنة في كتفيها. كانت فوضوية، مغطاة بالطين، لكنها كانت تحمل نفسها برشاقة ملكية. شعر بشيء غريب، شيء يشبه الإلهام، لكنه أعمق. لم تكن مجرد امرأة جميلة تعرضت لحادث سخيف. كانت تبدو كتمثال كلاسيكي تم إخراجه للتو من حفرية، لا يزال يحمل عليه تراب الزمن، لكن خطوطه المثالية ترفض أن تختفي.

حين رفعت رأسها أخيرًا، وشعرها يقطر ماءً، كانت تبدو أقل كتمثال موحل وأكثر كحورية بحر غاضبة.

"أفضل؟" سأل بصوت خافت.

"قليلاً،" قالت وهي تعصر شعرها. "الآن عليّ أن أمشي في كل أنحاء بوسيتانو بهذا المنظر."

"أنا أليساندرو، بالمناسبة. أو أليو."

"سولانا."

"سولانا،" كرر الاسم ببطء، كأنه يتذوقه. "أنا حقًا آسف. كنت أحاول رفع الطين إلى ورشتي، والحبل... انزلق."

"يبدو أن 'السقوط الحر' هو تخصصك،" قالت بسخرية، لكن دون غضب حقيقي.

ابتسم أليو. "يبدو كذلك اليوم. لكن عادة، تخصصي هو الأشياء التي تبقى ثابتة. الحجر، الرخام... الأشياء التي لا تسقط."

"إذًا، أنا استثناء اليوم؟" سألت وهي ترفع حاجبها.

"أنتِ بالتأكيد... استثناء،" قال، وعيناه تلمعان ببريق لم تفهمه.

"ما الذي أتى بامرأة إسبانية إلى هذا الركن الهادئ من إيطاليا؟

هل تهربين من شيء ما؟"

كان سؤالاً مباشرًا، لكن نبرته لم تكن فضولية، بل كانت تحمل تفهمًا غريبًا.

نظرت إليه سولانا طويلًا. "كلنا نهرب من شيء ما، أليس كذلك أيها النحات؟ الفرق هو أن بعضنا يهرب إلى أماكن، والبعض الآخر يهرب إلى أشياء... مثل الطين والحجر."

أومأ أليو برأسه ببطء، معجبًا بذكائها. "لمسة موفقة. لكن الطين لا يطرح أسئلة."

"وهذا ما يجعله رفقة جيدة،" ردت ببرود، ثم التفتت لتجمع أغراضها.

شعرت سولانا بأنها كشفت الكثير. هذا الرجل، هذا الفنان الفوضوي، رأى من خلالها أكثر مما ينبغي في دقائق معدودة. بدأت في السير مبتعدة، وهي تشعر بنظراته تتبعها.

"سولانا!" نادى عليها. توقفت لكنها لم تلتفت. "القميص! أنا مدين لكِ بقميص!"

"لا بأس،" قالت وهي تواصل السير. "اعتبره تبرعًا للفن."

عادت إلى شقتها وهي تشعر بشعور غريب لم تشعر به منذ وصولها. لقد تم اختراق روتينها، تم كسر جدارها الهادئ. كان الأمر مزعجًا، لكن جزءًا صغيرًا جدًا بداخلها، جزء كادت أن تنسى وجوده، شعر بشيء آخر. شعر بالحياة.

وقفت في شرفتها، تنظر إلى حديقتها الصغيرة، ثم إلى البحر المظلم. لأول مرة، لم يكن البحر هو الشيء الوحيد الذي شغل تفكيرها في بوسيتانو. كان هناك الآن فنان فوضوي بعيون دافئة، ورجل ثرثار صاحب مقهى، ودلو فارغ يتأرجح في ذاكرتها.

كان هذا لقاءهما الأول. لقاءٌ وُلد من الفوضى، وسُقي بالطين، وشهد عليه رجل إيطالي ثرثار. لم يكن أي منهما يعلم أن تلك اللحظة، ذلك السقوط الحر لدلو من الطين، كان مجرد بداية لسقوط آخر، أعمق بكثير، سقوط لم يكن أي منهما مستعدًا له.

---

شكرًا لمتابعتكم للفصل الأول من "فسيفساء من ملح وحجر". أتمنى أن تكون البداية قد نالت إعجابكم.

لا تنسوا الضغط على النجمة ⭐ لدعم الرواية!

صفحتي علي الانستجرام 👇

Elysia.a88

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فسيفساء من ملح وحجر

المؤلف Elysia
2025/08/17 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة