دهاليز النسيان

دهاليز النسيان

18 0

الفصل الاول من دهاليز النسيان بعنوان: طفل الهاوية

في تاريخ اليوم التاسع من شهر أغسطس لعالم ١٨٩٥ ولد أخي الصغير أخيراً ومن الغريب بالنسبة لكم أن الرواي هو أنا الأخ الأكبر له لكن يمكن أن نقول مجازا أني عانقت الموت وحظيت بقبلة منه بالخطأ لذا من يروي لكم مجرد شبح يتجول في عالم البشر وأتسكع لأنه الممتع إخافتكم ،البارحة فقد ثلاث شبان الوعي وآخر كان يصرخ:مااااما ارجوك انقذيني ،أدركت حقاً انه ابن والدته حتما سيكون زوج سيء ،وايضا تلك الجارة العجوز ظهرت لها علي أشعل شيب في رأسها المشيب لكنها حاولت مغازلتي ،أحقا التحرش حتى بالأشباح ؟ أعتذر فعلا لقد شتت عن الموضوع الأساسي ،لأكمل لكم تلك القصة التي ستحفر في قلوبكم ربما لأنها الجمال عينه أو أنها تضاهي البؤس انحطاطاً لا أحد يعلم سواي ،ولد أخي بشعر اسود داكن زغبي كان طفلاً ظريفاً صوت ضحكاته تملأ صدى المنزل ،ذلك المنزل الذي كان تتناثر فيه البرودة والمشاعر المحطمة بعدما اتخذني الموت ابناً له في ذلك القبر المظلم ،تلك لحظة كانت خطاً فاصلاً ،لحظة ولادته ، ذلك الحد الذي يفصل بين الخيانة والواقع ، كانت صحة أخي جيدة عكسي يوم ولادتي وكنت أنا أول من حضر ولادته كنت حقاً متحمساً لأنه أخيراً سيأتي ويتشبث به العالم الذي تخلى عني لكن تلك النظرات التي كانت في أعين والدتنا هوت بي أرضاً وكاد قلبي أن يخلع من مكانه لو وصفت الأمر كان أشبه بكابوس يلتف حول عنقي يسرق مني أنفاس الفجر الجديد بأن سيظل حياً ،تلك الأعين كانت خالية من أي ملامح لوحة بيضاء في وسط معرض تداعبه فوضى الألوان ،وجه عابس يرسم السخط بصماته الداكنة عليه شفاه مزمومة تكاد تنزف صارخة ممتعضة وأيد مترامية على جانبيها لا تريد لمس ذلك الطفل الذي ولد وفي تلك لحظة عرفت بأن أخي سيتذوق ما هو أقسى من الموت ،فكما مت أنا مرة سيظل هو يموت ألف مرة وفي كل لحظة أدركت مات أخي بوجود ذكراي ،مات هو وبقيت أنا ،لم تنظر إلى ذلك الطفل الرضيع الذي كان يداعب بيده الهواء ويضحك بوجه طفولي مغر ،وقفت امامه وهمست له :أخي الظريف هل تريد اللعب لا تقلق فربما والدتنا مريضة فحسب لا تحزن عزيزي حتى لو فارقني الموت عنك سأنتزع نفسي من أرض المنفى لأعود لأرض تكون أنت فيها لانك الوطن لي فهل تبزغ فجر ثغرك لي يا يا ساكن قلبي

ظل يضحك كثيراً وظللت الاعبه وألاطفه لاني عرفت أن الحياة ستلقي به في أهوال الوحدة وجوف الجحيم ،كانت الدموع تغرق عيناي في تلك لحظة نظرت له وهو يقف بزاوية ،ابتسامة قذرة تتشبث بشفاهه المطلية باللون الاحمر وفي يده كأس أنيقة مؤطرة ذهبية تفيض دماً وخمراً ،يكاد يترنح في وقفته ،يرفع كأسه عاليا ،يهمس همسة اخترقت جسدي:نخب ولادة أخيك ،هنيئا لك الآن حظيت أنت بأخ ،مذهل أنت الآن أخ أكبر ما رأيك بصفقة هل نأخذه معنا لعالم المنفى

يرتعش صوتي الذي كان يحاول بيأس أن يلبس صوت العزيمة: ابتعد عن اخي يكفي أنك سرقت كياني وروحي أفلا تكتفي

يرد علي بصوت رنان يضحك في جوفه ساخراً:أو يكتفي سكير دماء مثلي ؟انت تطلب من الموت أن ينتهي ؟ولكن لا نهاية لي لذا اطرد عن عقلك الظريف تلك الاوهام،إذن تريده أن يبقى حياً رغم علمك وينظر هو بطرف عينه لوالدتنا ويكمل:أن الحياة ستضاهي لأول مرة عبثيتي أتخال حياة تحاكي الموت خير من الموت نفسه ؟كأنك تمنحه قبلة مسمومة وتتنظر من أن يبعث من جديد أنت أناني حقا يا إرجوان ،أرد عليه :لا شأن لك فقط اترك أخي لحاله ولا تمسه بسوء ،يرد الموت ساخراً: لك ذلك لكن إعلم للقدر خططه وفي ذات البقعة التي كان هو مصدر الأمل في ربوع قلبك سيكون هو خراباً يجلب معه الموت أينما يحل لأن الحياة أعلنته متمرداً منذ الولادة وما خطيئة التمرد سوى التفرد وخطيئة أخاك أن أخذ بذنبك أنت سأرحل الآن لكن سأظل أشاهد تلك البذرة التي تظن أنك زرعتها في رحم الحياة لكنك في نهاية ستتحرق ندماً لتدرك أن أنك فحسب بذرتها في جوف الخطيئة ،وداعا إرجوان لنرى من على صواب ونسيت أن اذكرك منحت أخاك هبة صغيرة كهدية لمولده سيظل يراك حتى لو كبر ، في تلك لحظة يختفي الموت ولم أره لمدة طويلة وتركني أتجول في عالم البشر كما يحلو لي ،في تلك لحظة صوت طرقات تخترق الصمت ،في تلك الغرفة البيضاء تجلس والدتي في سرير المشفى وغطاء ازرق يدثر جسدها وفي زواية المقابلة كان أخي الصغير تحت مراقبة ،تدخل الممرضة لتعلن لأخي أولى لحظات خذلانه ،تنظر الممرضة لوالدتي المنهكة :سيدتي أنه طفل ظريف وجميل مثلك تماماً هل أجلبه لك كي تلامس أناملك وجهه ويسير على هدى معرفة والدته

تنظر أمي بعيداً وتشيح بوجهها وأعينها فارغة تحطم قلبي ويداها على جانبها بإهمال ،صوتها الخافت الضعيف الذي يأبى الخروج حتى تتحدث أخيراً:لا أريد أن أحمله يا سيدارا فقط دعيه وشأنه لربما فارق الحياة أيضا ،من حيثية الصدمة تسقط الممرضة سيدارا الإبرة من يدها ووجهها الشاب يكتسي بملامح الذهول :عذراً ؟ لا بد أنك مرهقة فحسب سأهتم بالطفل حالياً لأجلك لكن يجب أن ترضعيه لتخلقي ذلك الرابط المقدس بينك وبينه ،صوت أنفاس ثقيلة وتنهد يخرج من شفتين ذابلة ثم صوت ثابت ينفجر في الهواء يعانق سطوة السخط :ومن قال إني أريد ذلك أنا أنا لم أكن أريده حتى لقد حاولت إجهاضه لكن كان عالقاً كخطيئة تلطخ أرض المغفرة يعلو صوتها المتعب وهو يثور منفجراً : أظن الموت احمق أعني لم ظل مثل هذا الكائن حياً ما كان له يجب أن يحيا ،ذلك اللعين انتزع حياة أخيه ليبقى هو ،نعم ،أتعلمين أدركت أن هذا الطفل ملعون حقاً

فمن تتخلى عنه امه يعني أن الحياة ما تبقيه إلا شفقة كطفل ولد بالخطيئة سيظل خطيئة وهذا طفل ولد برحم يغرق في اليأس منذ هذه لحظة هذا ليس ابن لي ،فهنيئا للموت به وإن أراد الموت أن يشفق عليه حتى سيظل هو طفل ولد بفم الموت عالقاً في فك حياة تخلت عنه ،يمكنك أخذه إن شئت سيدارا أنا فحسب لا أقدر أن أنظر لوجهه ،هذا لعين سرق لون شعر أخيه أيضا خذيه أو اقتليه لا أهتم حتى ،تقف الممرضة ويسقط فكها على اتساعه لوحشية ما لوث أذناها وصوتها يخرج مرتجفاً :ولكنك أمه أتخالين الأمر لعبة ذلك الرحم الذي احتضنه كي يلتقي بأحضان الحياة يا لك من ناكرة لا أعلم كيف سأواجه نفسي كنت اقول أني كممرضة سأنقذ حيوات وأنتزعها من مخالب الموت ولكن كيف تجرأت على كتابة نهاية لتاريخ لم يبدأ بعد ،سيدتي سأقول لك قبل أن اغادر أنك وحش بأوج عنفوانه ولكن ،صوتها يعلو مرتجفاً ،نبرات الحسرة تخنقها سويعات الألم تسيطر على صوتها:ولكن حتى الوحوش تصون أولادها أما ترين أنك أعتى من شيطان فحتى إبليس يحترق لأجل خطاياه ولو كان لأجل أبنائه ،شكرا لك لأني أدركت أن هذه المهنة غير مناسبة لي أنت الآن حطمت ابنك وسرقت مني فجر الحياة بأن البشرية تتشبث بالوجود ولكنك فحسب دفنت كل شيء تعلمين سيدتي كان هذا أول يوم لي هنا في العمل ولكن إنه الأخير لأنه لن أقبل على كياني أن يداوي أو يرعى أمثالك لانه أخبروني أننا ملائكة الرحمة فأنى لي أن أعالج الشياطين أمثالك وتقترب هي وتهمس لوالدتي :هنيئا لك بأن شياطين يخرج جوفها بشرا مثله وأدعو لك أن يناسبك حر الجحيم لأنك سيدتي غلبتي إبليس في عنفوان خطيئته

تنظر سيدارا نظرة أخيرة لأخي ،تقبل جبينه وتهمس له بصوت يخالج الأذن ويداعبها رقة :عزيزي أنا أحبك على أقل تسمعها مني حتى لو لم أكن أمك ،أنت طفل ثمين وهي لم تستحق وجودك فحسب ،أعتذر لا يمكنني أخذك معي لكن أعدك سأظل ازورك ولن أنساك صغيري وحتى لو كبرت ابقى كما أنت بشريا حتى النهاية، تلك الكلمات هزت بدني وتردد صوته مجددا بشكل كاد يسحق ما بقي لي من الأمل:لأن الحياة أعلنته متمرداً منذ الولادة وما خطيئة التمرد سوى التفرد وخطيئة أخاك أن أخذ بذنبك أنت، نظرت إلى والدتي الذي ظل وجهها ثابت ولا يتحرك ،كأن ذلك الوجه توقف به زمان للأبد ،تلك الكلمات التي ظلت تتردد في صدى الغرفة لم تحرك فيها قلبها شيء وكأنها انتزعت قلبها منذ رحيلي وهكذا بقية أخي لساعات بلا طعام يدفئ جوفه الصغير وظلت أمي في فراشها وغرقت في عالم الضياع وفي منتصف الليل دخلت ممرضة كبيرة في السن تتفقد حال أخي الصغير لتجده يبكي لوحده ،وهل كان مصيره أن يولد وحيدا ويظل كذلك للأبد ؟ أخذت هي الصغير وحملته وداعبت أنفها تضاحكه وبعد ذلك أطعمته وبعد أيام خرجت والدتي من المشفى ،وأتى أبي اخيرا وآه كم اشتاقت عيناي لرؤيته ،حملت الممرضة أخي وابتسمت لأمي لا تدري عن حرب الإنكار التي بداخلها:تفضلي المولود وأتمنى له حياة مباركة أنه طفل جميل فاعتني به سيدتي ، مدت أمي يداها لتحمله ويداه ترتعشان كأنها على وشك أن تحمل الموت ،تنجنبت نظر له فهل كانت تهرب منه أم من نفسها ؟ ،بينما تسير هي ببطئ على درج المستشفى ،ينزل والدي من سيارته ويقترب ويقبل جبينها: حمداً الله على سلامتك ،كيف حال الطفل ،ينظر أبي له بأعين تتراقص شغفاً وتفيضان شوقاً وحبا ً ،يقترب هو ويأخذ الطفل من يداها ،يتشبث به برقة ويبتسم له ويطلع قبلة على أنفه الصغير :يا لك من صغير لطيف أنظر لذلك الأنف الصغير يا الهي انت ظريف أنت حتى أوسم من والدك اشعر بالغيرة يا بني

عانقت شفتاي ابتسامة طمأنينة وزفرت بارتياح:على أقل والدي سيهتم به ولكن نظراً لعمل والدي سافر لبضعة أشهر وترك أخي يتجرع الندم مع حضن والدتي البارد ،وهكذا عاش أخي أقسى أيام حياته لكنه لم يدرك أيا من هذا نظراً لأنه لا يزال طفل وكانت أمي تلقي به على السرير ولا تهتم به حتى لفت الأمر انتباه جدتي التي ظلت تزوره وتغدقه بلحظات خافتة من ذلك الحنان الذي ضنت به أمي وبعد خمسة أشهر جاء الخبر يزف لأمي القشة الأخيرة في دهاليز انكارها ،خبر وفاة أبي ،أتذكر ذلك اليوم جيدا كان أخي الصغير في فراشه نائم بسلام وصوت صراخ أمي شق هدوء المنزل وهي تكسر كل شيء حولها وتصيح بصوت عال : ايها الموت ألا يكفيك هل تعبث معي لماذا لماذا بحق ما كنت أؤمن به خذ روح ذلك لعين وليس روح زوجي أنه عديم الفائدة من يريد طفل قبيح مثله ها أجبني وأقسم إن لم نأخذ أنت روحه سأنتزعها بالقوة وأرسلها لك بغلاف أنيق أحمر لتكون هدية مناسبة للموت ،روح رخيصة لا تستحق حق البقاء على قيد الحياة ،توقف قلبي لوهلة وبسرعة ذهبت لغرفة أخي وكدت أموت مرة أخرى فأي هول هذا ، لحد أن يتجرع الأموات سمية الموت مرة أخرى ،رأيت وجه والدي يحتقن غضبا ولون الجنون يعمي بصيرتها ويداه المرتعشة ثابتة لأول مرة منذ سنوات تلتف حول عنق أخي الصغيرة تسرق أنفاس الحياة منه ،كدت سقط أرضا لقلة حيلتي فأنا شبح صوتي الهامس :أماه أرجوك توقفي لا تفعلي أنت لن تفعلي ذلك أرجوك أرجوك......

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حفلة العقل الأخيرة

المؤلف Afnan
2025/06/19 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة