تلتقط أذناك الفضولية صوت خافت وحفيف الكثير من الكتب ،تسير بقدمان ترتعدان خوفاً ،خوف مجهول زرع في ثنايا قلبك ،يضرب كل يقين بأنك ستكون بخير ،خطوة بخطوة وآثار قدماك الغارقة في الوحل يترك وصمة واضحة على ملامح الأرض الخشبية التي تأن من أهوال الزمن عليها ،صوت أنين الأرض مزعج يبث في جوف نفسك الخائفة الرعب أكثر
وذلك الظلام الدامس الذي يلف المكان يحيط بيداه الشبحية حول عيناك كي يجعلك تغرق في دهاليز الظلام أكثر ،تفكر في نفسك للوهلة الأولى:أقسم سأمطر مصباح غرفتي الهزيل ذاك بالقبلات إن عدت إليها سالماً ، صوت خافت اخر يخترق روحك ليكتب في قلبك الضعيف آخر ألحان الحياة له ،همسة خافتة تأتي من كل مكان حولك والصوت هامس ضعيف خائف أكثر منك :أنت أخفض صوتك ،ولا تتجرأ أن تحضر مصباح لعين هنا إن كنت تريد تشبث بحياتك الواهية ،هنا النور لعنة فإياك وإلا جذبت انتباهه.
تهمس له بصوت مرتعب يكاد يختفي من ضجيج الرياح القوي: أين أنا ومن أنت هل يمكنني رؤيتك أرجوك لا أكاد أرى طرف قدمي حتى وايضا
يقاطعك الصوت بحدة : صمتاً! تريد رؤية ماذا ؟ البشر حتماً أغبياء وأنت أكدت لي الأمر هل أسالك بالحق سؤال ،لماذا بحق كل شيء يؤمن به قلبك الواهي تريد رؤية طرف قدمك ؟ رائع تخيل أنت تموت بغباءك ستكون ميتة القرن وأرجو أن يعزيك بني جنسك بقول :كان رجلا طيبا ولكن غباءه قتله تخيل وليس فضولك يا لها من ميتة شنيعة.
يقبع في أزقة الصمت ،صوت حاد يخترق سكون لحظة أصوات صفحات تمزق وكتاب يلقى أرضا ً ،صوت أقدام تقترب وخطوات ثقيلة ساكنة وفي وسط أيقونة الظلام ،ضوء خافت صغير يظهر من العدم ،لهب أحمر ورائحة مزعجة تخترق أنفك بقسوة ،عقب سيجارة يرمى أرضاً وصوت الخطوات تدوس بقوة وصوته الأنيق يعود لك معلنا هزلية وقوعك في الفخ
صوت الأنيق المألوف الذي يطاردك منذ بداية هذه الرواية
صوته ذو لحن المهيب يعزف على قلبك لحن الألم الغارق بالألفة
صوته المتذمر يعلو: رواية أخرى مملة لم تعجبني ،صوت تمزيق الصفحات يعلو أكثر وصوت ارتطام الكتاب الثقيل يصدم بالأرض ،يعود صوته واثقا:ويليام أرجوك ارمي هذا الكتاب في القمامة وبشأن كاتبه حضر له قاعة المحكمة الرابعة ،نعم سأحكم عليه بحكم يحرك دركات عقله الصدئ وأنامله العجوز كي يكتب أفضل من هذا ،أه نسيت معي ضيف عزيز .
في ذات لحظة التي تنطق بها شفتاه بهذا ،يضاء حولك ثمانية شموع بيضاء تؤطر بزخارف فضية وتلك الألهبة الصغيرة تتراقص على وجهك ،تحاول التحرك ولكنك تجد نفسك مقيد بكرسي خشبي أنيق ، تحاول تحريك يداك وجسدك الدامي ولكنك كأنك كبلت بقيد من صهريج الحديد ،تنظر بعينك الوحيدة حولك ،غرفة كبيرة الحجم أنيقة الطراز ،في منتصفها يعلق لوحة ذات إطار ذهبي ،يقبع في ذلك الإطار لوحة فنية غريبة تثير في نفسك الهلع وتبهر عيناك بدقة التفاصيل
في تلك لوحة قاعة محاكمة يخيم حولها السواد ،تلك قاعة مهترئة والكثير من أرصفة القاعة محطمة وفي وسطها ،كرسي كبير أنيق ،تلتف يداه بأقمشة داكنة من الحرير الأحمر القاني وعلى إطاره داخلي زخرفة دقيقة بلون الأسود ،كلمات غريبة متراصفة على طول كرسي ،كل كلمة مؤطرة من داخل برائحة معتقة من النبيذ الأحمر وفي أعلى الكرسي تقبع هنالك جوهرة غريبة على شكل غراب أسود بأعين ياقوتية حمراء تشع في وسط ظلام لوحة كأنها تحدق بروحك ،تلك الكلمات التي تتشابك في بعضها البعض كتبت بلغة عربية قديمة (
خلف أطلال قاعة المحكمة المحطمة تقبع صورة مطابقة لك هنالك تجلس مسجى على الأرض ورأسك يتدلى من عنقك بجانبك وخنجر أسود لامع أنيق مألوف بشكل مزعج لك يستقر في جانبك الأيسر تحديد أسفل قفصك الصدري ،وبجانبك عبارة كتبت بدمك : بذنب لم تقترفه يداه يستقر هنا المحكوم الأول
وعلى تلك الكراسي المحطمة يجلس جمهور ظلي لا تبرز ملامحه سوى أنهم أشباح ظلية ،عددهم ٩ظلال وهنالك ظل يجلس بعيد عنهم تحديد بجانب ذلك الكرسي الفخم ،تركز قليلاً ليهمس لك وحي الإدراك ،ذلك لك يكن كرسي ،بل عرش ويبدو أنه فارغ ، على تلك الأرضية يتواجد زجاج محطم يغرق في وهج الدماء القانية ، ريش أسود داكن يتناثر على الأرض وهنالك غراب أسود ،يستقر ندب عميق بجانب عينه ويلبس
قلادة سوداء مؤطرة برسوم دقيقة غريبة بلون الأحمر الدامي وفي وسط القلادة عقيق أسود نقش عليه أحرف صغيرة بحبر أحمر داكن وحول تلك حروف نقاط سوداء مشتتة تتوهج بلون الأخضر ،على رأس ذلك الغراب قبعة صغيرة أنيقة طويلة الحجم يتدلى منها ريشة تتدرج في عبثية الوانها من لون الأحمر قاني حتى آخر درجة في لون البرتقالي المحمر ،يجلس ذلك الغراب بجانب ذلك الظل الغريب المنفرد لوحده ،وهنالك في وسط الطاولة التي تتوسط قاعة المحكمة مطرقة خشبية متآكلة ملطخة ببقع دماء وعلى تلك طاولة كتاب ضخم يضم في غلافه الجلدي البني المائل لسواد الآلاف صفحات الصفراء العابقة برائحة النبيذ الاحمر ورائحة مقززة ،وذلك الكتاب بلا عنوان يحويه ،ما يثير الغرابة في نفسك مدى دقة وصفك للوحة أمامك كأنك عشت فيها قبلاً ،يقاطع شرود أفكارك صوته مجدداً:أهلا بك مجرمي العزيز أعلم إني وعدتك بالعودة لموج وستعود ولكن في الواقع لم أقبل على كرم نفسي ألا تزورني في بيتي ،هل أعجبتك تلك لوحة ؟ إنها تحفة شيطانية بحق
لا تنظر لي بتلك العيون الصغيرة الخائفة فأنا لم اقل سوى الحقيقة ،انظر لتوقيع على أسفل لوحة
تسافر عيناك نحو لوحة مجدداً وخط فضي أنيق يقبع في أسفلها هازئاً بكل مبادىء اليقين التي تتشبث بها ،تتسع عيناك على مصرعيهما:ديموس
ترتعش شفتاك وانت تنطق الإسم بصوت يرتجف:ديموس ؟الشيطان ! إذن أنت ....
صوت القاضي المجهول:لا أسمح لك عزيزي أنا أسمى من ذلك المخلوق ناري المزعج بوساوسه الخبيثة وأفكاره المنحرفة ولكن لا تنكر جودة أنامل الشياطين في الرسم ،مضحك الشياطين افضل منكم في كل شيء حتى الرسم فلماذا أنتم من تحكمون الأرض ،يا لذاكرتي تذكرت الأرض تحتاج لمن هم أعتى وأكثر سوء من شياطين فالسياسة وحكم الأرض تحتاج لعقول قذرة وأنتم فنانين في ذلك ،تعلم أكاد اجزم أن فن القذارة دشن
من قبل البشر ولا شك عزيزي أنك المساهم الأول ،أين كنا دعني أقدم لك مشروب الضيافة ،ويليام هل لك أن تقدم له بعض الدماء ،صوت ضحكة قوية تزلزل أركان المكان: بالطبع أمزح لا تنظر لي هكذا ماذا تريد أن تشرب هنا ستجد كل شيء لا تخجل فأنا أكرم مجرمي جيداً .
كل الكلام الذي ينطق هو يتناثر في الهواء مبعثرا وعقلك اليائس التقط كلمة واحدة وصوتك الهامس يعلو يكاد يبكي في اهازيج الفرح:ويليام ؟إذن لم أكن...وقبل حتى أن تكمل جملتك يطل عليك وجه مظلم خال الملامح وابتسامة بيضاء ناصعة مخيفة تبث في نفسك اليقين وصوته الساخر :أوه أهلا بك هل اشتقت لي ؟ يا لك من مخبول هل تحب هلاوسك لهذه الدرجة أنت حقاً في دركات الجنون الأخيرة ،إذن ماذا تشرب ؟ لا تقلق لن أضع لك السم للأسف وإلا قتلني حضرة القاضي ها ها اكل الجنون لسانك ؟
تنظر له بعينان تغرقان في سيل الدموع ،دموع الأمل تبلل وجهك الدامي الملوث وتمد يدك الباقية في الهواء متوسلاً اليقين ،تمد أناملك نحو وجهه ،أصارت لمسات الخوف تحيي فيك النجاة ؟ أم من اعتاد الخذلان نسي طعم اليقين ؟
يتراجع وليليام مشمئزاً: عذراً يا رجل أنا مرتبط وأنت أصبحت منحرف بالآونة الأخيرة ،يا للبأس مجنون ومنحرف هل يوجد مزيج أفضل حتى ؟
صوتك الهامس يستعيد ما فقده منذ وقت ،بريق الثقة ،
:ويليام أنت حقيقي إذن لم أكن اغرق في دهاليز اليأس لم أكن أخاطب هلاوس مريضة ابتكرها خراب عقلي ؟ هل تدري كم أنا مشتاق لك وللسانك السليط ،لأول مرة يخرج من أحبالك الصوتية صوت بات عليك محرم ،ضحكة خافتة ممزوجة بحبكات الألم ،تضحك وتضحك وعيناك أخيراً تعانق شبح الإبتسامة ،ولصدمة تطور الأمور يقترب ويليام ويمد يده المخلبية وينقر بها على جبينك وصوته الذي يعانق العجب ولمحة خافتة من البهجة ،ويليام :أنت ؟ لماذا تضحك يجب أن تكون خائفاً حد لعنة ؟ فما بك هكذا هل أفسد الجنون عقلك
من خلف زاويته المظلمة من تلك الغرفة على ذات العرش الموجود في لوحة يجلس قاضي لحظات العابرة وبجانبه كتاب جلده بني مشع مؤطر بزخارف سوداء وزخارف فضية
صفحاته صفراء عتيقة تعبق برائحة خافتة لعطر يمزج رائحة النبيذ ورائحة الورد وفي يده اليسرى كأس فضية يلتف حول مقبضها ذهب مذاب يشكل كأنه فك أفعى حول المقبض وفي قاعدة الكأس تقبع هنالك ياقوتة حمراء داكنة تشع وهنالك تنبعث من الكأس رائحة زهرية خافتة تمتزج مع رائحة شيء معتق وسائل داكن كثيف لا تدري ما كنه من جودة الظلام المحيطة ،ينظر هو للمشهد الذي أمامه وابتسامة خفيفة تعانق شفتاه وصوته الحازم : كفاكم عبثاً إذن أحضر لضيفي العزيز شراب مميز لصاحب بطل هذا الكتاب الذي ستعيش أحداثه
أحضر له عصير عنب ممزوج بالياسمين ،كم يجعلك هذا تتفاءل أليس كذلك ،يتحرك الكتاب الذي بجانبه ليستقر فجأة بين يديه
وما يكاد يخيب ظنك أنك ترى وحسب ويليام وفي تلك البقعة يتردد صوت القاضي دون أن ترى أي شيء منه سوى ذلك الكتاب وتلك الكأس الفضية وذلك العرش ،تنظر جيداً علك تراه
ولكن يتحرك فحسب ذلك الكتاب لمنتصف طاولة صغيرة ظهرت فجأة ،تحت لهيب الشموع ،تظهر تفاصيله ،
يشد عنوان الكتاب المحفور بخط ذهبي أنيق يتحرك تحت لهيب ضوء : ذاكرة الألم
صوت القاضي:هل خطر ببالك دوماً أن وراء كل الخطائين خطيئة أعظم منها ارتُبكت بحقهم سببت ذلك الألم ؟ أم أن وراء كل شيطان عنفوانه الندم قديس يلبس عباءة المغفرة ويداه تكتنز بدم ضحاياه ؟
هذا الكتاب الذي أمامك هو ذكريات أحد أبطال هذه الرواية لكل
الخطائين كتاب يدنس بقباحة المجتمع البشري الهالك ،حياة ولدت لتكون مجدداً بسببهم ،كل جنون وراءه ماض أسوء وهذا الكتاب هنا أحد تلك الذكريات التي أراد صاحبها أن يدفنها بعيداً وللأبد ، هاك هذا الكتاب فشرط عودتك لموج أن تقرأه كاملا ً فهل لك أن تبدأ.