عدتُ إلى غرفتي وأنا أفكر بالرجل المقنع الذي رأيته من نافذتي. كان الظلام يخيّم على كل شيء، ولكن صورة هذا الرجل كانت واضحة في ذهني. لماذا كان يقف هناك تحت ضوء الشارع؟ هل هو ماتيو أرسينيو الملاك اللعين؟ أم هو شخص آخر يراقبني؟
أغلقت الباب خلفي بحذر وقررت أن أستعيد هدوئي. لكن قلبي مايزال ينبض بسرعة وكأن شيئاً سيء سيحدث ، حاولت أن أقنع نفسي بأنني أفكر أكثر من اللازم وهذه مجرد اوهام من صنع عقلي ، لكني لم أستطع التوقف عن التفكير بهِ أو بما رأيته قبل لحظات كانت عينيه الملتفقتين شعاعين من الغموض ، جعلاني أشعر بالخوف والترقب.
جلستُ على سريري وفتحت نافذتي قليلاً لأستنشِق الهواء. البرد يدغدغ وجهي،لكن الشعور جيد يُمكنني الحصول على ذَهن خالِ من الأفكار السوداوية . بعد قليل بدأت أفكر بما قد يفعله هذا الرجل . ماذا يريد مني؟ هل يتبعني منذ فترة طويلة؟ هذه الأسئلة جعلتني أشعر بعدم الراحة .
انتقلت إلى سريري و أستلقيت محاولة أن أخذ قسطاً من الراحة لكني لم أستطع النوم. كلما أغمضت عيني ظهرت لي صورة الرجل. تذكرت كيف كان يقف هادئاً، كما لو كان ينتظر شيئاً. هل كان ينتظرني؟ في اللحظة التي أردت أن أنام فيها، سمعت صوتاً خافتاً من الخارج لذا قفزت من السرير وهرعتُ إلى النافذة، لكن كل شيء كان هادئاً. لم أستطع رؤية أي شخص أو إي شيء و مع ذلك شعرت بالخوف لا يزال يسيطر علي.
مرت الليلة ببطء ومع كل دقيقة كانت الساعات تزداد. بدأ الفجر يلوح في الأفق وأحسستُ بالتعب. لكني كنتُ عازمةً على معرفة الحقيقة. قررت في نهاية الأمر أن أخرج في الغد لأكتشف من هو هذا الرجل. هل هو خصم أم صديق؟ هل يحمل لي رسائل قد تغير حياتي؟
نمت أخيراً وأنا متشوقة لما سيحدث غداً حيث يُمكنني رؤية الأستاذ ماتيو أرسينيو و تقديم قائمة اسئلتي و إيضاً رُبما سأفكر في فتح هذا الموضوع و سؤاله عن الرجل المُقنع ، أظن أنها فكرة سيئة لكن لابأس بها ، لدي إحساس بأن هذه القصة لن تنتهي هنا. كانت بداية رحلة جديدة، ربما أكثر إثارة مما توقعت. وبدون أن أدري، كانت مغامرتي قد بدأت بالفعل.
أرى نَفسي جالسةً في غرفة مظلمة لا أستطيع رؤية أي شيء بوضوح. و كلتا يداي مُقيدتين بشيء يبدو أنه حبل .. اللعنة حبل سميك ، يُمكنني الشعور بالعرق يتَصبب من جبيني و سماع قلبي ينبض سريعًا وكأنني في سباق مع الزمن . لا أعرف إن كنتُ قد تم اختطافي أم لا. لم أتذكر كيف وصلت إلى هنا .
بدأت أفكر في كل الأشياء التي كنت أفعلها قبل أن أستيقظ في هذا المكان الغامض ، سألتُ نفسي :
- هل أنا أحلم؟.
بينما كنت أسترجع ذكرياتي سمعت خطوات تقترب مني ، خطوات ثقيلة في الظلام بدأ شعور الخوف يتسلل إلى داخلي و إلى جميع أطراف جَسدي أحاول أن أتنفس لكن أعتقد بأن الهواء يُغادر رئتي ولا اعرف كيف أتنفس ثم فجأة يأتي إلى مسامعي صوتًا عميقًا ورجوليًا يهمس في أذني قائلاً :
-أخيرا عثرتُ عليكِ .
قال هذا و كلماته مثل السهام التي تخترق قلبي ، أشعر بالخدر ينتشر في جسدي و لا أرادياً ابدأ بالتفكير في الناس الذين أحبهم وكيف سأخبرهم بما حصل لي.
ثم تذكرت أنني كنت في حفلة مع أصدقائي .. هل هذا حقيقي؟ كان هناك ضحك وصخب، ورقصنا طوال الليل. كيف انتهى بي المطاف هنا؟ تذكرت قبل أن أستطيع التفكير ، أنني رأيت شيئا غريباً في الزاوية. ظلٌ يراقبني طوال الوقت. ولكن لم أعره اهتماماً وواصلت المرح.
أشغلت عقلي محاولةً لتخليص نفسي من قيودي ، لكن كلما حاولت كلما أصبحت يدي أكثر ألمًا. استمعت مجددًا لصوت الخطوات التي تقترب وكان هناك ضوء خافت يضيء مساحة صغيرة في الغرفة، أضاء وجه الرجل الذي رأيت عليه القلق.
ظهر رجل طويل يَرتدي سترة داكنة وقبعة تعبيره يدل على أنه عابسًا عَينيه تمرء في ظلام الغرفة وكأنها تتجسس على كل حركة.
- لا تظني أنكِ قادرة على الهرب
قال وهو يبتسم ابتسامة قاسية. ابتسامته مثيرة للقلق ،أشعر بأن هذا الشخص يحمل خطرًا كبيرًا.
تجمدت مشاعر الخوف بداخلي ولم أكن أعلم ما الذي يخبئه لي. بدأ ببطء يقترب مني وأنا ألاحظ كل حركة يقوم بها قال:
- لقد كنت أبحث عنكِ لفترة طويلة .. أنتِ تجسدين كل ما أحتاجه
كلماته غامضة جعلتني أشعر أكثر بالخوف.
في تلك اللحظة أردت أن أصرخ ، لكن الصوت لم يخرج من فمي وكأنني أحلم وكأنني عالقة في كابوس لا ينتهي و كأنني عالقة في جَحيمه ، سألت نفسي هل هذا ماتيو أرسينيو؟ هل أنا أحلم متى سينتهي هذا الكابوس؟
لكن بعد المرور بلحظات طويلة من الشك و التساؤل ، بدأت ألاحظ شيئًا غير عادي. كانت هناك علامات تدل على أنني لستُ الوحيدة في هذا المكان لأنني شعرت بوجود شخص آخر و تأكدت من شعوري عندما أدرت رأسي ورأيته ، تباً إنه المعلم ماتيوأرسينيو كان مقيدًا أيضًا في الزاوية الأخرى من الغرفة . عيونه مليئة بالخوف وشيء أخر لا أعرفه ، لكن ماذا يفعل هنا؟
أفتح عيني وأرى أن الشمس تشرق من النافذة ، لقد كان حلماً أنظر إلى الساعة و أتذكر بأنني يجب أن أذهب إلى المدرسة كما عليَّ إيضاً أن أتحدث مع الأستاذ ماتيو و أخبره بأن يتوقف عن الألعاب التي يلعبها .
أرتديت ملابسي بسرعة وأنا أفكر بأحداث الليلة الماضية ، أنزل إلى غرفة المعيشة و أدرك أن والدتي في العمل أو ربما نائمة لذا أخذ تفاحة حمراء اللون من الطبق وأقضمها ثم أخرج من المنزل وأغلق الباب خلفي ، أشعر بالمُراقبة لكني أتجاهل هذا الشعور في نهاية المطاف .
أصل إلى المدرسة بعد ربع ساعة من المشي و أرى الصفوف شبه فارغة و الممر إيضاً لذا اتسأل بنفسي هل اليوم عطلة؟ لكن بالطبع ستكون الإجابة لا ، أدخل الى الصف و أضع حقيبتي على الطاولة أمامي و أفكر بالكلمات التي سأقولها لـ ماتيو أرسينيو .
بعد مرور ساعة يمتلئ الصف بالطلاب و يدخل أستاذ ماتيو للفصل وبيده يَحمل حقيبته السوداء وضعها على المكتب إمامه ثم قال التحية باللغة الإيطالية ثم نَظر إلي لوهلة ، شعرتُ بنبض قلبي يتسارع لكني استطعت أن احافظ على هدوئي .
بعد دقائق قال بلكنة بريطانية و هو ينظر للفصل بإكمله:
- الأن يا طلاب أستعدوا للأختبار .
يأخذ أوراق الأسئلة و يوزعها على الطلاب ثم يصل إلي و يَنظر لي لوهلة ثم يَمد يده و أخذ الورقة منه و إصابعه تلامس أصابعي لثوانٍ ، تباً أهمس بداخلي ثم أنظر إلى محتوى الأسئلة و أرى كلمة يا إلهي باللغة الأنكليزية و يريد أن أكتب الكلمة في اللغة الإيطالية.
افكر لوهلة في هذه الكلمة ثم أرفع يدي و يأتي أستاذ ماتيو نَحوي ثم أقول بصوت منخفض:
- يجب ان تساعدني .
تَرتفع شفتاه بإبتسامة مليئة بالسخرية والتسلية ثم يَضع يده على حافة الطاولة ويَهمس لي:
- Dio mio ، هل تطلبي المساعدة من أستاذكِ؟
Dio mio: ياإلهي بالإيطالية
أنظر إلى عينيه لوهلة و أنا افكر ، نعم أطلب من أستاذي المساعدة لمعرفة كيف اكتب كلمة ياالهي بالإيطالية . أشعر بأنه يسخر مني و يَحدق بي و كأنني الطالبة الأكثر إثارة للأهتمام و انا كذلك بما أنني أعرف حقيقته اللعينة بكونه رئيس مافيا إيطالي ، أهمس له :
- نعم ، أحتاج ان تساعدني .
يَنظر إلى ورقة الأختبار و الأسئلة ثم يتمتم بشيء و بعد ثوانٍ أسمعه يقول كلمة بالأيطالية ثم يَبتعد و يقف بجانب مكتبه بينما ينظر إلي و للطلاب يقول:
- لديكم خمس دقائق فقط .
بعض الطلاب يقومون بالغش و يعتقدوا بأنه الأستاذ لا يُمكنه معرفة ذلك لكنه يتفحص بعينيه الداكنتان كل زاوية من الفصل و كل طالب . بينما كان يقوم بأخذ الأوراق من الطلاب، لاحظني وأخذ ينظر إلي بترقب.
ثم اقترب مني وقال بصوتٍ هادئ و منخفض:
- إميلي هل يمكنكِ جلب بعض الكتب من المكتبة الآن؟
بدا لي الطلب غريبا قليلاً ، لكنني لم أجد سببا لأرفضه صحيح أنني في البداية ترددت لكن أجبته بابتسامة مزيفة :
- بالطبع، سأذهب الآن لأحضرها.
انتهى بي المطاف في غرفة الكتب وهي مكان ضيق ومليء بالكتب القديمة والمخطوطات . عندما دخلت شعرت بنفحة غريبة في المكان وكأنه يحمل أسرارًا كثيرة و بينما كنت أبحث عن الأشياء التي طلبها مني . بعد مرور دقائق من البحث عن الكتب التي يريدها الأستاذ ماتيو، اصطدمت بجسد ضخم قوي و شعرت برعشة في داخلي عندما نظرت لأعلى.
كان هو الأستاذ ماتيو ، لكن لم تكن تعابيره طبيعية كانت عينيه تومض وكأنه في حالة من القلق أو ربُما شيء أخر لا أفهمه ،يبدو لي غريباً كل يوم كما إنه لديه القدرة على إخفاء مشاعره لذا قلت متسائله:
- أستاذ هل أنتَ بخير؟
نَظر لكلتا عيني و أخذ خطوة للأمام نَحوي غالقاً المسافة بيننا مما جعل قلبي يخفق بسرعة ، أمسك معصمي بقبضته القوية و نَطق تلك الكلمات بنبرة أصبحت تَخيفني الأن:
- لا
عَقدت حاجبي بعدم أستفهام بينما شعرتُ بالدوران و شيء ما يتحرك بداخل قلبي هل هو مجرد شعور عابر أم ماذا؟ سألت نفسي لماذا يتصرف ماتيو هكذا؟ هل هناك شيء خاطئ ثم تذكرت الرجل الذي أتصل عليّ بالأمس و أخبرني بأن أغلق باب منزلي جيداً و الشعور المستمر بأن شخصاً ما يَراقبني لذا سألته:
- هل كان انتَ الذي يُلاحقني الليلة الماضية أم مُجرد إحد حراسك في المافيا؟
- لو أردتُ أن أطاردكِ فلن أنتظر شيئاً و سأظهر إمامكِ ببساطة ، لكن لا لم أكن أنا رُبما أنتِ تتخيلين فقط يا إميلي .
- اوه حقاً؟ إذن أستاذ ماتيو توقف عن اللعب و المُطاردة؟
- أنا لا أتوقف عن اللعب أبداً ..
بعد ثوانٍ قليلة من التواصل البصري ونظرات التحدي و الأنجذاب وضع ماتيو كلتا يداه على كتفي ثم قال:
- لقد كشفت جميع خططكِ ، لا يُمكنكِ البوح بحقيقتي للجميع لأنكِ ستكونين بخطر .
- يا إلهي انا أرتجف خوفاً منك .. أنتَ لاتعرفني جيداً .
قلت هذا بنبرة مليئة بالسخرية ثم تذكرت سابقاً بأنني سمعت عن أختفاء بعض الطالبات كما انتشرت بعض الأخبار في المدرسة بأن عصابة قامت بأختطافهن لذا اعتقد أنني أعرف الشخص الذي قام بهذهِ المهمة .
أردت أن أنطق بتلك الكلمات التالية أنتَ أختطفت الطالبات لكن دخل شخص آخر إلى الغرفة و كان يحمل شكلًا قويًا وملامح صارمة لم أراه من قبل و بدأت معدتي في التقلص و مشاعر غريبة أنتشرت في إنحاء جسدي ، شعرت بقلبي ينبض بسرعة. لقد علمتُ أن هذا ليس مجرد لقاء عادي . الرجل ينظر إلي بحدة وكأن هناك شيئًا يغلي بيننا.
أستدار ماتيو و قام بوضع مسافة متر بيننا ثم نَظر إلى الرجل ذو الملامح الحادة ، لديه شعر رأس اسود داكن و عَينيه حاده و مفترسة نَطق الرجل مستغلاً تلك اللحظة ليظهر سلطته:
- هل هذهِ هي الفتاة الثمينة؟
نظرت لماتيو الذي اصبح صامتًا بشكل مُريب ، وجهه مليء بالقلق وشيء أخر لا أعرفه لذا أكتفى فقط بالأيماء برأسه بمعنى نعم و هنا عرفت بأن الرجل الغريب كان يشير إلي بتلك الكلمات بأنني الفتاة الثمينة! شعرت بريقي يجف لذا هدأت من روعي و سألت بجرأة رغم أنني شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبي:
- ماذا تقصد بكلمة الفتاة الثمينة؟
نظرتُ إلى الأستاذ ماتيو و أنا أشعر بالأنزعاج و مجموعة من المشاعر تغلي في داخلي و بعد مرور دقائق من التفكير و التوتر قلت موجهة حَديثي بشجاعة إلى ماتيو الذي بقى هادئاً :
- لا يُمكنك أن تبقى صامتاً هكذا ..
لم يعطني ماتيو إي ردة فعل ، بدأت أشعر بالخطر المحدق بحياتي و فكرت لوهلة في كيفية الهروب من هذا المأزق . هل كان بإمكاني أن أخرج بسلام من هذا الوضع الخطير؟ تسابقت الأفكار في رأسي وأنا أجدني أتردد في خطواتي نحو الباب.
خطوت بعض خطوات نحو الباب للخروج لكن شعرت بيد قوية تمسك بذراعي بقوة . التفتت لأجد الرجل الغريب يَحدق بي بَعينيه السوداء الداكنة مثل نواياه السيئة ودون تردد قمت بدفعه بعيداً عني بيدي الأخرى ولم استسلم بل حاولت بكل جهدي أن أخرج من الظلام الذي أنا بهِ .
بعد ان تمكنت من دفع الرجل الغريب للخلف رأيت الأستاذ ماتيو يقترب منه و يقوم بلكمة عدة لكمات على وجهه و هكذا بدأ الأخر بالتشاجر مع الأستاذ ماتيو الذي كان يحاول حمايتي لأول مره من هذا الشخص المخيف ، قال ماتيو و هو يتفادى إحدى ضربات الرجل الغريب:
- لا يُمكنك لمس الفتاة الثمينة هكذا .. إذا عرف الرئيس فسوف يجعل لحمك طعاماً للكلاب ..
- لن يعرف .. و لن تخبره انتَ يا ماتيو أرسينيو لأنني سوف ..
سقط الرجل الغريب على الأرض الصلبة و جلس ماتيو يضربه عدة ضربات و لكمات على وجهه بينما يمسك ياقة قميصه و الدماء تملأ وجه ماتيو و قبضته القوية تشوه ملامح وجه الرجل الغريب ، قال بغضب:
- لا يمُكنك قتلي يا داريو .. لأنك ببساطة لاتستطيع أن تقتل صديقك المقرب .
قام الرجل بدفع ماتيو ، الذي عرفتُ الأن إنه يدعى داريو نَهض من على الأرض و مسح دمائه بيده وقميصه ثم إبتسم بأبتسامه مُخيفة و أخذ يخطو نَحو ماتيو و قال:
- صحيح أنني لا أستطيع قتلك يا صديقي ، لكن يُمكنني القيام بشيء أخر و هذا الشيء هو سبب مجيئي إلى هنا لأن اللعبة قد أنتهت بالفعل .
بدأت أشعر بالخوف يتسلل لقلبي ، غير داريو مساره و أخذ يقترب مني بينما أنا أتراجع للخلف و أنظر من فوقه كتفه إلى ماتيو الذي بادلني النظره بقلق و شيء أخر لا أفهمه. إذن اللعبة انتهت الأن؟ هل كان هناك أشخاص أخرين يلعبون نفس اللعبة معنا؟
أقتحم داريو مساحتي الشخصية وانا أحاول أن اصرخ للمساعدة لكن شعرت بَجسدي يتجمد بمكانه من الخوف و التوتر لذا بعد ثوانٍ شعرتُ بوخزه في ذراعي و بعد ذلك أصبحت رؤيتي غير واضحة ولم أشعر بشيء .
~ بعد ساعات في مكان أخر ~
فتحتُ عيني ببطء و رأسي يؤلمني و كأنني تلقيتُ ضربة قوية ، رؤيتي غير واضحة و المكان يبدو وكأنه يدور حولي . الروائح في المكان قوية و تذكرني بالخشب المحترق أو عطلة نهاية الصيف شيء يشبه التواجد حول البحر الأزرق مع صديق قديم .
رُبما أفكر بالبحر هكذا لأنني اتمنى لو أذهب مع والدتي إلى البحر في عطلة الصيف لكننا لم نفعل حقاً ، أتحسس بيدي المكان الذي أجلس بهِ . إنه ناعم ومريح بعد ثوانٍ تأتي إلى مسامعي عدة أصوات رجولية لكن هناك صوت يَجذبني ، ليس صوت ماتيو حتى .. يقول بالأيطالية و لا اعرف كيف فهمت ماقاله للتو:
- يا إلهي .. يجب أن تستيقظي إيتها الدمية الثمينة .
- أنا أسف إيها الدون لأنني ..
- انتَ سأتعامل معك لاحقاً .. هل وضعت ماتيو في الغرفة؟
- نعم إيها الدون ..
تسارعت ضربات قلبي بشدة و توضحت لي الروية كاملة ، كنت أجلس على أريكة في غرفة معيشة كبيرة الحجم حيث اللوحات
مُعلقة على كل جدار باللون الأبيض، أشعر وكأنني في مستشفى للأمراض النفسية لان المكان يبدو ساطعاً للغاية أو رُبما لأنني كنت في الظلام و الأن خرجتُ منه .
وقع نظري على الرجل الذي يجلس على الأريكة بثقة يبدو وسيمًا بشكل لا يصدق ، فعيونه الزرقاء العميقة كالبحر جعلتني أفقد تركيزي لوهلة وشعره الأشقر الكثيف والقصير كان يضيف لمسة غريبة على ملامحه. تنبعث منه نوع غريب من الجاذبية كأنه قد أُرسل إليّ من عوالم أخرى.
بدأت أشعر بنبضات قلبي تتسارع بشكل لا يمكنني التحكم فيه ولم أكن أدرك حتى ذلك الوقت أنه كان يحاول بكل قوته الابتعاد عن عيناي. عيناه الزرقاء كانت تنطق بكلام لا يمكن سماعه وصوته الهادئ كان يضرب نغمات غريبة في قلبي ، قال بلكنة إيطالية:
- اخيراً أستيقظت الأميرة النائمة .
جاء صوته إلى مسامعي مثل طلقة تحاول قتلي ، لاحظت شيء وهو بأن هذا الرجل يبدو لطيفاً لكنه بالتأكيد يحمل أسرار كثيرة و ثم أدركت لثوانٍ بأنني في مكان لا يجب أن أكون فيه ، ماذا يحدث هنا؟ و لماذا أنا هنا سألتُ نفسي و كانت الإجابة ممزوجة بالظلام والغموض و أكره عندما لا تتضح لي الرؤية .
تصادمت الأفكار في ذَهني ، إين الأستاذ ماتيو؟ وهل يجب أن اقلق بشأنه أو بشأن ماسيحدث لي؟ لدي قائمة من الأسئلة و الأن بعد ان انتهت اللعبة كما أخبرنا داريو سابقاً . أشعر بالتوتر و الخوف لما سيأتي بعد ذلك و السؤال المهم من هو الفائز بهذهِ اللعبة؟
نَظرتُ إلى عَينيه الزرقاء ثم نَطقتُ بجرأه:
- من انتَ؟ و ماذا تريد مني؟
أستقام بكامل جَذعه وهو يَرتب ياقة قميصه الأسود الذي يتناقض بشكل غريب مع ملامحه ، إبتسم بخفه و ظهرت مقدمة أسنانه البيضاء المتساوية بشكل رائع . قال بنبرة ممزوجة بالتسلية و الجدية:
- أنا جَحيمكِ و ظلامكِ اللامتناهي الذي لا يمُكنكِ الهروب منهُ، أنا الشخص الذي سيطاردكِ في أحلكَ كوابيسكِ ، أنا الدون فيتو كابو دي فرانشيسكو ، يُمكنكِ ان تناديني بَسيد الظَلام ..
أرتعش جَسدي بسبب كلماته الغامضة و تعريفه بنفسه بأنه الجَحيم بحد ذاته ، هل سأكون بخطر حقاً؟ سألت نفسي و نبضات قلبي تتسارع .. أدركتُ أن حياتي تحولت من حياة بسيطة إلى حياة معقدة و مليئة بالمغامرات الخطيرة مع زُعماء مافيا .
أطلق ضحكة مليئة بالتسلية ثم أخذ خطوة نَحوي و لمس ذَقني بأصابعه و كانت لمسته باردة و كأنه قطعة من الثلج ، أردف بَجدية بعد ان تلاشت إبتسامته :
- الأن دعيني اسألكِ شيئاً ..
.
.
.
.
.
.
لاتنسوا التصويت و كتابة تعليق لدعمي لمواصلة الكتابة🌷.
𝐩𝐞𝐧𝐧𝐲