[ملاحظة:يجب قراءة الفصل السابق]
> "ليته يختفي…"
"أخخ… رأسي يؤلمني! كم أكره هذا الكابوس…"
أعاني من الكوابيس منذ أربع سنوات، ولهذا لا أحب النوم.
أفضل الاستيقاظ الآن، لكن كوني طفلة حاليًا… فإن قلّة النوم تؤثر على وتيرتي اليومية.
لذلك… آخذ قيلولة فوق الشجرة عندما أفرغ من العمل.
الميتم الذي أنا فيه يوجب علينا العمل، لكسب ذلك الطعام الذي لا يحبه الأطفال الآخرون عادة.
لكنني أعتبره شيئًا ممتازًا، بسبب ما حدث لي من قبل.
> ’إنه أفضل من خبز عفن… على الأقل.‘
أنا حقًا مدينة للأشخاص هنا الآن، لكنني لن أضع ثقتي بهم أبدًا.
لو كنتُ أكبر سنًا… لاستطعتُ تدبّر أموري بنفسي.
ففي الإمبراطورية هنا، يمنع العمل بدون وصيّ حتى تبلغ الثامنة عشرة.
لذلك، كل الأطفال هنا يعملون داخل حرم الميتم لكسب قوتهم.
وأنا لستُ استثناءً…
بفضل الكتب التي جلبتها معي، لديّ بعض المعرفة عن الأعشاب والكيمياء.
لذلك أعمل في الصيدلية، وبالمقابل… يعلمني الطبيب هناك أشياء أكثر.
> "بالحديث عن الطبيب… أنا مدينة له بحياتي."
الطبيب "راعن" هو طبيب مختص من البلاط الملكي،
وفي وقت فراغه، يأتي لحرم الميتم لمساعدة الأطفال هناك.
كان راعن هو من عالجني من إصاباتي الخطيرة.
ولكونه متمرسًا جدًا، أدرك بسرعة أنني ألفّق كذبة بيضاء بشأن فقداني للذاكرة.
طلبتُ منه – بيأس – أن يُبقي الأمر سرًا بيننا،
ووافق دون أن يطرح أسئلة عن السبب، أو ما حدث قبل ظهوري.
لكن… بسبب خيانة معلمي السابق لي، لم أعد أثق بأحد.
لا بمن يبتسم لي، ولا بمن يقدّم لي يد العون.
مهما كان شخصًا طيبًا أو جيدًا… لا أثق به.
ولحماية نفسي، غلّفتُ قلبي بدرعٍ واقٍ…
مكوّن من ملامح باردة، وصمتٍ طويل، ونظراتٍ حادة…
أغلقت على قلبي، وأقفلت ملف الماضي بإحكام.
حاولت جهدًا ألّا أنجذب لأي شخص… مهما كان.
هكذا فقط… كنت أعتقد أنني سأحمي نفسي.
لكنها طريقة لم تعجب أحدًا من حولي، حتى الطبيب…
كان يشعر بالضيق، رغم محاولاته إظهار العكس.
> ’لا أهتم… حتى لو نبذني. هذا تصرف طفولي.‘
— "كارا، ما بالك؟ أنتِ شاردة الذهن!"
— "للـ… لا، لست كذلك."
— "أيتها الصغيرة، إذا كنتِ مريضة فليس عليك مساعدتنا."
— "نعم، يجب أن يرتاح الطفل المريض!"
— "بالتأكيد… رغم أن تلك العجوز جشعة، إلا أنها لا تمنح الأطفال عملًا صعبًا جدًا. لذا ارتاحي اليوم."
— "أنا بخير. قلت لكن… لا تنادوني بالطفل."
— "هوه، لماذا يغضب الطفل عند مناداته بذلك؟"
— "توقفي عن استفزازي، يا سيدة!"
— "هه… من الممتع إغضاب كارا."
> ’لماذا تكرر نفس كلامي مع ذلك الطفل؟ هذا يشعرني بالحنين.
ما زلتُ مجرد طفلة حمقاء في النهاية…‘
— "أهلًا بكم جميعًا، كيف الحال؟"
— "أهلًا بك أيها الطبيب، نحن نتناقش مع هذه العنيدة."
— "هاه… ما الذي جلبك، أيها العجوز؟"
— "أعتقد أن لسانكِ صار طويلًا، وأيضًا… أنا في العشرينات!"
— "إذًا… أنت تثبت أنك عجوز."
— "كارا، احترمي الطبيب، إنه من القصر الملكي!"
— "ومن يهتم بذلك القصر القديم؟"
— "هاه… ماذا سنفعل مع هذه الطفلة بحق؟"
— "لو كنتَ في القصر، لاعتُبرت إهانة لنبيل حرفيًا!"
— "هل أنتَ نبيل؟ أكره النبلاء، إنهم متعجرفون!"
— "أنتِ تتكلمين كثيرًا على غير العادة. هل تتألمين في مكان ما؟"
— "أنا بخير، تبدون كأرانب قلقة على صغارها."
— "لا يبدو لي أنكِ بخير. عليكِ أن ترتاحي اليوم."
— "هل رأيتِ؟ حتى الطبيب انتبه لذلك."
— "حين أقول هذا… عليكِ الراحة دون الحاجة لرأيكِ."
— "هيا فلنغادر، أيتها العنيدة!"
— "هيه! يمكنني المشي بمفردي، لا حاجة لسحبي!"
— "خذي هذه معك، ضماداتكِ تتلاشى."
— "هغغ… حسنا، أعطني إياها. يمكنني وضعها بنفسي."
— "أوه هيا… لازلتِ طفلة، ومن واجبي كبالغة مساعدتكِ."
— "قلتُ لكِ لا تلمسيني!"
صرخت كارا بأعلى صوتها على الصيدلية التي حاولت لمسها،
ثم التفتت راكضة بأقصى سرعتها بعد أن أبعدت يدها عن مرفقها.
> ’لا، لا، لا يجب! لا أريد! لن يلمسني أحد! لا، لاااا…‘
استمرت كارا بالركض، وركضت… حتى انتبهت أنها وصلت إلى الغابة.
— "هوف… هوف… لقد تعبتُ حقًا."
تعبت كارا من الركض المتواصل، فصعدت إلى شجرة كبيرة أمامها،
وحاولت أخذ قيلولتها المعتادة.
— "هغك… فلأنم قليلاً… ولأنسَ ما حدث، فقط."
لكنها عجزت عن النوم.
استمر جسدها بالتعرق، وتنفسها أصبح متقطعًا.
استنشقت بعض الهواء النقي، وبدأت تهدئ نفسها:
> ’اهدئي… اهدئي يا كارا. لم يحدث شيء… لم يحدث شيء.‘
كانت هذه طريقتها المعتادة. ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة.
حاولت قدر المستطاع الحفاظ على قواها العقلية.
> ’هيا، كارا… إنه ليس شيئًا كبيرًا. مجرد لمسة… لن تضر… اهدئي.‘
لكنها كانت تعرف، في أعماقها، أن ذلك ليس صحيحًا.
تعرف أن الكابوس، وما مرّت به… لن يتركها وشأنها.
كارا جبانة جدًا لتواجه ماضيها، أو مخاوفها.
فهمست لنفسها، محاولة التهرّب من المواجهة:
— "فلأعدّل هذا الضماد… وأترك الباقي للقدر."
نزعت الضماد المهترئ عن ذراعها،
فكشفت عن ندوب وعلامات تعذيب تشعر أي شخص ينظر إليها بالقشعريرة.
إبر كثيفة، جلد متآكل، كدمات…
رغم مرور سنتين من العلاج، لا تزال آثارها ظاهرة على جسد هذه الطفلة البائسة.
كلما نظرت نحوها، استرجعت ذكريات مؤلمة تحاول نسيانها.
كارا، الطفلة التي شارفت على العاشرة، تملك جروحًا عميقة… لا تُشفى.
فقدت ثقتها بالناس.
تهاب اللمس والتواصل.
ترتعب من الأماكن الضيقة وأسفل الأرض.
تخشى القبو بشدة.
صفاتٌ لا يملكها أحد سواها…
تحقد على البشر أكثر من غيرهم، وتكره النبلاء بشدة.
تبغض أصحاب السترات البيضاء… وتمقتهم من أعماقها.
> فهل كان ذنبها أن القدر كان قاسيًا معها؟
لا… لم يكن ذنبها.
لطالما حاولت أن تثق، أن تندمج بطريقتها…
لكن ماذا حدث؟
كل ما لقته كان الغضب، والرفض، والتقليل من شأنها.
فأغلقت قلبها، وغلّفت نفسها بغلاف واقٍ.
خشيت أن تمقت الجميع…
أن تؤذيهم بسبب حقدها.
لذا… أبعدت نفسها، ووجدت ملاذها في الطبيعة،
في أعشابها، تجاربها، وهواياتها الخاصة.
استلقت بجذع الشجرة،
امتصّت المانا المتدفقة من الأرض،
وشعرت أخيرًا بالسكينة… والهدوء.
طمأن قلبها الذي اشتعل بالحزن والخوف والغضب…
هدأت قليلاً،
لكن السماء من فوقها كانت كئيبة.
غيمٌ رمادي، كمشاعرها الآن.
نظرت إلى ذراعها… لم يعد مغطى بالضماد.
— "بدونه… ستتفتح الجروح مجددًا."
حاولت لفّه بسرعة بما بقي لديها…
لكن قبل أن تنزل، سمعت صوت أطفال ينادونها من أسفل الشجرة:
— "كارا! تعالي معنا، نلعب الغميضة!"
ضاقت عيناها… لم يكن في وجهها أي بريق.
نهضت، محاولة النزول.
— "قادمة…"
ردّت بنبرة خالية من أي مشاعر.
لكنها لم تنتبه لورقة صنوبر زلقة تحت قدمها.
قبل أن تقفز… انزلقت.
— "أوه…!"
صوت ارتطام
— "آغغغ!"
— "كارا!!"
— "هل أنتِ بخير؟"
صرخ الأطفال الأكبر منها سنًا بقلق واضح.
نهضت كارا بعد أن ارتطم جسدها بالأرض.
لحسن الحظ، لم يكن ارتفاع الشجرة عاليًا.
أُصيبت ببعض الخدوش فقط.
لكن…
أحد الأطفال صرخ، مشيرًا إلى ذراعها التي انكشف عنها الضماد أثناء السقطة:
— "كـ… كارا… مـ… ما هذا؟"
رأى الأطفال الآخرون ذراعها، وبدأوا بالارتجاف.
الدموع تجمعت في أعينهم، والرعب بان في نظراتهم.
رأت كارا ذلك.
لم تغيّر تعابير وجهها الجامدة…
لكن عينيها أظهرتا خوفها… وقلقها.
> ’أنا وحش… نعم، أنا كذلك.
لولا ذلك، لما بكى هؤلاء الأطفال.
هل أنا مخيفة لهذه الدرجة؟
هل أنا كائن غريب؟‘
ومع تدفّق الأفكار كالطوفان،
ركضت كارا مبتعدة… مختفية في الغابة المحرّمة، بأسرع ما يمكنها.
…
ركضت كارا بلا توقف، حتى وجدت نفسها وسط الأشجار الكثيفة،
في مكان لم تنتبه إليه من قبل.
> "غرررر…"
زمجرة منخفضة… وقويّة.
توقفت كارا عن الحركة.
حدسها ينبّهها: خطر حقيقي يقترب.
كان الصوت صادرًا من خلفها، فاختبأت غريزيًا خلف صخرة قريبة.
> [ملاحظة جانبية – شرح سريع من evy:] الوحوش في هذا العالم تنقسم إلى عشر فئات بحسب القوة:
الفئة الأولى هي الأضعف، والأعلى منها تصاعديًا حتى الفئة التاسعة،
التي تتطلب فرسان نخبة مستخدمي الهالة لهزيمتها.
أما الفئة العاشرة فهي نادرة جدًا، وغالبًا ما تتواجد ضمن سلالات الأساطير أو العائلات الملكية.
(كالدوقات أو الأمراء، وبعضهم يمتلك دماءً تنينية.)
أدركت كارا فجأة…
أنها بالفعل داخل الغابة المحرّمة!
المكان الذي يمنع غير السحرة والفرسان من دخوله، بسبب الوحوش الكثيفة فيه.
كل شهر، يُرسل فريق خاص من الفرسان لقمع الوحوش القريبة من العاصمة.
لكن… الآن، لا أحد هنا.
شعرت كارا بالخطر يقترب.
وبعينيها، رأت الوحش…
ذئب ضخم، أكبر من الطبيعي بثلاثة أضعاف،
جلده رمادي داكن، وأنيابه حادة كالسكاكين.
كان يلتهم صغير غزال… منظر دموي أيقظ أسوأ كوابيس كارا.
> ’لا… لا أستطيع معرفة فئة هذا الوحش… لم أواجه مثلهم من قبل…‘
لكن الموقف لا يسمح لها بالتفكير.
شدّت قبضتها الصغيرة على الخنجر الذي بحوزتها.
رُعبها ظاهر، لكنها أجبرت نفسها على التماسك.
— "هيا… تشجّعي، كارا. يمكنكِ فعلها!"
ركضت بكل ما لديها من سرعة.
الوحش لاحقها.
لحسن الحظ، حجمه الضخم كان عائقًا له،
فجذوع الأشجار، والصخور المتناثرة، أخّرته قليلًا.
ركضت كارا طويلًا… حتى انقطع نفسها.
توقفت، تتلفّت حولها، محاولة التأكد إن كانت قد ضلّت الوحش.
— "بالمناسبة… أين أنا بحق؟"
تنفّست بصعوبة، واسترجعت هدوءها تدريجيًا.
— "كيف دخلت؟ أليس من المفترض أن الفرسان يحرُسون كل المداخل؟"
فكّرت في الأمر…
دائمًا ما كان الحرس يمنعون الأطفال من الاقتراب من هذه الغابة.
هل تهاونوا؟ هل هناك أمر طارئ؟
النظام الملكي صارم… لا يترك فجوات مثل هذه!
— "هل يغادر الحرس مكانهم دون بديل؟ مستحيل."
فجأة…
— "ها أنتِ ذا… ما الذي أحضركِ إلى هنا، يا صغيرة؟"
جفلت كارا، والتفتت فورًا…
لتجد الطبيب راعن واقفًا خلفها!
— "ها… الطبيب العجوز؟"
— "حتى في هذا الموقف… تجيدين السخرية."
— "…"
— "المهم… كيف أتيتِ إلى هنا؟ الأطفال يبحثون عنكِ."
قال راعن ذلك بنبرة تُخفي عاطفته، يحاول إثارة مشاعرها.
لكن كارا أجابته بنبرتها المعتادة:
— "من يقلق على من؟ أنا؟ لا حاجة للقلق عليّ."
— "أنتِ بالغابة المحرّمة… وتقولين لا حاجة للقلق؟!
بأي عقل تفكرين؟!"
— "على الأقل أعلم أنه ليسَ عقلك."
— "كفي عن هذا… لنعد. لقد سببتِ لي صداعًا!"
— "إذًا هذا دواؤك يا عجوز؟"
— "همف… لست عجوزًا! والآن، تعالي هنا."
حملها راعن كما لو كانت حقيبة…
فانفجرت كارا:
— "دعني! يمكنني المشي بمفردي!"
— "لن أدعكِ، ولا تحاولي. أنا شخص متدرّب على السيف."
> (’لم يكن يبدو عليه أنه يمتلك هذه البنية القوية…‘)
تأملت كارا اليد التي تمسكها بإحكام.
وبينما هما في طريق العودة، ظهرا عند مدخل الغابة.
هناك، كان الحُرّاس مصدومين.
نظروا إلى راعن، وهو يحمل طفلة بشعر أسود يلمع كالليل،
وعينين ياقوتيتين لا تحملان أي حياة.
صرخت كارا، وقد كاد الفضول يقتلها:
— "مهلًا أيها الطبيب… من أنت بحق؟!"
ابتسم راعن وقال:
— "هاه… يبدو أنكِ انتبهتِ أخيرًا. أنتِ أذكى مما تبدين."
قاطع صمتهما صوت أحد الفرسان المرتجف:
— "صـ… صاحب السـ… السمو، ماذا تفعل هنا؟!"
أجاب راعن ببرود تام:
— "أوه… ألا يحقّ لولي العهد التسكّع؟"
صدمت كارا.
تغيّرت ملامحها بالكامل:
— "و… ولي العهد؟! أنتَ ولي العهد؟!"
— "نعم. ما المشكلة؟"
— "أقصد… ما المشكلة؟! أنت ولي العهد… وتتسكّع كطبيب عجوز في دار أيتام؟!"
— "أنا في العشرين من عمري، ويمكن أن تكوني أختي."
نظر إليها بحب واشتياق.
— "أختك؟ هل تمزح؟ هل ضربتَ رأسك في مكان ما؟"
> (’هل هذا الرجل مجنون؟ أم أنا التي جنّت؟!‘)
…
__________________________________
-•2•-