"أحببتك مرغماً ليس لأنّك الأجمل، بل لأنّك الأعمق؛ فعاشق الجمال في العادة أحمق!" — محمود درويش ............. فتح فيليو باب قاعة الصيغ السحرية المتقدمة بهدوء، ودخل كمن يسحب نفسه رغما عنه، ووجهه متجهم، لا يملؤه الحماس بقدر ما يملؤه شعور واجب الحضور.. خلفه، تبعه ثيودور بخطى أخف، لكنه لم يكن أقل قرفًا. لكن سرعان ما تباطأت خطواتهما حين اكتشفا ما لا يُسعد أحدًا... فأول ما وقعت عليه أعينهما كان المكتب، ووراءه ذاك الشخص المعروف باسم "روبرت بلفين" — أستاذ الصيغ السحرية المتقدمة. هذا الأستاذ معروف للجميع.. لا بعلمه، بل بجهله؛ لا بكفاءته، بل بعلاقاته. يعامل الطلاب كبيادق، ويتحدث مع الفتيات بلهجة تثير الغثيان — مقزز في تصرفاته، ونذل بامتياز. ..يغدق المديح على من يرى فيهم منفعة، ويُهين من لا يعجبه كما لو كانوا عبيدًا.. حيث إن لم تكن نافعًا له، فاستعد لمعاملة لا تليق حتى بممسحة. كيف أصبح أستاذًا؟ بسيطة.. زوجته وزيرة في الشؤون السحرية.. الباقي معروف. وهذا وحده كان كافيًا ليجلس على أي كرسي يشاء، حتى لو لم يعرف الفرق بين الصيغة التاسعة وخبز الشعير. ...كان يضحك مع بعض الطالبات اللواتي يحمن حول مكتبه كالذباب، يوزعن المجاملات كما تُوزع الرشاوى، يرمقنه بنظرات إعجاب مصطنعة ويضحكن على كل شهيق وزفير يخرجه، طمعًا في نقاط إضافية أو معاملة مميزة. ثم يرد عليهن بابتسامة مائعة، يصحّح لهن "أخطاءً" لم يُطلب منه تصحيحها، ويحرك يده كأنه قائد أوركسترا في أوبرا تافهة. كلماته تقطر عسلاً، لكن نظراته تكشف عن ما هو أبعد من المكر.. كمن يقوّم الصداقة بعدد النقاط التي يمكنه إضافتها في نهاية الفصل. رفع ثيودور حاجبًا وهو يكتم شتيمة، بينما تمتم فيليو بسخط مكتوم: "اللعنة.. لقد ابتلينا بأردأهم." قال ثيودور بنبرة يائسة: "لا تقل إن هذا هو أستاذ المعادلات؟" تنهد فيليو، وبنظرة مليئة بالخذلان عقد ذراعيه ثم أردف: " أسوأ سيناريو ممكن قد تحقق، هذا الشخص لن يعلمني حرفًا.. سأخرج من هذه الحصة كما دخلت، مع زيادة في ضغط دمي." رد ثيو كمن ابتلع شوكة: "وبهذا.. انتهت كل آمالي في تعلم المعادلات هذا العام، على الأرجح سندرسها بمفردنا." — "لا تقلق، على الأقل ستتعلم كيف لا تصبح مثله." رفع ثيودور حاجبًا منكرا لوضعهم الحالي وهمس بصوت خافت: "كيف أصبح هذا أستاذًا المعادلات المتقدمة أصلا؟" "... أنسيت أن سحر الحب المقدس أقوى من كفاءة في هذه الإمبراطورية؟" ضحك ثيو بخفة على اجابته، وأشار بعينيه إلى الأستاذ الذي لاحظهما تاركًا الطالبات في لحظة، واتجه نحوهما مبتسمًا تلك الابتسامة التي يمكنك أن تجد مثلها على وجوه الدجالين في أسواق القرى: "يا إلهي! الدوق باليوتي! والوريث فالكنور!" قال وهو يفتح ذراعيه وكأنه سيعانقهما. "يا لسعادتي! من حسن حظي أن يكون أشهر طلاب الأكاديمية تحت إشرافي! أنتما فخر هذا الجيل!" ردّا عليه بتحية رسمية مهذبة، دون أن يبادلاه حرارة الحديث. فمهما كرهَا أسلوبه، ورغم أن رائحة المصلحة تفوح منه، يظل أستاذهما.. بالاسم على الأقل. — "أنا متأكد أننا سنرى نتائج لامعة هذا العام.." أومأ فيليو برأسه ببرود، بينما اكتفى ثيودور بابتسامة باهتة. بدأ الأستاذ بالثرثرة سريعًا، متفاخرًا كأن له الفضل المطلق في إنجازهما، لكنهما بالكاد أصغيا..حتى قال: "وبالمناسبة.. المركز الأول هذا العام يحمل رقمًا قياسيًا غير مسبوق، أمر نادر فعلًا." ثم خفّض صوته وأضاف: "لكن لا تقلقا، علمت أن هناك خللًا تقنيًا في التقييمات، فلا يمكن أن تمر الأمور دون تدقيق.. أعدكما أنني سأكشف الخلل بنفسي." ما إن سمع فيليو ذكر المركز الأول، حتى ضاقت عيناه. استوعب شيئا... سونارا. المركز الأول في الصيغ السحرية.. لا مفر من ذلك.. ستكون هنا. لم يكن الأمر يحتاج استنتاجًا، فوجودها في الصفوف المتقدمة أمر محسوم إذا كان التقييم هو المعيار. ثم، وكأن التفكير بها وحده استدعاها، دخلت من الباب الخلفي للقاعة بخطى هادئة، دون أن تُلقي نظرة على أحد. كانت تمسك دفترها بيد، وحقيبتها تتدلى على كتفها.. خطواتها كانت صامتة تقريبًا، لولا رنين خلخالها المألوف.. جلست في المقعد ذاته الذي اختارته في حصة الأدب، دون أن تحيد عنه ميلمترًا. "..كيف بحق الجحيم لخطوة واحدة منها أن تخل بتوازنه إلى هذا الحد؟" استدار فيليو بعينيه فقط، خشية لفت الانتباه. ..لكن كانت هناك كارثة صغيرة طالبان —على الأرجح لطفاء، كانا يتقدمان للجلوس في الصف ذاته، أمامها مباشرة. لكن الأستاذ التفت فجأة، وبدأ حديثًا مع أحدهما حول "مدى تطوّر تحليله للمجال السحري"، مما منعه من المغادرة. "لا... ليس هذا المقعد بالذات.." فكر فيليو بسرعة، وكأن شيئًا يُنتزع من يده. ذلك المقعد تحديدًا.. موقعه الاستراتيجي، المقعد الملكي الذي شُيّد لأجله. عينا فيليو ضاقتا..و في لحظة أمسك بذراع ثيودور فجأة كمن يستغيث، ثم التفت إليه ببطء. وأشار بعينيه نحوها بنظرة ثابتة، مع رفع حاجب خفيف، وحركة بالذقن نحو المقعد.. ملامحه لا توحي إلا بشيء واحد: "افعل أي شيء — حالًا." ثيودور، الذي بالكاد يحافظ على وعيه من قلة النوم، تبع نظرة صديقه إلى حيث يشير. رمش مرتين، فرأى سونارا، ثم المقعد.. ثم الطالبين الذين كادا يستقران فيه. وعاد ينظر إلى عيني فيليو المتوسلتين. وفهم.. فهم ثيودور المعنى فورًا، دون حاجة إلى كلمة واحدة. همس ثيودور، متراجعًا بخطوة: "هل تمزح؟ إنهما يوشكان على الجلوس!" أحد الطالبين رفع الكرسي بالفعل، والآخر مدّ كتابًا ليضعه على الطاولة كإعلان على ملكيتهما. أطلق ثيودور تنهيدة كأنها وداع، ثم اندفع.. لم يحتج إلى تفكير إضافي. تحرك بسرعة، وهرول باتجاه الصف الرابع.. — "أوه لا، لا لا لا!" همس وكأنه يشاهد فيلم رعب. .خطواته أقرب للجري الأولمبي منها للسير المهذب..انزلق تقريبًا وهو يتجه نحوهما، ثم استعاد توازنه، ورفع يده كمن يوقف شاحنة: التفّت الطالبان نحوه بدهشة.. قال أحدهما: "آه... كنا سنجلس—" قاطع ثيو كلامه بلطف: "أعتذر، لكن هذا المقعد له أهمية خاصة لصديقي، فقط لهذا اليوم." لم يكن للعبارات أثر كبير، لكن الشارة الذهبية الخاصة بالدوقية التي تلمع على صدره حسمت الموقف. نظر الاثنان إليها، ثم إلى فيليو الواقف هناك بجمود رزين، ثم عادا ينظران إلى ثيودور. تبادلا نظرة، ثم هزّا رأسيهما علامة على الموافقة، دون أن ينبسا بكلمة. "لا نريد مشاكل مع أبناء الطبقة العليا.." تمتم أحدهما وهو يبتعد. أومأ لهما ثيودور امتنانًا، ثم أدار رأسه نحو فيليو وأشار له بإشارة خفية: المهمة أُنجزت. لم يبتسم فيليو، لكن أعينه لمع فيهما رضًا صامت. جلس ثيودور على الكرسي المنتصر، وقال وهو يزفر: "كدت أفقد أنفاسي ثلاث مرات في أقل من دقيقة.. أرجو ألّا يكون هناك اختبار بدني قريب." انضم إليه فيليو بصمت ناظرًا للمقعد، ثم سونارا الجالسة أمامهما دون أن تلتفت.. لم تبدو مدركة لما جرى حتى. همس فيليو دون أن يحوّل نظره: " هذه أول مرة أقاتل فيها من أجل مكان أجلس عليه." رمقه ثيودور وقال بخفوت: "أعلم.. لكني قد أنقذت مستقبلك، أطالب بمكافأة." لم يُجبه فيليو، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة وهو يحدق في سونارا، ثم قال: "سأسمي أول مولود لي باسمك." ....... ما إن اعتلى الأستاذ المنصّة، حتى خيّم على القاعة صمت ثقيل.. لا صمت توقير، بل ذلك النوع الذي يسبق وقوع شيء مزعج. وقف هناك يتباهى بهيئة لا تستحق التباهي، وابتسامة لا تقنع إلا مرآته. يعلو وجهه شموخ مصطنع بينما هو لا يعرف من الصيغ المتقدمة إلا عنوان المقرّر، ومع ذلك يتصرف كمن نال وسام النبوغ بجدارة. ..وحدهم طلبة هذا الصف يعرفون اسمه الآخر: "الكارثة المتحرّكة" — اسم لا مبالغة فيه. فيليو، ما إن وقعت أعينه عليه حتى غطى جبينه بيده، وتمتم بفتور: "هل لا يزال الانسحاب من الحصة ممكنًا؟" أما ثيودور، فكان يحدّق فيه كما ينظر المرء إلى كوب لبن مشكوك في صلاحيته: يتساءل ببرود: "أأجرّبه؟ أم أكتفي بالرائحة؟" سونارا لم تقل شيئًا.. رفعت حاجبًا بخفة وهي تعدّل نظارتها، ثم نظرت إلى الأستاذ وكأنها تقرأه.. لم تحتج إلى دليل.. هالته وحدها كانت كفيلة بتلخيص تاريخه رجلٌ تغلّفه رائحة النذالة.. خائن في طبعه، خفي في مكره شخص لا يُلام إلا إذا اعتبرت القذارة تهمة جنائية. حتى مجرد رؤيته يثير في النفس غثيانًا قاتلا.. تنحنح روبرت بصوت مفتعل، ثم قال بنبرة مصقولة بطبقة من التصنّع: "مرحبًا بكم أيها العباقرة الصغار في حصة الصيغ السحرية المتقدمة.. أنا أستاذكم لهذا الفصل، روبرت بلفين، ومعًا سنخوض عامًا مفعمًا بالتحديات المثيرة!" قالها كمن يعلن عن دعاية معجون أسنان، ثم أضاف مبتسمًا: "كما تعلمون، النظام الجديد لترتيب القدرات أتاح لنا فرصة ثمينة لاكتشاف النخبة..لذلك سنعرض الترتيب تصاعديًا، مع بعض الملاحظات منّي على كل اسم." بدأ قائلاً: "المرتبة التاسعة عشرة... ريمون شتاين... لا تعليق." الاسم مرّ بلا أثر، ككومة قش في مهب الريح.. — "السابعة عشرة.. إلويزا مارتش، حفيدة مؤسسة نقابة المراهم العلاجية.. أهلًا بكِ." ضحك ضحكة قصيرة مع نفسه، ثم تابع دون توقّف: — "الخامس عشر.. ماركوس ليفي، نجل صاحب منجم الذهب الشمالي.. موهبة لافتة بلا شك." ثم رمقه بنظرة دافئة للغاية، أقرب إلى نظرة موظف بنك إلى عميل من فئة كبار المستثمرين. على الجانب الآخر، كانت سونارا لا تزال صامتة. تتابع الكلمات دون أن تلتفت.. وجهها جامد، لكن داخلها يقين واحد: هذا اليوم لن يحمل أخبارًا جيدة. ..استمر روبرت في سرد الأسماء، متجاهلًا الأسماء التي لا تقترن بلقبٍ بارز أو عائلة ذات نفوذ، أما حين يقترب من الأسماء "المُهمّة"، ازدادت نبرته نفاقًا وابتسامته اتساعًا: — "المركز الحادي عشر... كاميليا أورليان. آه، أليس والدك نائب رئيس المجلس السحري؟ هذا يفسّر الكثير! أهلًا بك، وبمن يرفعون قيمة الصف." ثم التفت إلى اسم آخر، وأطلق ضحكة صغيرة بلهاء كأنها نكتة لا تحتاج لسامعين: — "المركز التاسع... ليون سارفن، نجل رئيس نقابة المدربين القتاليين. حصة واحدة فقط، وسأطلب منك بعدها أن تساعدني في تماريني الصباحية، هاها!" ضحكته تلك التي بدت وكأنها صادرة من لعبة أطفال قديمة مكسورة، لم تجد لها صدى في القاعة.. أما الطالب، فاكتفى بهزّ رأسه بخجل واضح. — "المرتبة السادسة.. ليديا فون هوف، ابنة المموّل الرئيسي لمعهد أبحاث التعويذات..فخر الأكاديمية، وفخرٌ.. جميل." توقفت نبرته عند "جميل"، وسرّح بصره فيها من الأسفل إلى الأعلى، نظرة لم تملك وقارًا ولا ذوقًا، بل كانت وقحة.. سافرة.. معناها لا يخفى على أحد.. ..كان ثيودور قد بدأ يرسم في دفتره رأس الأستاذ على جسد معزة حين سمع: — "المركز الرابع... ثيودور فالكنور." رفع الأستاذ عينيه بسعادة، وقال: "آه، دوقية فالكنور الجنوبية، الخليفة القادم لأحد أعرق البيوت النبيلة... لم أتوقّع أقل من هذا!" رفع ثيودور رأسه بتثاقل، وردّ بجملة مختصرة: "الشرف لي، يا سيدي." ثم أسند رأسه على كفّه، وحدّق في السقف بملل، قبل أن يميل نحو فيليو هامسًا: "هل يُفترض أن أصفّق الآن، أم ننتظر خاتمة العرض؟" كتم فيليو ضحكة قصيرة، وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا التهريج لم يبلغ ذروته بعد. رفع الأستاذ ذراعيه، كأنما يستقبل لحظة تاريخية، وبدّل نبرته إلى استعراض مبالغ فيه بوضوح: "المركز الثالث... إدوارد فالمور!" فتح ذراعيه كأنما يرحّب بنجم عالمي، وأضاف بانبهار مصطنع: "العبقري الذي قرأت عنه حتى في نشرة الأخبار الإمبراطورية! لا أدري اذ كان علي تدريسك أم التعلّم منك" إدوارد هزّ كتفيه بتواضع، وابتسامة الرضا شقت وجهه رغمًا عنه. أكمل وقد استقام واقفًا وأخذ نَفَسًا خفيفًا كمن يستعد لإعلانٍ مصيري: — "المركز الثاني... فيليو باليوتي، دوق الشمال نفسه." ثم أكمل بصوت معجب: — "الاسم وحده يكفي.. شرف حقيقي أن يكون بيننا نابغة الشمال، وريث المجد والسلالة النقيّة! أعترف أن رؤية اسمك في المركز الثاني كانت صدمة لي.. مؤسف للغاية، لكنه حتمًا خطأ تقني.. لا تقلق، سيتم تصحيحه قريبًا.. نابغة مثلك لا يمكن ان يُسبَق" فيليو لم يتحرك. ولم يظهر أيّ تعبير. لكن عينيه، رغم ثبات جسده، كانتا تعكسان شرخ خفيف تشكّل في صبره، كأن أعصابه تتفتت ببطء. ..ثيودور بجانبه لاحظ التصلب الخفيف في فكّه، والنقطة التي تشدّدت فيها شرايين رقبته.. حاول التظاهر بأن كل شيء طبيعي، لكنه كان يعرف تمامًا ما يحدث بداخله. "خلل تقني؟ سحقًا لك ولنظامك!" رفع حاجبه بالكاد؛ ولو زاد على ذلك لكان إنجازًا. ثم جاءت اللحظة التي غيرت الجو بأكمله. — "والآن.. المركز الأول." سكت روبرت. نظر إلى الورقة. ثم انعقد حاجباه وانكمش فمه، وحدّق في الورقة كما لو أنها تفوّهت بإهانة شخصية. تبخّرت نبرته المبتهجة، وحلّ محلها ذهول مغلف بالإنكار. تمتم، وكأنه لا يصدق ما يقرأ: "سونارا... بوسويل؟" أعاد الاسم هذه المرة أبطأ، وكأن لسانه لا يصدّق ما نطق به. رفع عينيه عن الورقة وحدّق في القاعة، ثم ثبت نظره في نقطة لا شيء فيها، كمن يحاول إقناع نفسه بأنّه لم يخطئ القراءة. لحظة صمت غريبة.. ثم، وبحركة تستحق جائزة "أفضل تعبير وجه في تاريخ السخرية"، بدأت ملامحه تتقلّص، ووجهه ينعقد كمن شَمَّ حليبًا فاسدًا تُرك في الشمس لسنوات. "بوسويل؟" قالها مجددًا، هذه المرة بتقزّز صريح، قبل أن يُلقي نظرة خاطفة على النتيجة، ويهزّ رأسه باستغراب ثقيل. "كسرت الرقم القياسي؟" أمال رأسه جانبًا، وقال بنبرة تحمل ما يكفي من التحقير لئلا تُخطئها أٌذن: "بوسويل؟ هل هذا لقب حقيقي؟ لم أسمع به قط.. من أين أنت؟ الضواحي؟ أم.. إحدى قرى العامة؟" رفع حاجبيه، وأطلق ضحكة باردة من طرف فمه، ثم تابع: "ولا يبدو أن لوالديك إنجازًا يُذكر.. وإلا لكنا سمعنا بك.. والمذهل أصلًا أنك اجتزت اختبار القبول." "المركز الأول؟ أهذه نكتة؟" نظر إلى سونارا، التي رفعت يدها بهدوء لتعريف نفسها، كما ترفع الضحية يدها في محكمة جائرة.. رمقها بنظرة فاحصة، من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، ثم خاطبها بوضوح: "لا شيء مميز فيكِ.. مجرد خلل تقني منحكِ ما لا تستحقينه.. بل سرقتِ المركز من دوق الشمال.. يا للعار." ساد صمت قاتل في القاعة.. أما هي.. لم تفعل شيئًا. كانت هادئة، لم ترد، ولم تنفعل.. لم تنظر إليه حتى. أغمضت عينيها للحظة.. ثم أخفضت رأسها ليس لأنها لم تتألم، بل لأنها... تعبت. تعبت من التصنيفات، من الألقاب، من النظرات التي تقيس الإنسان وفق نسبه. كانت تعلم مسبقًا أن هذا العام لن يكون هادئًا.. لكن أن يبدأ بهذا الشكل؟ بهذه الوقاحة العلنية؟ كأن الحياة قررت أن ترسم مصيرها باللون الرمادي الباهت منذ اللحظة الأولى. أرادت أن تضحك من سذاجة الموقف، من سخف الأستاذ، من ركاكة تعليقاته..لولا تلك الغصّة التي شعرت بها من الإحباط القاتل.. كل ما أرادته هو: عام دراسي هادئ، أصدقاء قلائل، أيام مملة بلا مشاكل.. مجرد حلم بسيط.. والآن مع أول جملة خرجت من فم هذا النذل.. كل أحلامها سُحقت، رُكلت، دُهست، قُليت بزيت مغشوش، ثم حُمّرت على نار حقد الأكاديمية، وأُلقي بها في أقذر زاوية في الكون. ..تنهدت للمرة الثالثة على التوالي ببطء قاتل كان بإمكانها أن ترد. أن تهينه بثلاث كلمات. أن تحطمه بنظرة.. لكنها لم تفعل. هو لا يستحق ذلك حتى. ..والأسوأ من الرد هو أن تمنحه سببًا آخر يبرّر كراهيته. هي فقط تريد شيئًا واحدًا: أن تدرس. ..وفيليو شعر بطعنة — عميقة ومُهينة. لم تكن الإهانة موجّهة له، لكنه أحسّ بثقلها كأنها كُتبت باسمه. رآه في انحناءة رأسها، في استقامة ظهرها رغم كل شيء، في تلك التنهيدة التي كانت أقسى من أي صراخ. وأحس بأنه الحبل الذي سحبها إلى هذا الموقف. جلس متجمّدًا، وعيناه شاخصتان نحو السبورة دون أن يرياها فعليًّا.. داخله كان يغلي. وفي رأسه، شتم الأستاذ بكل لغات العالم.. ثم شتمه مجددًا بلغة اخترعها خصيصًا لتلك اللحظة. "لقد أهانها... بسببي." كان يعلم. سمعه.. سمع النبرة و فهم الرسالة، كما فهمها الجميع في القاعة. جعل الأمر يبدو وكأنها سرقت المركز منه.. كأن تفوّقها مهزلة، ومجرد وجودها إهانة لنظام الأكاديمية. "بسببه ستظن أنني شاركت في هذه المهزلة." كانت يده ستتحرك لا إراديًا نحو المقعد. كتفه مشدود، شرايين رقبته بارزة، وفمه على وشك أن ينطق بكلمة.. كلمة واحدة قد تقلب القاعة. عيناه قالتا كل شيء: "سأحطّمك." لكنه فجأة شعر بشيء على ذراعه.. يد تمسكه. قبضة ثابتةٌ قوية.. ثيودور، الذي لمح التوتر يتصاعد فيه كوتر قوس مشدود، تحرّك بسرعة وأمسك بذراعه في اللحظة المناسبة. لم ينظر إليه، لكنه ضغط على معصمه بقوة كافية لإعادته إلى مكانه، وهمس ببطء شديد: "ابقَ.. في.. مقعدك، أيها المجنون." ..كان الآخر على شفير تمزيق العرف الأكاديمي لنصفين لولا تلك القبضة. لم يكن يريد أن يردّ على الأستاذ فحسب.. بل أن يُسقطه أرضًا، أن يجرّه من وهم سلطته إلى حقيقة الأوغاد المتطاولين مثله. كان يريد أن يُريه ماذا يعني أن تهين من لا يُفترض المساس بها. وفي كل ثانية صمتٍ كانت تمر، كانت فكرة واحدة تدقّ رأسه كالمطرقة: "ماذا لو... كرهتني؟" تلك الفكرة وحدها، مجرد احتمالها بالنسبة إلى فيليو باليوتي — كانت أسوأ من ألف معركة خاسرة. كان عاجزًا. لو دافع عنها الآن، فذلك سيحطمها أكثر.. أيّ ردة فعل منه ستُفسَّر كدليل على انحياز... وأن تفوّقها لم يكن نابعًا من كفاءتها، بل من حمايته. .. وذلك كان سمًّا خالصًا يتسرّب إلى كل شريان فيه. ....... وضع الأستاذ كفيه على سطح المكتب، وابتسامته لم تكن أقل استفزازًا من نبرته: "حسنًا!" "لنبدأ عامًا دراسيًا جديدًا مع نخبة طلاب الأكاديمية.. نعدكم بالتطوير، والتحديات، والاختبارات..." ثم رفع صوته قليلًا، كأنما يوجّه خطابه إلى طالبٍ معين: "وسأتأكد بنفسي من طرد كل دخيل على هذا المكان." وفي كلمته الأخيرة، رمق سونارا بنظرة مباشرة طويلة، محمّلة بالكراهية، وكأن حضورها شوكة في مؤخرته. كانت يدها قد بدأت تتحرّك بلا وعي، إصبعها الأوسط على وشك أن يعلن رأيها نيابة عنها، تلك الحركة التي راودتها للحظة.. ثلاث ثوانٍ فقط، وكادت تُري الجميع مَن يكون هذا "روبرت" في نظرها. لكنها وبصعوبة، أعادت يدها إلى الطاولة، وقررت أن تبقى هادئة.. ظاهريا على الأقل. "وغد لا يستحق." فكرت بين نفسها، وعيناها ساكنتان. لكن في قلبها، كانت تُطلق أول شرارة حرب. ... ..اتكأ روبرت بثقله على المكتب، نظارته مالت بقليل على أنفه ثم أكمل محاضرته: "بما أن هذه حصتنا الأولى معًا، فلن نُثقل عليكم بالنظريات المعقدة سنجري استجوابًا خفيفًا للقدرات، مجرد اختبار بسيط.. هاها." ضحك. ولم يضحك أحد معه. الجميع يعلم أن "الاستجواب" لم يكن فكرته من الأساس، بل توجيهًا من الإدارة التي لم تثق به لتدريس طلاب النخبة دون رقابة. رفع يده بخفة، ولوّح بقطعة طباشير: "سأكتب بعض الصيغ من الدرجات الدنيا.. نبدأ بالخفيف، ثم نرى." كتب على السبورة صيغ سحرية بديهية إلى حد السخرية، لا تحتاج سوى لطفلٍ يعرف الطرح والجمع لحلها. ثم بدأ في مناداة طلاب مختارين بعناية — أبناء التجار الكبار، ملاك المناجم، أحفاد السفراء — ليحلّوا أمام الجميع. وكان في كل مرة يُكمل فيها أحدهم مسألة، يقفز مهللًا: "رائع! مذهل! عبقرية فذّة!" في الصف الخلفي، تبادل فيليو وثيودور نظرات مشبعة بالصدمة والتهكّم. همس ثيودور، محاولًا كتمان ضحكته: "هل هو.. جاد؟" كل شيء يبدو كمسرحية مدرسية فاشلة، لا كحصة في قسم الصيغ المتقدمة. ..بعدها كتب معادلة متوسطة — يعرفها حتى البقال العجوز عند ناصية الشارع — ومعروفة بين طلاب الأكاديمية، ثم أردف: "والآن، معجزة القسم، العبقري الفريد إدوارد.. هيا، أرنا كيف تُحل هذه." ارتفعت رؤوس البعض، وانعقدت الجفون على توقعٍ محفوظ. إدوارد، الاسم الذي يتردّد كأنّه تعويذة مجد، نهض بتثاقل الواثق وتقدّم نحو السبورة. رتّب أكمام معطفه الفاخر بعنايةٍ مبالغ فيها وعدل شعره للخلف كمن يستعد لعرضٍ مباشر، ثم بدأ في إلقاء محاضرة عن "إنجازاته" منذ أن كان في الخامسة من عمره: "منذ طفولتي، كنت أنام على كتب السحر.. أتنفّس التعاويذ، أشرب الصيغ.. كانت دومًا لعبتي المفضلة.." همس ثيو، وقد بدأ الملل يتسرب إلى نبرته: "تنفّسها، اشربها، اغرق بها.. افعل ما تشاء.. فقط لا تسرد لي قصة حياتك." ردّ فيليو، يكاد يجن من ضيقه: "ليته يختنق بصيغه اللعينة لكي نرتاح منه." مرّت ربع ساعة كاملة من الفلسفة الجوفاء، كأنها مقتطفات من فيلم دعائي رديء الإنتاج، فيما كاد بعض الطلاب يختنقون من كثر التثاؤب. وفي النهاية؟ ما قدّمه كان حلاً مختصرًا لا يمتّ للثقة بصلة.. ومع ذلك، كاد الأستاذ أن يدمع من شدة الفخر: "رائع! عبقري! تصفيق حار للموهبة الفذّة!" وضع فيليو جبينه على الطاولة بيأس، بينما تمتم ثيو: "لو استمر خمس دقائق إضافية، لكنتُ أنا من سيضرب رأسه بالحائط." لكن المهزلة لم تصل بعد إلى ذروتها. مسح الأستاذ السبورة، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة، ثم كتب معادلة جديدة. ..كانت ضخمة. من الدرجة التاسعة — مخصصة لطلبة التخرج المتخصصين أو لمستشاري الأكاديمية أنفسهم. أي عاقل كان سيدرك فورًا عبثية طرحها في حصة لطلاب السنة الأولى. لكن الأستاذ؟ لم يكن من أصحاب العقول المتّزنة. لا بد أنه سقط على رأسه عند ولادته وأصبح معاقًا.. أو ربما... أُكتسب غبائه عن جدارة و استحقاق. ..رفع حاجبيه ببراءة مزيفة وقال: "الآن.. نختبر العبقرية الجديدة! آنسة بوسويل، تفضّلي!" وأضاف بنبرة مشبعة بالسخرية: "مجرد صيغة بسيطة.. أطفال الابتدائية يحلونها." ثم مرّر نظرة لئيمة على الحضور، كمن ينتظر سقوط الفريسة أمام أعين القطيع. كان واضحًا أنه لا يريد اختبارًا. كان ينتظر مشهد السقوط.. وكان واثقًا من أنه سيكون مؤلمًا.. علنيًا.. لا يُنسى. .... ..فيليو كاد أن يحطم ذراع الكرسي هو يعلم..ثيودور يعلم..الجميع يعلم. المعادلة التي كتبها الأستاذ لا تطرح على الجدد.. هي صيغة مكانها بين دفاتر مستشاري الأكاديمية، لا على سبورة حصّة أولى. ومع ذلك.. نهضت سونارا. بخطى هادئة، خالية من التردد.. كأنها تمشي فوق جمرٍ مشتعل دون أدنى اكتراث. وفي داخلها بالطبع.. كانت تلعن الأستاذ، وزوجته التي أخرجته من حفرة النسيان، وتلعن هذا اليوم اللعين الذي قررت فيه الالتحاق بالأكاديمية.. تلعن الطباشير، والمكتب، والنظام بأكمله. فتلك الصيغة لم تكن مسألة.. كانت رسالة. والرسالة كانت واضحة: "مكانكِ ليس هنا." وقف الأستاذ بجانب الطاولة، وعيناه تراقبانها بنظرة مستصغرة..ثم قال بصوت عالٍ أمام الجميع: "مظهركِ غريب يا آنسة.. تلك النظارات، المجوهرات الذهبية.. هل تحاولين التشبّه بالنبلاء؟ لعلنا نبدأ أولًا بدروس في الذوق قبل الحديث عن العبقرية." الآن.. هل هذا الوغد يستخف بذوقها؟ ..و بذهبها؟! هل وصل به الانحدار إلى درجة السخرية منها شخصيا؟! خيم على القاعة صمت من نوع ثقيل.. وفي تلك اللحظة، لم تكن ستكتب الحل فقط.. بل كانت ستحفر بداية نهاية ذلك الرجل في عقول من يشاهدون.. ستريه الذوق على أصوله.. رغم ذلك لم تغيّر ملامحها، ولم تلتفت.. ناولها الطباشير كمن يتكرّم على محتاجة، وقال: "هيا... أرِينا كيف صعدتِ إلى القمة.. بفضل خطأ إحصائي." أخذت الطباشير. استدارت نحو السبورة. وظلت دقيقة كاملة تحدق في الصيغة. عينها لا ترف.. وذهنها يعمل في صمت. لا ارتباك في ملامحها.. ولا توتر في حركاتها. ..ضحك روبرت من خلفها ضحكة جوفاء، ثم تمتم بصوت مسموع: "إذا كنتِ لا تستطيعين حل مسألة بسيطة كهذه..فربما كان عليكِ التفكير مرتين قبل أن تضعي قدمكِ هنا." ضحك معه حفنة من المتملقين طبعا. ثم أدار ظهره متجاهلًا إياها، وتابع حديثه مع أحد الطلاب. وكأنه قرّر مسبقًا أنها ستفشل. و هذا كان أسوأ خطأ ارتكبه.. ..فإذا به يسمع صوتًا خافتًا خلفه..طرقات متناسقة. طقطقة أظافر تلامس اللوح، يتبعها خطّ طباشير سريع. التفتت الأنظار نحوها. سونارا كانت قد بدأت تكتب. لكن طريقتها..غريبة. سريعة.. واثقة.. بلا تردّد. كأن الحل محفوظ في ذاكرتها بالفعل، وكل ما تفعله هو نسخه بهدوء. يدها لا ترتجف.. نظرتها لا تزيغ.. والأنامل؟ تنقر بلطف على السبورة بإيقاع متّسق: نقـر... كتابة . نقـر...صيغة . نقـر... نتيجة. تركيزها انحصر في: سبورة، طباشير، صيغة. لم تكلّف نفسها حتى رفّة جفن واحدة. الصيغة؟ معقدة إلى حدٍ لا يُحتمل. لكنها أمامها.. تتفتّت. سطورٌ فوق سطور، رموز تتكامل، صيغ تتسلسل، مفاتيح سحرية.. حتى كاد اللوح يضيق على كل ما كتبته. ثم وبعد دقائق.. توقّف النقر. وسكنَت القاعة معها. وضعت الطباشير على الطاولة باستواء لا افتعال فيه، ثم استدارت. نظرت إلى الأستاذ. نظرة واحدة فقط..بدون أي تعبير. لكنها مفهومة للبقية.. كانت تلك النظرة كافية لتصفعه أمام الجميع دون أن ترفع صوتها، و دون أن تمد يدها. ..الأستاذ الذي كان على وشك إطلاق تعليق ساخر، نظر إلى السبورة. ضاق حاجباه.. ثم ارتفعا ببطء. قرأ الحل.. ثم توقف وأعاد. قرأها ثانية.. وثالثة. يده المرتجفة كانت ممسكة بكوب الشاي لكنه لم يستطع رفعه إلى فمه. ثم بدأ شيئًا فشيئًا، يدرك الحقيقة. هو..لم يفهم. هو..عاجز عن الشرح. وما على السبورة؟ صحيح. والفتاة التي سخر منها قبل لحظات؟ تتفوّق عليه بسنوات ضوئية. مدّت يدها، وضعت بقايا الطباشير الذي بالكاد بقي منه شيء يُمسك على حافة السبورة. نفضت كفيها بهدوء كأنها تُنهي عملاً روتينيًا. ثم استدارت. نظرتها الساكنة تلك محمّلة بذلك البرود المدمّر الذي يُخجلك دون أن يهينك. ثم سألت بصوت هادئ خالٍ من الجدال، كأنها توجه له ضربة قاضية مغلّفة بالنعومة: "إذًا.. ألم يعجبك الحل؟" توقّف الأستاذ عن الحركة. كان ينظر إليها مدهوشًا، لا.. بل مصدومًا بالكامل. عيناه متسعتان و فمه مفتوح، يبحث عن ردّ ولا يجده. كانت ملامحه تصرخ : "ما الذي فعلته هذه المخبولة؟!" حدّق في الحل كما لو أنه اكتشف لتوّه أن الأرض ليست مسطحة. وجهه المسكين مرّ عبر طيف الألوان واحدًا تلو الآخر: من الأحمر الغاضب، إلى الأزرق المختنق، للأخضر المشوش، قبل أن يستقر أخيرًا بلون سحلية محترقة خرجت من غابات الأمازون. تنحنح بقوة حتى كاد يختنق— محاولًا استعادة كرامته الضائعة، وقال بصوت مرتعش يحاول أن يبدو رسميًا: "ألـ.. ألن تشرحي لنا.. كيف.. وصلتِ إلى هذه النتيجة؟" سونارا، و بابتسامة باردة مهذبة، نظرت إليه نظرة من توزِن إن كان يستحق أن تضيّع عليه دقيقة من وقتها. رفعت حاجبًا، وقالت بلطف مصطنع يكاد يكون قاتلًا: "بصراحة، يا سيدي.. لا أظن أن صيغة كهذه تثير اهتمامك.. تبدو بسيطة جدًا بالنسبة لك." ..آه داخليًا، كانت تسب سلالته بأكملها: "تبا لك، ولصلعتك اللامعة، ولوجهك الذي يبدو وكأنه نتيجة تزاوج الأقارب." لكن ظاهريًا.. رقيقة.. لطيفة..هادئة كما لو أنها لا تؤذي نملة. ..تمنّت لو بإمكانها صفعه، لا بالكلمات، بل بكل الإهانات التي احتفظت بها منذ بداية الحصة. لكنها كما اعتادت، اختارت الطريقة الأهدأ.. والأكثر قسوة. الطلاب الآخرون.. كانوا يحدّقون بها كما لو أن أحدهم صفعهم جميعًا دفعة واحدة. ..ألقت سونارا نظرة أخيرة على السبورة.. تلك النظرة التي تقول: "هكذا تُحل الصيغ أيها المعتوه." ثم و بكل برود، عادت إلى مقعدها.. كأنها لم تسحق غروره، ولم تهشم كبرياءه.. ..... روبرت المسكين كان يحاول جاهدًا ألّا ينهار من شدة الإهانة. لقد أقسم في سره — وربما علنًا — أن يجعل حياتها في الأكاديمية جحيمًا مكتظًّا بالمعاناة. كان واضحًا من نظراته أن قائمة انتقام طويلة قد كُتب اسمها فيها بخط أحمر عريض. في الخلف، تبادل فيليو وثيودور نظرات طويلة. كان فيليو جالسًا هناك، يراقبها كمن يرى معجزة فلكية تتجلّى أمامه. "ما هذا بحق الجحيم..؟" كان يمكنه أن يقسم أنه رأى هالة من الذهب تتلألأ حولها. همس ثيو، مذهولًا: "يا فيليو.. أتذكر أملي لاستعادة رتبتي؟" ردّ عليه، دون أن يزيح ظهره عن المقعد: " أكمل." تنهد ثيو بيأس: "انسه.. لا يوجد أمل لمنافسة كائن كهذا." ثم ابتسم فيليو تلك الابتسامة التي تحمل مزيجًا من الإعجاب والاستسلام — وعاد بظهره إلى الوراء: "صدقني.. حتى أنا بذاتي، لا أرى أملًا في التفوق عليها." أكمل ثيو كلامه، عاقدًا حاجبيه بحيرة: "بالمناسبة.. لقد أهانته عن عمد أليس كذلك؟ تبدو حاقدة عليه فعلًا." ردّ عليه فيليو، وعيناه لا تزالان معلّقتين على وجهها، حيث بدأت ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها وهي تعود إلى مقعدها: "أجل، فعلت ذلك عن عمد بكل تأكيد." بحقكم.. كيف لا يقع في حبها أكثر مما هو واقع أصلًا؟ أما التي جلست الآن بكل هدوء، وكأنها لم تُفجّر قنبلة وسط القاعة، فقد بدأت تستوعب حجم الفوضى التي صنعتها. "رائع... سحق حلم العام الهادئ خلال أول حصة فقط." لكنها لم تندم. لم تكن لتسمح لصيغة أن تبقى بلا حل. لم تكن لتتخلى عن شرفها العلمي وتترك لوحًا فارغًا. أن ترى خللًا ولا تصلحه؟ هذا يتعارض مع قانونها الداخلي نفسه. وأن تتغاضى عن إهانة؟ خاصة إن مسّتها هي.. أو ذهبها؟ .. فليحمد الإله فقط أنه لم يلتقِ بـ"سونارا القديمة" لأنها آنذاك.. ما كانت لتتردد في خلع رقبته — حرفيًا. صحيح أنها تغيرت.. لكنها لم تُصب بالطرش. وإذا كان لا بد من شخص أن يُذكّر هؤلاء الحمقى بما تعنيه "العبقرية الحقيقية".. فلتكن هي. حتى إن كلفها ذلك نظرات الحقد.. وورقة الطرد المؤقت لاحقًا. ....... بدأ التلاميذ ينسخون ما خطّته سونارا على السبورة كما اعتادوا بعد كل عرض استجواب، رغم أن أحدًا منهم لم يفهم حرفًا مما كُتب. تمتمات خافتة دارت بينهم: دهشة، حسد، وإعجاب مخفي... بعضهم بدا كأن عالمه قد اهتزّ، والآخر حاول جاهدًا إقناع نفسه أنها مجرّد صدفة، أو خدعة مدروسة. كأنهم يتساءلون: أهذه رموز سحرية حقًا؟ أم طلاسم من كتاب تعاويذ قديم وُجد في سرداب مخفي. لكن لا أحد منهم استطاع تفسير ما رأوه للتو. ..في المقعد الأمامي، كان روبرت يحدّق في الفراغ، كأن روحه خرجت في نزهة ولم تعد. ظل يتمتم بكلمات مبهمة، بين شتائم وطلاسم انتقامية، شيء عن: "لن تفلتي بسهولة.. سيأتي يومك، أيتها المتبجّحة." ثم صمت فجأة كأن لسانه تحجر. ..رنّ الجرس أخيرًا. نهض روبرت ببطء، وجهه متكوّر بلون أحمر داكن. رمقها بنظرة حادة — فلو كانت خنجرًا، لشقّت جمجمتها نصفين — ثم غادر القاعة صامتًا.. يا لها من معجزة. لكنه بالطبع متوجّه الآن إلى مكتبه، حيث سيبدأ في صياغة خطاب مطوّل لزوجته العزيزة، يطالب فيه بتعديل قانون الطرد خصيصًا لحالة طالبة بنظارات كبيرة وثقة أكبر. ..أما هي، فجمعت كتبها بهدوء، دون أن تعير أحدًا أي انتباه. لا لنظرات الأستاذ، ولا لهمسات الطلاب.. أنهت مهمتها هنا، ولا تنتظر شيئًا. وجهتها الآن: الكافيتيريا. كانت تشعر بالضيق.. والضيق يفتح شهيتها. في الحقيقة، هي دائمًا جائعة سواء قلّبت فصلاً على رأسه أو لا. لكن الغضب يمنح هذا الجوع شرعية إضافية. في خيالها، كانت هناك قطعة تيراميسو تنتظرها، ليست كمجرّد حلوى، بل ككاهنة تتلقّى اعتراف آدمية بذنوب النظام وفساده. فتفاوضها كي تشفي قلبها من أكاديمية لا تفهم العبقرية إلا بعد أن تصفعها.. ... مع آخر دفعة من الطلاب، غادر فيليو و ثيودور.. عند باب القاعة، توقف فيليو للحظة. يداه في جيبيه كما يفعل دائما عندما يركز، وعيناه على السبورة، كأنما يحاول أن يخزّن المشهد في ذاكرته للأبد. زفر ثيودور بضيق: "ألن نذهب؟ أم أنك تحنّ إلى أيام المجد التي تحطّمت أمام عينيك؟" لم يردّ فيليو فورًا. ابتسامة باهتة ارتسمت على فمه. همس: "إنها مذهلة.." تأفف ثيودور: "هل أنت سعيد بخسارتك لمرتبتك للأبد؟ أي أمل كان لديك.. دُهس تمامًا بعد ما رأيناه توًّا." لكن فيليو لم يبدُ عليه الانزعاج. بل على العكس، رفع رأسه وقال بصدق نادر: "لا أمانع، إن كانت فتاة تلمع كالذهب.. أكثر من الذهب نفسه." ظلّ محدقًا في الكتابة، ثم أكمل بنبرة منخفضة، كمن يعترف لنفسه لا لغيره: "فأنا لا أرى الأمر كخسارة.. بل كمكسب نادر." تنهد ثيودور بصوت مسموع، وقد فقد الأمل تمامًا من صديقه للمرة الألف: "مكسب؟.. أنت واقع في حبّها، أعلم.. لكنني ما زلت لا أفهم لماذا ما الشيء الذي لمحه قلبك، ولم تلتقطه أعيننا؟ أعني حسنًا، هي عبقرية.. لكنك لم تكن تعرف ذلك قبل أن تحبها، فلماذا؟ لا جمال خارق، ولا حضور ساحر.. بالكاد كنا نلاحظ وجودها أصلًا!" ابتسم فيليو، ثم قال ببطء كمن يُخرج الكلمة من عمقٍ دفين: "في علم النفس، يقولون إن الحبّ يُبنى على الإسقاط.. أن ترى في الآخر شيئًا ينقصك، شيئًا فُقد فيك.. لكن ما لا يقولونه هو أن الحب أحيانًا.. لا يحتاج إلى إسقاط، ولا إلى مبرر." تنهّد، وعاد صوته ليحمل وقار الفلاسفة: "لا يبدأ من ملامح، ولا من إنجاز، ولا من جاذبية ظاهرة.. بل من رعشة صغيرة تمرّ في القلب بلا سبب. كأن أحدهم يطرق بابك، وبدل أن تسأل: من؟ تجد نفسك تفتحه." صمت قليلًا، وعيناه لا تزالان عالقتين في الصيغة، ثم أضاف بهدوء: " الحب لا يُصنَع، لا يُبرَّر، ولا يُؤمَر به.. يأتي كما يأتي البحر ليُغرق المرء. فهل سأل الغريقُ البحرَ يومًا: لماذا أغرقتني؟ " توقّف ثيودور عند العبارة كي يتأملها، عبس قليلًا، ثم ضحك ضحكة قصيرة: "تشبّه نفسك بغريق؟ حسنًا.. هذا مناسب لأنني أراك غارقًا حتى أذنيك." ثم أضاف، وقد خف ضيقه تحت ابتسامة خاسرة: "..كيوبيد أصاب بدقة هذه المرة." ضحك الاثنان، ضحكة صادقة، ثم استدارا للخروج من القاعة.. لكن عند العتبة، وفي اللحظة التي اجتاز فيها فيليو وثيودور باب القاعة، دخل شخص لم يسبق لهما أن رأياه. دخوله كان هادئًا.. لكن ثقيلًا. خطواته لم تحدث ضجة، ورغم ذلك شعر بوجوده. كان رجلًا في أواخر الأربعينات، ببدلة رسمية قاتمة، ملامحه ميتة كما لو أنه خرج للتو من جنازة، وتحت عينيه هالات سوداء عميقة تظلل عينيه الجامدتين كأن النوم لم يزره يومًا. ثيودور نظر نحوه سريعًا كأي عابر سبيل، ثم صرف بصره. أما فيليو.. فتوقف. شيء في حضور الرجل شدّه، كأن الجو حوله تغيّر. ظل يتابعه بعينيه وهو يتقدّم في الممر بين الصفوف الفارغة و يديه خلف ظهره، حتى جلس بهدوء على أحد المقاعد، كأنه لم يدخل من الباب بل انبثق من اللامكان. جلس يحدّق في السبورة، حيث لا تزال آثار صيغة سونارا مكتوبة، و تعبيره لم يتغير. لم يُظهر إعجابًا، لا ذهولًا، ولا حتى فضول..فقط.. صمت وتأمل. بدا أنه لا يرى ما كُتب.. بل يرى من خلاله شيئا أكبر. لكن في صمته كان هناك شيء يُقلق. فيليو ظلّ يراقبه، الحذر والريبة في عينيه. ثم سأل ثيودور بجواره، دون أن يرفع صوته: "هل رأيت هذا الرجل من قبل؟" ثيودور نظر خلفه بتكاسل، ثم قال: "لا.. هل هناك مشكلة؟" هزّ فيليو رأسه بعد لحظة صمت: "لا.. لا شيء." لكنّه لم يكن واثقًا أن الأمر غير مهم. لأن هذا الرجل لم.. يبدُ عاديًا على الاطلاق. ..تابعا سيرهما بصمت. لم يكن ثمة ما يُقال. ثم قال ثيودور فجأة، كمن تذكّر أمرًا عابرًا: "بالمناسبة.. لن تُقام أيّ حصص مسائية اليوم.. خُصّص هذا الأسبوع لتجربة النوادي. يستطيع الطلاب الانضمام أو الانسحاب لاحقًا حسب رغبتهم." هزّ فيليو رأسه وهو ينظر أمامه دون أن يبطئ خطاه: "أعلم.. سأتجه إلى نادي السيافة." علّق ثيودور بنبرة اعتيادية: "سآتي معك.. سأُسجّل وأرحل بسرعة، لدي موعد مع يولاليا بعد الظهر." وهنا، ألقى عليه فيليو تلك النظرة. نظرة الحسرة و شفقة، نظرة رجل يرى صديقه يعيش حياة لا يستحقها، لكنه لا يملك سوى أن يحزن عليه. تنهد فيليو و هو يمسح على شعره، ثم قال بنبرة حاسمة: "اسمعني يا ثيودور..إما أن تكسرهذه المسرحية، أو أن تغرق فيها.. سيأتي يوم تُضطر فيه لتقرّر من تكون في قصتها." لكن هذه المرة، لم يقل ثيو شيئًا. لا مزاح، لا سخرية، ولا تلميحات.. فقط صمت مشترك بين صديقين يعرفان بعضهما أكثر مما ينبغي.. ويعلمان أن بعض الحوارات لا تُقال. تابعا طريقهما في ممرات الأكاديمية.. أحدهما يفكر في رجل غريب بملامح من حجر والآخر في امرأة بشعر قرمزي وابتسامة تُنشر في مجلات الأزياء. وكان طريقهما.. أطول مما يبدو. ........ في مكانٍ آخر من الأكاديمية.. كانت سونارا قد أنهت للتو وجبتها في الكافيتيريا. نهضت ببطء من المقعد وهي تمسح يديها بمنديل ورقي، متجاهلة تماما الطهاة. كانوا يتبادلون النظرات فيما بينهم... غير متأكدين إن كانوا قد أطعموا طالبة واحدة — أم وحدة عسكرية كاملة. لا يمكنها إنكار ذلك. الوجبة كانت مذهلة. وكعكة التيراميسو تحديدًا، جعلتها تفكر جديًا في أمر زواجها من الطاهي — أو على الأقل، كتابة خطاب امتنان رسمي موقّع بالدم. بل لو قال لها أحد إن سبب قبولها في هذه الأكاديمية كان المطبخ، لابتسمت وقالت: "وقد يكون محقًا." فالطهاة هنا يجيدون عملهم..على عكس بعض الأساتذة. لكن لحظة الاستراحة تلك انتهت..والواقع ينتظر. سارت في الممرات المزدحمة بشيء من التراخي، ثم توجهت نحو مكتب الإدارة بنية معرفة ما تبقى من حصص هذا اليوم. هناك عند المكتب، وقفت بهدوء بينما أحد الموظفين يراجع سجلات الجدول العام.. ما إن لمحها حتى رفع نظره بلا اهتمام واضح، كأنما شاهد المئات مثلها.. ثم سحب ورقة من المجلد الجانبي و ناولها اياها دون أن يكلّف نفسه عناء الابتسام. – "لا حصص مسائية اليوم.. أسبوع تجربة النوادي بدأ." قالها دون أن ينظر إليها، وكأنها جملة يكررها للمرة الألف. أومأت سونارا دون أن تُعلّق. أخذت الورقة أدارت ظهرها وغادرت. "تجربة النوادي..." كلمة بدت ممتعة كمصطلح.. لكن في الواقع؟ بدا الأمر أقرب إلى كابوس. فكّرت وهي تتجه نحو الساحة المركزية: "نسيت تمامًا أن هذا الأسبوع مخصص لاختيار نادٍ. كيف فاتني ذلك؟" كان الأمر إجباريًا، بندٌ واضح في النظام الأكاديمي: .. يجب على الطالب الانضمام إلى نادٍ واحد على الأقل، وإلا خُفّض تقييمه بنسبة قد تصل إلى ثلاثين بالمئة. وهي لا تنوي التضحية بأي نقطة. وصلت للساحة المركزية التي تحولت إلى معرض مفتوح للأندية.. يعجّ بالألوان واللافتات والوجوه المتحمّسة أكثر مما ينبغي. حيث لُصقت عشرات المنشورات على ألواح خشبية طويلة بترتيب فوضوي يجعل أي محاولة لفرزها أقرب للغوص في مستنقع. صفحات تتراكب، شعارات متداخلة، وخطوط مائلة بزاويا لا تسرّ ناظرًا. جدران زجاجية مؤقتة تحيط بالطاولات، تحاول أن تضفي نظامًا على فوضى لا يُحتمل تحسينها. الأسماء تصرخ بأحرف كبيرة، وعناوين تتنافس في الجاذبية: "نادي السيافة الإمبراطوري" "نادي الفنون التعبيرية" "نادي الفروسية والتكتيك" "نادي الصيد الجبلي" "نادي السحر التطبيقي" "نادي التفاوض والمراوغة السياسية" ... كانت كلها مألوفة. متوقعة. رسمية أكثر مما ينبغي. وقفت للحظة تتأمل اللوحات، لا انبهار فيها ولا فضول. نظرتها عابرة.. كمن يرى الوجبة ذاتها بطرق تقديم مختلفة. لم تكن تفتقر إلى المهارات — على العكس تمامًا. كانت جيّدة في كل شيء تقريبًا.. لكن الإتقان في حالتها، لم يكن يومًا مرادفًا للشغف.. موهبتها التي كثيرًا ما أُعجب بها الآخرون، جعلت كل تجربة تبدو... سهلة.. متشابهة.. بلا طعم خاص. بالاضافة أنها لم تكن تملك هواية محددة.. لكن، أن تختار ناديًا وتستقر فيه؟ هذا لم يكن على جدول أولوياتها أبدًا. "أي واحد منهم سيكفيني فقط من أجل النقاط؟" تساءلت داخليًا، وهي تمر أمام طاولة نادي المبارزة، حيث وقف أمامها فتى يرتدي صدرية داكنة يشرح بحماسة مفرطة فوائد المبارزة: الثقة، التوازن، الانضباط... لكنها لم تكن تُصغي. نظرت إلى السيف في يده و إلى وجهه، ثم مشت. الفروسية؟ تتقنها.. تعلمت ركوب الخيل في طفولتها. الجمباز؟ مرنة بما يكفي لتتفوق خلال أسبوع، لكنها لا ترى فائدة منها. الخطابة؟ لا حاجة لديها لأن تُثبت شيئًا لأحد، ولا تحب الوقوف على المنصات. المبارزة؟ جربتها عندما كانت أطرافها أقصر من السيف نفسه. الفلسفة؟ لا تملك طاقة لمناقشة "جوهر الذات" مع شخص لا يعرف كيف يطوي غسيله. تنقّلت بين الطاولات ساعة كاملة. كل نادٍ بدا أكثر مللًا من سابقه. كل حوار كانت تحفظه قبل أن يُقال. لم يكن في أي منهم ما يستحق أن تبقى لأجله دقيقة إضافية. لا شغف.. لا إثارة.. لا فضول حقيقي. ومع ذلك، لم تكن في موقف يسمح لها بالرفض. هي تحتاج لنادٍ، فقط لتجنّب خفض النقاط. فقررت ما يلي بهدوء العارف أنّ لا خيار أمامه: رحلة "الاكتشاف العظيم". أن تجرّب كل نادٍ على مدار الأسبوع.. ثم تختار، لا ما تُحبه، بل ما يمكن تحمّله بأقل الأضرار. كانت تبحث عن مساحة لا تُقيدها. لا تستنزفها. مجرد مكان تُنهي فيه المطلوب، وتمضي. أو ربما — فقط ربما — مكان يجعل قلبها ينبض..لمرة. .......... امتزج الغروب بالعقيق والبرتقالي، وامتدّت الأشعة كخيوط فوق مباني الأكاديمية العتيقة، مُلقيًا ظلالًا دافئة على جدرانها الحجرية.. السحب تلوّنت بشيء من الذهب، والنسيم صار ألين.. في الطرف الجنوبي من الأكاديمية، وعلى الجسر الحجري الذي يعبر فوق الميدان، كان فيليو وثيودور يسيران بخطًى متباينة بعد إنهائهما تسجيلهما في نادي السيافة. ثيودور، بشعره الأشقر القصير الذي عكس ضوء الغروب بدا كمن خُلق ليُرى.. كان يتحدث كعادته كأن الصمت خطر يُهدد استقرار العالم. أما فيليو، فكان صامتًا، خطواته أبطأ من المعتاد، ويده موضوعة في جيب معطفه الرمادي الثقيل.. عيناه السوداوان لا ترفعان نظرًا عن الأرض، ووجهه شاحب قليلًا بتعبير متجهم لأسباب لم يكلّف نفسه عناء شرحها. قال ثيودور، وهو يشدّ ياقة معطفه وقد بان عليه الضجر: "أظن أن المدرب أراد خنقي بسبب تعديلاتنا على خطة التدريب.. لكن فلنكن واقعيين، لا يمكنهم التعامل معنا كالمبتدئين." ثم أضاف، وهو يلوّح بيده كمن يصف عبثًا لا يُطاق: "قسم السيافة تحوّل إلى جلسة دعم نفسي.. أحدهم بكى لأن سيفه سقط! تخيّل؟ بكى! ماذا سيفعل في معركة حقيقية؟ سينهار لأن اتسخ؟" لم يُجبه فيليو كعادته..ولم يهتم ثيو برأيه أصلا.. ..شبك ذراعيه خلف رأسه متكاسلًا، التفت نحوه وقال بنبرة نصف هازلة: "هيه، فيليو..دعنا من هذا لنعد الى موضوعنا الأهم." قالها ثيودور وهو ينظر أمامه دون أن يلتفت، نبرته محايدة على نحو مريب. — "ماذا الآن؟" "وعدك العظيم..." نظر إليه فيليو بنظرة جانبية: "أي وعد؟ لديّ سجلّ طويل منها، معظمها كُسِر عمداً." — "الوعد بأن تسمي ابنك الأول باسمي.. لا تحاول التهرّب." ضحك فيليو ضحكة قصيرة، ثم أجاب دون تردد: "أنا لا أتهرّب.. و نعم، ما زال قائمًأ." — "...عفوًا؟" "قلت: ما زال قائمًا." ثيودور توقّف عن المشي لحظة، رفع حاجبيه، ثم أمسك بكتف فيليو ليجبره على التوقف: " هل أنت جاد فعلًأ؟ بحق الآلهة، ظننتك نسيت أو ألغيت الفكرة عندما كنتَ في كامل وعيك." ..هل أنت بخير؟ هل أكلت شيئًا مشكوكًا فيه؟ هل فقدت رهانًا؟" فيليو نظر إليه بنظرة مليئة بالملل: "لا. فقط قررتُ أن أفي بوعدي." ثيودور تمعّن فيه، كأنه يحاول اكتشاف سلك مقطوع في دماغه: ".. أتنوي أن تنظر يومًا في عيني طفل بريء وتقول له: ثيودور؟" "لكن..؟! هذا يخالف كل القوانين الفيليوية المعروفة!" أومأ فيليو برأسه.. "واو..." قالها ثيودور ببطء، كمن يتذوّق الصدمة.. "إذا حدث هذا فعلًا، فأنا سأتولى شخصيًا تدريب الطفل.. وأصنع منه نسخة مجيدة مني." —"ولهذا السبب بالضبط سألتزم بالوعد." ثيودور لم يفهم تمامًا: "هاه؟" ابتسم فيليو ابتسامة سخرية، وقال بنبرة باردة كعادته، لكنها هذه المرة كانت تحمل شيء من الاستهزاء: "هل تظنّ أنني أُسمّي ابني ثيودور لأنك قدوة؟" رمقه ثيودور وقد رفع حاجبًا، ثم تمتم: "لا؟" توقف فيليو لوهلة، ثم أجاب بنبرة هادئة وكأنه يقدّم استنتاجًا منطقيًا: "الناس حين يسمّون أبناءهم على أسماء معيّنة، يصير هؤلاء الأبناء غالبًا عكسها تمامًا.. معظم من أعرفهم يحملون أسماء عظيمة ويخرجون كارثة متنقلة.." ثم أضاف ببرود: "التسمية بـ ثيودور تضمن لي على الأقل أنه سيكون مختلفًا تمامًا عنك..وأنا بكل صدق لا أريد أن يُصاب ابني بالثرثرة، أو حب التدخل، أو أن يمتلك خزانة معاطف بحجم مكتبة."" — "ما هذا المنطق الأعوج؟! وماذا فعلتُ لك لتتمنى ألّا يشبهني ابنك؟" "كل شيء." رد فيليو بجفاف. ..رفع ثيودور قبضته فورًا بدون تردد، وضربه ضربة قوية في بطنه جعلته يتراجع خطوة، فسقطت خصلة من شعره الأسود الحالك على عينيه وهو يتأوّه بخفة دون أن يفقد ابتسامته. "أهذا كل ما لديك؟" قالها بهدوء قاتل. — "ما الذي تضعه تحت معطفك؟ درع حديدي؟ أم أنني أضرب كما تضرب جدّة ريكاردو؟" قال ثيودور وهو يفرك يده. فيليو تجاهله، وأعاد تعديل شعره بهدوء، ثم قال: "لو أردت أن يشعر ابني بالخزي مبكرًا، كنت سأسميه ثيودور مع لقبك الكامل." — "هذا طعن في هويتي وليس مزاحًا." "بلى، لكنه مزاح دقيق." صرخ ثيودور وهو يشير لنفسه بفخر مصطنع: "الكل يحلم بابن مثلي.. وسيم، لبق، خفيف الظل، رياضي، بارع في السحر وفي الحوار، و—" "ومصاب بداء العظمة، لا ننسى هذه." قاطعه فيليو وهو ينظر أمامه. ثيو أشار إليه بإصبع مهدد: "ستندم على كلماتك هذه حين يُولد الطفل ويكبر، ويأتي إليّ سرًا باكيًا لأنه يشعر أنه لا يشبهني كفاية." فيليو وهو يحاول تسوية خصلات شعره دون جدوى، انفجر ضاحكًا فجأة.. لا ضحكة مكتومة أو ابتسامة ساخرة.. بل ضحكة مديدة خرجت رغماً عنه، جعلت كتفيه يهتزان، وأجبرته على التوقف في منتصف الجسر..انحنى قليلًا وهو يقول: "أجل... واضح." — "أجل؟ وماذا كنت ستُسميه؟" "أي اسم لا يجبره على التحدث ثلاثين كلمة في الدقيقة." — "إذن لا تسمّه ثيودور.. بل فِيليو الثاني، اسم يناسب من لا يبتسم أبدًا ويخيف المربّيات من دون أن يتكلّم." ضحك فيليو بخفة، ثم قال وهو ينظر للأمام: "فكرة ممتازة.." ثيودور رفع إصبعًا مهددًا نحوه، وهو يحاول التماسك: "أتعلم شيئا..انسى الأمر..واحذر، إن كررت المزاح على حسابي الشخصي، سأسحب اسمي من الوعد وأسمي ابنك بريغاديوس الثالث." فيليو أشار نحوه كمن يسجّل تهديدًا رسميًا، وقال: "إن فعلت، فسأعتبر ذلك إعلان حرب." ضحك فيليو مجددًا، لكن هذه المرة صوته خفّ، ثم مال قليلًا على حافة الجسر الخشبية، وألقى نظرة إلى الأسفل. تحتهم في الساحة المفتوحة، كان الرماة يصطفّون استعدادًا لجولة جديدة، معظمهم فتيات بزي أبيض موحّد.. يشدّون الأقواس، ويطلقون السهام وسط تصفيقٍ متقطّع و صراخ التشجيع. سكنت ضحكته، وعلق نظره هناك. .. حيث واحدة فقط اجتذبت نظره كأنها فُصلت عنهم. سونارا.. بزيّ الرماة التقليدي — كيمونو أبيض وهاكاتا داكنة — بدت وكأنها مشهد من لوحة يابانية قديمة، مُحاطة بالضوء والسكينة.. شعرها البني مربوط بذيل حصان عالٍ يتوهّج تحت الشمس الأخيرة، وعيناها المختبئتان خلف النظارات مشدودتان نحو الهدف بثبات لا يلين. فيليو راقبها دون أن يرمش.. وجهه الجامد خفّت صلابته، وعيناه... لم ترمشا. يدها كانت مشدودة بخفة على الوتر.. مدّت السهم، تنفّست... ثم أطلقت. سهم أول. ثم ثانٍ. ثم ثالث. ثلاثة سهام..ثلاثة أهداف..ثلاثة تصويبات مثالية في نقطة الوسط. ..هو لا يتحدث كثيرًا، لكنه بارع في الملاحظة.. وهذا لم يكن تدريبًا عاديًا. هذه ليست تقنية شخص يمارس هواية نبيلة، بل أسلوب مقاتل. "هكذا إذن..." همس لنفسه، دون أن يدرك أنه نطق بصوت مسموع. التفت إليه ثيودور بسرعة، أعينه الخضراء تتأملان وجه رفيقه، وقد لاحظ صمته المطوّل: "ما الخطب؟ هل رأيت ملاكًا؟" لم يجبه. رفع ثيو رأسه نحو موضع نظره ورآها، ثم أطلق صفيرًا قصيرًا: " يبدو أننا أصبحنا نراها كثيرا.." فيليو تمتم: "إنها.. مثالية." ثيودور شهق ساخرًا: "أوه، لا تبدأ بالتغزل بها منذ الآن." فيليو لم يبتسم.. عوضًا عن ذلك، استمرّ في مراقبها، ثم قال: "راقب وضعيتها.. توازنها.. توقيت السهم.. كل شيء محسوب بدقة." ثيودور تابع السير وهو يشير بيده بلا مبالاة: "وأنا أحسب كم من الوقت ستظل تحدق قبل أن تصطدم بفتاة جديدة." لكن فيليو ظل يتابعها تطلق السهام.. كل شيء بدا سهلًا عليها، أكثر من اللازم. أطلق تنهيدة طويلة، ثم قال أخيرًا: "الآن فقط فهمت." توقّف ثيودور، التف بجزء من جسده وسأله: "فهمت ماذا؟" — "لماذا أسقطت قلبي في مهرجان ملوّن." ثيودور تنهد، ثم شبّك ذراعيه وقال بنبرة فلسفية مصطنعة: "السبب دائمًا امرأة يا عزيزي.. هذا ليس جديدًا.. الجديد أنك من بين جميع النساء، اخترت تلك التي يمكنها قتلك من ثلاثين مترًا دون أن يتزحزح قوسها ولا ابتسامتها." — "على الأقل سأموت وأنا أتأملها.. ومرّة أخرى، نادِني 'عزيزي' وسنرى من ينجو." ضحك ثيودور، وربّت على كتفه: "ها قد بدأت الرواية.. البطل وقع ضحية سهم، والبطلة؟ لا تعلم أن أحد أهدافها لم يكن من خشب." تجاهل فيليو تعليقه، ثم تساءل دون أن يحوّل نظره: "لو كنت أعلم فقط.. ما الذي يدور في رأسها." ردّ ثيودور ممازحًا: "غالبًا؟ نفس ما يدور في رأسك: من هؤلاء الحمقى ولماذا يحدقون بي؟" أكمل وهو يعاود السير: "هيا، قبل أن تُصاب بسكتة دماغية من فرط التفكير." أعلنت المدربة نهاية التدريب.. أنزلت سونارا قوسها، أعادت خصلة من شعرها خلف أذنها ثم استدارت لتغادر. فيليو لا زال يراقبها.. تنحنح ثيودور: "رائع، تابع التحديق.. سأذهب لطلب التبرع بعينك لصالح متحف لنظرات الحب الأول." تمتم فيليو، وهو لا يزال يتأمل ظهرها يبتعد: "لا أعرف إن كنت أريد الاقتراب.. أم البقاء هنا.. فقط أنظر." رَبَّتَ ثيودور على كتفه بخفة: "صحيح أن كيوبيد نجح في أولى سهامه." ثم أضاف وهو يسير: "لكن لا تتفاجأ إن قرر أن يطلق البقية عليك أنت فقط." ..ظلت أعين فيليو عليها حتى اختفت. ضحك فيليو بهدوء، لكنّه لم يدرِ تمامًا... هل يسير خلف صديقه؟ أم خلف سهمٍ لم يُنتزع من قلبه. ....... انفصل ثيودور عن فيليو عند الجسر، ثم اتجه بخطى سريعة نحو الجهة الجنوبية من الساحة، حيث تنتظره يولاليا تحت شجرة الزان العتيقة. كان الهواء قد بدأ يكتسب برودته المسائية مع حلول الغروب، غير أن ضوء الشمس الأخير ظل متشبثًا بخصلات شعر يولاليا القرمزي، حتى بدا من بعيد كأن شعلة من نار قد اتخذت لنفسها مجلسًا ساكنًا تحت ظل الشجرة.. كانت تجلس بأناقة متقنة، تمسك بكوب بدا أقرب إلى قطعة زينة منه إلى مشروب، بينما تمر العيون حولها كما تمر النظرات في معرض مغلق لا تُلمس معروضاته. اقترب ثيودور منها بصمت.. وما إن لمحته، حتى رفعت أعينها وأشارت إلى مجموعة من الفتيات الواقفات في مكان غير بعيد عنهما — صديقاتها، أو هكذا يُفترض.. بنات من طبقة النبلاء، حيث لا تقوم صداقة بينهن إلا على حساب دقيق وثمن خفيّ. فهم ثيودور الإشارة فورًا، فتقدّم بخفة وانحنى، ثم عانقها كما يعانق رجل مغرم خطيبته بعد شهورٍ من الفراق.. طبع قبلة خفيفة على جبينها وهمس بنبرة تعمد أن تكون مسموعة: "اشتقت إليكِ حبيبتي." وما كان لهذا العرض أن يمر بلا همسات.. ضحكات خفيفة ونظرات متحمسة. والأقاويل التي خرجت من شفاه الفتيات.. إحداهن تمتمت: "يبدو أننا نُفسد لحظة ثمينة.. سنترككما إذن." وغادرن بالفعل كما كان متوقعًا، وهن يتهيأن لنسج حكاية جديدة في عالم القيل والقال الأرستقراطي. جلس ثيودور إلى جوارها، سرّح كمّ معطفه بحركة مسترخية، وقال وهو يتأمل ملامحها بنبرة خفيفة: "كان مشهدًا موفقًا.. أمنحك العلامة الكاملة." ارتشفت من كوبها رشفة تكاد لا تُرى، ثم ردّت وعيناها تحملان لمعة ساخرة: "كنت على وشك الضحك من جديّة تمثيلك." وما إن اقترب منها أكثر، حتى رفعت حاجبًا بتأنيب خفيف وقالت: "لقد تأخرت.. أتظن أن وقتي بلا قيمة؟" ضحك وجلس إلى جانبها، ثم مسح عن ردائه بعض الغبار الخفيف وقال: "كنت أرافق مريضًا نفسيًا.. يُدعى فيليو." ردّت دون أن تفقد نبرة خفيفة من السخرية: "وأنت طبيبه النفسي أليس كذلك؟ رائع.. آمل أن تعوّضني ثمن الانتظار." ضحكا سويًا.. ثم غمرهما صمت قصير.. لحظة جميلة من السكينة علقت بين نظراتهما.. نظرت إليه مليًا، وسألت بنعومة صادقة: "تبدو مرهقًا.. ألم تنم جيدًا؟" توقف لوهلة.. غريزته الاولى هي أن يقول الحقيقة — كما يفعل دومًا. ..منذ الطفولة وهما يتشاركان كل شيء — من الطفح الجلدي إلى أعمق المشاعر.. لكن هذه المرة.. شيء ما تغيّر. تذكّر فيليو.. وقد أقسم له ألا يُخبر أحدًا. وها هو الآن، للمرة الأولى ربما، يحمل سراً صغيرًا بعيدًا عن يولاليا. تنحنح قليلًا، ثم قال دون أن يلتقي بأعينها: "بعض التقارير من البحرية..سهرت الليل أراجعها." لم تُعلق.. فقط هزّت رأسها صامتة، وابتسامة صغيرة ظهرت على طرف شفتيها.. كأنها اعتادت مراوغاته الصغيرة. ثم سألت تنقل الحديث بسلاسة: "وهل سجلت في نادي السيافة؟" أجاب دون تردد: "عدت للتو من هناك.. مع فيليو." ساد صمت قصير بعد ذكر اسم فيليو، ثم بدا على ملامح يولاليا أثر تذكّر عابر، كأن خاطرًا تسلّل فجأة إلى سطح ذاكرتها.. استدارت نحوه قليلًا، وقالت بنبرة محايدة، وإن حملت شيئًا من التوجّس: "بالمناسبة.. تحدثت مع جوليانا هذا الصباح." لم يُبدِ ثيودور اهتمامًا يُذكر، واكتفى بمراقبة امتداد الساحة أمامه.. لكنها واصلت كمن لا ينتظر جوابًا: "طرحت عليّ سؤالًا غريبًا.. قالت: ألا تلاحظين أن فيليو يبتسم كثيرًا مؤخرًا؟" رفع ثيودور حاجبًا بخفّة، مستغربًا أكثر من أن يكون ساخرًا: "فيليو؟ يبتسم كثيرا؟ لا بد أنك تمزحين.. هذا وحده يستحق توثيقًا رسميًا." ضحكت يولاليا بخفة، ثم أكملت: "أخبرتها أنه متجهم كعادته، وسألتها عن السبب.. فقالت: 'لا شيء، مجرد فضول.' ثم سألتني متى كانت آخر مرة رأيته فيها، وعندما قلت لها إنها كانت قبل المهرجان، ضحكت وقالت: 'آه، إذًا قبل ذلك.' " صمتت لحظة، ثم نظرت نحوه بفضول نقي خالٍ من التكلّف: "ما رأيك أنت؟" كان ثيودور يهمّ بمدّ ساقيه براحة، لكن السؤال شلّ حركته فجأة.. "قبل ذلك".. أعاد العبارة في رأسه، وتجمّد. ذلك اليوم.. اصطدامه بها.. لقاءه الأول بسونارا. بدأت الشكوك تداومه. لم تكن صدفة.. ولم تكن مزحة.. هل يمكن أن تكون قد لاحظت شيئًا؟ في تلك الدقائق المعدودة التي رأته فيها؟ "ما رأيك؟" أعادت يولاليا السؤال بنبرة أخف.. تلعثم لوهلة، ثم قال بسرعة محاولًا أن يبدو عفويًا: "ربما فقط.. تحاول ملء وقتها بتحقيقاتها الصغيرة.. تعرفين جوليانا، تحب أن تعرف كل شيء متعلق بفيليو." ولمّا شعرت يولاليا بما في صوته ، قرر تغيير مجرى الحديث سريعًا، فقال بابتسامة مصطنعة: "حسنًا إذاً، يولاليا العزيزة.. ما أخبارك أنت؟ بل دعيني أسأل بطريقة أدق: ما آخر مصائبك؟" ضحكت، وقالت مستسلمة لمرحها: "الأخبار لا تنتهي، ومصائبي كثيرة و مرهقة، أنت تعرفها عن ظهر قلب..لكن دعني أبدأ بالأخف وقعًا" قالت وقد اعتدلت في جلستها : "انضممت إلى نادٍ جديد." استدار ثيودور نحوها و رفع حاجبًا، بنصف دهشة ونصف سخرية: "دعيني أخمّن.. نادٍ لتعليم النبيلات كيف يسحقن خصومهن بابتسامة لائقة؟" ابتسمت بسخرية خفيفة: "قريب جدًا.. اسمه نادي آداب المجتمع الراقي والجلسات الاجتماعية." ضحك وقال: "ذاك الذي يجتمع فيه النبلاء للحديث عن الشاي وتبادل الشائعات، وتحويل السياسة إلى لعبة مسلّية؟" أجابت بثقة: "نعم، ذاك تحديدًا.. كل المؤثرات فيه من عائلات نبيلة مرموقة، يتبادلن الأسرار والخطط والعلاقات.. إنه ساحة نفوذ لا تقل أهمية عن أي اجتماع سياسي." أومأ، وقال وهو ينظر إليها بإعجاب خفي: "إذاً هو ميدانك المفضل.. لا أحد يُجيد القتال بالكلمات مثلك، حتى لو كان موضوعها ترتيب الملاعق الفضية حسب البروتوكول." ضحكت بخفة، ثم أضافت بمرح خبيث وهي تلاعب طرف منديلها الحريري: "أعشق رؤية وجوه الفتيات حين أُهينهن بأدب بالغ.. ذلك يمنحني شعورًا نادرًا بالرضا." ثم استقامت قليلًا، وقد انزاحت الخفة من نبرتها، وقالت بجدية أكبر: "وهو ليس للتسلية فحسب.. بل يساعدني كذلك في صناعة مكانتي الخاصة، اسمي الخاص بعيدًا عن ظل العائلة.. إن أردت أن أكون كونتيسة بحق فلا يمكنني الاعتماد على إرث أبي وحده." أسندت ظهرها إلى جذع الشجرة، وألقت نظرة طويلة نحو السماء، قبل أن تتابع بصوت هادئ يحمل شيئًا خفيًا من الأسى: "فكما تعلم يا ثيودور.. في عائلتنا، العلاقات لا تُبنى فقط للمودة.. إنها سلاح" نظر إليها بإصغاء صادق و على عكس طبيعته نزع قناعه المرح المعتاد.. تابعت، وعيناها لا تزالان معلقتين بأغصان الشجرة المتشابكة أعلاها: "كل حفلة شاي.. كل ابتسامة بين سيّدتين.. كل دعوة عشاء، كل نظرة عابرة في ردهة حفلة راقصة.. كلها رسائل مشفّرة. تحالفات لا تُعلن، تهديدات مغلّفة بالسكر و تفاهمات لا يُفصح عنها بالكلمات.. مجتمع يبتسم بأسنانه بينما يحدّق في قلبك بحثًا عن نقطة ضعف." ضحك ثيودور ضيقًا، وقال بنبرة لم تخفِ مرارتها: "أجل.. عالم النبلاء، حيث كلمة في غير محلها قد تكلّفك كل ما تملكه، ومجاملة زائدة قد تفتح عليك أبواب الجحيم." أومأت برأسها ببطء كمن يؤكد على حقيقة تعبّر عنها مجددا.. ثم أكملت بصوت منخفض أكثر، كأنها تنتقل إلى نقطة أكثر قسوة: "لكن إن كانت ساحة النبلاء قاسية.. فالعالم الذي أحاول دخولَه أكثر قسوة. في كل صفقة أعمل عليها، كل خطوة نحو مشروع يخص العائلة.. أجده قد سبقني إليها." — "ليستر؟" سأل ثيودور، وعيناه لا تخفيان الاشمئزاز: "ابن عمّك الأكبر؟" — "هو ذاته." رفعت يدها باستهزاء "الوريث غير المُعلن، كما يحب أن يسمّي نفسه.. بالأمس فقط، وصلني تقرير بثلاث عمليات أعيدت هيكلتها دون علمي. تدخّل وأعاد توجيه العقود نحو شركاء آخرين.. ثم برّر الأمر بأن 'مهاراته التفاوضية أفضل مني.'" سكتت لحظة.. لم يكن في صوتها غضب، بل ذلك النوع من المرارة الذي أصبح جرحًا متعوّدًا: "إنه يحاول إفشال كل صفقة أوقعها.. في آخر مرة، كنت على وشك توقيع عقد شحن مع أحد الموانئ في الشرق، وظهر فجأة.. بعرض أغلى، فقط كي يُسحب العرض مني." أومأ ثيودور دون دهشة.. وكأنه يسمع شيئًا كان يتوقعه مسبقًا: "أخبرتِني سابقًا أنه بدأ يقلّد طريقتك في التفاوض." هزّت رأسها بأسى، وأجابت: "والآن يستخدمها ضدي.. يشوه صورتي أمام الشركاء كفتاة مدللة، تعبث بأعمال الرجال من باب التسلية." هنا، ارتسم عبوس واضح على ملامح ثيودور، وقال بنبرة لا تخلو من ازدراء: "هذا تصرف لا يليق لا بتاجر.. ولا برجل." ردّت، وعيناها تلمعان بحريق خامد: "ليس إن كانت غايته تحطيمي لا الربح.. هو لا يبحث عن المال، بل يشتري نفوذه بالتشويش عليّ.. كل نجاح أحققه يراه تهديدًا مباشرًا.. لا يحتمل فكرة أن يُقال إنني فعلتُ شيئًا دون مشاركته، أو أنني أصلح لقيادة أعمال العائلة." سكتت فجأة، وكأن الكلمات تعجز عن توضيح مافي داخلها، ثم تابعت بصوت فيه حدّة أليمة: "حين ينجح، لا ينجح لأنه أذكى.. بل لأنه رجل.. وهذه الحقيقة تحرقني أكثر من أي مؤامرة." ظلّ ثيودور يتأمل وجهها، بنظرة تحمل إنصات لا يُرى إلا في قاعات المحاكم، ثم قال بعد صمت ثقيل: "وهل والدك لا يزال يصدقه؟" سأل أخيرًا. ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح: "والدي يراه الحل الأسهل.. رجل.. يحمل اسم العائلة، يبتسم في الصور الرسمية.. أما أنا؟ مجرد ابنة.. مهما فعلت، تبقى تلك النظرة في أعينه، كأنني مجرد مرحلة انتقالية حتى يُسلّم زمام الأمور لـ'رجل حقيقي'." ثم استدارت نحوه فجأة كأن شيئًا انفجر فيها، وأعينها تحمل لهبًا لا يخمد: "أبي لا يرى جهدي.. أو ربما يراه، لكنه لا يعترف بأهميته.. لا تهمه الصفقات التي عقدتها، ولا الشراكات الدولية التي بنتها علاقاتي، ولا حتى كيف أنقذت قسم تصدير المجوهرات من الانهيار الموسم الماضي.. كل ذلك يُمحى بلحظة، لأنه لا يعادل شيئًا عنده، أمام ما يملكه ليستر الوغد." " لقب ذكر في شجرة نسب قديمة؟" قالها ثيودور بتهكم خفيف. — "بالضبط.. فقط لأنني لا أملك لحية، لا أستحق وراثة لقب لوسينيارا.." ضحك ثيو ضحكة مريرة، ثم امتدت يده دون أن يشعر، واستقرّت برفق على كتفها.. التفتت نحوه، فوجدت أعينه مثبتة عليها: "قلتُ لكِ من قبل، وسأكررها كلما احتجتِ لسماعها.. لا تدعيهم يكسرونكِ يولاليا." ابتسمت، لكنها أخفت تحت الابتسامة ألف ارتجافة.. قالت بنبرة مرحة، كأنها تخفف من ثقل الألم بالدعابة: "وماذا تكون أنت؟ صديقي؟ أم خطيبي؟" ضحك، وأجاب بجديّة خفيفة الظل: "أنا محامي الدفاع الخاص بك، ورئيس قسم تصفية الأوغاد من حياتك." ضحكت قليلًأ، ثم نظرت إلى الأفق حيث يمتدّ الضوء الأخير في الساحة: "سأثبت لهم.. أنني لست مجرد فتاة تم اختيارها لعقد زواج نافع.. بل قائدة عبقرية، قادرة على قلب موازين التجارة في الإمبراطورية." رد عليها بهدوء لطيف: "تعلمين أنني بجانبك دائمًا، يولاليا.. أليس كذلك؟" رفعت رأسها نحوه، وعيناها القرمزيتان التقتا بأعينه الخضرء الصافية.. لم تتكلّم، لكن النظرة وحدها كانت وعدًا صامتًا.. وعدًا ينتمي إلى عمق علاقة مر عليها زمن لا يُنسى.. ابتسمت، وخرجت منها ابتسامة صادقة، شفّافة كقطرة ندى: "أعلم.. ولهذا لم أنهَر بعد." اعتدلت في جلستها، كأنها تستعد لمواجهة العاصفة من جديد: "لكني أقاتل في مكان لا يعترف بوجودي أصلًا.. في كل اجتماع عائلي، أسمع النغمة نفسها: امرأة نبيلة مثلك، مكانها في بيتها، بجانب زوجها الدوق. ولا أحد يكلّف نفسه أن يسألني.. هل أريد الزواج أصلًا؟ كأنني مجرد تفصيلة زخرفية على حاشية عقد تجاري بين فالكنور ولوسينيارا." تنهدت، وكأنها تُسقِط حجرًا كان جاثمًا على صدرها: "ولهذا أحتاج أن أنجح.. ليس لأُثبت شيئًا لهم.. بل لأنني ببساطة لا أملك ترف الفشل." نظر إليها ثيودور، وبهدوء الجندي الذي خَبِر أرض المعركة، قال بثقة واضحة: "أعرف، لذلك سأفي بكلامي..سأبقى أشتّت أنظارهم عنك وأمنحك المساحة.. نحن في هذا الاتفاق منذ كنا نختبئ تحت مائدة الاجتماعات لنسرق الحلوى، أتذكرين؟" ابتسمت: " أجل، أفضل اتفاق أبرمته في حياتي.." ثم خفّ صوتها، كأن نغزة مرّت على قلبها: "لكن، ابن عمي ذاك لا يزال يراقبني، أظنه بدأ يشك بأنني أتحرك ضده، وإن تأكد.. سيهرع إلى والدي ليخبره إنني لم أتخلَّ عن طموحي." هذه المرة، نظرة ثيودور كانت جادّة بحق، كأنها تعهّد: "دعي أمر ابن عمّك لي، سأغطي تحركاتك، واتعبه ببعض المسائل الخاصة.. أنتِ فقط ركّزي على ما تفعلينه، هذه الفترة الأخيرة في الأكاديمية ليست مجرد دروس، إنها المرحلة الحاسمة.. خاصة ووالدك ظن أنها تجربة مؤقتة، فقد سمح لك بدخول هذا المجال.. لذا فلنحوّلها إلى صالحنا." سكنت نظراتها.. و خفّ توترها كأن صدرها تنفّس للمرة الأولى منذ أيام.. ثيودور لا يعد عبثًا، وهي تعلم ذلك.. ولكن هذا الثبات الذي يمنحها إياه، يحمل في طيّاته ثِقلًا.. ثِقل الامتنان والمعروف، والصداقة التي لا تُشترى.. شردت لحظة، كأن أعينها تريان ما لا يُرى.. ذاك الحلم، الحلم الكبير الذي لم يؤمن به أحد سواها.. وسواه. قال وهو يشبك يديه: " ليستر لن يتوقف، لا طالما استمررتِ في تمزيق خيوطه، لكنك تعرفين قواعد هذا النوع من الحروب.. النصر لا يُعلن في صخب، بل يُبنى في الخفاء، حجراً فوق حجر، حتى تُمهد الأرض ويسحب البساط من تحت أقدامهم دون أن يشعروا." هزّت يولاليا رأسها، ونبرة صوتها صارت أكثر تركيزًا، كأنها تُراجع خريطة معركة مرسومة في ذهنها: "أخطط لذلك منذ مدة بالفعل.. أحتاج إلى حلفاء داخل القسم المالي للعائلة.. وعليّ أن أحافظ على صورتي العامة ناصعة في نفس الوقت فالرأي العام لا يغفر، وأقل زلة قد تُمزق قناع 'المرأة المثالية' الذي صنعوه لي." أومأ ثيودور بإقرار عارف: "سنُبقي التمثيلية قائمة، نعطيهم ما يريدونه: الثنائي المثالي.. وفي الظل، توسّعين شبكتك بهدوء." سحبت يولاليا نفسًا طويلًا، وكأنها تستنشق بعض الشجاعة... ساد بينهما صمت من النوع الثقيل، ليس هروبًا من الكلام، بل تأملًا في ما لا يمكن قوله..عدّلت خصلة متمردة من شعرها الأحمر، وعيناها تواجهان الطريق. وفي تلك اللحظة، لم يكونا يولاليا وثيودور.. الوريثين النبيلين، بل روحين على مفترق المصير، يُكابدان العالم ليبقى لهما مكان.. وبينما كانت يولاليا تحدّق في الطريق المظلل أمامها، أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة، فتحتها ببطء تكشف عنها.. و بداخلها خاتم ياقوتي يلمع بين أصابعها. قالت دون أن تنظر إليه: "تحدثت والدتي إليّ هذا الصباح مجددًا." نظر إليها ثيودور، وهو يعلم تمامًا أين يتجه هذا الحديث، فتنهد قائلاً: "حول الخطوبة، أليس كذلك؟" أومأت برأسها بلا حماسة: "قالت أن الأعذار لم تعد تُقنع أحدًا.. الحجة القديمة بشأن الحالة الصحية لوالدتك بدأت تفقد مصداقيتها في أعينهم و والدي يصرّ على أن الوقت قد نفد، يقول إننا تجاوزنا السن 'المناسب'، وأن أي تأخير آخر قد يثير الشائعات..اذا لا مزيد من المماطلة." رفع ثيودور حاجبه ساخرًا: "أي شائعات؟ أننا نأكل على طرفين مختلفين من المائدة؟ أننا لم نرسل لبعضنا قلوبًا من الورق في الصف؟ أو ربما أنني لم أكتب لكِ قصيدة يوغسلافية من القرن الرابع؟" ردت متوترة: "بل أسوأ.. تقول إن الناس بدأوا يتساءلون: 'ألم يمت الحب بينهما؟' وكأنهم كانوا حاضرين يوم وُلد." زمّ ثيودور شفتيه، وقد عبس وجهه بحنق لا يخصه وحده: "كأننا سلعتان على وشك انتهاء صلاحيتنا." ضحكت يولاليا، لكن ضحكتها جاءت خاوية: "أليس هذا ما نحن عليه في نظرهم؟ صفقة أرباح ملفوفة بورق مخملي؟" تنهد ثيودور، وتمطى وكأن جسده ضاق بهذا العبء: "بإمكانهم أن يظنوا ما يريدونه، طالما لا أحد يطلب مني الرقص." — "أوه، بل طلبت أمي منك أن تتعلم رقصة جديدة.. اسمها 'ولادة اللهب '." ارتفع حاجباه: "هذا اسم نادٍ سري لقتلة مأجورين، لا رقصة خطوبة." انفجرت ضاحكة، ثم نظرت إلى الخاتم اللامع، تأملته وكأنها تحدق في مرآة لمستقبل غريب: "سنبدو مثاليين، أليس كذلك؟" — "سنكون كذلك في الورق على الأقل." ساد صمت لبرهة بينهما.. ثم التفتت إليه بنظرة جدية تحمل شيئًا من حزم القرار: "ثيو..علينا أن نُعيد صياغة عقدنا." رمش ثيودور، كأن الكلمة باغتته: "عقدنا؟" أجابت دون تردد: " لقد مضى عليه خمس سنوات بالفعل، حين كنا نظن أن البراعة وحدها تكفي لخداع الجمهور.. لكن الأمور تغيرت..لقد كبرنا، والضغط تضاعف، وتوازن السلطة داخل عائلتي صار أكثر هشاشة.. إن لم نعد ترتيب خطواتنا، سأُسحب نحو هذا الزواج بدون أن أحقق شيئًا باسمي." أطرق برأسه قليلًا، كأنما يعيد قراءة أحداث لم تغب عنه قط، كان ينتظر لحظة كهذه ليتعامل معها وجهًا لوجه: "ما الذي تقترحين إضافته إذا؟" تنفست ببطء، ثم قالت: "أفكر في بعض النقاط ،شيء يوضح كيف سندعم بعضنا، ما نلتزم به، متى تنتهي هذه التمثيلية.. وفي حالة لو اضطر أحدنا للتراجع لسبب معين" هزّ رأسه، وكأن شيئًا فيه وافق على مضض: "هذا عادل، بل ضروري..نحن نمثل في مسرح صُمِّم ليُقصينا من المشهد الأخير." نظرت إليه، ثم خفضت عينيها نحو الأرض. صوتها حين نطق كان أقرب إلى اعتراف خجول: "أحتاج أن أتأكد أنني لست وحدي ثيو، أنت.. من أضع فيه ثقتي الوحيدة." ...في تلك اللحظة، كانت الشمس تميل نحو الغروب، تنثر ذهبها على وجنتيها، بينما تومض عيناها بذلك البريق القرمزي الذي يعرفه جيدًا: حين تقاوم، وحين تُخفي أكثر مما تُظهر. جلست مستقيمة، لكن العالم بدا أثقل على كتفيها.. العبء، العمل، وربما — وإن لم تقله — الوحدة الطويلة. نظر إليها مطولًا.. ملامحه المستقرة عادةً، كانت تئنّ تحت ضغط شيء لم يُمنَحه إذنًا بالخروج. ..لم يجبها فورًا. ربما لأنه يعرف—أن الإجابة الصادقة ليست كلماتٍ فقط، بل كل تلك السنوات التي ظلّ فيها بجانبها، كل الساعات التي مرّ بها يكتب الخطابات الرسمية عنها، يواجه الأعمام الطامعين، يغطي عنها الغضب حين لا يُسمَح لها بذلك، ويبتسم بالنيابة عنها حين تتعب ابتسامتها من الادّعاء. ومع ذلك، حين تكلّم، جاء صوته ثابتًا ينضح يقينًا لا مساومة فيه: "طالما أنت تقاتلين، فأنا خلفك." ثم أضاف بهدوء، وكأنه يضع توقيعًا أخيرًا على عهد لا يحتاج إلى ورق: "ولن تكوني وحدك أبدًا." لكن فجأة، تسرّبت إلى ذهنه كلمات فيليو.. ذاك الأحمق الحكيم: "إما أن تكسر المسرحية، أو أن تغرق فيها.. سيأتي يوم تُضطر فيه لتقرّر من تكون في قصتها." ..هل أتى ذلك اليوم؟ نظر إليها من جديد. إلى تلك العينين، وإلى خفوتهما حين يتسللهما التعب. وشعر — للمرة الأولى — أن كل ما بنياه لم يعد يكفيه. أن تمثيلية مكتوبة بإتقان لا تُشبع توق قلب يريد أن يُختار، لا أن يكون الاختيار آمن. نظر إلى يديها النحيلتين، و إلى الخاتم الذي ترفض ارتداءه. هي لا تدري.. كم مرة أراد أن يمدّ يده، لا ليوثّق، بل ليشعر. كم مرة أعدّ الكلمات، ثم ابتلعها، لأنها لا تبحث عنه.. بل عن نصرها. ظنت أن ما بينهما اتفاق بين عقلين. لكن.. ماذا لو أراد هو شيئًا أكبر؟ أعمق؟ حين تكلّم أخيرًا، استعاد صوت المحامي الموثوق، ذاك الذي يعرف كيف يغلق كل ثغرة: "سنُعد البنود الجديدة، بندًا بندًا... وأعدك، أنه لن يملك أحد — أيًّا كان — القوة ليُجبرك على زواج مفروض..طالما أنا هنا. لن أسمح أن يُسلب منك شيء آخر." لكن داخله.. لم يكن بذلك اليقين. لقد نسي، أو تجاهل كم مرّ من الزمن وهو في الظل.. في دور السند، الحليف، الصديق الذي يُمسك الباب لتمرّ عبره إلى المجد. نسي أن قلبه لم يوقّع عن قناعة.. بل عن خوف.. خوف من أن لا يكون له مكان في قصتها إن لم يخترع لنفسه دورًا فيها. سكتا لبرهة.. ثم رفعت يولاليا عينيها نحو السماء، تبحث في سكونها عن اتزانها مفقود، وقالت بنبرة تعب ودهشة متشابكين: "غريب.. أن يكون الطموح و الكفاءة غير كافية. أن نُعاني من كل هذا التعقيد، فقط لنثبت أننا نستحق ما كان من المفترض أن يكون لنا." ردّ عليها، يمرّر أصابعه في شعره، ثم زفر بثقل: "ليس غريبًا... بل مألوف لحد الألم. هذا المكان.. حيث لا ينجو الأصلح، بل الأذكى. وحيث الثقة لا تكفي، ما لم ترافقها الحيلة." أومأت ببطء.. ثم قالت، وصوتها هشّ لكنه مشدود كوتر نقر ألف مرة ولم ينكسر: "إذاً... فلنُعد كتابة قصتنا كما نريدها نحن. لا كما رسموها لنا. مثلما فعلنا في البداية، يوم كانت كل الأوراق ضدنا..ومع ذلك اخترنا اللعب." ..ومرة أخرى كالماضي..وطوال السنوات الخمس.. لم تدرك قط أن "القصة" عنده.. لم تعد مجرد فصول. بل صارت احتمالًا لمشاعر ما عادت ترضى بالتخفي. ..أراد أن تكون فصولهما القادمة ليست عن النصر وحده، بل عن القرب. عن يدٍ تُمسك لا بدافع التحالف.. بل الرغبة الصادقة. عن العناق الذي لا يُعقَد ضمن بند، ولا يُنقَش في وثيقة.. بل ينمو كما ينمو شيءٌ نسيَ أن له الحق في الوجود. ..كان يخشى أن يبقى كل هذا داخله.. إلى الأبد ولأول مرة، تمنّى — هو الذي لا يؤمن بالخرافات — أن يصيبهما سهم كيوبيد معًا و يجمعهما. .......................................................................................................................... نهاية الفصل... رقم قياسي جديد بالنسبة لي: 9619 كلمة ✨ بالغت قليلًا، أعترف بذلك 😅 لكن بعد انقطاع طويل بسبب الدراسة، كان لا بد أن أعود بقوة الآن ومع حلول الصيف ، أعدكم أنني سأحاول النشر بشكل منتظم... قلت سأحاول، للعلم فقط 😉 أما بخصوص هذا الفصل... فمن هنا تحديدًا ستبدأ الأحداث المهمة.. لا تزال هناك الكثير من الشخصيات التي لم تظهر بعد، وهناك أربع شخصيات رئيسية حية ستقلب مجرى القصة تمامًا.. لكن كما ذكرت سابقًا، لم يحن وقت دخولهم بعد... وواحدة من تلك الشخصيات... آااااه 😭💔 من أروع ما كتبت، لدرجة أنني فكرت أن أكتب له رواية خاصة! لكنني قررت الاكتفاء بذكره في هذه الرواية حاليًا فقط... ..وش رايكم بالثنائي الجديد؟ يولاليا و ثيودور؟ 👀💞 قد تظنون أن الأمور باتت واضحة الآن... لكن ثقوا بي، أنا قارئة قبل أن أكون كاتبة! ومجرى علاقتهما بعيد جدًا عن التوقعات، خاصةً ما يتعلق بـ ماضيهم... فأنتم على موعد مع كثيييير من المشاهد بينهم في المستقبل 🔥 وثيووو الهووووت 😩💘 كلّما تذكرته أرغب في البكاء... ضحكة فيليو و اعترافه..حرفيا يججننن...😭❤️🔥 والله حتى أنا رغم أنني الكاتبة، أضحك، أبكي، وأحس بالفراشات في بطني وأنا أكتب! 🦋 وكل مرة أتذكرهم أبغى أصيح لكن عادي، سأنتظر معكم حتى يعود إليّ الشغف لأكمل الكتابة . وبالمناسبة، هذي الرواية ليست قصيرة أبدًا. أكيد لاحظتم أنني أكتب بالتفصيل الدقيق، لذا القصة طويلة وفيها امتداد للماضي، الحاضر، وحتى المستقبل وسأتعمق كثيرًا في ماضي الشخصيات لأنه هو جوهر القصة 💔 ربما تصل الرواية إلى 70 فصل، وربما أكثر أو أقل... لست متأكدة بعد، لأني أعدّل وأخطط باستمرار.. وبما أنني دخلت مزاج التخطيط... بدأت فعليًا بتجهيز روايتين جديدتين 👀: واحدة بتصنيف: طب + جريمة والثانية: رواية مدرسية في أجواء الثانوية وفي روايات أخرى بالمستقبل، منها وحدة راح تجيب لي الكره بنسبة 100% بسبب بعض المواضيع اللي بتطرق لها... لكني لن أكشف عنها الآن، ستكتشفون كل شيء لاحقًا 😉 لا تنسوا التفاعل، والتعليق على الفصل... ما يهمني التصويت قد ما تهمني الكلمات و التعليقات اللي تخليني أعرف إن قصتي وصلت، ولمست أحدكم بصدق ✨🖤 مع كل الحب... كاتبتكم الحلوة، شيلوه 🕊️