Part 2: السقوط

Part 2: السقوط

16 1

"هل لديكِ تصريح رسمي لإثارة هذا الكم من الفوضى في قلبي؟ أم أنني الوحيد الذي فقد حقوقه المدنية هنا؟" ................... استيقظ العالم كله بهدوء، الشمس ترسل أشعتها عبر النوافذ، الطيور تزقزق، والأجواء كلها تبشر بيوم جميل... كان الصباح هادئًا... أو على الأقل، هكذا كان يُفترض أن يكون، لولا أن سونارا كانت عالقة في صراع مع ذاتها. استيقظت كما لو أن الحياة نفسها مؤامرة مصممة خصيصًا لإزعاجها. حدقت في السقف، متسائلة إن كان هناك احتمال—ولو ضئيل—أن تعيد عقارب الساعة للوراء، فقط لخمس دقائق إضافية من اللاشيء.. لكنها تعلم تماما، أن الزمن لم يكن يومًا صديقًا متعاونًا. ضغطت الوسادة فوق رأسها، كأنها تحاول سد أذنيها عن الحقيقة المُرّة: عليها أن تستيقظ. المشكلة؟ لا شيء في هذا العالم يجعل فكرة مغادرة الفراش مقبولة في نظرها. "خمس دقائق أخرى..." تمتمت بصوت أشبه بشبح يحتضر. رنّ المنبّه للمرة الخمسين ليوقظها، لكن بلا جدوى.. أطفأت الهاتف مجددًا، ورمته جانبًا.. لا رغبة لها برؤيته، ولا حتى سماع صوته.. كان عقلها يصرخ بأن المهرجان اليوم، وأن عليها النهوض و الاستعداد، لكن جسدها؟ جسدها كان في مرحلة متقدمة من العصيان.. ظلت تتدحرج في السرير، تئن كما لو كانت تعيش مأساة حقيقية، تتساءل لماذا لا يمكن الاحتفال بالمهرجان دون مغادرة السرير.. غطّت رأسها بالوسادة، محاوِلة إقناع نفسها أن النوم أكثر أهمية من أي شيء... تحب المهرجان؟ نعم. تريد حضور المهرجان؟ بالتأكيد. هل تمتلك الطاقة للقيام بذلك؟ قطعًا لا. للأسف، الحياة لم تكن لطيفة معها، وها هي أشعة الشمس تتسلل من النافذة، تنير غرفتها كأنها تحاول فضح كسلها. وبعد سبع محاولات فاشلة لإيجاد مبرر منطقي للبقاء في الفراش، وبعد دراما طويلة تضمنت نحيبًا عن قسوة العالم، استسلمت أخيرًا... وإن كان ذلك بطريقة أقرب إلى جثة أعادوا إحيائها للتو..سحبت نفسها من السرير... بدأت بالنهوض، لكن قدمها تعثرت في السجاد وكادت أن تهوي مباشرة إلى الأرض.. "رائع، لم أخرج من الغرفة بعد وكدت أن أموت بالفعل، رقم قياسي جديد!" "هذا حقا غير مشجع.. بداية رائعة ليومي" تنهدت بتعب. ...في زاوية هذا البيت الصغير، حيث الجدران تحمل ألوانًا دافئة، والأرضية الخشبية تعطي شعورًا كلاسيكيًا، كانت غرفة سونارا كيانًا يعكس حالتها بدقة تامة: كارثة طبيعية مصغرة. حيث المعركة كانت قد بدأت بالفعل... أقمشة متناثرة هنا وهناك، صندوق مجوهراتها مفتوح وكأنه تعرض للسرقة (بواسطة نفسها طبعًا)، وكتب مبعثرة على السرير كأنها كانت تحاول الدراسة ثم قررت الاستسلام والنوم وسط الفوضى. كان الجو يحمل عبق العطور المختلطة، ما بين عطرها المعتاد وبعض الزيوت العطرية التي سكبتها سهواً ليلة البارحة عندما كانت "تبحث عن الإلهام"، أو بمعنى أدق، كانت تحاول إقناع نفسها بأنها لم تضيع ساعتين على لا شيء. ....لقد مرت ثلاثة أيام بالفعل منذ يوم الافتتاح، وقد حان يوم المهرجان الذي انتظرته أكثر من أي شيء أخر... لطالما أحبته منذ صغرها. لكن حبّها لم نابعًا فقط من جوه المرح ولا من الموسيقى التي تملأ الشوارع بألحان السعادة، بل كان حبًا أعمق من ذلك بكثير. أحبته منذ أن عرفت أسطورته... الأسطورة الحقيقية، القصة التي لم تُرو كاملة قط، والتي لم تترك إلا عند الغجر حيث تبنع أصولها. فالشعب يحتفل، يرقص، يغني، لكنه لا يعرف سوى نصف الحقيقة. أما النصف الآخر، فقد دُفن في صرخةٍ قاسية، وفي دموعٍ ذهبية... وفي قلبين لم يكن ينبغي لهما أن ينفصلا أبدًا. وبقيت تحت اسم اسطورة "الربيع الذهبي" ____________ في عصرٍ مظلم، حين كانت الإمبراطورية تعاني من شتاءٌ لا ينتهي، جليد يكسو الأرض كالكفن، وسماءٌ رمادية لا تُنزل المطر، بل ترمي الصقيع، وكأن العالم نفسه قد توقف عن التنفس. المحاصيل ماتت في الحقول قبل أن تلمسها الأيدي، الناس كانوا ينهارون واحدًا تلو الآخر، يختفون في الثلج كما لو أن الأرض تبتلعهم. كان البرد أشبه بكابوسٍ لا نهاية له، قسوةٌ تجرّدت من الرحمة، حتى الشمس بدت وكأنها نسيت العالم، أو لعلها رفضت أن تضيئه مجددًا. كهنة المعابد رفعوا صوت صلواتهم، باحثين عن خلاصٍ لم يأتِ أبدًا. ثم، في أشد لحظات اليأس، ظهرت امرأة. من العدم، كانت تمشي في الشوارع بخطى هادئة، لا تخاف الرياح، ولا تهتز من البرودة التي كانت تفتك بكل شيء. كان شعرها ناصع البياض كالثلج، وعيناها تشعّان بنورٍ لا يُدرَك. قال البعض إنها ملاكٌ أُرسل لإنهاء العذاب. وقال آخرون إنها لعنةٌ تمشي على قدمين. لكن في النهاية، ما رأوه لم يكن إلا جحيمًا يتنفس. اسمها كان لافيانا. قيل إنها جاءت من الغابة الملعونة، حيث تسكن الأرواح والظلال.. كانت قوية، تخطو بخفة الغجر، لكن عيناها تشتعلان بالسواد. ساحرة، كما قال الكهنة.. ملعونة، كما همس الناس. منذ ظهورها، لم يعد الشتاء مجرد بردٍ قاسٍ، بل أصبح موتًا زاحفًا. كان الناس يستيقظون ليجدوا المزيد من البيوت قد تجمّدت، المزيد من الأنهار قد انطفأت، وكأن الحياة كانت تنسحب من العالم، شيئًا فشيئًا، تاركةً خلفها عالمًا يختنق في صمت.. تحوّلت مياه الآبار إلى ثلج، وانطفأت نار المعابد.. كان واضحًا أنها لا تسعى فقط للخراب، بل للانقراض.. كانت تجرّ معها جيوشًا من الجليد، كأن الشتاء يسير على قدميها. حاولت الإمبراطورية مواجهتها، أرسلت جنودها، كهناتها، حتى أمهر سحرتها، لكن لم يكن هناك من يستطيع الوقوف أمامها. كأنها ظلٌ لا يُمسّ، لا تصل إليها السهام، ولا تؤثر فيها الصلوات. وعندما أدرك الشعب أن لا خلاص لهم، بدأوا يستعدّون للنهاية. ثم... حدث ذلك. في صباحٍ رمادي، شُقّت السماء بصرخةٍ عظيمة. كانت صرخةً تفوق أي صوتٍ عرفته البشرية، صوتًا جعل الأرض ترتجف، والطيور تسقط ميتةً من السماء، وحتى البحر نفسه بدا وكأنه توقف للحظة، مشلولًا من وقع الصوت. ثم... اختفى كل شيء. توقفت العاصفة.. ذابت الثلوج.. سكن الخوف. واختفت لافيانا.. كأنها لم تكن موجودة من الأساس، والرياح التي أتت بها قد ابتلعتها مجددًا. لم يعثر أحد على جثتها، لكن الحكماء قالوا إن صرختها كانت علامة على العقاب السماوي، وأن الآلهة قد محتها من الوجود كما تمحو الرياح رماد الخطيئة..أنها كانت علامة على نهايتها. بعدها، ولأول مرة، بكت الشمس. سقطت دموع ذهبية من السماء، ازدهرت الأرض، تحولت التربة القاحلة إلى حقول خضراء، وارتفعت الزهور بألوانٍ لم تُرَ من قبل. عاد الدفء، أشرقت السماء، كأن الربيع وُلد من جديد. قيل إن الإمبراطورية نالت غفرانًا إلهيًا، وإن تلك الدموع كانت مواساةً من الشمس لحالهم، وبداية لعصرٍ جديد من الازدهار. وهكذا، احتفلوا بأول ربيعٍ في تاريخهم، يضيئون الفوانيس شكرًا للمعجزة، وينثرون الأوراق الذهبية في الشوارع رمزًا للنور الذي أنقذهم. لكن في ذلك اليوم، حدث شيء غريب... دخل الغجر إلى المدينة. لم يكن معهم سلاح، ولا تهديد او اي شيء... فقط، أدّوا رقصةً تحت الفوانيس الملونة، رقصةً غريبة لم يفهمها أحد، تخللها البكاء والضحك والدوّامات الحزينة. ثم وقف أحدهم في ساحة المدينة، وابتسم بحزنٍ، وترك خلفهم نبوءة: "حين تفهمون لماذا بكت الشمس، ستفهمون لماذا عاد الربيع." لكن الشعب لم يفهم. ولم يسألوا.. بل جعلوا تلك الرقصة تقليدا و لباسهم عادة في ذلك اليوم.. احتفلوا، نثروا الذهب في الشوارع، شاكرين الشمس، متناسين أن الغجر... لم يرقصوا فرحًا فقط. ...ولكن ما لم تعرفه الإمبراطورية، ما لم يشك فيه أحد، هو أن لافيانا لم تكن وحيدة. كانت لها أختٌ توأم، إيليارا. توأمين في الروح، إن لم يكن في الجسد. وُلدتا بين الغجر، تحت قمرٍ مكتمل، في ليلةٍ نادرة. كانتا قلبًا واحدًا ينبض في جسدين، تكبران سويا، تضحكان، ترقصان تحت النجوم، وتؤمنان بأن الربيع أبديٌّ، لا يمكن أن يُسرق. تحلمان بالدفء، باللون، بالحياة. لكن في أحد الأيام، رآى قطيع من الإمبراطوريين إيليارا. وحين لاحظوا قواها، اختطفوها، أرادوا تقديمها قربانا للآلهة، لكن اختها لم تكن هناك لتحميها. ايليارا كانت مختلفة، كانت قادرةً على جعل الأزهار تتفتح بلمسة، وجعل الطقس يلين بصوتها. اعتقدوا أنها معجزة.. لكن في عصر الظلام، المعجزات لم تكن تقدس، بل تُقدَّم قرابين. طاردوها، جرحوها كي تعيد الشمس إليهم.. هربت، لكنهم سلبوها قوتها، أضعفوها، حتى لم تعد سوى ظلٍ باهت لما كانت عليه.... لكن ليس قبل أن يُنتزع منها الربيع. في تلك الليلة، فقدت إيليارا نورها.. وسقطت من السماء كنجمة تُطفأ فجأة. لكنها لم تكرههم.. كانت تعرف: في عصر الظلمات، لا مكان للعدل. حين عادت لافيانا، وجدت أختها ملقاةً على الأرض، قوتها مسلوبة، عيناها خاليتان من الحياة.. لم تمت... لكنها لم تعد كما كانت. عندها، انكسر شيءٌ في قلبها. رأت كل شيء. رأت الدم، والدموع، والخوف في عيني أختها.. سمعت صرخاتها المكتومة رأت كيف انطفأ الربيع الذي كان بينهما. لم تعد ترى الناس كما كانت تراهم من قبل.. لم تعد ترى عالمًا يستحق الحياة.. كل ما رأته كان جناة، قتلة لبراءة أختها.. وأرضًا سلبوا منها النور، لم تعلم أن إيليارا كانت تؤمن بأن كل شيء سيُغفر، بل ظنت أنها تشاركها الحقد، فقط لا تُظهره. حينها نهضت لافيانا، مصممةً على استعادة ما سُلب. لكنها لم تسلك طريق أختها، لم تؤمن بالمغفرة كانت تنوي شيئًا واحدًا: أن تعيد الربيع. مهما كلّف الثمن. ولو عن طريق التدمير. جاءت إلى الإمبراطورية كعاصفة، تحيط بها الثلوج، تجمّد كل شيء في طريقها.. لم تكن تريد سوى الانتقام، لكن إيليارا... لم تكن تريد ذلك. كانت في الحقيقة تسير في طريقٍ آخر.. كانت تحاول أن تبني من جديد، أن تُعيد الربيع بالحب، لا بالنار. لكن عندما جاءت ساعة الحقيقة، وحين وقفتا وجهًا لوجه، لم تكن معركة. كانت فراقًا. همّت لافيانا بإنهاء كل شيء بتعويذةٍ لا رجعة منها، تقدّمت إيليارا... أخذت الضربة التي كانت موجهة للإمبراطورية. "لن أدعك تندمين يا أختي... لن أتركك تحترقين." قالتها بصوتٍ مرتعش، قبل أن تنهار بين ذراعيها، قبل أن تتلاشى ابتسامتها، قبل أن يغيب الدفء من يديها. ولأول مرة منذ قرون، بكت لافيانا. صرخت... صرخة مزقت السماء، صرخة جعلت العالم بأسره يتوقف. لكنها لم تكن النهاية. في اللحظة الأخيرة، فهمت الحقيقة. عرفت أن إيليارا لم تكرههم أبدًا، بل كانت تتألم من أجلهم. وأن حادثة طفولتهن لم تكن سوى مؤامرة. فالشعب... كان ضحية أيضًا.. ضحية حقبة مظلمة لا يرى فيها النور ولا الخير.. ولأنها لم تحتمل أن تعيش في عالمٍ تفقد فيه أختها، أهدتها حياتها. نقلت شعلة روحها إلى جسدها، ثم اختفت، كالهمس. حين استيقظت إيليارا، كانت وحدها. وكانت الأرض ميتة..لم تجد اختها..لقد تركتها..فقدت اختها الوحيدة.. عندها، بكت. بكت دموعًا من ذهب، سقطت على الأرض اليابسة، وأزهرت من تحتها الزهور. وبها عاد الربيع. حين عاد الغجر إلى الإمبراطورية، لم يحملوا حقدًا. جاؤوا برقصة. رقصة وداعٍ... لأختين اجتمعتا أخيرًا في الربيع. رقصة حزنٍ وامتنان... لمن بكت الأرض من أجلهن. رقصة لا تزال تُؤدى كل عام، أمام الفوانيس، بالألوان الزاهية، تخفي في طياتها سرًّا لا يفهمه أحد إلا من يعرف... أن الشمس لم تبكِ من أجل الإمبراطورية. بل قلب بكى لفراق مؤلم.. من أجل أختين، وحبٍّ لم يمت أبدًا. دموعها... كانت آخر همسة من لافيانا، وابتسامةً أخيرة من إيليارا، تقولان: "ربيعنا... قد عاد." ___________ ....تمددت بكسل و هي تناظر الحديقة من الشرفة..بينما ذهنها كان لايزال منشغلا بالقصة التي روتها لها أمها منذ زمن طويل... تجاهلت أفكارها ظاهريا تتناسى الموضوع ثم تثاءبت بنعاس وهي تضم ذراعيها: " جو لطيف مناسب ليوم احتفالي.." كان الوقت الذي استيقظت فيه مبكرا بعض الشيء على غير العادة، حيث كان لازال عليها تحضير نفسها و اغراضها للمهرجان. لكن أولا، عليها أن تتخلص من حالتها البائسة. زحفت الحمام بخطوات ثقيلة، ألقت نظرة على المرآة... وتمنت لو لم تفعل. تأملت انعكاس وجهها الناعس كان يعكس كل يأسها: "رائع، يبدو وكأنني أمضيت الليلة الماضية في قتال مع دب بري... وخسرت." أدركت حينها أن الوحش الذي يظهر في أفلام الرعب قد يكون في الواقع مجرد شخص استيقظ مبكرًا رغماً عنه. " سأرعب الجميع قبل المهرجان حتى بدون زي تنكري." شعرها كان في حالة تمرد مطلق، عيناها نصف مغلقتين كأنها إحدى ضحايا السهر المزمن، وبشرتها حملت ذلك الشحوب لمن لم ينم جيدًا.. لكن لا بأس، الماء الساخن سيتكفل بهذه الفوضى. دخلت إلى الدش، فتحت الماء، وما إن لمستها القطرات الباردة حتى انتفضت كمن أصابته صاعقة.. كانت هذه لحظة إدراكها الأول لهذا الصباح: الحياة قاسية، والاستحمام بالماء البارد أقسى منها.. لكن بعد بضع دقائق من التكيف، بدأت تشعر بالحياة تعود إلى جسدها البائس، وأخيرًا، أصبحت إنسانة شبه طبيعية. وقفت هناك لعدة دقائق بلا حركة، فقط تستوعب الحياة بينما الماء يغمرها وكأنها بطلة درامية تعيش لحظة تأمل عميقة... لكن الحقيقة؟ كانت تحاول إقناع نفسها بأنها قادرة على إكمال اليوم. "مهرجان، ألوان، موسيقى، رقص... ذهب! الكثير من الذهب! نعم، يمكنني فعلها!" وبمجرد أن أنعشها الماء الساخن، استعادت القليل من الروح، وخرجت أكثر إنسانية مما دخلت.. تشعر أنها قد استعادت 20٪ من طاقتها البشرية. حسنًا، لا تزال 80٪ منها مجرد كائن متعب، لكنها ستتدبر أمرها. خرجت من الحمام بشعر رطب وعيون نصف مفتوحة، متوجهة نحو المطبخ وهي تفكر في السؤال الأهم في: هل يستحق الفطور عناء تحضيره؟ الإجابة كانت واضحة: نعم.. لم تكن مستعدة للموت جوعًا. سارت نحو المطبخ، منزلها كان كبيرا لكنه دافئ، مرتب بنوع من الفوضى المدروسة، حيث الأكواب مرتبة بنظام معين لكن الصحون؟ قصة أخرى تمامًا. لم تنهي ترتيبها كليا.. حيث في كل مرة تذهب للتسوق تجد صحنا جديدا، فتشتريه و تجد نفسها لا تجد مكانا لتلك الكمية من الأواني، مع ذلك شكلها يبقى جميلا. وقفت أمام الثلاجة تحدق فيها كأنها تنتظر أن تُخرج الطعام بنفسها.. في النهاية، قررت تحضير شيء بسيط: وضعت الحليب على النار، ثم بدأت تبحث عن شيء تأكله.. البيض؟ لا طاقة لها. الحبوب؟ ممل. الخبز؟ مقبول. وهكذا انتهى بها الأمر مع كوب عصير طبيعي من الفواكه حضرته بنفسها كالعادة، وقطعة خبز محمص مع المربى، بالاضافة إلى كعكة التيراميسو التي تحبها، طبق الإفطار المثالي لمن يمتلك أولويات غريبة. "كاف لإيقاظي حتى لا اشبه الموتى" أخذت أول لقمة من الكعكة، ثم أغمضت عينيها بشعور يشبه الوقوع في الحب. — "هذه، وهذه فقط، هي العلاقة العاطفية الوحيدة التي أحتاجها في حياتي" بعد أن استردت جزءًا بسيطًا من روحها، ستنتقل للمرحلة التالية: تجهيز الكنوز، أعني، الإكسسوارات. عادت إلى غرفتها بحماس متجدد، بدأت في تجهيز أغراضها للمهرجان. كان عليها أن تأخذ ملابسها إلى الأكاديمية و ان تتجهز هناك لكي تتجه نحو الحي الشعبي قربه، لأن لا أحد عاقل قد يركب المواصلات مرتديًا ساريًا ذهبيًا وكأنه خرج من قصة خيالية وسط الزحام في العاصمة. في وسط كل الخراب في غرفتها، كان هناك شيء واحد في مكانه تمامًا: الفستان الغجري الذهبي، معلّق بعناية على شماعة، يلمع كأنه كنز أثري مقدس. "لو كان بإمكاني الزواج من هذا الفتسان، لفعلت." لكن قبل أن تتمكن من الغرق أكثر في تأملها العاشق لمظهر الساري، دقّ ناقوس الخطر في رأسها: "انتظر... عليّ أن أنهض!" اتجهت نحو كنزها العظيم: كومة مذهلة من المجوهرات الذهبية التي اختارتها بعناية. "حسنًا، ربما بالغت قليلًا..." لكن هل كان بإمكانها الاستغناء عن شيء؟ الأساور الذهبية؟ مستحيل، صوتها تصادمها أثناء الحركة جزء أساسي من التجربة. الخلاخل؟ بالطبع، لا يمكن تفويت فرصة إحداث تأثير درامي أثناء المشي. الأقراط المتدلية؟ ستضيف لمسة من الأناقة. العقد الذهبي الكبير؟ حسنًا، هنا بدأت المشكلة. "هل أبدو كمهرج متنقل؟ أم كملكة؟ أم كملكة مهرجة؟" لكن في النهاية، اختارت أخذ كل شيء، لأن "الكثير" لم يكن خيارًا سيئًا أبدًا عندما يتعلق الأمر بالذهب... ...."أين وضعت بقية الإكسسوارات؟!" "لماذا يوجد جورب في حقيبتي؟!" "من سرق عطري؟ آه، صحيح، لا أحد يعيش معي..." وأخيرًا، بعد رحلة طويلة من البحث والتمتمات الغاضبة، استطاعت تجميع كل شيء: الفستان، الإكسسوارات، العطر، المكياج، وحتى الكعوب التي كادت تفقدها إلى الأبد تحت سريرها. أحضرت حقيبة كبيرة لتضع فيها كذلك الملابس العادية التي سترتديها أثناء الرحلة إلى الأكاديمية، فكرة التنقل ككومة من الذهب في المواصلات العامة؟ أشبه بإعلان رسمي للسرقة، أو الأسوأ: لفت الانتباه بطريقة غير مرغوبة. وضعت داخلها كذلك الحقيبة ملابس مريحة، حذاء احتياطي، بعض مساحيق التجميل، زجاجة ماء، و—حسنًا، ربما لا تحتاج إلى عشرين قطعة مجوهرات إضافية، لكن من يعلم؟ "إنها معركة، ويجب أن أكون مستعدة." وقفت أمام المرآة، نظرت إلى نفسها في الملابس العادية، تأكدت أنها تبدو طبيعية بما يكفي للخروج إلى العالم، ثم زفرت بعمق. "حسنًا، لنذهب ونرى كيف يمكنني إحراج نفسي اليوم." وضبته داخل حقيبتها رفقة بقية اغراضها، وألقت نظرة أخيرة على غرفتها المدمرة. — "إذا لم أعد، فليعلموا أنني مت وأنا أحاول ارتداء الساري بطريقة صحيحة." وهكذا، انطلقت نحو الأكاديمية، متجاهلة إحساسها بأن هذا اليوم سيكون طويلًا جدًا... لكنها لم تهتم، المهرجان كان بانتظارها، الذهب كان بانتظارها، والأهم؟ كانت مستعدة لتكون الغجرية اللامعة التي ولدت لتكونها. حملت حقيبتها، تنهدت، وخرجت من المنزل وهي تفكر في شيء واحد: "يا الهي، اجعل هذه الرحلة تمر دون أن يتأخر الباص أو أن أندم على قراراتي الحياتية... مجددًا." في اللحظة التي غادرت فيها سونارا منزلها، شعرت وكأنها محاربة خرجت في مهمة مصيرية... لكنها بدل السيف، كانت تحمل حقيبة ثقيلة مليئة بالأغراض، وبدل الدروع، كانت ترتدي ملابس مريحة لا تليق أبدًا بمهرجانٍ ساحرٍ كالذي تخيلته في عقلها. سحبت حقيبتها كأنها جرّت جثة طيلة الليل، نظرت إلى السماء بتعب، ثم زفرت عليها أن تصل إلى الأكاديمية أولًا، حيث ستتجهز مع بقية الفتيات قبل أن تبدأ الاحتفالات رسميًا. المشكلة الوحيدة؟ الطريق طويل، وهي على وشك ارتكاب جريمة بحق أول شخص يزعجها في هذه الساعة المبكرة. ..... شقت طريقها إلى محطة الحافلات، وألقت نظرة خاطفة على الناس المنتظرين هناك. بعضهم كانوا في حالة مزرية مثلها، بينما آخرون بدوا وكأنهم قد استيقظوا وهم جاهزون لإنقاذ العالم. سونارا لم تكن من هؤلاء بكل تأكيد. وقفت عند موقف الحافلة، متأبطة حقيبتها تحمل داخلها ثاني أكبر مخزون احتياطي للذهب في العالم. كانت الشمس مشرقة، والجو جميل كما لو أن السماء تعلن قدوم يوم احتفالي... لكن الحافلة؟ كالعادة، غير موجودة. "لماذا أعيش هذا السيناريو كل مرة؟ هل لديّ طاقة تجذب التأخير؟" حدّقت في الطريق بترقب، ثم أخرجت هاتفها لتتفقد الوقت، ثم نظرت إلى الطريق مجددًا، ثم إلى الهاتف... لا جديد. جلست على مقعد، وضعت حقيبتها في حجرها، وحدقت في الفراغ... حتى سمعت صوت سيدة تجلس بجوارها تهمس بحماس لرفيقتها: "سمعتِ؟ اليوم سيكون هناك عرض راقص مذهل، وأيضًا منصة للمشغولات الذهبية!" كيهلاني رمشت ببطء.. ذهب؟ حسنًا، يبدو أن المهرجان هذا العام قد أصبح أكثر إثارة للاهتمام فجأة.... ..وبينما كانت تلعن تأخر الحافلة، ظهر أول اختبار لها هذا الصباح: سيدة مسنّة لديها شغف فطري بجرّ الغرباء إلى أحاديث لا نهائية. "صباح الخير يا ابنتي، تبدين متألقة اليوم!" قالت العجوز بابتسامة واسعة. سونارا، التي بالكاد كانت متماسكة، ابتسمت: "صباح النور، شكرًا لكِ." لكنها نسيت قاعدة ذهبية: لا تبادر بالمجاملة، فهذا تصريح غير رسمي لبدء محاضرة طويلة. "إلى أين أنتِ ذاهبة؟" "الأكاديمية، لدينا مهرجان اليوم." وهنا، أخطأت خطأً آخرًا: ذكرت حدثًا اجتماعيًا، مما يعني فتح باب النقاش على مصراعيه. "أوه، المهرجانات زمان كانت أفضل! كنا نرتدي أجمل الأزياء ونرقص حتى الفجر! هل تعلمين أنني كنت أجمل فتاة في حينا؟ كانوا يسمونني زهرة الربيع!" وهكذا، بينما كانت سونارا تومئ برأسها بتعبير متفهم، استمعت لقصص "زهرة الربيع" التي شملت ثلاث خطوبات، هروبًا دراميًا من زواج مدبّر، وكيف كانت الحياة أرخص عندما كان كل شيء يُشترى بقطعة فضية. لحسن الحظ، اقتربت الحافلة من الوصول، فنهضت بسرعة قبل أن تتورط في فصل آخر من قصة العجوز الأسطورية. وصلت الحافلة أخيرًا، وعندما صعدت، أدركت أنها لم تكن الوحيدة التي في طريقها للمهرجان. كانت الحافلة ممتلئة بأشخاص يرتدون أزياء احتفالية زاهية، مما جعلها تشعر وكأنها الغريبة الوحيدة بينهم. لكنها لم تهتم.. جلست في أحد المقاعد بجانب النافذة، محاولة أن تكون غير مرئية قدر الإمكان. أسندت رأسها إلى الزجاج البارد، تحاول تجاهل الاهتزازات التي هددت بإسقاطها نائمة مرة أخرى. المقاعد كانت مليئة بالطلاب، بعضهم متحمس جدًا، وبعضهم نصف نائم، والبعض الآخر يناقش نظريات المؤامرة حول سبب تأخر الحافلة يوميًا. سونارا أخرجت سماعاتها ووضعتها في أذنيها، لكن قبل أن تشغل أي موسيقى، سمعت سؤالًا غريبًا من المقعد الخلفي: "هل تعتقدون أن الأكاديمية تخفي كنزًا سحريًا تحتها؟" أغلقت عينيها ببطء، وأخذت نفسًا عميقًا. "لماذا؟ لماذا أنا محاطة بالمجانين؟" لكنها لم تكن تملك طاقة للاعتراض، لذا شغّلت موسيقاها أخيرًا، وأسندت رأسها على النافذة، مستعدة للنجاة مما تبقى من الرحلة. .... بمجرد أن توقفت الحافلة أمام الأكاديمية، خرج الطلاب بسرعة كما لو كانوا مسجونين فيها لعقود. تنهدت، وأعادت ضبط حزام حقيبتها قبل أن تنزل، عيناها تتفحصان المكان.. وكما توقعت، كان الجو احتفاليًا منذ الصباح، الزينة في كل مكان، والأعلام الملونة ترفرف في الهواء. سارت عبر بوابات الأكاديمية، حيث بدأ الطلاب يتجمعون بالفعل. كانت هناك أصوات ضحكات، وأحاديث متحمسة، ونغمات آلات موسيقية تعزف من أحد الأركان. شعرت للحظة وكأنها في عالم آخر. ثم تذكرت أنها لا تزال ترتدي الملابس العملية بدلًا من فستانها الغجري المذهل، وعادت إلى الواقع بقوة. فهي لم تكن هنا للاستمتاع بعد، كان عليها أن تصل إلى جناح الفتيات، تتجهّز، وتتحوّل من إنسانة متعبة إلى نجمة متألقة. "حسنًا، حان وقت التحوّل إلى الأسطورة التي خُلقت لأكونها." مشت بخطوات واثقة داخل الأكاديمية، متجاهلة الزحام والأحاديث الجانبية، متجهة مباشرة إلى الجناح النسائي حيث ستبدأ المرحلة الأهم: الاستعداد للهيمنة. لم تكن سونارا من الأشخاص الذين يملكون الحماس الفطري للأحداث الاجتماعية، لكنها كانت تحب هذا المهرجان تحديدًا. ربما لأنه يذكرها بجذورها، وربما لأنه كان اليوم الوحيد في العام الذي يمكنها فيه أن ترقص دون أن تفكر في أي شيء آخر. لكن قبل أن تصل إلى تلك اللحظة، كان عليها أن تستعد... وأن تنجو من سلسلة الحوادث المحتومة التي ستواجهها حتمًا. دفعت باب جناح الفتيات ودخلت وسط فوضى أشبه بـ غزو مغولي على صالون تجميل. "حسنًا... لا يوجد قتلى بعد، هذا مطمئن." الفتيات كنّ منتشرات في كل زاوية: بعضهن يتقاتلن على المرايا، أخريات يحاولن ضبط تسريحات شعرهن المستعصية، والبعض الآخر يلاحقن خبيرات التجميل المتطوعات وأملهم الوحيد في النجاة من كارثة جمالية. سونارا تنفست بعمق.. هذا هو ميدانها الحقيقي..هنا، وسط بحر الأقمشة الفاخرة، والمساحيق المتناثرة، وضحكات الفتيات المتحمسات، ستتحول إلى الأسطورة التي تعرف أنها خُلقت لتكونها. لكن أولًا، عليها إيجاد مكان لنفسها دون أن تُدهس. تحركت بمهارة بين الفتيات، ثم رمت حقيبتها الثقيلة على الطاولة بصوت مرتفع. "لا بأس، سأنتقم عندما يرون كم سأبدو مذهلة بعد قليل" فتحت الحقيبة وكأنها كنز القراصنة. ذهب.. ذهب في كل مكان. الأساور، الخلاخل، العقود المتلألئة، وقطعة القماش الذهبية التي كانت تنتظر اللحظة التي ستلتف فيها حول جسدها... كان كل شيء جاهزًا. وحتى دبوس شعر مطلي بالذهب—لأن أي شيء أقل من ذلك سيكون إهانة لذوقها الرفيع. "حسنًا، حان وقت الصعود إلى القمة." بدأت بتحضير نفسها، لكن طبعًا، لم يكن الأمر ليتم بهدوء.. كانت الأحاديث والضحكات تحتل المكان: "لينا! أخيرًا! هل يمكنك مساعدتي؟ لا أعرف كيف أربط هذا الوشاح!" "ماريا، هل هذا الآيلاينر متوازن أم أنني سأبدو وكأنني من الهنود الحمر؟" "سيلينا، ما رأيك؟ هل الأحمر يناسبني أم أنني أبدو كحبة فلفل مشتعلة؟" أغلقت عينيها للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة باردة.. كانت الفتيات حرفيا يحاربن من أجل الجمال، وهذا أمر متوقع، هي لم تكن من محبي الصخب، لكنها أحبت هذا النوع تحديدًا. لكن هذه مجرد البداية. نظرت إلى فستانها المطرز الذي كان أمامها. كان جميلاً، فخمًا، رائعًا...وكان أيضًا عدوها اللدود. بدأت بارتداءه، النسيج الفاخر ينساب على بشرتها، التفاصيل المطرزة تعكس الضوء بطريقة جعلتها تقف للحظة، تتأمل انعكاسها في المرآة. "حسنًا، ليس سيئًا." قالت وهي تميل رأسها قليلًا، ثم أضافت بسخرية، "لو أن الحظ السيئ لم يكن صديقي الوفي، لكنت الآن في طريق النجاح الجمالي المطلق." لكن هذا لم يكن ما يشغل تفكيرها حقًا. ما كان يقلقها هو كيف ستحافظ على نظافتها وأناقتها طوال اليوم دون أن يتسبب القدر في كارثة جديدة. "أوه، حسنًا، دعونا نراهن كم من الوقت سأظل نظيفة قبل أن يقع عليَّ شيء ما." أكملت لفه حول خصرها، حاولت تثبيته، لكنه انزلق. أعادته، عقدته مجددًا، هذه المرة بدا ثابتًا. أخذت خطوة... ثم انهار كل شيء. وقفت مكانها للحظة، نظرت إلى الفستان المنسدل على الأرض، ثم إلى نفسها في المرآة، ثم قالت بصوت بارد: "هذا إعلان حرب." كانت تحاول لفه حول خصرها للمرة الرابعة.. كادت تفقد أعصابها. "لماذا لم يخبرني أحد أن ارتداء هذا الشيء يحتاج إلى شهادة دكتوراه؟" شدّت القماش مرة أخرى، هذه المرة نجحت أخيرًا، لكنها لم تشعر بأي فخر. لقد خاضت معركة للتو. نظرت إلى نفسها في المرآة، الوشاح الحريري كان يغطي جزءًا من وجهها، تاركًا عينيها الذهبيتين مكشوفتين، وخصلات شعرها الطويلة تتناثر بحرية على كتفيها. "حسنًا... على الأقل أبدو ككائن بشري مقبول." بعد عشر دقائق، ثلاث محاولات فاشلة، ونوبة إحباط واحدة، تمكنت أخيرًا من تثبيته بشكل مقبول. هذه مجرد الجولة الأولى. أخذت صندوقها الكبير الخاص بالمجوهرات، بدأت بارتداء الخواتم الذهبية الضخمة واحدًا تلو الآخر، حتى غطت أصابعها بالكامل، ثم وضعت بقية الأساور التي اصطدمت ببعضها بصوت رنان كلما حرّكت يدها. " الآن أنا مستعدة لكمية غير صحية من الطنين المعدني مع كل حركة سأقوم بها." لكن لم يكن هناك مجال للاستغناء عنها. رفعت يديها أمام وجهها، تأملت زينتها، ثم تمتمت: "أبدو كمتجر ذهب متنقل، لكن لا بأس، على الأقل سأبدو غنية حتى لو سقطت على وجهي." أخيرًا، كررت لف وشاحها الذهبي حول رأسها، تاركة بعض الخصلات تنساب بحرية على كتفيها. ارتدت خلخالها الذهبي، ثم أضافت الأقراط الطويلة التي كادت أن تجعلها تفقد توازنها للحظة. كان كل شيء مثاليًا... باهظًا بعض الشيء؟ نعم. لكنها لم تكن تهتم، كانت تؤمن إيمانًا عميقًا بأن الذهب لم يُخلق ليُخزّن... بل ليُبهر الجميع! أغمضت عينيها، تنفست بعمق، وتمتمت، "أنا مستعدة... أعتقد." بعد سلسلة من المناورات الفوضوية، وقليل من المبالغة في ضبط الإكسسوارات، أخيرًا، وقفت سونارا أمام المرآة بكامل عظمتها. لباسها كان تحفة فنية. القماش انساب عليها كأنه مصمم خصيصًا لها، الخيوط الذهبية لمعت تحت الأضواء، والخلخال في كاحلها رنّ بلحن خافت مع كل حركة. لكن أفضل ما في الأمر؟ الطريقة التي عكستها المرآة. حدّقت في انعكاسها بعيون متفحصة، ثم ابتسمت ببطء. "أجل، هذه أنا." ليس كطالبة مرهقة، ولا كفتاة تكافح صباحًا ضد المنبه، بل كسونارا الحقيقية—الفتاة التي خُلقت لتسرق الأضواء، وتترك أثرًا من الذهب في كل خطوة. "حسنًا، العالم ليس مستعدًا لي... لكن لا بأس، سأجعلهم يتأقلمون." غمزت لنفسها ثم همست مجددا: "أوه، في هذه اللحظة فقط، أفهم تمامًا لماذا يُعبد الذهب." والآن؟ ..حان وقت الهيمنة. نظرت لانعكاسها للمرة الاخيرة، ثم ابتسمت بخبث، "...لو كنت شخصًا آخر، كنت سأقع في حبي الآن." سونارا لم تكن تمزح عندما قالت إنها ستنتقم بمظهرها.. لأن ما حدث خلال تلك الدقائق لم يكن مجرد تغيير ملابس... بل كان أشبه بطقس سحري لاستدعاء إلهة منسية من العصور الذهبية. لكن بينما كانت تتأمل جمالها، أدركت شيئًا مريعًا. "اللعنة... لقد تأخرت!!" رفعت يديها، شدّت الوشاح الذهبي حول رأسها قليلًا، ثم أخذت نفسًا عميقًا. كان عليها أن تسرع. وعليها أن تصل إلى الساحة قبل أن تبدأ الرقصة. لذا، ركضت. ........ كان المهرجان في أوج تألقه، الأضواء الملونة تلمع على الأقمشة الحريرية المعلقة، والموسيقى الغجرية تحوم في الهواء بإيقاع حيوي يدعو الجميع للحركة. الأكاديمية كانت مختلفة تمامًا عن الأيام العادية، كأنها أصبحت مدينة احتفالية صغيرة، حيث اختلط الطلاب بأساتذتهم في أجواء من المرح والتقاليد العريقة. فيليو لم يكن مهتمًا كثيرًا بهذه الأمور، لكنه اضطر للحضور مبكرًا، إذ كان عليه انتظار جوليانا وخطيبة ثيودور، يولاليا. كانت العادة في هذا اليوم أن يرتدي الجميع أزياء غجرية، استعدادًا لرقصة الافتتاح التي تؤديها الفتيات كل عام، وكانت الأكاديمية تمتلئ بالألوان الذهبية والزاهية. وقف فيليو بثبات إلى جانب ثيودور، الذي بدا أكثر حماسًا من المعتاد، مرتديًا قميصًا أبيض فضفاضًا وسترة داكنة ذات طابع تقليدي، تجعل لون اعينه الخضراء داكنة أكثر من العادة، شعره الاشقر الفاتح مرتب بشكل جانبي، بينما كان يعدل أكمامه بقلق ظاهر. "هل تعلم، فيليو؟" قال ثيودور وهو يحدق في الحشد أمامه، "إذا لم يصلوا خلال الدقائق الخمس القادمة، سأبدأ بالاعتقاد أنني قد تم التخلي عني رسميًا." "بالنظر إلى تاريخك، هذا ممكن جدًا." رد فيليو دون أن يرفع نظره عن المكان، نبرته محايدة تمامًا. ضحك ثيودور بصوت مرتفع، ثم وضع يده على صدره بطريقة درامية، "أوه، كم أنت قاسٍ. ألا يمكنك على الأقل التظاهر بأنك تهتم بمشاعري؟" "لا." "كنت أتوقع ذلك." "حسنًا، اذا متى ستصلان؟" قال فيليو بنبرة رتيبة، وهو يراقب الطلاب الذين كانوا يتجولون في الساحة المركزية، بعضهم يحمل أكوابًا من العصائر المبردة، وآخرون يتذوقون الحلويات من الاكشاك. "اهدأ، فيليو. أنت تعلم أن الفتيات دائمًا ما يحتجن إلى وقت إضافي." أجاب ثيودور بابتسامة جانبية، ثم لوّح بيده بحيوية. "لكن دعنا لا نضيع هذا الوقت، أخبرني، هل أنت مستعد للسباق القادم في الشارع الرئيسي؟ لقد سمعت أنك كدت تخسر آخر مرة أمامي." رفع فيليو حاجبه ببطء، نظر إلى ثيودور وكأنه للتو قال شيئًا سخيفًا للغاية. "كدت أخسر؟ أنت جاد؟" "حسنًا، ربما كنت أبطأ منك بثانية أو ثانيتين، لكنني متأكد من أنني سأهزمك هذه المرة." "متأكد؟" "تمامًا." لم يكن من الواضح إن كان ثيودور مقتنعًا بكلماته أم أنه فقط يستمتع باستفزاز فيليو، لكنه كان يعلم أن حديثًا كهذا لن يمر بسهولة. "آخر مرة انتهى بك الأمر مرميًا على الأرض بعد أن حاولت تجاوزي بسبب موجة الأدرينالين، ولا أزال أذكر كيف كنت تتذمر لمدة يومين كاملين بسبب الألم في ذراعك الذي سببه الالتفاف الخطير." ضحك ثيودور بصوت مرتفع، ثم وضع يده على قلبه وكأنه تلقى طعنة. " يا صديقي، كان عليك على الأقل أن تدعني أحتفظ بكرامتي هنا أمام الجميع." "لا أعتقد أن لديك كرامة لتحتفظ بها." "قسوتك لا تحتمل، فيليو." كان الحديث بينهما سهلاً، عفويًا، كالمعتاد. لكن رغم ذلك، لم يستطع فيليو منع نفسه من الشعور بالملل، عيناه تتنقلان بين الأروقة الحجرية والزينة المتدلية. لم يكن هناك شيء يجذب انتباهه. "على الأقل أخبرني، كيف كان تدريبك الأخير؟" سأله ثيودور فجأة، محاولًا كسر الصمت. فيليو لم يجب على الفور، لكن بعد لحظة قصيرة، قال، "كان كالمعتاد." "بمعنى أنك تفوقت على الجميع، أليس كذلك؟" "أنت تقولها وكأنها مفاجأة." "أوه، ليست مفاجأة على الإطلاق." ضحك ثيودور، قبل أن يرد عليه، ظهر وجه مألوف بين الحشود. كانت يولاليا، مرتدية فستانًا غجريًا بلون الخمري العميق يناسب لون شعرها و اعينها القرمزية، مطرزًا بخيوط ذهبية، وشعرها مربوط بضفيرة جانبية طويلة، بينما كانت ترفع طرف تنورتها قليلًا وهي تخطو عبر الساحة بحيوية. عيناها تتوهجان بالحماس. "أخيرًا، لقد وصلت." قال ثيودور وهو يفتح ذراعيه كما لو أنه كان على وشك استقبالها بعد غياب سنوات. "كنت ستبدأ بالبكاء لو تأخرت أكثر، أليس كذلك؟" قالتها وهي تبتسم، "لم أكن أريد أن أتركك تنتظر، لكنك تعلم أن الجمال يحتاج إلى وقت." ردت بابتسامة ماكرة، ثم نظرت نحو فيليو. "يبدو أنك لا تزال تحمل هذا الوجه المتجهم حتى في يوم احتفالي، فيليو." "وأنتِ لا زلتِ تتحدثين كثيرًا. كما انني لا أجعل الناس ينتظرون مثلك." ضحك ثيودور على تعليق فيليو، بينما قامت يولاليا بتجاهله و رفع حاجبها: "أين جوليانا؟" "لم تصل بعد." قال فيليو وهو يعقد ذراعيه. "لكن على الأغلب هي داخل الأكاديمية، قالت إنها بحاجة إلى أخذ شيء من جناحها قبل أن تأتي." "إذن، هل تريد مني مرافقتك للبحث عنها؟" هز فيليو رأسه بنفي. "لا، يمكنني التعامل مع الأمر.. ابق مع يولاليا" لكن قبل أن يتمكن من التحرك، ظهرت أحدى معارف يولاليا، لوّحت لها بحماس، ثم استدارت نحو ثيودور قائلة: "سأذهب لتحية بعض الأصدقاء القدامى، هل تمانع إن رافقتني؟" "بالطبع لا، خذي وقتك." وهكذا، بقي فيليو وحيدًا. تنهد بعمق، ذلك النوع من التنهدات التي تشير إلى أن الإنسان قد فقد السيطرة على يومه منذ اللحظة التي بدأ فيها. كان متجهًا نحو الجناح السكني بحثًا عن ابنة عمه جوليانا، التي كالعادة اختفت بين الحشود بينما تُرك هو وحيدًا وسط هذا الكم من الصخب. ...كان يومًا طويلاً، وهو بالكاد يجد تلك المخلوقة التي تتمتع بقدرة خارقة على الاختفاء في اللحظات الحرجة، تاركةً إياه وحيدًا يتلقى نظرات الفتيات وكأنه قطعة لحم طازجة ألقيت وسط سرب من الصقور الجائعة. بدأ بالسير داخل الأكاديمية، كان يسير بين الطرقات الحجرية المزينة كان المكان أكثر هدوءًا مقارنة بالساحة الخارجية، الأضواء الخافتة تلقي بوهج دافئ على الجدران الحجرية القديمة. كان كل شيء هادئًا نسبيًا، كل ما أراده هو إنهاء هذه المهمة والعودة إلى... لكن مهلاً.... كان هناك صوت معين. رنّة خفيفة، ناعمة، متكررة، كأنها قطع ذهبية صغيرة تصطدم برفق مع خطوات صاحبها. نظر للأمام... وفي أقل من ثانية، اصطدم بشيء....أو بالأحرى، اصطدم بشخص. وفي أقل من ثانية أخرى، أدرك أنه لن ينجو من هذا اليوم بكرامة سالمة. لقد سقط... ليس هو.. ما سقط لم يكن جسده، بل قلبه. لم يكن سقوطًا جسديًا، بل سقوطًا كاملا، كأن قدميه لم تعودا تعرفان الأرض، كل شيء من حوله أصبح خفيفًا، طافيًا، كما لو أنه فقد وزنه بالكامل. جسده تيبّس للحظة، كان التصادم عاديًا من الناحية الفيزيائية، لكنه بالنسبة لعقله الطائش، كان أشبه بنيزك اخترق حياته بلا سابق إنذار.. الزمن تباطأ، الموسيقى الدرامية بدأت تعزف في الخلفية، والألوان أصبحت أكثر إشراقًا. وللحظة، تلاشى المهرجان، وتحوّل العالم إلى مشهد بطيء من فيلم رومانسي رديء، حيث تهب الرياح في الاتجاه المثالي، وتلمع الإضاءة بطريقة غير واقعية. شيء ما بداخله تجمد عندما وقعت عيناه على الفتاة التي صدمته. ...حيث التقت أعينه بزوج من الاعين البنية الحادة. نفس العيون التي رآها في اليوم الأول... لكنها هذه المرة لم تكن مجرد ملاحظة عابرة... الضوء أحاط بها بطريقة لم تكن عادلة، كأنه اختارها دونًا عن الجميع ليجعلها أكثر سحرًا مما يمكن أن يكون عليه أي شخص آخر في هذا المكان.. كانت موجة من الذهب والعطر، اصطدمت به بعنف خفيف، لجزء من الثانية فقط، لكنها كانت كفيلة بأن تحبس أنفاسه، الذهب. ذهب في كل مكان.. يزينها بالكامل، رافضةً وجود أي عنصر آخر في حياتها.. الخلخال الرنان في كاحلها، الأساور المتعددة على معصميها، الخواتم التي غطت أصابعها الطويلة بطريقة مثالية. ولكن هذا لم يكن أكثر ما صدمه..... وجهها.... كانت جميلة. لكن ليس الجمال العادي الذي اعتاد رؤيته، بل كما لو أنها خلقت لتعمي ببريقها و تبهر الآخرين. أنه الجمال الذي يفترض أن يكون غير قانوني في سبعة عشر مملكة على الأقل لأن تأثيره قد يؤدي إلى مشاكل نفسية مزمنة. ترتدي فستانا ذهبيا، مطرز بخيوط ناعمة مزينًا بتطريزات معقدة تعكس الضوء كلما تحركت، شعرها الطويل البني، الذي يبدو وكأنه مصنوع من الذهب المصهور، تحرك برقة حول وجهها يسخر منه، يذكره بأنه الآن رسميًا في ورطة لن يخرج منها سالمًا، تطاير خلفها، والريح تلعب به خصلاته تتشابك وتنفصل مع كل حركة، انسدل من تحت وشاح رقيق غطى جزءًا من وجهها.. على طرف عينها اليسرى، كان هناك خانتان صغيرتان، متقاربتان كعلامة تميزها عن الباقين.. وأخرى خفيفة على وجنتها اليمنى. هذا ليس عدلاً.. هذا غش صريح.. كيف يُفترض بأي رجل أن يحتفظ بعقله في وجود فتاة بهذا المستوى من الفتنة؟ لقد انتهى أمره. هذه المرة، لم يكن بإمكانه التظاهر بأنه لم يشعر بشيء. هذه المرة، لم يكن مجرد اهتمام غامض... بل كان شيئًا أعمق بكثير. خلخالها رنّ بخفة مع خطواتها المرتبكة، وفي لحظة، رفعت رأسها نحوه مباشرة... والأسوأ؟ القدر قرر أن يمنحه الضربة القاضية. لقد ابتسمت.. ليتها لم تفعل. لم تكن ابتسامة كاملة، مجرد اعتذار سريع قبل أن تهمّ بالتحرك مجددًا، كانت ابتسامتها خاطفة، لكنها ظهرت بوضوح، ومعها ظهرت غمازتها العميقة، ذلك التفصيل الصغير الذي نقش خصيصًا على وجهها لإتمام عملية القضاء عليه.. كانت نقطة ضعف لا تقبل المقاومة. شعر وكأنه طفل يقف أمام موجة بحرية ضخمة، يعرف أنها ستأخذه، لكنه لا يستطيع الحراك، ولا يريد ذلك. يا إلهي... في تلك اللحظة، أدرك أنه انتهى. لم يكن هناك خلاص. كان سقوطه كاملاً، ساحقًا، غير قابلٍ للإصلاح. أراد أن يتحدث، أن يقول شيئًا، أي شيء... لكنها سبقته. "آسفة." لا تعلم انها تعتذر عن سحق آخر ما تبقى منه. ثم انحنت برشاقة طفيفة، تعتذر عن الاصطدام. كلمة بسيطة، لكن صوتها كان خافتًا، عميقًا، يحمل بحة مميزة، لم تمنحه فرصة ليستوعب ما حدث. لأنها ببساطة... استدارت، وأكملت جريها. تاركة خلفها رنين خلخالها، ذلك الصوت الذي لن ينساه أبدًا، الذي التصق بأذنه كما التصقت صورتها بعينيه. كان بإمكانه أن يوقفها، أن يسأل عن اسمها، أن يقول أي شيء... لكنه لم يفعل. لم يستطع. ظل واقفًا هناك، في منتصف الممر يحدق في الفراغ، كتمثال روماني، محطم من الداخل، متسائلًا كيف يمكن للإنسان أن يقع في الحب خلال أقل من ثلاث ثوانٍ ونصف؟ لم يكن يعرف اسمها، لم يكن يعرف من تكون، لكن هناك شيء واحد كان يعرفه تمامًا. "أجل، لقد انتهى أمري." لقد وقع. وقع بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ......... وقف فيليو في مكانه، متصلبًا كتمثال حجري، بينما عقله يحاول استيعاب ما حدث للتو. الممر كان خاليًا الآن، لا شيء سوى ضوء المصابيح على الجدران الحجرية، ورائحة العطر الخفيفة التي تركتها وراءها... لكن عقله كان في فوضى مطلقة. لقد اصطدمت به. نظرت إليه. قالت "آسفة". ثم اختفت. وهو... وقع في الحب. ... ممتاز. هذا تمامًا ما كان ينقص حياته. نظر حوله، وكأنه يتوقع أن يجد إجابة على أحد جدران الأكاديمية، والان اصبح يتخيل ان المصابيح المعلقة بدأت ترمقه بنظرات شفقة خافتة، "انا حقا مثير للشفقة." تمتم أخيرًا، محاولًا إعادة توجيه مسار حياته بعيدًا عن السقوط الذي واجهه للتو. مرّت بضع دقائق، ربما خمس، ربما عشر... أو ربما قرنٌ كامل، وهو لا يزال في حالة صدمة.. أكثر مما يجب لرجل مثله. [ما الذي حدث للتو؟ هل كنت في حلم يقظة؟ هل سحرتني؟ لا، لا، لا، مستحيل... أليس كذلك؟] لكنه كان متأكدًا... إنها نفس الفتاة التي لاحظها في اليوم الأول. لكن هذه المرة... لم يكن بإمكانه أن يتجاهلها. الآن، لم يكن بإمكانه نسيان تلك العيون الذهبية، أو صوت خلخالها، أو الطريقة التي رنت بها كلمتها الوحيدة في أذنه وكأنها تعويذة. "آسفة." أغمض عينيه، زفر، ثم فتحهما مجددًا ببطء. "اللعنة." أجبر نفسه على التحرك مجددًا، أكمل طريقه عبر الممرات، وعندما وصل إلى الساحة الخارجية، لم يستطع ملاحظة أحد تقريبًا... حتى رأى جوليانا. وأكبر محقق نفسي غير معتمد في الإمبراطورية. كانت واقفة هناك، تنظر إليه بنظرة تحمل مزيجًا خطيرًا من الفضول والريبة. وهو لا يريد أن يسمع محاضرة منها عن كيف أنه تأخر مرة أخرى—خاصة وأنه لم يكن لديه أي عذر معقول هذه المرة. كانت ترتدي فستانًا رماديا غجريًا مزينًا بخيوط فضية، شعرها الأسود الطويل كان مربوطًا جزئيًا، وذراعاها معقودتان أمامها بينما حولها مجموعة من صديقاتها، لكن ما إن لاحظها فيليو حتى رفعت حاجبها ببطء شديد.. عينيها كانتا تحدقان فيه بتدقيق مريب. رفع حاجبه. "ما خطب هذه النظرة؟" "أنت شارد الذهن." "... لا، لست كذلك." اللحظة التي أنهى فيها جملته، أدرك كم يبدو كاذبًا. لكن فات الأوان. وهي لم تصدقه للحظة واحدة. "أوه، لا تحاول الكذب عليّ، فيليو.. أنت شارد لدرجة أنك لم تلاحظ أنني كنت أراقبك منذ دقيقتين." "هذا غريب جدًا، جولي." ضحكت بسخرية. "أنت الأغرب هنا." وضعت يديها على خصرها، وواصلت تحليلاتها الجادة: "شيء ما حدث لك، وأنا أعرفك أكثر مما تتصور." زفر، رفع يده ليمرر أصابعه في شعره، لكنه لم يجد أي رد دفاعي منطقي. "كنتَ تمشي كالأبله، تحدق في اللاشيء، وتتمتم بكلمات غامضة."" "...لم أكن أتمتم." "بل كنت تفعل" تنهّد. هل يقول لها؟ هل يخبرها عن الذهبية الذي صدمته وألقت بمنطقه ورزانته في القمامة؟ ...لا. رفع يده بكسل وقال، "جولي، صدقيني، لن تفهمي حتى لو شرحت." نظرت إليه بصمت للحظة، وضعت يديها على خصرها: "حسنًا، حسنًا، سأدعك تعيش مشاكلك لوحدك." ثم استدارت لتنضم إلى صديقاتها. "لكن أريد التفاصيل لاحقًا، واضح؟" اكملت مشيها، لكنه سمعها تتمتم لنفسها: " هذا سيكون ممتعًا." نظراتها كانت تقول شيئًا واحدًا فقط: "لقد وقعت يا أحمق، وعاجلاً أم آجلاً، سأجعلك تعترف." لأنها في الحقيقة... كانت تبحث عنه أيضا في ذلك الوقت، ولحسن حظها كذلك، صادفته عندما اصطدم بتلك الفتاة ورأت كل شيء من صدمته الى تصنمه في مكانه.. وبكونها خبيرة عالمية في الروايات الرومانسية و الحب، علمت أن شيئا ما تغير في مشاعر أخيها، لكنها لن تتدخل في الوقت الحالي...لذا اكملت طريقها بسرعة حتى لا يراها و يعلم بوجودها... ... سمع فيليو بعض التمتمات لكنه لم يهتم. ولحسن الحظ، جولي قررت أنها غير مهتمة بحشر أنفها أكثر، لوّحت له قائلة، "لا تختف مجددًا، أو سأفترض أنك دخلت في شجار آخر." لم يرد عليها، فقط رفع يده بتكاسل، وراقبها تبتعد، ثم زفر ببطء. [نجوتُ من الاستجواب... بالكاد.] ...... عندما وصل إلى وسط المهرجان، كان كل شيء ينفجر بالحياة: الأضواء الذهبية تتناسب مع إيقاع الموسيقى الغجرية، وروائح الطعام تعبق المكان، وحشد كبير من الناس. وسط صخب كان فيليو يمشي بثبات، ملامحه لا تزال متجمدة منذ لحظة الاصطدام. صوت الموسيقى، الأضواء الساطعة، والضحكات المتناثرة من حوله لم تكن كافية لإعادته إلى الواقع. كانت هنا، في مكان ما. لكنه لا يعرف اسمها. ولا أي شيء عنها. ولا حتى كيف يعثر عليها. ... حسناً، الخطة ليست مثالية، لكنه لم يكن ينوي الاستسلام بهذه السرعة. وسط هذا كله، بالقرب من إحدى الأكشاك، رأى ثيودور، في قمة الاستمتاع، ممسكًا بكوب عصير في يد وقطعة لحم مشوي في الأخرى، يثرثر مع البائع عن أهمية التتبيلة الجيدة، بدت كمسابقة "لأفضل المهارات الاحترافية في الشواء". كأنه لا يعيش في نفس العالم الذي يعاني فيه فيليو. لمحه ثيودور قادمًا، فاتجه نحوه، ممسكًا بكوب عصير وهو يرتشف منه ببطء، غير مدرك لحالة صديقه الغريبة. "أخيرًا! استغرقت وقتًا أطول مما توقعت، ماذا كنت تفعل؟ تتأمل حياتك المزرية؟" لكن فيليو لم يرد عليه. وقف أمامه مباشرة، عاقدًا ذراعيه، ونظر إليه بجدية.. كأنه على وشك إعلان حرب عالمية. "ثيودور." "نعم؟" "لقد وقعت في الحب." توقف ثيودور عن المضغ. ثم رفع يده ببطء شديد، وضع قطعة اللحم جانبًا، ونظر إلى فيليو وكأنه فقد عقله بالكامل. "... ماذا؟" "أنا واقع في الحب." كرر فيليو بنفس الهدوء القاتل. ثيودور فتح فمه، ثم أغلقه، ثم فتحه مجددًا، ثم هز رأسه بعنف. لم يرمش. لم يتنفس حتى. ثم، ببطء شديد، رفع كوب العصير إلى شفتيه، أخذ رشفة طويلة، ابتلعها، ثم قال بكل جدية: "آه، حسنًا، هل قتلت شخصًا؟" "... ماذا؟" "لا، فقط أتأكد، لأن هذا سيكون منطقيًا أكثر من الذي قلته للتو." " ثيودور اللعنة، أنا جاد، لدي مشكلة." ثيودور تجمد، ثم نظر إليه بريبة، ومضغ ببطء. "أوه... حسنًا، هل المشكلة كبيرة لدرجة أنك نسيت إلقاء التحية حتى؟" "لا وقت للتحيات. نحن في حالة طوارئ." "... اذن لقد قتلت شخصًا؟" "ماذا؟ لا!" "جيد، لأنني لا أريد أن ألطخ ملابسي بالدماء، لقد اخترت هذا الزي بعناية." "ثيودور، توقف عن الهراء." "حسنًا، حسنًا، ما هي المشكلة إذن؟" "أخبرتك... وقعت في الحب." مرر يده في شعره، ثم نظر إليه بعينين ضيقتين. "هذه مزحة، صحيح؟ هل تراهن معي على شيء؟ هل هذه لعبة ذهنية؟" "لا." "... هل أصبت بحمى؟ فقدت وعيك؟ هل تلقيت لكمة قوية على رأسك؟" "ثيودور، توقف." ثيودور لم يتوقف.. بل أصبح أكثر درامية. "لا، لا، لا، انتظر، توقف، أحتاج إلى إعادة ضبط دماغي." "...اسمح لي أن أستوعب هذا." رفع يديه وكأنه يوقف الزمن. "لقد تركتك وحدك لدقائق معدودة، والآن عدت إليّ وأنت في حالة حب؟" "نعم." "... هذه أغرب جملة قلتها في حياتك، وأنت قلت الكثير من الأشياء الغريبة من قبل." ثم رفع يده في وجه فيليو وكأنه يطلب استراحة. "... لقد تركتك وحدك لمدة بضع دقائق." "أعلم." "لم يكن يفترض أن يحدث شيء مثير." "أعلم." " اسمعني جيدًا، كنت أتوقع أن أعود وأجدك كما أنت، ربما غاضبًا، ربما منزعجًا" استدار ثيودور نحوه بالكامل وأكمل بعصبية: "ولو كنت أريد أن أراهن على أي شيء غريب قد يحدث اليوم، لكنت توقعت أن تعود إليّ بعد أن تحطم وجه احد الاساتذة أو ربما أن تشنق ولي العهد بحزامه في لحظة غضب..." ثم أشار إليه بإصبعه: "لكن أن تعود لي وأنت مغرم؟! هذا غير طبيعي!" فيليو فقط رفع حاجبه كما لو أن كل هذا طبيعي تمامًا. أخذ نفسًا عميقًا، وأكمل بنبرة حاسمة."أنا أبحث عن الفتاة." ثيودور سمع للتو اكثر جملة لم يتوقع من فيليو أن يقولها في حياته كلها. "... ماذا؟" "أريد أن أجدها." "... لأي سبب؟" "اصطدمت بها." "... و؟" "وهذا كل شيء." حدق فيه ثيودور بصمت، ثم أغمض عينيه، أخذ نفسًا عميقًا، ثم فتحهما مجددًا. "... هذا كل شيء؟" "نعم." "مجرد اصطدام؟" "نعم." ثيودور نظر إليه مطولًا، ثم غطى وجهه بيديه. "يا إلهي، لقد فقدت صديقي رسميًا." "ساعدني في إيجادها." أنزل ثيودور يديه بسرعة، نظر إلى فيليو وكأنه للتو قال أغبى شيء في العالم. "إيجادها؟" "لا أعرف اسمها." "..." "ثيودور، لا تبدأ." "لا، لا، دعني فقط..." نظر ثيودور بعيدًا بعدما اكمل فيليو سرد القصة، أخذ نفسًا عميقًا، ثم عاد لينظر إليه. "أنت، فيليو باليوتي، دوق الشمال، أقوى شخص في الأكاديمية، والحاكم الحالي لعائلتك، وقاهر جميع المبارزين، وأكبر كابوس للعائلة المالكة.. اصطدمت بفتاة، حدقت فيها لخمس ثوانٍ، وهي قالت 'آسفة'... والآن تريد أن تجدها لأنك قررت أنك واقع في الحب؟" "... نعم." حدق فيه ثيودور لفترة أطول، ثم استدار بعيدًا ببطء، رفع عينيه للسماء، وضع يديه على رأسه وكأنه يحاول استدعاء صبر إلهي من العدم. فيليو فقط ظل ينظر إليه ببرود، وكأن هذه ليست مشكلة كبيرة على الإطلاق. "هذا ليس موضوع النقاش الآن." قال بهدوء قاتل: "علينا أن نجدها." ثيودور شهق مرة أخرى. "يا رجل، لا نعرف حتى اسمها! كيف من المفترض أن نجد فتاة وسط مئات الأشخاص؟" "أنت ذكي، فكر في طريقة." "ذكي، نعم.. مستدعي؟ لا.. لا أستطيع استدعاء الفتيات من العدم!" نظر فيليو حوله، وكأنه يتوقع أن تظهر الفتاة المجهولة أمامه فجأة، ثم زفر بصوت منخفض. "كانت ترتدي فستانا ذهبيًا." توقف ثيودور للحظة، ثم رفع حاجبه، وأشار إلى الساحة التي كانت تعج بالفتيات المرتديات للألوان الذهبية. "أوه، رائع، هذا يضيق الاحتمالات من خمسمائة فتاة إلى... ربما مئتين؟" فيليو تجاهل سخريته، حدق في الساحة التي كانت تعج بالمحتفلين.. كان الناس يتجولون بين منصات الطعام، والراقصات كن يتأهبن للعروض، والموسيقى كانت تعلو مع كل لحظة. كانت هنا. هو متأكد من ذلك. لكن كيف سيجدها؟ ثيودور مرر يده في شعره، ثم رفع حاجبه فجأة وكأنه تذكر شيئًا. "انتظر... قلت إنك اصطدمت بها في ممر داخل الأكاديمية، صحيح؟" "نعم." "وكانت تجري؟" "نعم." "وكانت ترتدي ملابس غجرية؟" "نعم." صمت لثانية، ثم رفع يده ليصفق ببطء، تعبيره ساخر تمامًا. "أوه، يا لها من مفاجأة عظيمة! إنها... إحدى الراقصات!" توقف فيليو عن التفكير للحظة، ثم حدق في ثيودور بنظرة خالية من التعابير. "كان يمكنك أن تقول هذا قبل خمس دقائق." "آه، آسف، كنت مشغولًا بمحاولة استيعاب أن صديقي وقع في الحب عبر حادث اصطدام." "... أنت متأكد؟" "هل تريدني أن أرسم لك مخططا يؤكد ذلك؟!" مرر ثيودور يده في شعره، ثم أغمض عينيه. "لا أصدق... لقد استغرقت وقتًا أطول من اللازم لاكتشاف شيء بديهي كهذا." فتح عينيه مجددًا، ثم نظر إلى فيليو، وتحدث ببطء. "اذا... خطتك الآن هي الوقوف هنا، ومراقبة كل راقصة تمر، على أمل أن تجدها؟" "نعم." "... يا رجل، هذه أغبى خطة سمعتها منك في حياتي." "أعرف." "وأنت لا تزال مصرًا عليها؟" "أجل." ثيودور شهق مرة أخرى، ثم أشار إلى السماء: "يا إلهي، أهذا هو نفس الرجل الذي يشتهر بعبقرية وكونه نابغة يظهر مرة في القرن؟!" حدق فيه للحظة اخيرة، ثم زفر واستسلم. "حسنًا، حسنًا، فلنبحث عن فتاتك المجهولة." ثم، بعد ثانيتين، تمتم، "لكن لا تتوقع مني أن أرقص إذا قررتَ فجأة أنك بحاجة إلى لفت انتباهها." ضحك فيليو بخفة على غباء صديقه، أعاد نظره إلى الساحة التي بدأت تتجمع فيها الفتيات اللاتي سيؤدين الرقصة الغجرية. إذا كانت إحداهن، فهذا يعني أن لديه فرصة لرؤيتها مرة أخرى. لكن هذه المرة... لن يتركها تختفي بسهولة. .... كان من المفترض أن يكون مجرد مهرجان عادي. كان من المفترض أن يأتي، يتجول قليلًا، يراقب جوليانا تتصرف كالأخت الصغيرة المزعجة التي هي عليها، يستمع لسخافات ثيودور المعتادة، وربما—وربما فقط—ينتهي به الأمر في شجار مع شخص ما إذا ساءت الأمور. لكن... لم يكن من المفترض أن يقع في الحب. جلس فيليو على أحد المقاعد الحجرية، عيناه تمسحان الحشود، عقله يحاول أن يستوعب كيف، ولماذا، ومتى بالضبط قرر أن يصبح شخصية رئيسية في قصة رومانسية رخيصة كهذه. حاول أن يعيد المشهد مرارًا وتكرارًا، وكأنه غير قادر على تصديقه بالكامل بعد. كيف يمكن لشيء بهذه البساطة أن يكون بهذه القوة؟ كيف يمكن أن... توقفت الموسيقى. ثم، بعد لحظات، انطلقت نغمة جديدة.. كانت أغنية غجرية نابضة بالحياة، إيقاعها ساحر بطريقة تدفعك للحركة حتى لو لم تكن تنوي ذلك. فيليو لم يكن مهتمًا بالحفل في البداية، أدار رأسه لا شعوريًا نحو مصدر الصوت... ثم رآها. كانت فرص العثور عليها ضئيلة... لكن كما يبدو، القدر لم يكن مهتمًا بجعل الأمور منطقية اليوم. كانت هناك. وسط الساحة، وسط الحشد، وسط كل شيء... تدور بخفة، خطواتها متناغمة مع الإيقاع، وشاحها يرفرف حولها كأنه جزء منها، الأساور في يديها وخلخالها الذهبي يصدران صوتًا متناغمًا مع الموسيقى. كل حركة، كل لفتة، كانت... محترفة تمامًا...سلسة، تحمل نوعًا من السعادة. يا إلهي. كانت كالشعلة الذهبية، شعرها المنسدل يلمع تحت أضواء الفوانيس، أعينها التي لم يرها سوى للحظة واحدة في الممر كانت مشرقة أكثر الآن، كل شيء فيها كان حيًا... متألقًا. لكن المشكلة الكبرى؟ حسنًا، كان هناك مشكلة كبيرة جدًا في وجهها. كان... جميلًا جدًا. بطريقة وقحة. بطريقة غير عادلة. بطريقة تجعلك ترغب في الشكوى إلى المسؤول عن توزيع الجينات في هذا العالم. فيليو لم يكن رجلاً يتأثر بسهولة، لكن... يبدو أن هناك استثناءات لكل قاعدة. "وجدتها." قالها فيليو بصوت منخفض، دون حتى أن يدرك. لكن ثيودور، الذي كان بجانبه يتناول وجبته بسعادة تامة، رفع رأسه ببطء. "ماذا؟" لم يرد عليه. كان لا يزال يراقبها، لا يزال يحاول استيعاب حقيقة أن الكون، في لحظة عبثية تمامًا، قرر أن يضع أمامه كل شيء لم يكن يعلم أنه يريده. ثيودور تتبعه بنظره، ثم رأى الفتاة التي كان فيليو يحدق بها وكأنها الشمس ذاتها. توقف.. رمش.. ثم فتح فمه. "أوه، لا، لا، لا، انتظر لحظة، هل نحن جادون الآن؟ هل هذه ليست مجرد نوبة إعجاب عابرة؟" "لا" "مستحيل، كيف؟! كيف—" "لا أعلم، ولا يهمني." ثيودور حدق فيه وكأنه رأى شبحًا. "فيليو، هل أنت تسمع نفسك؟ أنت لا تتحدث بهذه الطريقة أبدًا." لكن فيليو لم يكن يسمع أي شيء في هذه اللحظة. كل ما كان يسمعه هو الموسيقى، صوت خلخالها، وضربات قلبه التي لم تعجبه إطلاقًا. "حسنًا، حسنًا، فقط... فقط دعني أستوعب هذا." تمتم ثيودور، وهو يمرر يده في شعره. "أنت الآن مغرم؟" "نعم." "لا، لا، لا، هذا لا يمكن أن يكون حقيقيًا. ماذا حدث لكل دفاعاتك؟ لكل برودك؟ لكل رفضك لفكرة الحب؟!" فيليو زفر ببطء. "ثيودور، اسمعني جيدًا..." "لا، لا، أنت من عليك أن تسمعني!" قاطعه ثيودور بإصرار. "هذه كارثة! هذا ضد كل قوانين الطبيعة! لم يكن من المفترض أن تقع في الحب قبل أن تبلغ الستين على الأقل!" فيليو لم يرد، فقط رمقه بنظرة باردة، مما جعل ثيودور يتنهد بيأس. "... حسنًا، حسنًا، فقط أخبرني بشيء واحد." "ماذا؟" "هل أنت متأكد أنك لم تُصب بتسمم غذائي؟" "... ثيودور." "حسنًا، كان يجب عليّ أن أتأكد." فيليو زفر من جديد.. لماذا طلب مساعدته حتى؟ لكن ثيودور لم يكن قد انتهى. "إذن، حبيبتك هي هذه؟ رائع. كنت أتمنى أن تكون ساحرة مظلمة أو قاتلة مأجورة أو شيء أكثر درامية، لكن لا بأس، يمكنني العمل مع هذا." فيليو لم يهتم بسخريته. كان لا يزال يراقبها، متجمدًا تمامًا. في نظره، كانت الوحيدة في المكان. ثيودور لوّح بيده أمام وجهه. "أهلاً؟ هل عدت لعالمنا أم أنك رسمياً تحولت إلى منحوتة بشرية؟" فيليو زفر، ثم تمتم، "أنت عديم الفائدة." "... ماذا؟" "لم تساعدني في شيء." "يا رجل، لقد وجدتها بنفسك، كيف يكون هذا خطئي؟" "لا أعلم، لكنني قررت أنه خطؤك." ثيودور وضع يديه على خصره، ثم تنهد ببطء. "فيليو، هل تدرك حجم المأساة التي أصابتك؟" "أية مأساة؟" "لقد وقعت في حبها." "... كنت أدرك ذلك بالفعل." "نعم، لكن لا يبدو أنك تستوعب الموقف حقًا." ثيودور ربت على كتفه، ثم نظر إليها مجددًا. "أتعلم؟ إنها عادية نوعا ما... لكن هناك مشكلة واحدة." رفع فيليو حاجبه. "ما هي؟" ثيودور ابتسم بمكر، "لا أعتقد أنها لاحظتك حتى." وهذا كان صحيحًا تمامًا. لكنها لم تهتم لأي شيء حولها. كانت غارقة في الرقص، في الإيقاع، في اللحظة. كان هذا وقتها الخاص، مكانها، مساحتها... ولم يكن هناك شيء آخر يهم. وفيليو؟ حسنًا، كان عليه أن يغير ذلك قريبًا جدًا. .......... كان يجب أن تصل في الوقت المحدد الذي لم يكن في صفها أبدًا. ركضت عبر الممرات الحجرية، محاولة ألا تتعثر في ثوبها.. أو تتسبب في أي حادث في الطريق. [حسنًا، كل شيء يسير بسلاسة، لم تقع أي كارثة حتى الآن.] كانت بالفعل قد استعدت ذهنيًا لمواجهة أي مصيبة محتملة. لكن، كالعادة، الكون لديه خططه الخاصة. الساحات الخارجية مليئة بالحشود، لكنها لم تكن قادرة على التوقف لتتأمل.. كان هناك بالفعل الفتيات يتهيأن للرقصة، الأزياء تتلألأ تحت الأضواء، والطبول بدأت تعزف الإيقاع الأول. جرت بسرعة،" ليس الآن، لا يمكنني التأخر." كل خطوة تخطوها كان يصاحبها رنين خلخالها، وكلما تسارعت خطواتها، كلما ازداد ذلك الصوت الأساور الذهبية المتعددة التي تحيط بمعصمها تصطدم ببعضها، محدثة صوتًا خفيفًا متناسقًا مع ضربات قلبها المتسارعة. كان كل شيء يسير بشكل جيد... الطريق شبه خالٍ، الجميع تقريبًا كانوا قد تجمعوا في الساحة، مما جعل رحلتها سلسة... استدارت عند أحد تقاطعات الممرات داخل الأكاديمية، محاولة أخذ طريق مختصر عبر الأروقة الحجرية القديمة، لكن—هنا، انتهى حظها المؤقت. اصطدمت بشيء. أو بالأحرى، بشخص. أو بالحقيقة المؤلمة أن الحياة قررت إسقاطها في مصيبة لم تكن مستعدة لها. شعرت بجسد صلب يصطدم بها، قوي بشكل غير منطقي، لم يكن مجرد اصطدام خفيف. كان تصادمًا قويًا بما يكفي لجعلها تترنح للخلف، وارتفع صوت رنين خلخالها بشكل أعلى.. شعرها تناثر حول وجهها، وأخذت لحظة حتى تستعيد توازنها... توقفت في مكانها للحظة قصيرة.... رفعت رأسها بسرعة، كانت على وشك الاعتذار تلقائيًا، لكن— لكن عندما فعلت... تجمدت. [ حظي العزيز... لماذا لم تخبرني أننا سنرتطم بإحدى التماثيل المقدسة اليوم؟] [... أوه...لا......أريد إعادة هذا اليوم من البداية] لقد صادفت للتو أجمل كارثة وقعت فيها على الإطلاق. عيناها التقتا بعينين سوداويتين حالكتين، أعمق من الليل ذاته، أكثر برودًا من الجليد، لكن... لم تكن فارغة.. لا، كان هناك شيء آخر، كان هناك شيء ما في نظرته، شيء جعل عقلها يقرر أن يتوقف عن العمل لثانية إضافية. كان الرجل الذي أمامها طويل القامة، بشكل يجعل من الصعب ألّا ترفعي رأسك للنظر إليه، شعره الأسود الفاحم يتناقض بشدة مع بشرته الفاتحة، كان فوضويًا قليلاً بطريقة مدروسة، كأنه استيقظ للتو لكنه لا يزال وسيمًا بشكل غير عادل و ملامحه منحوتة بحدة لا يمكن تجاهلها، بنيته كانت قوية، لكن دون مبالغة، طريقته في الوقوف كانت أشبه بشخص اعتاد السيطرة على كل شيء حوله. [... حسنًا، ماهذا بحق الجحيم؟] لقد رأت رجالًا وسيمين من قبل، بالطبع. لكن هذا؟ هذا كان وسيمًا لدرجة غير قانونية. ببساطة.... وسيم لدرجة تجعل القوانين الفيزيائية نفسها تنهار أمامه. [... حسناً، كيف يمكنني أن أصف هذا؟ كأن الكون قرر أن يضع كل جينات الكمال البشري في رجل واحد فقط، ثم ألقى به في طريقي بدون تحذير] نظرت إليه، نظر إليها. صمت. صمت أطول من اللازم. [لماذا لا يقول أي منا شيئًا؟ هل نحن عالقون في مشهد درامي أم ماذا؟] مرت ثانية واحدة فقط، لكنها بدت وكأنها استمرت للأبد. [لا، انتظري، ركّزي يا سونارا! لديك رقصة، لديك هدف! لا تضيعي في هذا الوجه.] لكن عقلها كان في حالة تمرد كامل. [...لكن انظري إليه فقط؟ كأنه منحوت من قبل فنان كان غاضبًا من بقية الرجال وقرر أن يجعل البقية يبدون غير ضروريين في حياتنا.] ثم... ارتكبت أكبر غلطة في حياتها. نظرت إلى فمه. [الشفاه! لاااااا! لا تنظري إلى الشفاه! خطأ تكتيكي! سونارا، تراجعي فورًا!] [لاااااااااا! لماذا فعلتِ ذلك يا سونا لماذا؟!] لكن لا، عقلها الخائن سجل كل شيء. كان مثاليًا. النوع الذي يجعلك تتساءل: "ما الذي أكلته والدته أثناء حملها ليخرج بهذا المظهر؟" كان... كان... [... حسنًا، حسنًا، لم أكن أعلم أن هناك كائنات بشرية تأتي بهذا المستوى من الجمال.. أين كان يختبئ هذا المخلوق كل هذا الوقت؟] استوعبت متأخرة أنها لا تزال تحدق. ثم أدركت الكارثة الحقيقية. لقد كان ينظر إليها. ليس بنظرة عادية، بل بنظرة شخص رأى شيئًا جعله يتجمد للحظة تمامًا مثلها. كان الأمر غريبًا... وكأنه رأى فيها شيئًا لم يكن يتوقعه على الإطلاق. حدقت كثيرًا. بل حدقت أكثر مما ينبغي. لحسن الحظ، فمها أنقذها قبل أن يتحول هذا إلى كارثة أكبر. أجبرت نفسها على التنفس، ابتسمت بسرعة، مجرد ابتسامة اعتذار، ثم قالت بصوت خفيف، "آسفة." خرجت الكلمة بسرعة، وكمحاولة يائسة لإنقاذ نفسها من الإحراج القاتل الذي كانت على وشك الوقوع فيه. لكنها رأت ذلك.. كان واضحًا. رأت كيف تجمد للحظة.. كيف لمعت عيناه، كيف توترت أنامله، كيف بدا وكأنه يحاول فهم شيء لم يكن مستعدًا له. لكن لم يكن هناك وقت لهذا! عليها أن تهرب...فورا. ركضت بعيدًا باقصى سرعتها قبل أن تتمكن من ارتكاب المزيد من الأخطاء.. وقبل أن ينهار تحكمها بالكامل. لكنها لم تستطع أن تتوقف. لقد تأخرت بالفعل، وإذا لم تتحرك الآن، فستفقد الرقصة. لذلك، رغم ارتباكها الطفيف، رغم الإحساس الغريب الذي زحف عبر جسدها للحظة... أكملت طريقها، لم تنظر خلفها. لم تجرؤ على ذلك [هذا يكفي، أنا متأخرة، وداعًا أيها الوسيم الخارق.] وحين وصلت إلى الساحة أخيرًا، وضعت يديها على ركبتيها، أخذت نفسًا عميقًا، ثم تمتمت، "... ما كان ذلك!" "....لا يهم انسى الأمر" لن تستفيد شيئا ان أزعجت نفسها بالموضوع..مجرد اصطدام..ومجرد رجل وسيم...وسيم حقا أكملت طريقها متجاهلة الجلطة التي سببتها للواقف هناك. ...... المهرجان أقيم في ساحة الحي الشعبي، محاطة بالمباني الحجرية القديمة التي زينت بالأشرطة الملونة.. الهواء كان يحمل دفئًا لطيفًا كان ينبض بالحياة.. العطور الحلوة الممزوجة بالتوابل والزهور تملأ الهواء، أصوات الضحك والرقص والموسيقى تندمج في سيمفونية احتفالية، والناس يتنقلون بين الأكشاك التي تعرض الحلي، الحلويات، والأقمشة المطرزة يدويًا. لكن، وقبل أن تغرق تمامًا في سحر الأجواء، تذكرت شيئًا بالغ الأهمية. الحلوى.. ستهتم بأمرها أولا ... ربما لم تكن متحمسة تمامًا منذ الصباح برغم من كون هذا المكان أحد الأشياء القليلة التي تجد فيها راحة مطلقة.. لكن كان هناك شيء واحد فقط يعكر صفو التجربة...الاستيقاظ المبكر. ومع ذلك، ها هي الآن، بكامل زينتها، تمشي بثبات نحو الساحة المركزية، حيث ستُقام الرقصة الغجرية. نظرت إلى نفسها في الزجاج المنعكس لإحدى الأكشاك... [يا إلهي، هل بالغت في كمية المجوهرات؟] هممم...بالطبع لا. مرت بين الأكشاك ببطء، أعينها تتجول بين الأقمشة المعلقة، التماثيل الصغيرة، والحلي المتلألئة، لكنها لم تتوقف حتى وصلت إلى المكان الأهم. كشك الحلويات. الروائح السكرية كانت كافية لجعل عقلها يتوقف للحظة.. كان هناك كعكات مزينة بطبقات من الشوكولاتة، فطائر مغطاة بالكريمة، وحلوى محشوة بالمكسرات والعسل. لكن لم يكن هذا ما لفت انتباهها. قبل أن تصل إلى هدفها الرئيسي لاحظت مجموعة من الأطفال واقفين على بُعد خطوات، يحدقون في الحلوى بنظرات يملؤها التوق. وأحدهم يضغط وجهه، ينظر للحلوى وكأنها كنز. توقفت للحظة، ثم ابتسمت. "حسنًا، حسنًا... هذا غير مقبول." وقفت سونارا بجانبه، وضعت يدها على خصرها، ثم قالت بصوت متأمل: "يبدو لذيذًا، أليس كذلك؟" الصغير، الذي لم يكن يتوقع أن يكلمه أحد، التفت بسرعة وحدق فيها بعينين واسعتين. "نعم! لكنه غاااااالي جداً." أومأت بتفهم، ثم نظرت إلى البائع الذي كان يتابع الموقف بابتسامة صغيرة. "سيد ماركو!" نادت، وهي تسرع نحو كشك خشبي صغير تفوح منه رائحة الخلاص—أو، بعبارة أخرى، رائحة العسل واللوز المكرمل. ماركو، رجل قصير ممتلئ ذو شارب كثيف، كان مشغولًا بتغليف بعض الحلويات عندما التفت إليها. "آه، سونارا! توقعتُ أنكِ ستظهرين في وقت ما لتدمري مخزوني السنوي." "أوه، ماركو، لا تتصرف وكأنك لا تحب عملي الخيري!" قالت وهي تتكئ على الطاولة، عيناها تتفحصان رفوف الحلويات المغلفة بألوان زاهية. "عمل الخيري؟ تقصدين تدمير أسنان هؤلاء الصغار؟" "تفاصيل، تفاصيل..." لوّحت بيدها بلا مبالاة، ثم أشارت إلى جميع أنواع الحلويات. "سآخذ كمية جيدة من كل شيء." ماركو رفع حاجبه. "أتعنين كعك العسل، وكرات اللوز، وفطائر القرفة، و—" "نعم." "نعم... ماذا؟" "نعم لكل شيء." ماركو زفر وهو يهز رأسه، لكنه بدأ بتعبئة الأكياس. "إذا جاء أولياء أمورهم يشتكون، سأقول إنكِ خطفتني وأجبرتني على ذلك." "ستشكرني لاحقًا عندما يصبح متجرك الأشهر في البلدة بسبب سخائي اللامحدود." "إن استمررت على هذا المنوال سبدا الأطفال بتبجيلك كقديسة" قال بسخرية، وهو يعقد ذراعيه فوق صدره. "أوه، لا تظنني لطيفة لهذه الدرجة، في الحقيقة، إنني فقط أجمع جيشًا من الأطفال المغامرين ليكونوا معي في نهاية العالم." ضحك الرجل وهو يهز رأسه، وبالفعل، بعد أن حصلت على أكياس الحلويات الممتلئة، عادت تبحث عن أهدافها التالية—أو كما يعرفهم العالم، الأطفال الصغار الذين كانت تعرف أنهم يتسكعون قرب المسرح الخشبي. كانوا مستمرين بمراقبة الحلوى بحسرة. ما إن رآها بعضهم حتى جاؤوا يركضون. "سونا!سونا!" "ماذا لديكم لي؟" سألتهم بابتسامة ماكرة وهي ترفع كيس الحلوى فوق رأسها. "مممم... قبلة على الخد؟" قال أحدهم، وهو ينظر إليها بعيون واسعة بريئة جدًا لدرجة تجعل من المستحيل رفضه. ضحكت، ثم انحنت نحوه. "صفقة عادلة." طفل بجانبها لم يهتم لأي من هذا.. كان ينظر إليها وكأنها ظهرت من السماء لإنقاذ حياته. "هل... هل هذا لي؟" "كلا، إنه لي، لكنني سأشاركك إذا كنت لطيفًا." قالت بمرح، وهي تأخذ الحلوى وتعطيها للأطفال الذين كادوا يقفزون من الفرح. "أنتِ ملاك!" ضحكت بخفة. "لا، لكنني أقدر المجاملة." أكملت توزيع الحلوى، وسط ضحكات الأطفال وهتافاتهم السعيدة، وعناقهم العشوائي، لكن شيئًا ما جذب انتباهها. توقفت للحظة. هناك شيء في هذا المشهد جعل قلبها ينبض ببطء أكبر، وكأن روحها تذكرت أمرًا لم تكن تدرك أنها لم تستطع نسيانه. على الجانب الآخر من الكشك، كان هناك فتى صغير، بالكاد في العاشرة، يمسك بيد أخته التي لم تتجاوز الخمس سنوات. كانت الصغيرة تحدق بحماس في كشك حلوى القطن، عيناها الواسعتان تتلألآن. الفتى لم يكن مثل بقية الأطفال الواقفين هناك بحذر، بل كان يتحرك بثقة، دون تردد، أخرج بعض العملات من جيبه، ودفع ثمن حلوى القطن، ثم انحنى ليعطيها لأخته الصغيرة. الطفلة التقطت الحلوى كأغلى شيء امتلكته في حياتها، ثم قفزت بسعادة وهي تلوح بها في الهواء ثم لفّت ذراعيها حوله قبل أن تبدأ بتناولها ببطء، تحاول الاستمتاع بكل قضمة. والفتى؟ اكتفى بالابتسام. ابتسامة صغيرة، هادئة، مطمئنة، وكأنه حصل على أكبر مكافأة في العالم فقط لرؤيتها سعيدة.. حملت شيئًا أعمق من مجرد الرضا... شيئًا لم يكن يجب أن يكون مألوفًا بهذه الطريقة التي جعلت قلبها ينعصر دون مقدمات. لأنها رأت في عينيه شخصًا آخر. شخصًا كان يحمل نفس النظرة، نفس المسؤولية التي لا ينبغي أن تُحمَل على أكتاف صغار بهذه السن. لم تدرك متى تحركت، لكن فجأة، وجدت نفسها أمام الطفلين، وركعت أمامهما بلطف. "أنتَ أخ رائع، هل تعلم ذلك؟" قالت، وصوتها كان أكثر دفئًا مما توقعت. الفتى، الذي لم يكن يتوقع أن يلاحظه أحد، رمش بدهشة. "أه... شكرًا؟" أخرجت بعض الحلوى من كيسها، ووضعتها في أيديهما الصغيرة.. أخته الصغيرة أطلقت صيحة فرح، وعانقت الكيس، بينما كان الفتى يحدق في الحلوى في يده لا يعرف ماذا يفعل بها. ثم، قبل أن تأخذ أي فرصة لمراقبة المشهد أكثر، رأته يقوم بشيء جعلها تشعر بوخزة خفيفة في قلبها. نصف الحلوى التي حصل عليها قدّمها لأخته الصغيرة دون تفكير. سونارا شعرت بابتسامة ترتسم على شفتيها، لكنها لم تكن فقط ابتسامة سعادة، بل حنيناً كذلك. "أتعلم؟ أنت لست رائعًا فقط، بل أنت مذهل." ابتسم الفتى بخجل، وضعت يدها على كتفه بلطف، ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا، أكثر جدية: "لكن تذكر شيئًا حسنًا؟ من الجيد أن تعتني بأختك، أن تمسك يدها دائمًا، وألا تتركها ولو لثانية واحدة مهما حصل." الفتى عقد حاجبيه بجدية، كأنها كانت تعطيه مهمة مقدسة. "بالطبع!" "لكن..." أضافت بلطف، "لا ينبغي عليك أن تضحي بنفسك من أجلها طوال الوقت وتنسى نفسك، لأنك تعني لها بقدر ما تعني هي لك.. لا تجعلها تخسرك وأنت تحاول منحها كل شيء." بدا الفتى وكأنه يفكر في كلامها... حتى رأى أخته الصغيرة تفتح كيس الحلوى الخاص بها، وتختار منه كل الأشياء التي تعرف أنه يحبها، ثم تمدها له بابتسامة كبيرة. نظر إليها مصدومًا، ثم إلى الحلوى في يده، و ضحك. ضحكة صغيرة، حقيقية. ضحكة ذكّرته بشيء، وذكّرتها هي بشخص. ضحكت هي أيضًا، ثم نهضت وربتت على رأسه مرة أخرى قبل أن تبتعد. "ساندا بعضكما دائما، حسنًا؟" "حسنًا!" صاح الطفلان في انسجام، قبل أن يعودا إلى انشغالهما بتبادل الحلوى. وقفت للحظة تراقبهما، تشعر بحرارة خفية في صدرها، وكأن شيئًا ما كان ثقيلًا عليها لوقت طويل، وها هو الآن يصبح أخف ولو قليلاً. ابتسمت، ثم أكملت طريقها، بعد أن أنهت مهمتها النبيلة، بينما تتردد في ذهنها ضحكات الأطفال، وتلك اللحظة الصغيرة التي شعرت فيها أن العالم قد أصبح مكانًا أجمل قليلًا. والآن؟ حان وقت الرقص. وقفت مع بقية الفتيات المشاركات، مررت يدها على أساورها للتأكد من أنها لم تفقد أي شيء أثناء الطريق، ثم زفرت ببطء وهي تستعد للحظة التي تنتظرها. وحين بدأت الموسيقى، تحرك جسدها تلقائيًا مع الإيقاع. الذي أصبح أسرع وأكثر حيوية. كانت هذه اللحظة التي أحبتها أكثر من أي شيء آخر. ابتسمت، خطوة إلى اليمين... خطوة إلى اليسار... ثم تركت قدميها تتبعان النغمات بلا تفكير. أحد الموسيقيين لاحظها، فرفع حاجبه قبل أن يرفع إيقاع العزف كما لو أنه يتحداها. "أوه، هكذا إذن؟" لم تستطع منع نفسها من الابتسام. دارت برشاقة، وشاحها يرفرف حولها بينما يلمع خلخالها تحت أضواء الفوانيس. ضحكات خافتة تعالت من بعض الحاضرين، تصفيقات متحمسة من الأطفال، وأصوات الآلات الموسيقية تندمج مع صوت أساورها في تناغم مثالي. الضغط، التعب، الإزعاج... اختفى تمامًا. كانت ترقص لأنها تحب ذلك. لأن اللحظة كانت ملكها بالكامل. ولأن هذا كان ببساطة أفضل شعور في العالم. لم تكن تفكر في أي شيء سوى الموسيقى. كل شيء آخر أصبح مجرد ضوضاء في الخلفية، طنين بعيد لا معنى له، لم يكن هناك سوى الإيقاع، خطواتها التي تنسجم معه، صوت خلخالها الذي ينساب كأنه جزء من اللحن. لكن... دون أن تدري، كان هناك شخص واحد لم يكن يرى أي شيء آخر سواها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عرافة الذهب

المؤلف Shiloh Asira
2025/06/17 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة