"لا أنوي أن أكون شاعرًا، لكن معي، ستسمعين قصائد تُقال بالعيون لا بالكلمات." ............. توقفت عجلات الحافلة على أرض قرب الأكاديمية كما لو كانت تعلن بدء موسم جديد من المعاناة الاجبارية..ومع أول اهتزاز خفيف، انفتح الباب بانسيابية وهدوء. تدفق الطلبة كقطيع طيورٍ يعرف طريقه نحو الفصول قبل أن يعرف اسمه. نزل فيليو أولاً، يده في جيب معطفه الأسود، حقيبته تتأرجح بخفّة خلف كتفه، عيناه تتجولان حول الساحة الفسيحة التي بدأ الضوء يتسلل إليها تدريجيًا مع شروق الشمس الرمادي الخفيف..الجو لا يزال يحمل بقايا البرودة الليلية، لكن كان واضحًا أن اليوم سيكون مزدحمًا. تبعه ثيودور وهو يعدّل طوق سترته بإرهاق مكتوم..وهو ينظر للسماء كمن يبحث عن نيزك يسقط لينقذه من العام الدراسي. مد ذراعيه بتكاسل، ثم تمتم بنبرة مشوشة: "أقسم أن الوسادة ودعتني بدموع الفراق هذا الصباح..." لم يرد فيليو، فقط واصل السير ببطء نحو الممر الحجري الطويل المؤدي إلى الباحة الداخلية..على جانبي الطريق، كانت تماثيل النبلاء المؤسسين تقف شامخة، وأشجار السرو تصطف بالانتظام. ثيودور رفع حاجبه وهو يلحق به: "...ألن تقول شيئًا؟" " .... " "...ماذا سأفعل؟" قالها فيليو فجأة، وكأنه كان يكتم هذا السؤال منذ دقائق طويلة. تمتم ثيودور وهو يتثاءب، وهو يرفع ياقة سترته في محاولة يائسة لحماية نفسه من البرد. "ماذا تقصد؟" "الذهبية التي اصطدمت بي." توقّف ثيودور للحظة، ثم أعاد يديه إلى جيبه: "آه، حسنًا... ليست مشكلتي." فيليو، مستنكرًا: "ماذا تعني بـ'ليست مشكلتي'؟" "أقصد بالضبط ما قلته..ماذا تريدني أن أفعل الآن بحق الجحيم؟ لقد سهرنا ليلة كاملة نبحث عن حل لعين لفتاة قررت الاصطدام بك وإيقاعك في حبها ثم اختفت، وتترك لي صديقًا يهذي بها كل عشر ثوانٍ!" "هااه..لا تذكّرني." "لا، سأذكّرك! لأنني الآن إنسان بنصف عقل ونصف وعي، وسأحضر أول حصة لنا كزومبي، وكل ذلك لأنك قررت أن تستهلك خلايا دماغي في قضاء الليل أتخيل طرقًا لتجميع معلومات شخصٍ مجهول.!" اقتربا من البوابة العالية ذات النقوش المعمارية الثقيلة التي تذكر بالعهود القديمة للأكاديمية..وقفت تماثيل صغيرة على جانبي المدخل، إحداها يبدو كأنه يشخر، أو على الأقل هذا ما أقسم عليه ثيودور لاحقًا. رمقه فيليو بنظرة جانبية، بينما كانا يمران تحت البوابة العريضة، منحوتة من حجر داكن، تتدلّى منها لافتة حريرية كُتب عليها: "مرحبًا بكم في فصلكم الجديد. أطلقوا شغفكم." "انت تبالغ.. لم أطلب منك أن تجوب الامبراطورية بحثا عنها!" " لقد حرمتني من النوم ايها الحقير..والآن، أنت تبحث عن فتاة لا تعرف اسمها، ولا عمرها، ولا صفّها، ولا أين تدرس، ولا حتى إن كانت بشرية! وحتى رفضت أن تخبر يولاليا أو جوليانا كي يساعدانا–!" قاطعه فيليو..وعيناه تتجولان بين الطلبة المتناثرين المنتظرين للحصة الأولى: "بحقك..افترض أنهما عرفا من هي؟ سيفقدانني كرامتي أمامها في أول دقيقة..لا بل أقسم أن يولاليا ستكتب رسالة حبٍ نيابة عني، وتقرأها بصوتٍ عالٍ على مسرح الكافيتيريا..ستتضمن على الأرجح: 'هل تعلمين أن هذا الأحمق واقع في حبك؟' تليها كارثة اجتماعية.. لهذا أفضل أن أقتل نفسي... وقتلهما قبل ذلك." "إذاً... ماذا؟ تنتظر أن أتوسط حفلة شاي بين النبيلات حتى يخبرنني بأسرارهن بينما نحن نكتب في مذكراتنا الوردية ونصمم اظافرنا أثناء شرب شاي اللافندر؟" فيليو نظر إليه مشمئزا:"هذا المثال... يجعلني أشك أنك تودّ ذلك فعلًا." ثيودور توقف عن المشي: "اللعنة عليك." ضحك فيليو بصوت خافت.. وصلا إلى الساحة الداخلية، حيث بدأ بعض الطلاب يتوافدون من باقي الحافلات..الساعة بالكاد تشير إلى السابعة والنصف صباحًا، لكن أصوات الضجيج بدأت ترتفع في الزوايا المختلفة للأكاديمية. قال فيليو وهو يراقب الواجهة الضخمة لمبنى الفصول المتقدمة: "دعنا نكون جادين، ما الذي سأفعله الآن؟" "عدنا إلى نقطة البداية مرة أخرى..." تمتم ثيودور وهو يتثاءب، "حتى لو كنت وغدًا احيانا، لكن لا يمكنني ترك صديقي الوحيد يعاني في ربيع حبه بمفرده." "أي ربيع؟ الصيف أكثر احتمالًا..تلك الفتاة أعمتني حرفيًا بلمعانها." ثيودور رفع يده محذرًا: "توقف الآن..لا أريد سماع قصائد حبك..أقسم أنني سأحشر حقيبتي في فمك." فيليو تنهد بعمق، وواصل السير بجانبه: "سأنتظر..أعلم أنها ستظهر مرة أخرى..لا يمكنني التجول في الأكاديمية كالأحمق أبحث عن فتاة مجهولة، هذا سيلفت الأنظار... وسيفشل..على مايبدو من الأفضل أن أترقب حتى أسبوع تسجيل البطاقات التعريفية، حينها سأبحث في سجل المدرسة كاملًا حتى أجدها." ثيودور نظر إليه بوجه ساخر: "خطة رائعة.. كانت لتكون مثالية... لو أنك أخبرتني بها البارحة قبل أن أنام ساعة واحد فقط، لأني كنت أساعد في لمّ شملك اللعين..والآن، بفضلك، سأغفو في أول حصة، وسألعنك أيها الوغد إن أيقظتني أو لفتّ انتباه الأستاذ لي." "إنها حصة الفكر والأدب المتقدم..كنت ستنام فيها على أي حال." "وأنت تعلم ذلك ومع ذلك جررتني للاستيقاظ باكرًا؟!" مسح ثيودور وجهه و تابع:" لذا أجل، سأعلن رسميًا: أيقظني، وسأقتلك." واصل الاثنان سيرهما بين الممرات الواسعة، التي بدت وكأنها تنتمي لقلعة أكثر من كونها مؤسسة تعليمية. أعمدة حجرية عالية تطغى على المكان، وفي الأفق كانت القاعة الكبرى لمبنى الصفوف المتقدمة..حيث ازدحمت الساحة بالطلاب والملصقات الإعلانية، في تلك اللحظة، وقبل أن يواصلا تقدّمهما، لمحا لافتة ضخمة معلقة على الجدار الحجري لمبنى الإدارة، مكتوبة بحبر بنفسجي داكن: إشعار هام لطلاب المستوى المتقدم: "يرجى البدء في التفكير بالنوادي التي تودون الانضمام إليها.. سيبقى باب التسجيل الرسمي مفتوحاً لمدة أسبوع.. للمزيد، راجعوا لوحة الإعلانات في بهو الأنشطة." تبادل الاثنان النظرات، ثم قال ثيودور: "نادي السيافة سيبدأ بملاحقتنا مرة اخرى، أليس كذلك؟" فيليو،متنهّدًا: "لا يمر يوم دون أن أسمع عبارة (نحتاجكم لتمثيل النادي). كأنني فارس العصور الوسطى المكلف بإنقاذ شرف الأكاديمية من الانهيار." نظر ثيو إلى اللوحة، ثم أعاد نظر إلى رفيقه: "أتعلم ما آخر شيء أحتاجه في حياتي الآن؟ نادٍ فيه حفنة من المزعجين، يصرخون 'هاهااا' وهم يتدربون على طعنة أمام المرآة." "أنت تحب السيافة." "أحبها..أكره الهاهااا." "وهل سننضم؟" "بالطبع... لكن تمثيل النادي؟ لا، شكرًا.. لست مستعدًا لتحمّل وجود ريكاردو مرة أخرى، ذلك المتعجرف يشعرني وكأنني أتدرب مع خنزير يرتدي تاجًا." "..آخر مرة رأيته فيها كان يتفاخر بقدراته مجددا..كانت طريقة إمساكه للسيف تُشبه طريقة جدتي في إمساك عصاها" ضحك فيليو و هو يومئ برأسه..كان يوافق ثيودور في ذلك تماما. "تمامًا..لا أريد أن أقضي وقتي مع أولئك الحثالة الذين يظنون أن المبارزة فن لجذب الفتيات" "أو لأخذ صور لصفحاتهم الشخصية أثناء تمرينات السيف." "أو الحديث عن عدد العضلات في الذراع اليمنى مقابل اليسرى." ضحكا قليلًا، ثم صمتا وهما يقتربان من المبنى. "إذا أجبرونا، فلنكسر وجوههم عمدًا من أول جولة، وننسحب بشرف." "صفقة؟" "صفقة." واصل الاثنان السير داخل المبنى، صوت خطاهما يتردد على الأرض المصقولة، بينما كانت الوجوه تمر بجوارهم..عند نهاية الرواق، كانت قاعة "الفكر والأدب المتقدم" تنتظرهما، بابها الخشبي العريض مفتوح جزئيًا قبل دخولهما القاعة، توقف ثيودور فجأة. "انتظر لحظة..." "ماذا الآن؟" "المصيبة! نسينا أهم شيء! من صاحبة المركز الأول؟!" "تقصد... من تفوقت علينا في السحر والترتيب العام؟" "نعم! صاحبة المركز الأول... سونارا بوسويل.. لكن لا أحد يعرف شخصيا..هل تعرف كم هذا غريب؟" فيليو توقف لحظة، كمن تذكّر أنه نسي إطفاء المدفأة في بيت محترق. "تبًا... كنت آمل أن تنسى ذلك." ""أوه..أنا؟ أنسى أن فتاة أطاحت بك؟ مستحيل..لدي دفتر بجانب السرير أسجل فيه الهزائم التاريخية." "رائع..والآن ستبدأ في تأليف أغنية عني و عن فشلي، أليس كذلك؟" "ليس بعد... أولًا نحتاج نعرف من تكون هذه العبقرية التي أطاحت بك." أكمل هو يضحك "والآن لدينا فتاة اصطدمت بك، وفتاة أطاحت بك..ألا تشعر أن هذا العام سيحطمك عاطفيًا وأكاديميًا؟" "أشعر أن قبضتي ستتجه نحو وجهك بسبب سخافتك اللعينة..أحذرك انا لم اشرب قهوتي بعد" قالها فيليو وهو يدفع باب قاعة، حيث كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ الكبيرة، تضرب المكاتب بطبقات دافئة، والهواء يحمل عبق الورق القديم، كأن المعرفة ذاتها تستقبلهم بابتسامة. اختارا مقعدهما في آخر صف بجانب النافذة.. كما يفعلان دائمًا في أول حصة صباحية—اختيار استراتيجي يضمن لهما الهواء، الظل، والانسحاب الصامت في حال قرر أحد الأساتذة أن يبدأ الصباح بصوت أعلى من المكبرات في قاعة الحفلات. كانت القاعة واسعة، جدرانها مطلية بلون عاجيّ و ارضية خشبية تمنح القاعة طابعا هادئ ومريح، الطاولات موزعة بالنظام المرتب المعتاد، والتلاميذ يتبادلون الأحاديث بحماسة أو تردد. كونها إحدى حصص "الصفوف المتقدمة"، فإن القاعة لم تكن تضم قسمًا واحدًا، بل مزيجًا من الطلبة المتفوقين من أقسام وفئات مختلفة..أشخاص اجتمعوا هنا لأن درجاتهم العالية في المادة منحتهم تذكرة عبور إلى هذا المستوى، بينما يقضون باقي يومهم في فصولهم الأصلية.. كان بعضهم يتحدث مع آخرين بحذر، يتعرفون، يتبادلون أسماء الأقسام، بينما فضل البعض الآخر الجلوس بصمت، يراجع جداوله أو يراقب الغرفة. جلس فيليو كما يفعل دومًا، يستند بكوعه إلى الطاولة، وجهه مائل قليلاً للنافذة، ونظراته كأنها تنظر لكوب قهوة يُحضَّر في زاوية من ذاكرته، لا في مكانٍ هنا. ما إن جلسا على المقعد، حتى بدا كأن أحدهم أطلق صافرة البداية لموسم الهجوم. في ثوانٍ معدودة، كانت الطاولات حولهما قد تحولت إلى ساحات منافسة مفتوحة، حيث الفتيات بدأن بالتحرك كما تتحرك الصقور نحو وجبتها..التفتن حولهما بلا مقدمات. شعبيتهما لم تكن سرًا..دوقين في نفس الصف، أحدهما الدوق الشمال، والآخر وريث الدوقية البحرية..باختصار: أي مودة منهما كمن يمسك مفتاحًا ذهبيًا لبوابة من الاحترام، وربما الغيرة المربحة من بقية الفتيات..وقد تُترجم إلى امتيازات اجتماعية فورية..والفرصة، بالطبع، لا تُفوّت. فور أن استقروا، وها هي الأولى تقترب.. التفتت فتاة ذات شعر اشقر مصفف بعناية مفرطة ذات خصر ملتوي. بنظرة محسوبة، وصوت مصطنع النعومة نحو فيليو.. مالت بجسدها بدرجة مدروسة بما يكفي لتبرز مفاتنها..وكأنها تتبع كتيّب تعليمات حول "لفت انتباه النبلاء" قالت هي تحاول تقريب وجهها منه: "دوووق... صباح الخير..آسفة على تحيتي المتأخرة... كما تعلم، الاستيقاظ بعد مهرجان البارحة متعب جدًا..." ثم ضحكت برقة مصطنعة وتابعت، وهي تميل نحوه أكثر: "بالمناسبة... ما رأيك برقصتي الخاصة؟ جذبت انتباهًا كبيرًا، وأعجِب بها الجميع... لكني أهتم فقط برأيك، أنت." ومع نهاية جملتها، مدت يدها لتضعها على كتفه، ببطء محسوب، حركة ظنّت أنها ستذيب الجليد.. لكن الجليد لم يتحرك. مد فيليو يده ملتقطًا كتابًا من الطاولة دون أن يلتفت.. ودون أن يرفع عينه عن النافذة، ابعد يدها بالكتاب.. بطريقة تشبه صفعة معنوية.. يعلن رفضًا تامًا لفكرة اللمس، بل لفكرة وجودها الكامل في محيطه. كانت تلك حركة أشبه بالقول: حتى الهواء لا يسمح له بلمسي دون إذني. هل رآها البارحة؟ ربّما. لكن عقله، قلبه، وكل جزء فيه، كان لا يزال عالقًا مع الذهبية التي اصطدمت به وسرقت قلبه في لحظة واحدة. لم تيأس الأخريات بالطبع. بدأت الجولة الثانية. قبل أن تسحب الأولى خيبتها، تقدمت أخرى: "دووق! سمعت أنك تميّزت في اختبار السِيافة" "دوق! مبارك لك على المركز الأول، أنت رائع كالعادة!" تلتها ثالثة، تمسح على شعرها وهي تتصنع البراءة تحمل في يدها دفتر بملصقات لا تتناسب مع عمرها الحقيقي: "ثيودور، لأي نادٍ ستنضم؟ أريد أن أنضم معك... لأسباب أكاديمية طبعًا!" ثيودور، الذي لم يُخفِ ضيقه، أجاب بنبرة عادية لكنها مهذبة، يخفي سمه بين السطور: "أنا مخطوب، كما تعلمن..لذا من الأفضل أن تركزن على النادي الأكاديمي وليس الشخصي." أجاب بابتسامة دبلوماسية، كلمات مختارة، لا جارحة ولا مشجعة..محترم، لكنه واضح. الرابعة همست وهي تمسك بحافة المقعد: "سمعت أنكما أفضل من يجيد السيف... هل صحيح أنكما تستطيعان شق الشجرة بنصل واحد؟" "نحن نحاول فقط ألا نشق الصبر هذه الأيام..." قالها ثم أعاد ظهره إلى الوراء متقاطع الذراعين. اخرى سألت، وهي ترفع طرف تنورتها الرسمية بمبالغة طفولية: "برأيكم، من فينا الأجمل بالزي؟ أعني... مجرد فضول." ثيودور، الذي حاول سابقًا الابتسام والرد بجمل حيادية، اكتفى هذه المرة بابتسامة جانبية ضجرة، ورد: "زيّ الأكاديمية مصمَّم ليبدو محترما علينا جميعا.. للأسف" ضحكات خافتة ترددت، غير مدركة للحدّ الفاصل الذي رسمه،. أما فيليو، فقد اختار الصمت الكامل..لم يكلف نفسه حتى عناء النظر إلى أيٍ منهن..ظلّ يحدق من النافذة، في صمت تام، لا يتحرك و لا يتحدث.. وفي الخلفية... مرّت. لم تنتبه لها أي من الفتيات، لكنها كانت هناك. فتاةٌ بنظارات بنية.. ضفيرة جانبية أنيقة، حقيبة معلقة على كتفها، خطوات كعبها صامتة تمامًا، لولا صوت خلخال خافت يكاد لا يُسمع إلا لمن يصغي حقًا. مرّت من أمامهم دون أن تُرى، دون أن تُشعر، وجلست بهدوء على المقعد القبل الأخير، قرب النافذة، أمام فيليو..لم يلاحظها أحد..ولم يلتفت لها أحد ثيودور زفر، ثم استقام في جلسته، ناظرًا للفتيات بنظرة ضيقة تحاول الحفاظ على اللباقة: "أيتها الآنِسات، يُفضَّل أن تعُدن إلى مقاعدكن..الحصة ستبدأ خلال لحظات." إحداهن لم تستسلم بعد، وغمزت ضاحكة: "حسنًا، وماذا عن حصة تعارف بعد الحصة؟ فقط لكسر التوتر." قالها ثيودور هذه المرة بوضوح: "نحن مشغولون... ويرجى عدم العودة." الصمت الذي تلاها كان أثقل من الكتب التي يحملونها..تراجعن بخطوات صغيرة، متظاهرين بعدم الاهتمام، بينما الحقيقة كانت واضحة : لا أمل اليوم. فيليو ما زال رأسه مائلًا نحو النافذة: "... لو أنني وصلت للحافلة دقيقتين أبكر، لكنت حصلت على قهوتي." قالها بجدية، وكأنها خسارة لا تُغتفر. "أعرف يا للأسف..إنه أقسى من خسارة الترتيب الأول، أليس كذلك؟" ابتسم فيليو دون أن يعلق. بمجرد أن اجتازت عقارب الساعة خط الثامنة، خفَ الضجيج تدريجيًا..الطلاب تبعثروا إلى مقاعدهم، حديث الفتيات تلاشى تدريجيًا وبدأت الكراسي تُسحب إلى الخلف فُتح باب القاعة بانسيابية.. دخل الأستاذ بخطى هادئة، لا سريعة ولا متثاقلة، بل بوزن رجل لم يكن بحاجة إلى إثارة انتباه ليُحترم. حاملا حقيبة جلدية..ويرتدي عباءة أستاذة الأكاديميين، داكنة مرصعة بخيوط خفيفة من الفضة، لا فخامة زائدة، فقط سلطة ناطقة بالصمت. كان في أواخر الخمسينات من عمره، كتفاه مائلتان قليلًا من ثقل العمر..طويل القامة، له لحية مهذبة بيضاء وعيون رمادية حادة خلف نظارته المعدنية التي تنزلق على أنفه ببطء.. لم يكن من ذلك النوع الذي يصرخ أو يزمجر، لكنه حين ينظر إليك، تشعر أنك ارتكبت خطيئة لم تكتشفها بعد. اسمه معروف كان يُدعى البروفيسور لوسيوس ناستين — أحد أعمدة الأكاديمية من الجيل القديم، وأحد أبرز الشخصيات في تاريخ..أستاذ مادة الأدب والفكر المتقدم، ممن تتحدث عنهم الكتب قبل أن تراه العين. رجل يُدرّس كما يُؤدّي القَس قُدّاسًا، وكأن كل جملة من فمه وحيٌ أكاديمي لا يُردّ. يُقال إنه درس ثلاثة من المستشارين الإمبراطوريين، وأرسل أربعة طلاب سابقين إلى مناصب عليا، لكنه لم يمنح أحدًا الدرجة الكاملة قط. لكنه رغم تاريخه، لم يكن محبوبًا..مادته شائكة، لا تمنح النقاط بسخاء، ولا تحتمل الاجتهاد العادي..من يدخلها عليه أن يحارب..مع ذلك، لا أحد يجرؤ على التشكيك بكفاءته. وقف أمام الطاولة بهدوء، ناظرًا للصف كأنما يقيس حضورهم الفعلي وليس الجسدي.. صوته خرج بنبرة ثابتة، وبلهجة رسمية بلا مجاملة: "صباح الخير..بداية العام ليست عذرًا للتكاسل، ولن أبدأها بخطابات تحفيزية فارغة..أنتم هنا لأنكم في طليعة من اجتازوا معايير هذه الأكاديمية.. وهذا يجعلني أتوقع منكم أكثر مما يُتوقع من غيركم." وضع دفتر الحضور على الطاولة، ونظر نظرة سريعة شاملة، ثم قال بصوته الهادئ: " كما انني لا أعذر الغياب الذهني هذا تحذير." ارتفعت بعض الحواجب، وتثاءب البعض الآخر..رفع الأستاذ دفتره ونظر إليه لحظة، قبل أن يضيف: "سنبدأ بالتأكد من الطلاب المُسجّلين لهذا الفصل..استمعوا جيدًا، لا حاجة للتكرار." بدأ في المناداة، والأسماء تتوالى بانتظام..فيليو وثيودور كانا في مكانهما، يتبادلان نظراتٍ وتعليقاتٍ هامسة لا تهم أحدًا... "ثيودور فالكنور؟" "حاضر." ردّ وهو يتثاءب بصمت، لا يزال أثر السهر محفورًا في ملامحه. "فيليو باليوتي؟" "حاضر." ردّ بجفاف دون أن يحرّك ناظريه عن زجاج النافذة. استمر الأستاذ، وكل شيء بدا طبيعياً... حتى نطق اسماً كان كفيلًا بجعل قلبين يتوقفان في آنٍ واحد: "سونارا بوسويل." ردّ صوت انثوي، مختصر: "حاضرة." جاء ردّها ناعمًا، هادئًا، بنغمةٍ أوقفت عقارب الساعة في رأس فيليو. بل، هل لا يزال حيًا؟ هل ضرب الصوت ذاكرته أم قلبه مباشرة؟ التفت ببطء، وعيناه تبحثان عنها بخوف لا إرادي، لا يريد أن يتأكد... لكنه مجبر. نظر أمامه، وتثبّت... لا مجال للخطأ..هي..نفس الفتاة. رآها لنصف ثانية فقط، لكن ذلك كان كافيًا. توقفت أنفاس فيليو للحظة. رفع يده لا إراديًا إلى صدره، يتحسس نبض قلبه وكأنه يتأكد أنه ما زال ينبض..ثيودور لاحظه، رمقه بنظرة جانبية، ثم التفت ليرى إلى أين ينظر صديقه. هناك، أمامهما مباشرة، في المقعد قبلها بجانب النافذة. نظارات بنية تتناسب مع وجهها، ضفيرة جانبية، خلخال ذهبي خافت الصوت حتى طريقتها في الجلوس كانت متحفظة..ومع ذلك... كان يعرف.. ...لم تكن ترتدي ذهبًا صارخًا كالمهرجان، لكن ذلك الخلخال، ذلك العطر، النبرة..الحضور..حتى تفاصيل الخانات على بشرتها... انها هي.. كل شيء صرخ في عقله بأنها...هي. "تبا..." تمتم بصوت يكاد لا يُسمع، قبل أن يهمس له ثيودور من جانبه، وقد تملكته الدهشة: "ياااه فيليو!" يحدّق به مشدوهًا، "مالذي علينا فعله؟ إنها هي!" "ماذا؟ آه... صحيح..." همس فيليو، غير قادر حتى على تكوين جملة متماسكة. أكمل ثيودور همسه "... لهذا لا يعرفها أحد؟ بالكاد ظننتها شبحًا..ليس لديها أي حضور." همس الهائم بثقل: "إلا أنّ حضورها... كان كفيلًا بتدميري." ظلّ يهمس وهو يحدّق في ظهرها: "لم أعتقد يومًا أن القدر سيكون بهذه السخرية... يضعها أمامي في كل مرة أبحث عنها فيها." ثيودور ضحك بخفوت: "معك حق اذا_... لحظة، لحظة! ماذا تعني بـ كل مرة؟" لكن فيليو لم يكن يستمع، كان غارقًا في عوالمه، يراقب ضوء الشمس ينعكس على شعرها البني المربوط: "إذا اسمها هو سونارا بوسويل.. اسم غجري جميل.. حتى أنها تجلس أمامي مباشرة.. من قال إن المعجزات لا تحدث؟" ثيودور فتح عينيه بذهول: "يااااه... ما الذي تقوله؟ لا تجعلني أبكي! إنها سونارا بوسويل! الفتاة التي أطاحت بك...مالذي تتكلم عنه واللعنة." ..وفجأة، وكأن سهم الإدراك أصاب كليهما في الوقت ذاته— ثيودور استوعب أن الفتاة التي هزمته... هي ذاتها التي سلبت قلب فيليو. وفيليو أدرك أن الفتاة التي أحبّها... هي نفسها التي أطاحت به من مركزه. بقي ساكنًا، عاجزًا عن تصديق المصادفة... أو الصدمة. فكر في الأمر للحظة. فتاة لا أحد ينتبه لوجودها... ظهرت في حياته مرتين، قلبته في كل مرة رأسًا على عقب. وها هي الآن... أمامه. ثيودور حدّق فيها ثم نظر لصديقه: " لا تقل لي إنها..." "هي... الفتاة الذهبية." ثيودور اتسعت عيناه، اقترب قليلًا من فيليو وهمس بفزع: "لا... لا يمكن... سونارا بوسويل؟ الفتاة التي هزمتنا؟" "نفس الصوت، نفس العطر، نفس الخلخال... يا، لا مجال للشك" ثيودور أمسك رأسه، كأنّه سيُغمى عليه: "لااااا... ما هذا.. ما هذا بحق الجحيم؟!" "لم أكن أعلم.. أقسم لم أكن أعلم..أنها نفس الفتاة" "والآن.. هي تجلس أمامك مباشرة..أنا لا أعلم إذا كان هذا حظًا أم لعنة." "هذا هو الامر الغريب، ثيو..أعتقد أنني استهلكت كل حظي لهذه السنة." بقي متصلبًا، يحدّق أمامه كما لو رأى مصيره يتشكل..كل هذا أغرب من أن يكون حقيقيًا. "هل أصبحت حياتي.. مسلسلًا تركيًا لعِين؟" "بكل تأكيد أيها الوغد." ظلّا يحدقان فيها للحظة، لم تلحظهما، أو ربما تجاهلت وجودهما. قال ثيودور، واضعًا يده على رأسه، كان يوشك أن يغمى عليه: "أين الكاميرا الخفية بحق الجحيم هذا أسخف من أن يكون حقيقة؟" ثم أضاف: "أتمنى أن تكون هذه الصدفة تستحق... لأننا سنعاني بسببها من الآن فصاعدًا." ظلّا صامتين بعدها، يحدقان في ظهرها وكأنها لغز لم تُكتب نهايته بعد. أما الأستاذ، فتابع المناداة بلا اكتراث، والقاعة بدأت في الهدوء..لم يعرف أحد أنه للتو قد بدأت أعقد علاقة داخل تلك الجدران الأكاديمية. أعاد الأستاذ نظره نحو الأوراق: "المقرر الأول هذا الفصل هو أننا سنبدأ بقراءة نصوص مختارة من أدباء القرن التاسع عشر، ولكننا لن نقرأها لمجرد التحليل الأدبي..." صوته أخذ نغمة أكثر حدة، دون أن يرفع مستواه: "بل لنفهم كيف يفكر الناس حين تُجبرهم الحياة على الكتابة بدل الصراخ." كانت القاعة في حالة شتات، لكن الجملة جذبت انتباه القلّة. اما هي جلست، بنفس وضعيتها المعتادة، ظهرها مستقيم، يداها متشابكتان بهدوء فوق الطاولة، نظارتها النبية اخفت جزءًا من ملامحها، لكن ذلك لم يكن كافيًا لكي لا يتعرف عليها.. كان ظهره مستندًا إلى الكرسي بذراعين متشابكين، عينيه السوداوين الحالكتين تراقبان القاعة ببرود ظاهري، لكن انتباهه الحقيقي لم يكن لأي شيء يحدث حوله... بل كان مركزًا على الجالسة هناك. قال ثيودور وهو يقاطع تأمله بابتسامة ماكرة: "من الجيد أنك اعترفت لي منذ البداية، على الأقل لن أضطر إلى مشاهدة تلك المسرحية السخيفة التي يمر بها الجميع عندما يحاولون إنكار مشاعرهم." لم يرد فيليو، فقط أبقى عينيه ثابتتين على الأمام، وكأنه لم يسمع شيئًا. وقف الأستاذ أمام السبورة، أخرج قطعة طبشور بيضاء، عيناه الرماديتين تجولتا في القاعة قبل أن يقول بصوته المتزن: " إذا قبل أن نبدأ درس اليوم، سأروي لكم قصة." ساد الصمت في القاعة، البعض انتبه، البعض الآخر بدأ يهمس مع زملائه، لكن أحدهم لم يكن بحاجة إلى الإنصات ليدرك أن هذه القصة ستكون مختلفة. سونارا رفعت بصرها قليلاً..لكون تلك الجملة أثارت انتباهها. "كان هناك ملكٌ يُدعى ديساروس، عُرف بحكمته وبحثه الدائم عن الحقيقة..في أحد الأيام، زار معبد أبولو، وطلب من الكهنة أن يمنحوه القدرة على رؤية كل شيء كما هو، بلا أوهام، بلا زيف. استجاب الإله لطلبه، ومنحه عينًا ترى الحقيقة المجردة..لكن كاساندروس لم يدرك حينها أن الحقيقة ليست هدية... بل لعنة." توقف الأستاذ قليلاً، ألقى نظرة على الطلاب، ثم أكمل: " بمجرد أن عاد إلى قصره، لم يستطع النظر إلى زوجته دون أن يرى الأكاذيب في كلماتها، لم يستطع الجلوس مع وزرائه دون أن يرى خيانتهم تتجلى أمام عينيه، لم يستطع رؤية شعبه دون أن يرى معاناتهم التي تجاهلها لسنوات..ومع كل يوم يمر، زاد الألم في داخله حتى لم يعد قادرًا على الاحتمال. وفي النهاية، فقع عينيه بيديه، ليهرب من الحقيقة التي كان يبحث عنها." امسك الأستاذ الطباشير، ثم استدار وكتب على السبورة: "هل المعرفة نعمة... أم لعنة؟" ساد الصمت مرة أخرى، لكنه هذه المرة كان مختلفًا..البعض نظر إلى السبورة، البعض الآخر إلى الأستاذ، لكن فيليو نظر إلى سونارا. رفع أحد الطلبة يده بسرعة، قال بثقة: "المعرفة قوة..لا يمكن أن تكون لعنة..كلما عرفنا أكثر أصبحنا أقوى." أومأ الأستاذ وقال: "ولكن ماذا لو كانت المعرفة التي تحصل عليها لا تمنحك القوة، بل تجعلك غير قادر على العيش؟" تردد الطالب. آخر قال: "لكن الجهل يجعلنا ضعفاء..لا يمكنك إخفاء الحقيقة لمجرد أنها غير مريحة." سونارا لم تتحرك، لم تُظهر أي رد فعل، لكن كان هناك شيء في عينيها، شيء جعله يدرك أنها لم تكن تسمع القصة لأول مرة، ليس لأنها قرأتها من قبل، بل لأنها عرفت معناها جيدًا... ربما أكثر من أي شخص آخر في القاعة. الأستاذ كان يحدّق في وجوه الطلبة، يحاول أن يقرأ إجاباتهم الصامتة، أن يرى من يدرك فحوى القصة حقًا، ومن يكتفي بالاستماع. التفت الأستاذ نحوها، وقرر اعطاءها محاولة ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل نوعًا من الترقب: "انسة بوسويل، ما رأيك؟" لم تجب فورًا..مررت اطراف أصابعها فوق الطاولة، ودفعت نظارتها للأعلى بحركة روتينية، ثم قالت بهدوء، لكن بثقة: "المعرفة ليست نعمة ولا لعنة... إنها مسؤولية." بعض الطلبة تبادلوا النظرات، غير متأكدين مما إذا كانت إجابة ذكية أم مجرد تجنب مباشر للسؤال..لكن الأستاذ لم يقاطعها، فقط انتظرها لتكمل. "الناس يعتقدون أن الجهل هو الظلام، وأن المعرفة هي النور، لكنهم لا يدركون أن الضوء القوي قادر على أن يعميك أكثر مما يضيء لك الطريق. المشكلة ليست في المعرفة بحد ذاتها، بل في من يحملها، وفيما إذا كان قادرًا على تحملها أم لا." ساد الصمت للحظات، قبل أن تتابع بصوت أكثر هدوءًا لكنه يحمل إدراكا: "ديساروس لم يكن مهيأً لرؤية الحقيقة، ولذلك دمرته..لكنه لم يكن وحده..هناك اسطورة أخرى عانت من نفس اللعنة..." رفعت نظرها قليلاً إلى السبورة، ثم قالت: " أسطورة كاساندرا على سبيل المثال." الاستاذ لم يتوقع ان تذكر اسطورة اخرى كمثال.. "كاساندرا، ابنة ملك طروادة، مُنحت القدرة على رؤية المستقبل من قِبل أبولو..لكنها رفضت أن تكون له، فغضب ولعنها... لم يكن أحد يصدق نبوءاتها أبدًا." "رأت طروادة تحترق قبل أن تشتعل النيران فيها، صرخت، توسلت، حذرتهم من حصان خشبي سيحمل نهايتهم، لكنهم لم يستمعوا..شاهَدت الكارثة وهي تنكشف أمامها، وعرفت أنه لا يوجد شيء يمكنها فعله لمنعها." "هل كانت معرفتها قوة؟ هل منحتها سلطة؟ أم أنها جعلتها أسيرة لعنة لا مهرب منها؟" "الجهل لم يكن ليؤذيها، لأنه لم يكن سيتركها تتعذب قبل سقوط كل شيء من حولها..لو لم تكن تعرف، لما عاشت في يأس دائم، تحاول إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه." همس أحد الطلبة في الخلف: "لكن كاساندرا لم تختر تلك المعرفة، لقد فُرضت عليها." لم تتأثر بالاعتراض، فقط تابعت بهدوء: "لكن ديساروس اختارها..سعى خلفها" فيليو شعر بانقباض خفيف في صدره. يكاد يقسم انه قد سقط في حبها مجددًا في تلك اللحظة. أما الأستاذ لوسيوس فقد راقه جوابها.. الأستاذ أمال رأسه قليلاً، ثم قال: " إذن الجهل أحيانًا يكون أكثر رحمة؟" لم تتردد في إجابة سريعة، لكن هذه المرة كانت نبرتها أكثر ثباتًا: "أقول فقط إن بعض الحقائق ليست لكل الناس..ليست كل العقول قادرة على حملها دون أن تنكسر." "ديساروس لم يستطع العيش مع معرفته، فاختار العمى..كاساندرا لم تستطع تغيير المستقبل، فعاشت في عذاب دائم..كلاهما كان يعرف، وكلاهما لم يستطع النجاة." ساد صمت ثقيل في القاعة. الأستاذ ابتسم أخيرًا وقال: "إجابة مثيرة للاهتمام... ولكن هذا يعني أن هناك حقائق يجب أن تبقى مخفية، أليس كذلك؟" أمالت رأسها قليلاً، ثم قالت: "بعض الأبواب عندما تُفتح... لا يمكن إغلاقها مجددًا." نظر فيليو إليها بصمت، عينيه السوداوان تتابعان كل حركة صغيرة تصدر منها. لقد كان يعلم أنه واقع، لكنه لم يدرك حتى الآن مدى عمقه. لم يكن مجرد انجذاب، لم يكن مجرد إعجاب. لقد كان غرقًا كاملاً في شخص لن يستطيع الهروب منه أبدًا. ذلك الصمت لم يكن مجرد حيرة بل إدراك ثقيل..نظرات الطلبة تنقلت بين السبورة وسونارا، بعضهم لم يفهم تمامًا، وبعضهم لم يكن متأكدًا إن كانوا يريدون الفهم أصلًا. أحد الطلبة تمتم بسخرية: "لكن هذا يعني أننا نعيش في خوف من المعرفة؟ الجهل ليس حلاً." نظرت نحوه، عيناها خلف عدسات النظارة، لكنها لم تنطق على الفور..انتظرت لحظة قبل أن تقول: "الخوف ليس المشكلة..المشكلة هي أن الناس لا يفكرون في العواقب قبل أن يسعوا خلف الحقيقة..ماذا لو لم تكن مستعدًا لها؟ ماذا لو لم يكن بيدك تغيير شيء بعد أن تعرف؟" الأستاذ أومأ برأسه ببطء وقال: "تقصدين أن المعرفة يمكن أن تكون عبئًا، وليست تحررًا" سونارا مررت يدها فوق الخاتم الذهبي في إصبعها، كما لو كانت تتحسس فكرة ما، ثم قالت: "المعرفة سلاح، لكنها أيضًا قيد..فهي ليست دائمًا تحررًا... أحيانًا، هي مجرد قفص آخر بحجم أكبر." ابتسم الأستاذ، تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تقول "أحسنتِ"، لكنها تعني بوضوح: "لقد أصبتِ قلب السؤال." أعاد النظر إلى السبورة، ثم استدار مجددًا: — "جيد. هذه إجابة نادرة... لكنها بالتأكيد جديرة بالتفكير." ثم بنبرة رسمية أكثر، وكأنه يقطع الخيط الادبي ويعود إلى أرض الواقع: — "الآن، افتحوا كتبكم على الصفحة الخامسة..سنتناول مقالًا بعنوان "فخ الإدراك"..لا أريد قراءات سطحية، بل تحليلًا... وإياكم أن تحاولوا إعطائي إجابات مستنسخة من المحاضرات القديمة..تلك التي تُسبب لي الحساسية." بدأت الأوراق تُفتح، الأقلام تكتب بصوت خافت، والأفكار تُطوى بين الهوامش بخطٍ غير مرتب. لم تكتفِ سونارا بإجاباتها..بل مع أول كلمة شرع فيها الأستاذ بشرح الدرس، أخرجت دفتراً مغطى بجلد داكن، وبدأت تكتب كلماته بصمت تام. كل جملة نطقها الأستاذ كانت تجد طريقها إلى ورقتها، في الخلف، كان فيليو لا يزال يحمل ذات الملامح، لكنها هذه المرة بلا قناع عدا نظرته الثابتة، المتأملة... والمتورطة.. لم يكن يفكر في الصفحة الخامسة، ولا في الفخ، ولا حتى في الإدراك..كان مشغولًا بها فقط و بالفخ الذي أوقعته فيه. "فتاة أدبية بامتياز... طالبة مجتهدة بامتياز... وغجرية ذهبية بامتياز." " رائع..يبدو انني ساموت بجلطة دماغية أو قلبية في عمر صغير بسببها وبسبب تاثيرها الغير الصحي على قلبي.." قالها بين نفسه كمن يحاول أن يقنع نفسه أن إجابتها ليست إلا مجرد كلمات..لكنها لم تكن كذلك ثيودور بجانبه كان قد استسلم للنوم واضعا رأسه على الطاولة، يستعد لسباته.. .... انتهى الشرح أخيرًا مع رنين الجرس، الذي بدا أكثر رحمة من المعتاد. أعاد الأستاذ إغلاق دفتره، ثم وقف بهدوء أمام الطاولة، وعيناه الرماديتان تتفحصان طلابه لا ينتظر إجابة بل يقيس شيئًا آخر... الأثر الذي تركه ما قيل. ثم قال بصوته المعتاد: — "هذا يكفي لليوم. راجعوا ما كتبتم، أما الأسئلة... فلن تنتظركم حتى تقرروا إن كنتم مستعدين لها." صمتٌ خفيف سبق الحركة. بدأ بعض الطلاب بإغلاق دفاترهم بنقرات سريعة، آخرون جمعوا حقائبهم بسرعة، وبعضهم بدأ يهمس مع زملائه متذمرين. اصوات خفيفة هنا وهناك، بعضهم يناقش القصة، وآخرون يتظاهرون بأنهم فهموا شيئًا... بينما عيونهم تخبر بعكس ذلك تمامًا. سونارا، لم تُزاحم أحدًا، لم تستعجل. أخذت بضع ثوانٍ إضافية لإنهاء سطرها الأخير، أغلقت دفترها بهدوء، أعادت القلم إلى حافظته، ثم وقفت دون استعجال. رفعت نظارتها قليلًا، ثم نزلت عن درج المدرج بخفة هادئة، لا تجرّ معها صوت كعب، بل فقط... خلخالها الذهبي الذي أعلن مرورها. وقبل أن تصل إلى باب الخروج، توقفت. استدارت نحو الأستاذ، وانحنت له بخفة، انحناءة قصيرة كأنها لا تليق إلا بها، فيها من الأدب أكثر مما في كتب الأدب ذاتها. الأستاذ لوسيوس رفع حاجبيه للحظة، ثم أومأ بابتسامة قصيرة... امتنان خفي لا يُقال، لكن يُفهم. ثم غادرت. خرجت دون أن تلتفت، كأنها لم تكن المحور الذي دار حوله النقاش بأكمله. اختفت وسط الحشود، كالعادة. لا أحد لاحظها، لا أحد انتبه كيف كانت تسير بخطوات متمهلة..كيف كانت تتحس قلادة الصليب الذهبية من حين لاخر، كيف لم تتوقف أبدًا في الممرات للدردشة مثل الآخرين. ثيودور وقف أولًا، مدّ ذراعيه للأعلى بتثاؤب درامي: — "ها قد انتهينا من الجلسة التأملية التي أيقظت في داخلي كل شيء... عدا الرغبة في الدراسة." بقي فيليو في مقعده، يتابع المشهد حتى النهاية. لم يرد، فقط وقف بهدوء..عيناه تحركتا ببطء نحو المقعد الذي أمامه. لكنها لم تكن هناك. حقيبتها اختفت، والمقعد كان فارغًا. وكأنها... لم تكن موجودة أصلًا. استدار بعينيه في القاعة، يبحث عن لمحة من شعرها المضفّر، أو رنين خلخالها الخفيف... لكن لا شيء. ثيودور لاحظ حيرته، فقال بكسل وهو يضع يديه في جيبه: — "انسى الامر..من الواضح أن الجنية الذهبية لا تحب الزحام." قالها وسار أولًا، لكن فيليو تأخر للحظة، وكأنه كان ينتظر أن تُطل من خلف أحد الأبواب، أو أن تعود لتأخذ شيئًا نسيته. لم يحدث شيء. نهض أخيرًا، جمع أغراضه، حمل حقيبته على كتفه بتأنٍ، حتى انضم إليه ثيودور وهو يتثاءب: "من كان يظن أنك ستحب حصة الأدب لهذه الدرجة؟" رد فيليو وهو يثبت حقيبته على كتفه: — "لطالما أحببتها، لكنها الآن أصبحت أكثر فائدة مما توقعت." ثيودور ابتسم ابتسامة نصف ساخرة: "أكيد، دفاتر التحليل الفكري أصبحت طرقًا مختصرة للوقوع في الحب، لم أكن أعلم." ابتسم فيليو ابتسامة كشفت أفكاره: "أجل، هذه الحصة صارت مفضلتي رسمياً." "يا رجل، أنت على وشك أن تؤلف ديوان شعر باسمها." رد فيليو دون أن ينظر إليه: "ربما أفعل..فقط... لا تدعها تعرف." ابتسم ثيودور بمكر: "لا تقلق، لن أخبر أحدًا..فقط لا تلمني إن وجدتني أنا أيضًا في الصفوف الأمامية قريبًا... فقط لأتابع هذا العرض." "الم تنتهي بعد من سخريتك؟." "أنتهي؟ أنت من انتهيت... انتهيت تمامًا." ..توقف فيليو في مكانه، إحدى يديه على الطاولة، والأخرى على رقبته، كمن يحاول تذكّر اسمه بعد حلم غريب..عيناه بقيتا معلّقتين على المقعدها... تلك التي قال عنها القدر: "سأضعها في طريقك مرارًا، لا لتراها، بل لتغرق فيها ببطء." فيليو سمع الاسم للمرة المليون في رأسه... لكن هذه المرة بصوت مختلف.. صوته هو.. وهو يهمس: "سونارا..." ثيودور ضربه على كتفه: "كُف عن الحلم..هل أشتري لك قهوة أم وردة؟" قال فيليو، بعد تنهيدة طويلة: "لا قهوة، لا وردة... فقط، لو سمحت، امنعني من الوقوع أكثر." ثيودور، بابتسامة جانبية: — "فات الأوان، صديقي. أنت لا تقع... أنت تحترق." في ذهن فيليو، لم يكن اليوم حصة فكر... بل بداية سلسلة من الأسئلة، واحد منها فقط... كان متعلقًا بالمادة. أما البقية؟ كلها تدور حول فتاة قالت إجابة واحدة، فأربكت بها قلبًا... كان يظن أنه حصين. غادر الاثنان القاعة بهدوء، أصوات الطلاب تتداخل، وقع خافت للأحذية، نقر أقلام، ومحادثات مبعثرة..ومع كل ذلك، ظلت خطواتهما متناسقة وبطيئة بما يكفي لتطيل الطريق بين قاعتين. في الردهة، الزحام بدأ يتكاثف..الطلبة يتحركون في كل اتجاه، و البهو الواسع يعج بأحاديث النوادي وتوقعات الأساتذة وأسعار القهوة الرديئة من آلة الكافتيريا. فيليو سار بصمت..ثيودور بجانبه ظل يتحدث دون توقف، عن النوم، عن حصة السيافة القادمة، وعن عجزه العقلي بعد الاستماع لنقاش ادبي بدون وقودٍ كافٍ (أي الطعام). لكن فيليو؟ لم يكن يسمعه تمامًا. وإن لم يكن يعلم ما الذي يواجهه، فقد أصبح متأكدًا من شيء واحد: كون المعرفة التي يخشاها الجميع... قد أصبحت بالنسبة له أكثر ما يرغب في اكتشافه.. ..في هذا الزحام، كانا يسيران بصمت شبه مريح..حتى كسر ثيودور الهدوء: — "حسنًا..." بدأ ثيودور وهو يضع يديه في جيبيه، "الآن نعرف اسمها، عمرها، صفها، وموقع مقعدها الجغرافي...ما ينقصنا فقط هو معرفة نوع القهوة التي تفضلها، ومتى تتنفس، وما إذا كانت تنوي الزواج بك أم لا." فيليو اكتفى بالرد دون أن يلتفت: "أنا أعمل على ذلك." "تعمل؟ رائع. تجمع المعلومات حولها منذ الآن بدل من سؤالها مباشرة؟ هل أنت بصدد كتابة تقرير عنها؟" "أسميه تحفظًا." رفع فيليو كتفيه ببرود و أضاف: "الوضع حساس، لا أريد أن أبدو كالمهووس الذي يقفز نحو فتاة لمجرد أنها قالت له 'آسفة'." " تحفظ؟؟ أنا أسميه جبنًا نخبويًا..هل تعرف كم فتاة قالت لي 'آسفة' في حياتي؟ ولم أكتب لهن قصائد حب! " فيليو أطلق تنهيدة طويلة، ثم أكمل سيره: "وضعي مختلف." "أوه لا، لا تبدأ بـ'مختلف'...أنت تعلم أن الجملة التي تسبق الكارثة دومًا هي: مختلف. " "ثيودور، أنصحك ألا تبدأ محاضرتك هذه، لأنها قد تنتهي بأن أرميك من نافذة الطابق الثالث." ضحك ثيودور على تعليق فيليو، وأكمل وهو مبتسم كما لو أن الأمر بأكمله مسلي: — "منطقيًا، الخطوة التالية من المفترض أن تكون بسيطة: التقرب..الحديث..القاء التحية " استدار فجأة، نبرة صوته تغيرت، صارت أكثر جدية... "أو لماذا لا تعترف لها فحسب؟ لماذا كل هذا التعقيد؟ فقط قل لها! 'أهلاً، أنا فيليو، وقد وقعتُ في حبك عندما رن خلخالك في أذني كجرس الكنسية..بسيطة فلتكن جريئا!" "حقًا؟" قالها فيليو بهدوء قاتل: "هل أبدو كشخص سيقول شيئًا كهذا دون أن يلقي بنفسه في حفرة؟" ثيودور رفع حاجبه، مستفزًا: "بالتأكيد لا..أولًا يجب أن نبدأ بتدريبك على التنفس، لأنه بصراحة، كل مرة تقترب منها تبدو وكأنك تنسى كيف يُستخدم الجهاز التنفسي..بعدها سنبدأ بالتفكير في طلب يدها " "الأمر ليس بهذه البساطة." "بالنسبة لك حتى التنفس الطبيعي لم يعد بسيطا الآن؟" نظر إليه فيليو بنظرة جانبية خالية من الانفعال. ابتسم ثيودور، لكنه لم يضحك. "صدقني، لو كان شخصًا غيرك، لأعطيته خطة بثلاث خطوات بسيطة: خطوة للحديث، خطوة للضحك، وخطوة للحصول على رقمها..اما انت؟ لا يصلح معك إلا جلسة تدريبية لاعادة برمجة قلبك." لم يُظهر فيليو أي رد فعل..تابع السير بهدوء، ويده في جيب معطفه الداكن. "أنا فقط... لا أريد أن أبدو فظًا..ولا أريد أن أندفع." "أنت لا تندفع، بل تتبخر..نحن لا نتحدث عن حرب يا رجل، بل عن فتاة..فتاة تعجبك..وهذا، بحسب القانون العام للبشر، شيء طبيعي." توقف فيليو لحظة أمام إحدى النوافذ، تأمل الساحة السفلية التي بدأت تزدحم أكثر..الشمس توسطت السماء الآن، والأكاديمية بدأت تنبض بحركتها اليومية. — "الطبيعي... لا يعني البسيط ." لم يستدر فيليو، فقط تنهد، نظر للأرض بهدوء لفترة، ثم أكمل: "قررت الخطوة التالية..." "والتي هي؟" رفع ثيودور حاجبه بشك. "المراقبة ." "المراقبة؟" كررها ثيودور وكأنه سمع للتو خطة اغتيال: "هل قرأت إحدى روايات جوليانا الرومانسية المريضة ؟" فيليو تجاهله، وواصل السير بخطوات هادئة: "لا يمكنني فقط الاقتراب منها هكذا..ليس أنا..هل تتخيلني أطلب رقمها؟ هذا بالنسبة لي يعادل عرض زواج علني." "انت احمق مختل ." "اتفق معك في هذه النقطة." وصلا إلى زاوية الممر حيث نافذة كبيرة تطل على الحديقة الجانبية، أوراق الأشجار تهتز بخفة والرياح تدخل كنسمة ربيعية.. "أنت معجب بها فيليو..لماذا تصرّ على جعل المسألة مشروعا خطيرا؟ فقط... تحدث..قل شيئًا، أي شيء..لا تجعلني أجرّك إليها جراً." "وهذا هو الفرق بيننا." "وضح." "أنا لا أرى في الأمر لعبة..ولا أريد التقرب منها وأنا لا أفهمها بعد..أريد أن أراها كما هي، ملاحظة طباعها، كيف تتصرف، من تصادق..ماذا تحب.. أفهم كيف تفكر، كيف ترى العالم... قبل أن أقرر إن كنت أملك حق الاقتراب و ادخل نفسي في حياتها." ثيودور رمقه بنظرة طويلة: "إذن، خطتك هي... التحول إلى نوع راقٍ من الجواسيس." "نوع راقٍ؟ شكرًا على الثناء." "لم يكن مدحًا أيها المختل." ثيودور توقّف عن المشي، ثم لحق به بسرعة، عابسًا: "هل أنت جاد حقا؟ تعرف كل ما يحتاجه أي طالب آخر ليبدأ خطوة، وأنت... تراقب؟" صمت فيليو كأن الكلمات ليست موجهة له.. لكن هذا الصمت لم يكن غريبًا على ثيودور، بل كان جزءًا من الحوار. "اللعنة عليك، أنت لا تحب فتاة كل يوم..لديك فرصة نادرة، وأنت تختار أن تلعب دور الظل في حياتها." تنهد فيليو، ثم قال دون تردد: "...لا أريد إفساد الأمر.. اريد ان اقترب لكن ليس بهذا الشكل.. لا بخطوة سريعة، ولا بكلمة ناقصة..لا أعرف إن كنت أريد أن أعترف... أو أن أبقى هكذا." "إن كنت تنتظر اللحظة المثالية، فاعلم أنها لا تأتي." "أعرف..لكنني لم أقرر بعد إن كنت مستعدًا لفقدانها إن اقتربت." ابتسم ثيودور، لكنه بدا كمن يعيد هذا النقاش للمرة الرابعة. "نعم، لأنك الرجل الذي يحتاج جدولاً زمنيًا، وتحليلاً نفسياً، وإذنًا من المجمع السحري الأعلى قبل أن يتعرف على فتاة." " هذه ليست طريقتي ثيو.. ." —"هل هذا لأنك لا تعرف ما تقول؟ أم لأنك خائف من أن تنكشف مشاعرك دفعة واحدة؟" فيليو لم يرد فورًا. كان يسير بثبات، لكن نظراته تتحرك بين الأرضية الرخامية ونوافذ الممر العالية. — "لأنني لا أريد أن أربكها، أو أضغط عليها، أو أكون مجرد رجل آخر يحاول التقرب منها فقط..أنا ألاحظها، نعم..لكنها لا تعرفني..وإن اقتربت الآن، سيكون كل شيء... مُشوّش."" صمت ثيودور، ثم تمتم بسخرية: — "لو كنت مكانك، لقلت لها على الأقل إنها جميلة..على الاقل" توقف فيليو، نظر إليه ببطء: — "لكنك لست في مكاني.. وأعلم أني لو أفسدت الأمر، لن أسامح نفسي.." توقف ثيودور، ثم قال بنبرة أخف: — "هذا ليس خوفًا من إيذائها يا فيليو... هذا خوف من أن ترفضك." فيليو التفت إليه.. ..صمتٌ آخر. "عظيم. أنا رسميًا أقدم المساعدة لشخص يقرر ألا يفعل شيئًا تجاه الفتاة التي يحبها." "دع الأمور تسير ببطء." "ببطء؟" رفع ثيودور صوته قليلاً. "أنت تتصرف وكأنك تنتظر أن تكتب لك رسالة حب عبر الحمام الزاجل." "لا لم تعد فكرة رائجة هذه الايام. ." قالها فيليو بجديّة مريبة. "آه... إنك حقًا حالة ميؤوس منها." ثيودور نظر إليه بتمعّن، ثم أطلق تنهيدة طويلة: — "حسنًا، لقد تعبت..اسمع، خذها كنصيحة من شخص مخطوب...لا تعقد الأمور." فيليو رفع حاجبه: "أنت؟ تنصحني؟" "أجل. لماذا لا؟" "لأنك آخر شخص يُؤخذ منه رأي في العلاقات." توقف ثيودور: — "ماذا؟" ابتسم فيليو ابتسامة شبه ساخرة، وهو يقول ببرود: "أنت مخطوب، صحيح.. بعقد..لستما على علاقة فعلية حتى، وكل ما بينكما هو اتفاق مصالح تم من طرف العائلتين ومن طرفكما..أو هذا على الأقل ما جعلت يولاليا تظنه." ثيودور فتح فمه، لكنه لم يجد ردًا سريعًا. تابع فيليو، نبرته أخف لكنها مباشرة: — "حتى انها، لا تدري بطبيعة علاقتكما... لدرجة أنكما اتفقتما على التصرف كأصدقاء في الخفاء لا أكثر.... لكنك تحاول أن تنصحني عن الحب؟" تجمدت خطوات ثيودور لحظة، كأن الجملة نزلت عليه دفعة واحدة..لكنه لم يرد ، فقط ارتبك أكمل فيليو بنفس الحدة كما لو أن دوره قد حان لكي ينزعج: "فعلتك غبية حقا.... و يولاليا بدأت بالفعل تتساءل متى ستطلب منها مشورة في الحب." ثيودور تمتم: "كانت تمزح." "كانت تنتظر ردة فعل منك..لكنك مشغول بلعب دور الصديق المثالي الذي يراقب من بعيد" فيليو أكمل، بنبرة هادئة لكنها كانت مثل طعنة: "حتى انك لا تعترف بطبيعة مشاعرك نحوها..لذا، رجاءً، لا تنصحني." مرت لحظة صمت، ثم تمتم ثيودور: "... لقد جرحتني للتو.." " اعتبره درسًا مجانيًا في الواقعية." أغلق ثيودور فمه ثانية، وهو يشيح بوجهه. ساد الصمت للحظة. وصلا إلى نهاية الممر، حيث تفرعت القاعات حسب التخصصات..ازدادت حركة الطلاب، وعلا صوت ضجيج الحصص القادمة. ضحكات الطلاب الجدد تُشعرك بأنك الوحيد في المكان الذي لم يشرب قهوته بعد. طلاب يتجهون إلى حصصهم، البعض يتوقف أمام اللوحات لتفقد المواعيد، آخرون يتناقشون حول النوادي والأساتذة، ومن تناول مخزون التيراميسو في الكافتيريا الصباحية. مضى الاثنان صامتين ، إلى أن استدارا في آخر الرواق. قال ثيودور وهو يخطو أمامه: "لكن على الأقل... أنا أعترف أنني لا أعرف ما أفعله." توقف فيليو للحظة أمام لافتة تشير إلى القاعة التالية، ثم استأنف السير و رد: "وأنا أعترف أنني أعرف... لكن لا أجرؤ على فعله." تابع فيليو، بنبرة أكثر هدوءًا الآن: — "فلا تتحدث لي عن الصراحة، وأنت نفسك لا تدري أين تقف..على الأقل أنا أعرف أنني خائف..أنت؟ أنت لا تعترف حتى أن هناك شيئًا يستحق الخوف منه." لم يقل ثيودور شيئًا..فقط واصل السير بجانبه. لثوانٍ، لم يُسمع سوى خطواتهما، وصوت بعيد من أحد الصفوف حيث كان أستاذ ما يصيح باسم طالب متأخر. ظل ثيودور يمشي إلى جانبه، صامتًا، هذه المرة بدون ابتسامة ولا سخرية. أخيرًا، قال بصوت خافت دون أن يتلفت: — "أنت محق... ولهذا أحاول أن أساعدك، لأنني أرى فيك نفس الخطأ الذي ارتكبته...اندم كل يوم على الخط الذي رسمته بيني و بين يولاليا..والذي ظننت أنه سيجمعنا " فيليو لم يرد..فقط نظر إلى الأمام، إلى القاعة التي يقتربان منها، وتنهّد: " ثيو... ولهذا أنا لا أستطيع الكذب عليها..لا أستطيع أن أكون شخصًا لا يشبهني فقط حتى نصبح في علاقة لا تملك اسما." "وهل تظن أن بإمكانك التعامل مع الشوق؟" ضحك فيليو أخيرًا، وقال بهدوء: "ساتدبر امري..أما سونارا؟ أحتاج بعض الوقت..لذا حاليًا...سأكتفي بالمراقبة." علق ثيودور على كلامه: "انت لا تزال خائفًا حتى من النظر مباشرة لعينيها." فيليو ابتسم بخفة، وقال وكأنما يعترف للمرة الأولى: "أنا لا أخاف النظر... أخاف أن تراني." "جميل.. جملة شاعرية..اكتبها في مذكرتك الليلة." "لا أملك مذكرات." "حسنًا، أنا سأكتبها عنك." وصلا أخيرًا إلى القاعة التالية..لم يتوقف الحديث بينهما، ضحكا قليلًا، ثم صمتا واصلا طريقهما، ضجيج الخطى من حولهما تلاشى تدريجيًا، بينما دخلا عبر البوابة الزجاجية الثقيلة نحو القاعة التالية. "بالمناسبة، ما حصتنا القادمة؟" سأل ثيودور وهو يفتح الباب. فيليو تنهد ببطء وكأنه على وشك نطق اسم شيطان قديم. "المعادلات السحرية المتقدمة." ثيودور تجمد، ثم همس: "وداعًا للعقل السليم." دخلا القاعة، وبين الجدران التي اعتادت على فوضى الطلبة... فيليو عيناه ما زالتا تبحثان عنها، رغم يقينه أنها ليست هنا. المشكلة لم تكن في أنه لا يعرف كيف يعترف... بل في أنه لم يعرف بعد كيف يبدأ. ......... كان رواق الأكاديمية ساكنًا، و الرياح نفسها لا تجرؤ على كسر الصمت الذي يسبق بداية يوم جديد..لم تغرّد العصافير بعد، والمكان لا يزال خاليًا من الازدحام. سونارا كانت تعبر الممر الحجري المؤدي إلى مبنى الصفوف المتقدمة..دفء الربيع لا يزال في مراحله الأولى، يلمس أطراف الأشجار ويفتح الزهور بلطف. كانت السماء في ذلك الصباح لا تزال تتردد بين الأزرق الباهت ورماد الفجر، لا تعرف إن كانت ستمطر أم تبقى صافية.. ذاك النوع الذي لا يساعدك على تحديد الوقت إن كنت قد استيقظت للتو.. أو لم تنم أصلًا. وسونارا؟ استيقظت مبكرًا..أو للتحديد الدقيق، لم تنم إطلاقًا. أرقها القديم، عزيزها الذي لا يخذلها، قرر أن يعانقها الليلة كأنهما عاشقان افترقا لسنوات.. بقيت مستلقية في الظلام، تتقلب على سريرها كما لو كانت تتقلب على نار كعود شواء، تعد دقائق الليل، ثم تنهيه بقهوتين بلا طعم، ووجهٍ يشبه الضحايا في منتصف الحرب. أو هذا كل ما كانت تعرفه عن ليلتها الماضية. لا أحلام، لا راحة، لا انقطاع في التفكير..فقط ساعات طويلة من التحديق في السقف، تشبه جلسة استجواب صامتة بين عقلها وقلبها وجهازها العصبي بأكمله. أعدّت نفسها باكرًا، كما تفعل دومًا حين يعود الأرق، تحاول كسر الدوامة بالروتين..بعدها تغادر منزلها قبل حتى أن يرن المنبه. وها هي ذي، ترتدي زيها الأكاديمي دون أن يرفّ لها جفن، ضبطت نظارتها البنية على أنفها كعادتها..ثم عدلت معطفها البني الخفيف.. خطواتها كانت متمهلة، كأنها تملك جدولًا زمنيًا لكل حركة..والطلاب؟ بعضهم بالكاد فتح عينيه..البعض الآخر يثرثر عن اختبارات السيافة القادمة وكأن القتال سيحدث بعد خمس دقائق. كانت تحمل حقيبتها الداكنة على كتفها، وثقل خلخالها الذهبي يرن برقة ناعمة كاحلها الأيسر—عادة لم تتخلَّ عنها منذ طفولتها، رغم أنها لم تكن تعرف السبب الحقيقي وراء تمسكها به. شعرها المجدول كضفيرة جانبية ينسدل على كتفها الأيسر، بدا مرتبًا بشكل مثالي رغم أنها لم تبذل فيه الكثير من الجهد صباحًا. عبرت تحت أحد الأقواس الكبرى المؤدية إلى الساحة الغربية، المباني من حولها مهيبة، أعمدتها مزينة بنقوش عتيقة، تراقبك كأن لها أعينًا خفية. الرواق الطويل المؤدي إلى مبنى الصفوف المتقدمة كان شبه خال، والضوء الخفيف المنكسر على النوافذ أعطى كل شيء طابعًا خاصا. كانت تمشي بصمت مقيتٍ، لم تكن متأخرة، ولم تكن في عجلة أيضًا..فقط تسير كعادتها، تُراقبُ من دون أن تُراقبْ، تسجّل كل تفصيلة صغيرة تمرّ بها حتى لو لم ترفع رأسها. ..الهواء في الرواق كان يحمل برودة طفيفة من الليلة السابقة، الشمس بالكاد بدأت تتسلل من بين النوافذ الطويلة، وصوت كعبها لم يُسمع..كالعادة. لم تكن نائمة..ولم تكن مستيقظة بالكامل أيضًا. كان ذلك النوع من الإرهاق الغريب الذي يصاحبك بعد ليلة بلا نوم—ليلة لم يحدث فيها شيء، لكن مع ذلك...شيء ما حياتها قرر أن يقلب طاولتها التي رتبتها بعناية. قلبت بصرها حول الرواق، بعينين منقبضتين..رغم صباح الأكاديمية الهادئ، كان كل شيء فيها متوتّرًا: ملامحها، خطواتها، حتى طريقة حملها لكتبها. كان واضحًا أن عقلها ليس هنا. ..لقد كان عالقًا في تلك اللحظة البسيطة التي لم يكن يجب أن تحدث، حيث انقلب كل شيء. الاصطدام... وفي داخلها، الأمور لم تكن هادئة كما يوحي به مظهرها. "كيف اصطدمت به؟" ليس سؤالًا عابرًا..بل لغزًا يضغط على جمجمتها من الداخل. "كيف لم أشعر به؟" كررت ذلك للمرة العشرين بعد المئة على الأقل منذ فتحت عينيها هذا الصباح. ذلك الفتى، الذي اصطدمت به في المهرجان...الأمر لم يكن رومانسيًا ولا محرجا..لم يكن مضحكًا أو حتى عابرًا..كان مزعجًا..مزعجًا بشكل شخصي..مزعجًا بشكل غير منطقي. البارحة، وسط صخب، كانت هناك لحظة..لحظة واحدة فقط خرجت عن السيطرة..اصطدمت بشخص، ولم يكن التصادم ما أزعجها... بل كونه مفاجئًا. والمفاجآت لا تحدث لها..لا يفترض ذلك..ليس هي... العبارة ظلت تتردد في عقلها، تأكل أطراف وعيها كما تفعل النيران بورق قديم..لم تكن تفكر في وسامته، ليس الآن.. بل في شيء أعمق، شيء يُشبه الغريزة. كان يجب أن تشعر به. ..فهي لا تملك حواسًا تقليدية. ...منذ ولادتها، كانت ترى ما لا يراه الآخرون. اعتادت أن ترى كل شيء قبل حدوثه..أن تستشعر كل ما يقترب، حتى قبل أن يخطو..لديها حس، موروث قديم لا يخيب. بصيرة لا تشبه أي شيء عادي..إحساسٌ حاد بالحضور.. رصد المانا... تعقّب الطاقة و الحركات... الإحساس بالحرارة، بالاهتزاز، بتشوّش المجال السحري... تستطيع تمييز من حولها بدقة لا تخطئ..كافية لتحديد طبيعة خطواته، ومزاجه العام، وكمية السحر التي تسري في جسده...حرارة الأجساد، اهتزاز الهواء حولهم، نبض المانا في خلاياهم، وحتى النوايا العابرة..بعض البشر كانوا يتركون أثرًا في الوجود لمجرد التفكير بشيء ما. فالمانا بالنسبة لها ليست مجرد طاقة، بل صوت مكتوم يتردد في عظام الأشخاص..لا تخفى عنها أبداً..حتى وهي شاردة، حتى وهي غارقة في أفكارها، جسدها يقرأه، وعيها يعالجه.. وهي تلتقطه، دائمًا..لكنها لم تستطع هذه المرة.. وهذا مستحيل. لم يسبق أن أخطأت... جسد ضخم اصطدم بها فجاة... دون أن تسبقه إشارة..لا مانا..لا ظل..لا شيء.. كأن العالم أسقطه أمامها، من دون تمهيد. كيف؟ ولماذا؟ وما الذي حدث؟ أسئلة كثيرة تدور في رأسها ارتباك؟ مستحيل. انشغال؟ غير مرجح. الجواب الوحيد الذي لا تريده... هو أنه كان خارج حدود رصدها. [كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.] ليس فقط لم تشعر بوجوده..بل حتى حين نظرت إليه، لم تستطع رؤيتها..وهنا المشكلة. "الهالة." فكرت في الكلمة. ..كانت تمتلك موهبة، قدرة، لعنة، سَمِّها كما تشاء..كانت ترى الهالة. يرى العاديون الأشخاص. يرى السحرة الطاقة. أما الغجر؟ فهم يرون الهالات. وبين الغجر، هناك فئة نادرة فقط بامكانهم استبصارها، أولئك الذين يسمون بـ"العرافات"...قارئات الطالع، نساء يُزدرين في العلن ويُخشى منهن في الخفاء... الهالة، كما عرّفتها الأساطير، هي بصمة الشخص التي لا تختبئ...كل كائن حي يملكها..مشحونة به، مرتبطة به كجلده، لا يمكن فصلها عنه. لكنها ليست نورًا حول الناس كما يقول الحمقى في القصص الشعبية.. هي انعكاس الوجود، صدى الحياة... مزيج من الماضي والحاضر والمصير...طيف لا يُرى إلا لمن يمتلك البصيرة...والقليلون فقط يعرفون معناها الحقيقي. تخبرنا بكل شيء..الألم الذي تحمله في كتفيك، الندم العالق بين أضلاعك، الفرح المكبوت في قاع صدرك..حتى رائحة المانا التي تصدر منك، تنذر بموهبتك، طبيعتك، عنفك، حبك. تتمدد حول الشخص وتعبّر عنه أكثر مما يفعل لسانه..حجم الهالة، شكلها، لونها، تذبذبها... كل ذلك كان كافيًا لتقرأ شخصًا بالكامل، ..بعضها كثيف كالدخان، بعضها رقيق كالماء..بعضها حاد، مشوش، مختلط، شفاف، لكن لم ترَ أحدًا بلا هالة. حتى الحيوانات، حتى الأشجار، كلهم كانوا يملكون ذلك التوهج الذي يشي بوجودهم. بوسعها أن تحدد من لونها: إن كان صاحبها قد كذب، أو تعرّض للخيانة، أو خاض حربًا، أو فقد عزيزًا. الشكل؟ يخبرها إن كان الشخص دفاعيًا أم هجوميًا، منطويًا أم مفتوحًا، صادقًا أم متعدد الوجوه. أما هو؟ كان مثل الفراغ. كان يقف أمامها، يحدق، لكنها لم ترَ شيئًا..مخلوق بلا ماضٍ، بلا نوايا..كأن حوافه...ممحوة. وهذا، بالنسبة لها، لم يكن صادما فقط. بل غير منطقي.. الهالة تكشف كل شيء. الهالة لا تختبئ. ..هي لم تكن تُشبه أيًّا من العرافات. لم تتعلم هذه القدرة، بل وُلدت بها. وأكثر ما أرعبها... هو أنها ولأول مرة في حياتها، شعرت بالعمى. لم ترَ الهالة. لم تلمح حتى خيط مانا ضائع في الهواء "لا يُعقل..." همست لنفسها. كان يجب أن تلتقط مجاله الحيوي من على بُعد خمسين مترًا على الأقل، كما تفعل مع الجميع. والآن؟ قلبها يخفق ببطء غير معتاد، ذهنها يفرز الاحتمالات كما لو أنها تحل معادلة سحرية، وتدور حول السؤال ذاته: [ما أنت بحق الجحيم؟] قالتها في سرّها، وهي تمر أمام أحد الممرات الجانبية، حيث الطلاب يهرولون للحاق بحصتهم الأولى..لم تنتبه لأي منهم..عينها كانت على الطريق فقط ظاهريا.. كان شعورها أشبه بشخص يقرأ كل الكتب، ويحفظ كل الأنماط، ثم فجأة... تقع بين يديه صفحة بيضاء..لا عنوان، لا هامش، لا نقطة بداية. سونارا، بكل قدراتها التي عُرفت بها بين الغجر، لم تتمكن من تمييز حضوره... [أهذا ممكن؟] " هذا ليس الوقت المناسب للهلوسة..." تمتمت بصوت منخفض، كأنها تلوم نفسها. نظرت إلى السماء للحظة، فوق الأشجار العالية التي تحيط بالساحة الغربية..كانت الغيوم رمادية قليلاً، والشمس بالكاد تظهر..طيور صغيرة كانت تحلق في جماعات متفرقة، أصواتها تُضيف جوا ناعمًا..جعل أفكارها تهدأ نوعا ما. استرجعت المشهد للمرة الألف ربما. "ربما لم أكن يقظة؟ لكني كنت أجري... فقط أجري..إذًا كيف لم أره؟" توقّفت للحظة بجانب عمود رخامي عريض، كما لو كانت تراجعه حساباتها..رفعت عينيها ونظرت حولها..لا تزال ترى الناس كما هم، بشكل واضح كما لو كانت الكاميرا تُقرّب التفاصيل ببطء: هالات تحيط بهم، خيوط تتحرّك، مشاعر تتلوّن، نوايا تتكثّف..كل شيء في مكانه كالمعتاد. "إذاً لم أُصب بالعمى... جيد." لكن ذلك لم يُشعرها بتحسن كبير. الأمر كان مزعجًا حد الألم. ربما لو كانت فتاة عادية، لتجاهلت الأمر. لكنها لم تكن كذلك. كانت تلك الحادثة أشبه بقشعريرة باردة على جلدها..شيء ليس في مكانه، شيء لا يُفترض أن يكون. بدا الأمر سخيفًا وهي تفكر فيه بصوت عالي داخل رأسها، لكنها لم تستطع تجاهله. "هل أنا فقط لم أرغب برؤيته؟ هل هذا ممكن؟ هل عقلي الباطن قرر فجأة أن يمنحني عطلة من الإدراك؟" سخرت من نفسها. إن كان هناك شيء لا تفعله، فهو منح نفسها عطلة. كانت اللحظة... قصيرة، لكنها مثل خلل في نظام..ولم تتوقف.. في الليل، حين صمت كل شيء، وبدأت ذاكرتها تعيد المشهد كفيلم بطيء... استوعبت الامر.. وما زاد الطين بلة؟ لأول مرة، شعرت أن شخصًا آخر قرأها، قبل أن تقرأه هي وهذا... كان كافٍ لإشعال أجهزة الإنذار في عقلها.. "هل فقدت بصيرتي مؤقتا..لا اعتقد ذلك ايضا" فكرت وهي تمر عبر أحد الممرات المظللة... تنهدت: "كان من المفترض أن أعيش عامًا هادئًا." لقد التحقت بالأكاديمية بمجهودها، بسهر الليالي (سهرت وهي تقرأ رواياتها) فهي ليست مثلهم.. ليست ابنة عائلة نبيلة درست في الأكاديمية منذ الابتدائية، لا تعرف الممرات بحكم العادة، ولا وجوه الطلبة من سنوات الصداقة...قفزت فوق سنوات من الاندماج، فقط لتجد نفسها في قلب مؤسسة تتنفس النُخبة.. وهي بالكاد اعتادت الفكرة قررت أن تبدأ عامًا جديدًا بهدوء، أن تترك كل الفوضى القديمة خلفها، أن تندمج في حياة عادية بأقل قدر ممكن من التعقيدات والانزلاقات غير المتوقعة، أن تعيش كطالبة طبيعية—مهما بدا ذلك مستحيلًا لغجرية تحمل ماضيًا من الفوضى والذهب حتى... ظهر هذا اللغز. وهي؟.. تكره الألغاز التي لا تجد حلاً لها. كان لا بد أن تصطدم... بكائن بشري خارج عن نطاق الإدراك..كأن الأكاديمية لم تحتوِ ما يكفي من القلق. رفعت رأسها قليلًا وهي تعبر أمام النافورة الكبيرة في وسط الساحة...حيث تتدلّى شجيرات الويستيريا البنفسجية وامامها تمثال الأسد كان يرمق المارة من فوق منصته الرخامية، والماء يتقافز من فمه في انسياب هادئ. تنهدت تنهيدة طويلة تدل على حيرتها.. استمرت في تحليل المشهد كأنها تحقّق في جريمة: " بدا وكأن المانا لا تعرفه، أو أنه لا يستخدمها من الأساس." احتمال غير ممكن حسب قوانين الطبيعة. إلا إن كان... "قدرة خاصة؟ مانا هجينة؟" الاحتمال الأسوأ؟ أنه مثلها... لا يمكن قراءته. "تبا.." وللاسف..هناك لائحة سوداء محترمة في رأس سونارا لأشياء تبغضها، مكتوبة بخط يد أنيق وأحمر قانٍ لا يقبل التفاوض..على رأسها: الجهل. الأشياء التي لا تستطيع تفسيرها أن تكون الطرف الذي لا يرى الحقيقة. وأن يظهر في حياتها متغيّر جديد لم تتوقعه وهي بالكاد بدأت تتظاهر بأنها "بدأت من الصفر" ....قم بوضع خطين أحمرين على هذه رجاءًا.. وبما أن الحظ السيء يحب الاستعراض، فقد قرر أن يجمع الأربعة في حزمة واحدة ويضعها في طريقها فورًا، و أن يتجسّد في هيئة "حدث ما لم يكن بالحسبان" . القدر؟ كالعادة، لا يقرأ الملاحظات المسبقة...اللعنة عليه. بالنسبة لها، هذا الوضع المخزي تمامًا مثل محاولة بدء حمية صحية... ثم أووبسس تجد صندوق كعك على بابك. غير مبرر. غير مرحّب به. ومُحبط على مستويات نفسية. سحبت نفسًا عميقًا وهي تمر بجانب نافذة طويلة، الزجاج باهت قليلاً، لكن كافٍ ليعكس صورتها. تأملت نفسها لوهلة..هادئة؟ نعم..متماسكة؟ ربما.. لكن عقلها يشتعل. ... كانت قد قررت شيئًا بسيطًا: هذا الشخص... ليس عاديًا. أكملت طريقها للقاعة الكبرى لحصة الفكر والأدب، وهي تُبعد هذه الأفكار ظاهريًا فقط..لكنها كانت تحاول إقناع نفسها أن الدرس كفيل بتمزيق هذه الفوضى من رأسها. ثم ابتسمت بداخلها، بمرارة طفيفة. حتى الأستاذ، الذي اعتادت حبه واحترامه، لن يتمكن من جعلها تنسى أن هناك شخصًا ما... كَسَر نظامها. لم تكن مرتاحة لا لأنها انجذبت..بل لأنها لم تتنبأ وهي لا تغفر لنفسها حين لا تتنبأ... ...المبنى الذي دخلته الآن مختلف عن باقي الأبنية..الجدران أعرض، النوافذ أعلى، والهدوء أكثر طغيانًا. "هناك أمر إيجابي في هذا اليوم على الاقل..." إن كانت لسونارا حصة مفضلة، فهي هذه لأسباب كثيرة..وليس بسبب المادة فقط لكن السبب الأهم؟ الأستاذ لوسيوس رجل جاف..صارم..عبقري، بلا مجاملة وكانت تُحب هذا النوع من الأساتذة. طريقته في شرح النصوص، لا تعطيك إجابات، بل تجبرك على طرح الأسئلة الصحيحة... تلك الطريقة تحديدًا، أسرَتها عندما سمعت محاضرته في صغرها... حين دخلت القاعة، كانت ممتلئة قليلا اختارت المقعد القبل الأخير بجانب النافذة — كعادتها لم تحب الجلوس في المقدمة، لكنها كانت تكره الخلف أيضًا الضوء الذي يتسلل عبر الزجاج الملوّن يعجبها، وطرف الستارة البنية المتهالكة التي تتمايل مع كل نسمة، منحها بعض الطمأنينة —وأغرب ما في الأمر أنها شعرت، لوهلة، أنها لا تريد البدء بالحصة، بل تريد أن تعود إلى تلك اللحظة، لتعيدها، لتفهمها... نظرت للسبورة الفارغة... وتنفست. وأخيرًا، فكرة لا تُقلقها. فتحت حقيبتها بهدوء، أخرجت دفترها، قلمها، ثم أراحت كفّها بخفة. لكن قبل أن تبدأ بتدوين بعض الملاحظات على الهامش، سمعت أصوات. ضحكٌ خافت، أصوات كعوبٍ ووشوشات..ضحكات مصطنعة، التفتت ببطء. حتى رأت تلك المجموعة من الفتيات يلتففن حول المقعد الأخير... فوق رأسَيْ فتيين جلسا هناك بلا اكتراث. كان واضحًا أنهن يحاولن جذب انتباههم. سونارا لم تكرههن... لكنها لم تحتمل الضوضاء..أو الادعاء..أو تزييف الانبهار. "تافهات." لم تقلها بصوتٍ عالٍ.. لكنها فكّرت بها وهي تنظر إليهن بطرف عينها. تنهدت، وأعادت بصرها إلى دفترها. ثم، دخل الاستاذ. نظرت نحوه وهو يدخل القاعة بخطوات رزينة. عينيه الرماديتان مسحت المكان ببرود هادئ، كأنه لا يرى أشخاصًا، بل احتمالات. ابتسمت سونارا بخفة. تبدو كبداية جيدة بالنسبة لاول حصة.. وقبل أن تفكر في شيء آخر... بدأت المناداة. اسمٌ بعد اسمٍ، صوت لا حادّ ولا لطيف، وهي كانت تستمع دون اهتمام خاص، حتى... "فيليو باليوتي." تجمّدت عضلات كتفها للحظة. كأن شخصًا أطلق سهم الوعي نحو رأسها. فيليو؟ باليوتي؟ كل أفكارها التي سكنت رأسها منذ البارحة، استدارت نحوها دفعة واحدة. باليوتي... صاحب الشعر الأسود. العينين الحالكتين اللتين لم تنسَ حِدّتهما.. الحضور الصامت، الذي لم تلحظه، لكنها لم تستطع نسيانه بعده. الشخص الوحيد في الإمبراطورية الذي يملك نفس هذه المواصفات.. كل شيء تطابق. تنفست ببطء، محاولة تهدئة ذاك الغليان الهادئ داخلها. ما حدث لم يكن بسبب شرودها. ولا لأنه كان سريعًا أو لأنها كانت منشغلة. بل لأنه ببساطة، لم يكن مرئيًا لها أصلًا. الاصطدام. الاختفاء. الهالة المعدومة. الآن... أصبح كل شيء واضحًا. "مخالب الهاوية" أو بعبارة اخرى " الهيمنة ". همست لنفسها دون صوت. القدرة الموروثة في دوقية الشمال. واحدة من أندر القدرات في السجلات. التي تجعل أصحابها لا يملكون مانا تقليدية، بل طاقة هجينة، متداخلة، لا تشع، لا تنبض كما تفعل مانا الآخرين. بل تمتص الانتباه، تخفي آثارها، وتُخرس كل أجهزة الرصد السحرية. حتى هالاتهم... لا تُرى. بل أسوأ. هالاتهم تمتدّ كفضاء طاقي غير مرئي... في محيط أوسع بكثير من قدرة الرؤية العرافية. لذلك، لا تراها..لا تحسّ بها...لا تُرصد. ومع ذلك...هو أقوى ممن يفيضون بها. شخصية كهذه... تعني شيئًا واحدًا بالنسبة لها: خطرٌ لا يمكن توقّعه. "اللعنة..." ارتخت عضلات كتفيها قليلًا حرّكت يدها بخفة فوق دفترها كأنها تستعيد توازنها. سمعت صوته خلفها يجيب على المناداة. "حاضر." بسيط و هادئ..لا يحمل شيئًا واضحًا... لكنه جعل قشعريرة مفاجئة تسري في جسدها. "مرة اخرى؟" لم تشعر به وهو خلفها. لم تشعر حتى قربه. ارتجفت أطراف أصابعها للحظة، دون أن تُظهر ذلك. وأغمضت عينيها لثانية.... ثم تنهدت. "رائع... من كل الأماكن، كان عليه أن يجلس خلفي." هذا ليس جيدًا. عقلها عاد للعمل. تنفّست ببطء، أخرجت القلم، وفتحت الصفحة الجديدة. الآن تعرف من يكون. تعرف اسمه. تعرف أنه دوق الشمال. وتعرف أيضًا تمامًا، أنها لا تريد أن تعرف المزيد. لذا من الآن فصاعدًا... عليّها تجنبه. لأنه لو بقي حولها، لن تعرف أبدًا من يراقب من.