"اختارها القدر... فاختارت أن تتمرد عليه." -------------------------------- "أنا ميتة." من جديد... شهقت وهي تفتح عينيها، لكنها لم تكن شهقة نجاة، بل مجرد استرجاع للنفس الذي فقدته للحظة... تنفست بعمق، مرّةً... ومرّةً أخرى، حتى انتظم الهواء في رئتيها. استفاقت سونارا على صوت المنبّه المعتاد، لا صراخ، لا موسيقى طفولية مشوّهة، ولا دماء.... ظلت تحدق بالسقف طويلًا، ثم أطلقت زفرة ثقيلة... لم يكن النهار قد أشرق تمامًا، لكن السماء اتخذت ذلك اللون الرمادي الباهت الذي يسبق الشروق.. تسلل نسيم بارد من النافذة، يترك قشعريرة خفيفة على بشرتها، لكنه لم يكن كافيًا لإيقاظها تمامًا. صمتت للحظات... ثم تنفست بعمق. لا يزال آثار الوهم عالق في ذهنها، خيوط ضبابية تلاشت ببطء، تاركة وراءها ذلك الشعور الغريب، كأن الماضي يحاول أن يشقّ طريقه إليها... دون أن يملك الجرأة الكاملة على العودة. مجرد حلم؟ لا اعتقد ذلك تحركت يدها نحو عنقها، تحسست القلادة الصليب الباردة، يدها كانت مشدودة عليها كما لو أنها كانت تحاول التأكد من وجودها. "لا تزال هنا..." نظرت إلى جانبها حيث النافذة فأدركت أن الليل مضى أخيرًا و الشمس بدأت في الظهور، وأنها بشكل غير متوقع قد نامت. ابتسمت، صوتها كان لا يزال ناعسًا حين همست: "ست ساعات؟ يا لها من معجزة!" مدت ذراعيها بتكاسل، عضّت شفتها محاولة كتم ضحكة صغيرة. لأول مرة منذ أيام، لم تكن مغطاة بالعرق البارد، لم تستيقظ لاهثة أو مفزوعة، لم يكن هناك صدى لأصوات مجهولة تهمس باسمها.. ولم تحتج إلى المنومات لكي تنام أو بعبارة اخرى يغمى عليها. "تبدو الأعشاب الجديدة ذات جودة ممتازة." كان ذلك الأرق كاللعنة بالنسبة لها..لم يشأ أن يفارقها منذ سنوات عديدة... نهضت من السرير، قدماها العاريتان لامست الأرضية الخشبية الباردة، لكنها لم تبالِ. سارت نحو المرآة الطويلة، توقفت أمامها، رفعت حاجبًا وهي تتفحص وجهها: " لا هالات سوداء مخيفة اليوم، هذا تقدم." أدارت رأسها قليلًا تأملت انعكاسها.. شعرها البني المائل للذهبي انسدل كالموج فوق كتفيها، وعيناها بلونهما البني العميق، حملتا ذلك البريق الخافت، كالعنبر حين يضيئه ضوءٌ خفيف. رفعت يدها، لامست الخانة الصغيرة على رقبتها، ثم ابتسمت ببطء، كأنها تذكرت شيئًا لا تنوي الإفصاح عنه. زفرت بنفاد صبر، مرّرت كفّيها على وجهها، ثم تمتمت: "حسنًا... لنبدأ هذا اليوم." فتحت باب و خرجت إلى الممر الطويل النوافذ الكبيرة على جانبيه كانت تسمح لأول خيوط الشمس بالدخول، تنعكس على الزجاج الملوّن، وتُلقي أطيافًا زرقاء وخضراء على الجدران الحجرية. كان المنزل هادئًا إلا من وقع خطواتها، لكن ليس موحشًا. لقد انتقلت إلى هنا منذ أسبوعين فقط، وإن لم تعتد عليه بعد، فإنها لم تشعر بالخوف فيه أبدًا. .. مرّت بجانب الطاولة الصغيرة، توقفت للحظة، لم تستطع منع نفسها من التقاط المذكرة السوداء.. فتحت صفحة جديدة، رائحة الورق المشبع بالحبر القديم تسربت إلى أنفها.. أمسكت القلم، ضغطت عليه قليلًا بين أصابعها، ثم كتبت: "المكان: شارع ضيق، غير مألوف." "الوقت: ليل بلا قمر." "القاتل: مجهول، خطوات ثقيلة، أنفاس متقطعة ظل اسود طويل وبنية عضلية." "طريقة الموت: طعنة يسار الصدر، لم تؤلم كثيرًا، الدم كان دافئًا." "ثم سقطت في نهاية الزقاق" حدّقت في الكلمات للحظة، مررت أصابعها فوق الحبر كأنها تريد التأكد من أنه حقيقي، ثم أضافت: "لم يحن الوقت بعد." ابتسمت بسخرية ثم أغلقت المذكرة، صفحاتها كانت ممتلئة... مليئة بأشياء لن تسمح لها بالحدوث أعادت الدفتر إلى الدرج وأغلقته.. ثم توجهت إلى المطبخ.. الجو أبرد مما توقعت.. ..فتحت الخزانة، وأخرجت المكونات التي اعتادت استخدامها.. وضعت الحليب على النار وتركته يغلي على مهل، ثم بدأت تقطع الفاكهة على اللوح الخشبي. نظرت حولها.. الفوضى تملأ الأركان — معدات مبعثرة، أثاث مائل، صناديق مفتوحة هنا وهناك، بانتظار الترميم الذي سيبدأ قريبًا. لم تحسم بعد التصميم الذي تريد أن يبدو عليه البيت..المساحة واسعة، والبناء جميل، لكن الوقت ترك أثره.. الجدران قديمة، الحديقة الخلفية مهملة، وبعض الزوايا تحتاج إلى إعادة ترتيب كامل. لكنها لم تنفر من ذلك.. على العكس، كانت تنجذب لما يتطلب عناية وصبرًا. وخاصة هذا النوع من البيوت الذي يمنحك فرصة لتعيد تشكيله كما تريد. تحب أن تعمل بيديها، أن تبني، أن تصلح.. لا تفعل ذلك من أجل المنزل فقط، بل لأنها تجد في هذه الأعمال شيئًا يساعدها على التماسك..كانت وسيلتها لتستعيد توازنها بحيث كل تغيير تنجزه في المكان، ينعكس داخليًا عليها أيضًا. لهذا قررت أن تترك أثرها في هذا البيت.. لا تريده مجرد سكن جاهز، بل مساحة تشبهها، ويمنحها إحساسًا بالانتماء. "حسنًا، أشعر أنني شخص مسؤول اليوم ." ضحكت بخفة، تسمح بغمازاتها بالظهور صبّت شرابها الدافئ في الفنجان الأبيض، حملته معها إلى الطاولة قرب النافذة، وجلست. راحت تراقب المطر المتساقط، قطرات تلامس الزجاج وتنساب في خطوط طويلة. أصابعها تدور ببطء حول حافة الفنجان، ثم تمتمت بابتسامة خافتة:"لطيف... يوم هادئ. لم يُقتل أحد، وأنا لم أُقتل... بعد." ارتشفت رشفة صغيرة، وأسندت رأسها إلى الزجاج البارد، تنظر إلى انعكاسها، عينان بنيّتان مذهّبتان...بدتا أكثر يقظة اليوم، أقل إنهاكًا و أقل خوفًا.. أغلقت عينيها، استمعت لإيقاع المطر، ثم همست بابتسامة باهتة: "حسنًا... يبدو أنني بدأت أتأقلم مع هذه الحياة." الحياة... نعم... هذه هي الحياة التي تعيشها الآن. الحياة التي صنعتها بنفسها، حياة خُطّت فوق الرماد، لا فوق الحرير. لقد فقدت الكثير... لكنها قررت ألا تترك خسائرها تذهب عبثًا. اختارت أن تكون سعيدة، لا لأن السعادة سهلة، بل لأنها كفاحٌ. اختارت ألا تحيا فقط... بل أن تعيش. لذلك، ستبذل جهدها اليوم أيضًا. شهيق طويل... زفير أبطأ. "حسنًا... رغم أنني أبدو وكأنني أعيش في وصف رواية مبتذلة... لكنه أفضل من لا شيء." قالتها بنبرة مرحة وهي تتثاءب، ثم استدارت، متجاهلة الشعور الغريب الذي يرافقها كل صباح بعد أحلامها. لكن رغم ذلك، كانت تشعر بشيء آخر... الرضا. مرّت أمام المرآة دون أن تتوقف، دون أن تنظر إلى انعكاسها..بدلًا من ذلك، توجهت إلى الحمام، أطلقت المياه الباردة فوق وجهها، وتركت القطرات تنساب على عنقها، تمحو بقايا الليل العالقة بجسدها. لم تنظر إلى الساعة. حسنًا... ربما ستتأخر على خطاب الافتتاحية . لكن من هناك ليحاسبها؟ .... ارتدت ملابسها كما تفعل دائمًا دون استعجال.. قميص قطني بلون بني خفيف فوق الزي الرسمي للأكاديمية، المطرز بخيوط ذهبية دقيقة.. تنورة بلون بني داكن تصل إلى الركبة، وجوارب سوداء تمتد تحتها.. أكمَلت المظهر بقميص داخلي أبيض وربطة عنق بسيطة، تمنحها أناقة واضحة. فردت شعرها المموج، المائل إلى الذهبي، تاركة بعض الخصلات تتناثر حول وجهها.. ثم ارتدت نظارتها ذات الإطار الذهبي، تلك التي اعتادت أن تخفف بها وضوح ملامحها لمن لا تعرفهم. لكن اهتمامها الأكبر كان دومًا في التفاصيل الصغيرة — الأحذية أولًا. انتعلت كعبها العالي المعتاد، من النوع الذي لا يمرّ دون ملاحظة، بثمن يمكنه أن يشتري شقة صغيرة في حيّ متواضع.. لم تكن مبالغة، هي فقط كانت تعرف ما تحب، وتعرف تمامًا أن الكعب العالي جزء منها. أضافت خلخالها الذهبي، رفيع ولامع، يليق بكعبها الأسود من توقيع "فالنتينو غارافاني". ثم انتقلت إلى ما تعتبره الأهم بعد الأحذية: أظافرها. قد تنسى حقيبتها، أو هاتفها، أو حتى ساعتَها، لكنها لا تخرج من باب منزلها بأظافر لا تتناغم مع ملابسها.. هذا مبدأها في الحياة. رددت، وكأنها تؤكّد قانونًا خاصًا بها: "أناقتي أهم من الوصول في الوقت المناسب." أكملت وضع إكسسواراتها — قلادات ذهبية كثيرة، تحمل طابعًا غجريًا واضحًا، تداخلت مع قلادة صليب صغيرة التي لا تفارقها.. ثم ارتدت خواتمها العشر الذهبية، واحدة تلو الأخرى.. ثم أمسكت بأقراطها الكبيرة وارتدتها ببطء. كانت تحب الذهب، ليس لمظهره وحده، بل لأنه يذكّرها بأصلها، بتلك الأرض التي جاءت منها خاصة وقفت أخيرًا أمام المرآة، نظرت إلى انعكاسها، ثم ابتسمت.. ابتسامة خفيفة، كأنها تقيّم نفسها وتمنحها الموافقة على بداية اليوم. نظرت إلى هاتفها. كما توقعت... الوقت تأخر. شهقت بارتباك صغير، وضربت جبينها بكفها: "من حسن الحظ أن الحلم المزعج أيقظني أبكر مما توقعت." تمتمت بشيء خافت، التقطت حقيبتها ورمتها على كتفها، ثم غادرت الغرفة. مرّت عبر الممر الطويل، تأكدت من إغلاق البوابة بإحكام، ثم مضت. .... ما إن خرجت حتى استقبلها ضوء الشمس الساطع، ينساب بين أغصان الأشجار التي تصطف على جانبي الطريق. الحي كان ساكنًا و حيويا، بلا ضجيج ولا خمول.. الورود مزهرة على الأرصفة و الخضرة منتشرة في الارجاء.. لا توجد الكثير من المنازل أو المحلات قربها بل فقط مجموعة من الحدائق و مع الابتعاد تبدأ الأكواخ و المنازل العتيقة بالظهور. ..السيارات تمر ببطء، الهواء محمّل برائحة القهوة المخمرة المنبعثة من أحد المقاهي، وأصوات ضحكات الأطفال تمتزج مع نداءات الباعة. مشت سونارا بخطواتٍ عادية..لم تكن تريد لأي شيء أن يخترق هذا الهدوء. لكن في داخلها؟ في داخلها، كانت تحصي الأشياء. كم عدد الأشخاص حولها؟ كم خطوة تحتاج للوصول إلى أقرب مخرج؟ كم ثانية تفصلها عن عبور الشارع قبل أن يضيء الضوء الأحمر؟ لم يكن هذا شيئًا واعيًا، بل عادةً راسخة، شيئًا لا تستطيع التخلص منه مهما حاولت. وهي تحب ذلك. منذ طفولتها، كانت مولعة بتحليل الأشياء، إيجاد الحلول، ملاحظة التفاصيل التي يتجاهلها الآخرون. رجلٌ يعبث بشيء في جيبه وهو يمشي؟ غالبًا غارق في أفكاره، أو يحمل قلقًا خفيفًا. آخر يسير برأس منخفض ويداه في جيبه بالكامل؟ قد يكون منعزلًا، غير واثق بنفسه، أو ببساطة يتجنب التفاعل. أما ذلك الرجل هناك... بذلة أنيقة، ربطة عنق مشدودة، يمرر يده في شعره كل بضع ثوانٍ وهو يتجه نحو العاصمة في هذا الوقت المبكر؟ مقابلة عمل. ابتسمت حين أخرج أوراقه و سيرته الذاتية من الحقيبة، يتفقدها بعجلة. كما توقعت. لا تحب أن تترك لغزًا بلا حل..مهما كان بسيطًا..مهما كان تافهًا. قد تبقى مستيقظة لليالٍ فقط لتفهم كل شيء و لتصل إلى الحقيقة. عادة سيئة؟ ربما. لكنه جزءٌ منها، جزء لم تستطع التخلص منه أبدًا. لكنها تعلمت كيف تتجاهله، كيف تدفنه تحت قناع الحياة العادية التي بنتها بعناية. .... "الحافلة على وشك الانطلاق، لكنني سأصل... فقط أحتاج لأن أسرع." تمتمت بذلك، عيناها البنيتان تراقبان عقارب الساعة على معصمها، ثم زادت من وتيرة خطواتها دون أن تفقد اتزانها.. لم تكن تريد أن يبدأ يومها الأول بالقفز من فوق سور الأكاديمية. "لالالالالا....بسرعة.." وصلت في اللحظة الأخيرة، الأبواب كانت على وشك الإغلاق، لكن لحسن حظها... لا، لم يكن هناك حظ في الأمر، فلم تجد مقعدًا. تنهدت بخيبة أمل.. وقفت بالقرب من أحد الأعمدة المعدنية داخل الحافلة، أسندت رأسها بلطف إلى الزجاج، وأخذت تراقب العالم وهو يمرّ بسرعة. أخرجت سماعاتها، وضعتها في أذنيها، ومع أول نغمة انطلقت، تسللت ابتسامة طفيفة إلى شفتيها.. المباني تتناوب مع الأشجار، السماء تتلون بالأزرق الصافي، والناس يمضون في حياتهم دون أن يلاحظوها. لا أحد يهمس باسمها. لا أحد يلتفت إليها مرتين. لا أحد يعرف من تكون. وهذا...كان تمامًا ما تريده. ... مرت ثلاثون دقيقة..عند توقف الحافلة، نزعت سماعاتها، نظرت من النافذة لثوانٍ ثم نزلت. المحطة كانت تقع في نهاية الشارع المؤدي إلى الأكاديمية، مما يعني أن عليها المشي مجددًا. "رائع... المزيد من الجهد في الصباح." الأصوات من حولها كانت تعجّ بالحياة—طلاب يتحدثون بحماس عن الإجازة، آخرون يتبادلون الانطباعات عن الأساتذة الجدد، وأحاديث مبعثرة عن هذا العام. وضحكات متفرقة هنا وهناك.. لكنها لم تتوقف.. لم تُلقِ بالًا لتفاصيل الحديث، ولم تحاول الاستماع أو التقاط الأحاديث العشوائية التي مرت بها.. بدت كأنها جزءٌ من المشهد، لكن في الحقيقة؟ كانت خارجه تمامًا. الطريق كان مكتظًا بالطلبة، معظمهم بزي الأكاديمية الموحد، يسيرون في مجموعات متقاربة أثناء تبادلهم التحيات.. في الجهة الأخرى، سيارات فاخرة سوداء تقف عند بوابة الأكاديمية، حراس شخصيون يفتحون الأبواب لنبلاء مرموقين، أولئك الذين لا يطؤون الأرض إلا حين يجبرون على ذلك.... ....الأكاديمية الإمبراطورية للنبلاء ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مؤسسة عريقة وكيان مستقل له قوانينه وحدوده الخاصة داخل الإمبراطورية، حيث لا يُسمح إلا للنخبة بولوج أبوابها. كانت منذ قرون مركزًا لتنشئة أعظم السحرة والمحاربين والنبلاء وأصحاب النفوذ، حيث يندمج العلم بالسحر، والقوة بالمعرفة، والمجد بالدم. يمكن فقط للنبلاء والأسر ذات النفوذ بالالتحاق بها وقلة نادرة من العامة تُمنح لهم بفرصة الدخول.. فهم يدخلونها إلا في حالتين: منح دراسية صارمة، تتطلب عبقرية استثنائية و موهبة سحرية لا تُنكر. أو أن يحصلوا على دعم من نبيل معين ذو نفوذ... مع ذلك، حتى هؤلاء يواجهون عقبات اجتماعية، حيث يُنظر إليهم على أنهم دخلاء وسط طبقة النخبة. إلا أنها نبيلة و هذا كان كافياً.. توقفت للحظة، نظرت إلى الطريق الطويل الذي يفصلها عن البوابة، وعيناها انخفضتا بتعب. "هل عليّ أن أمشي هذا كل يوم؟" فكرة الاستيقاظ باكرًا فقط لعبور هذا الطريق كانت مرهقة بحد ذاتها. "حقًا... هل بدأ جحيمي المدرسي مبكرًا؟" تنهدت، رفعت رأسها بإحباط، كادت تستسلم للحقيقة البائسة وتبدأ بالنحيب... لكنها رأت شيئًا جعل عينها تلمع فرحا... في زاوية الشارع.... ....محل حلويات. توقفت، نظرت إليه كما لو أنها وجدت مخرجًا سحريًا من كل شيء.. بصرها وقع مباشرة على تيراميسو خلف الزجاج. كعكتها المفضلة. ستترك النحيب لوقت لاحق. "أسحب كلامي تمامًا... أنا طالبة مجتهدة تعشق مدرستها." ابتسمت، وظهرت غمازتاها بوضوح.. لم تحتج أكثر من قطعة حلوى لتشعر وكأنها ربحت كأس العالم. دون أي تردد، اتجهت مباشرة إلى الداخل.. إذا كان عليها المشي يوميًا، فعلى الأقل يجب أن تكون هناك مكافأة تستحق.. أليس كذلك؟ .... وصلت أخيرًا. توقفت عند بوابة الأكاديمية الإمبراطورية، ورفعت بصرها نحو المبنى العظيم الذي يلوح أمامها كشاهد على قرونٍ من المجد. عيناها تكدّرتا بنظرة لم تكن دهشة، ولا توتر، بل شيء أقرب إلى... الاشتياق. خفضت كتفيها بوهن، ثم تمتمت: "إذًا... لقد درسا هنا." إدراكها بأن هذه الجدران قد حملت وجود أشخاص كان لهم أثر في حياتها يومًا ما.. كان له ثقل قاسٍ على قلبها.. وقفت أمام البوابة، عيناها تابعتا المباني الشاهقة أمامها، الساحة تعج بالطلبة، أفواج تتوافد عبر البوابة الكبرى، أصوات مختلطة، حديث عن الأقسام، المستقبل، المناصب. المباني ضخمة، ممتدة على مساحة شاسعة، متعددة الطوابق، ذات نوافذ زجاجية تعكس ضوء الشمس، جدرانها الحجرية مغطاة بلمسات اللبلاب الأخضر.. تحف معمارية أكثر من مجرد فصول دراسية، يتخللها تماثيل ضخمة لسحرة ومحاربين عظماء، ساحة مركزية مغطاة برخام ناصع، تتوسطها نافورة مزينة بنقوش سحرية قديمة ..ممرات حجرية تتفرع نحو الحدائق الواسعة، حيث تنتشر المقاعد الرخامية تحت الأشجار العالية.. أخذت نفسًا عميقًا، تقدمت ببطء، عيناها تراقبان الوجوه التي تعبر بجانبها، كلها مألوفة لكنها غريبة، كلها تشكل جزءًا من المكان لكنها ليست جزءًا منها. مجرد وجه آخر..ومجرد رقم في بحر الوجوه. لكنها كانت تعرف الحقيقة. لا شيء هنا كان عاديًا كما يبدو. ...... كانت بداية العام الدراسي الجديد أكثر صخبًا من المعتاد. كانت القاعة الرئيسية للأكاديمية تعج بالضوضاء، مزيج من الهمسات الحادة،وقع الأحذية الرسمية فوق الرخام المصقول، وصوت احتكاك الأوراق التي كان بعض الطلاب يراجعونها بتوتر... مئات الطلاب يتوافدون من جميع أنحاء الإمبراطورية الأربعة، بعضهم يلتقي بأصدقائه القدامى، وبعضهم يقف وحده، يراقب الضجيج بعيون مترقبة.. والأهم من ذلك كله... الأحاديث الحماسية حول قائمة المتفوقين المعلقة عند المدخل الرئيسي. "من الأول هذا العام؟!" "هل تمكن ولي العهد أخيرًا من الإطاحة بباليوتي؟" "لا، لا، هذا غير ممكن... الدوق دائمًا في الصدارة!" "ماذا عن القديسة أمابيل؟ لقد قيل إنها حصلت على درجات مثالية العام الماضي!" "انتظروا لحظة... سونارا بوسويل؟ من هذه؟!" اسم لم يكن على ألسنة الأساتذة، ولا في مجلدات التفوق.. كان الطلاب متجمعين حول القائمة، بعضهم يقفز من الحماس، والبعض الآخر مندهش، بينما كان البعض يقرأ الأسماء بترقب شديد. " سونارا بوسويل؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل!" "كيف تمكنت من تجاوز الدوق؟ هذا غير منطقي!" "ولي العهد سيكون غاضبًا جدًا، كان يعتقد أن هذا عامه." "ربما تكون هذه مجرد خطأ في التسجيل ." توقفت بعض الأحاديث، بينما زادت الهمسات في الخلفية، وكأن الجميع يحاول فك اللغز الذي ظهر فجأة أمامهم. ....وسط هذه الفوضى، كان هناك شخص واحد لم يتحرك منذ دقائق. ..فيليو باليوتي عينيه السوداوين جمدتا على اسمٍ لم يكن يتوقعه. "المركز الأول في السحر والمعادلات: سونارا بوسويل." لم يكن الأمر مجرد خسارة بسيطة. لم يكن مجرد سقوط طفيف في الترتيب. لقد كان اكتساحًا. في السحر: درجاته: 94%. درجاتها: 100%. في المعادلات: درجاته: 92%. درجاتها:100%. "مستحيل.." لكنه لم ينطقها. ظل واقفًا بثبات، بلا أي انفعال، كأن الأمر لم يكن يعنيه على الإطلاق. فقط يتساءل: " أنا الثاني...؟" على عكسه تمامًا... كان ثيودور يعيش أسوأ لحظة في حياته. "لاااااااااا!" رفع يديه إلى رأسه كما لو أنه تلقى ضربة قاتلة، ثم فجأة، انهار على كتف فيليو وكأنه يحتضر. "أنا في المركز الثالث؟!" قالها كما لو أن روحه غادرت جسده، حدّق في القائمة بعيون واسعة، ثم التفت إلى فيليو ببطء، وكأنه يأمل أن يكون هذا مجرد خدعة بصرية. ثيودور لم يستسلم، وضع يده على رأسه، وبدأ في السير ذهابًا وإيابًا. "ماذا سأقول لعائلتي؟! كنت أعيش سعيدًا في المركز الثاني، والآن... الثالث؟! هل تعي ما يعنيه هذا؟" " هذا يعني أنني...'' بعدها ألقى نظره على قائمة الخاصة بالمجال السحري.. ..توقف لوهلة كمن استوعب شيئا، نظر إلى صديقه: " فيليو... لا تقل لي أنك... الثاني في المجال السحري؟ " لم يجبه فيليو.. لم يحتج إلى ذلك. الورق شهد.. والقائمة لا تكذب ظل صامتًا، لكن نظراته بقيت عالقة على القائمة. "لااااااا!" صرخ مجددًا، ثم أمسك فيليو من كتفيه وهزه بعنف، وكأنه يحاول إيقاظه من كابوسٍ مشترك. "كيف يمكن أن تكون الثاني؟! أنت فيليو باليوتي! أنت لعنة الأكاديمية على جميع المتنافسين! أنت العبقري التي لا يستطيع أحد هزيمته! هل... هل هذه هي نهاية العالم؟ هل سنموت اليوم؟!" فيليو أزاح يديه عنه بهدوء، لكنه لم يرد بعد. توقف، ونظر إلى فيليو بحدة. كان مرتاحًا، مسترخيًا.. أما ثيودور يحدق في القائمة وكأنه رأى شبحًا. ثم... انفجر ضاحكًا. "هاهاها! يا إلهي!" " لقد عشت بما يكفي لأرى اليوم الذي يحتل فيه جلالة الدوق في المركز الثاني في شيء ما!" قالها ثيودور وهو يصفق يده على كتف فيليو، بقوة من لا يصدق ما يرى: "ثيودور، اسحب يدك وإلا قطعتها لك." "لا، لا، انتظر! دعني أستمتع بهذه اللحظة! هاهاها!" "أنت تتصرف وكأنني في المركز الأخير." "أنت لست الأول، وهذا كافٍ بالنسبة لي!" رفع فيليو حاجبًا وهو ينظر إلى القائمة مرة أخرى. الأول في الترتيب العام: فيليو باليوتي. الأولى في بعض المواد، خاصة السحر والمعادلات والثانية في الترتيب العام: سونارا بوسويل. اسم غير مألوف تمامًا. كان يتوقع أن يكون خصمه المعتاد، ولي العهد هو الثاني، أو ربما ثيودور نفسه، أو أحد الطلاب المعروفين بسمعتهم القوية مثل اداورد. لكن بدلاً من ذلك، كان هناك اسم لم يسمع به أحد من قبل. " سونارا بوسويل؟" "لحظة... لحظة... من هذه الـ سونارا؟! وكيف تجاوزتك؟! هل هي حتى حقيقية؟! هل هي ساحرة سوداء جاءت من العدم؟!" ظل فيليو صامتًا، لكن عينيه بقيتا معلقتين على القائمة. ثيودور لم يكن يعرف كيف يتقبل الأمر.. نظر مجددًا إلى الأسماء، وكأنه يتوقع أن تنقلب الأحرف أو أن تتختفي.. لكنه كان يعرف أن هذا مستحيل. "أنت... الثاني؟" كررها، وكأن عقله يرفض استيعاب الفكرة ثم بعد لحظة، مرر يده في شعره، زفر بقوة، ورفع ذراعيه الى السماء مستسلمًا. "عظيم.. ماذا بعد؟ هل سيتجمد الجحيم أيضًا؟ هل سيصبح لدينا تساقط للثلوج في الصيف؟!" لم يرد فيليو. ثيودور لم يكن معتادًا على هذا المستوى من اللامبالاة منه. "أوه، تعال فيليو، هل يمكنك على الأقل أن تتفاعل؟! هذا ليس عدلًا! لقد احتللت المركز الثالث، وأنت الثاني! لقد خسرنا أمام شخص لم نسمع عنه من قبل! كيف؟ كيف حدث هذا؟!" عبس قليلًا، ثم أدار رأسه نحو القائمة مجددًا، تمعن في الاسم الذي تسبب في كل هذه الفوضى. سونارا بوسويل.. اسم غريب وغير معتاد "أنا جاد،" قال وهو يشير إلى الاسم "من هذه؟ من أين جاءت؟! هل نزلت علينا من السماء؟!" "لا أعلم." ثيودور التفت إليه ببطء، ملامحه مزيج من الصدمة وعدم التصديق. "ماذا؟!" "أنا لا أعلم من هي." "مستحيل!" رفع ثيودور يده، كأن عقله تمرد على منطقه: "أنت تعرف الجميع هنا! أنت تعرف حتى الأشخاص الذين لا نكلف أنفسنا عناء تذكر أسمائهم! أنت تحفظ قوائم المنافسين، وتعرف نقاط ضعفهم، وتضع استراتيجياتك مسبقًا!" اقترب أكثر، حدق في وجهه كأنه يحاول اختراق عقله. "وأنت تقول لي إنك لم تسمع بها أبدًا؟" " لا." ضحك ثيودور فجأة، كمن أصابه الجنون: "رائع! إذا لم تكن تعرفها... فهي ليست حقيقية! أو، أو ربما..." تسمر في مكانه، وتحول وجهه إلى الجدية المطلقة. "...ربما ليست بشرية." فيليو أخيرًا أدار رأسه نحوه ببطء، رفع حاجبه قليلًا، لكن تعابيره بقيت هادئة كالمعتاد. "هل تسمع نفسك؟" ثيودور أشار إلى القائمة بحماس، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع فيليو. "فكر معي للحظة! طالبة لا يعرفها أحد... لم تكن موجودًا في العام الماضي... فجأة تظهر، وتحطمك بالكامل في السحر والمعادلات؟! ليس هذا فقط، بل تسحقني أنا أيضًا؟! لا، لا، هذا غير منطقي! لا يمكن أن تكون بشرية!" "ربما... ربما هي شبح؟!" فيليو زفر بصمت: "ثيودور..." لكن صديقه لم يكن قد انتهى بعد: "أو ماذا عن هذا؟ ربما هي سلاح سري ابتكرته الأكاديمية! تخيل، مشروع تجريبي، كائن خارق للذكاء والقوة، تم إطلاقه في هذا العام فقط! هذا منطقي أكثر من فكرة أنها طالبة عادية!" فيليو هز رأسه ببطء، كأنه لا يصدق ما يسمعه: "أنت تُبالغ." لكن ثيودور أشار إليه بإصبعه وكأنه كشف الحقيقة المطلقة: "أها! لقد قلتها! أنا أُبالغ، لكنك لم تقل أنني مخطئ! إذًا، هناك احتمال أن تكون شبحًا أو تجربة سحرية!" رفع يديه وكأنه يعلن انتصاره: "عظيم! الآن كل ما علينا فعله هو التأكد من هذا بأنفسنا.. يجب أن نجدها و—" رفع ثيودور يديه في الهواء بحماس مبالغ فيه، وكأنه توصل إلى الحل النهائي للغز. "لا." فيليو قاطع كلامه ببرود، دون أن يرفع حتى عينيه عن القائمة. ثيودور توقف فجأة، و صُدم أكثر مما صُدم حين رأى ترتيبه في المركز الثالث. "ماذا؟!" "قلت لا." حدق فيه ثيودور للحظة، ثم اقترب خطوة، خفض صوته قليلًا لكنه لم يتمكن من إخفاء استغرابه. "انتظر لحظة، هل تقول لي إنك لا تريد أن تعرف من هي؟!" "ليس مهماً." ثيودور كاد أن يقع على الأرض من هول الصدمة: "ليس مهماً؟! فيليو! هل تسمع ما تقول؟! نحن نتحدث عن الشخص الوحيد الذي هزمك يومًا ما، وأنت تقول إنه ليس مهماً؟!" "تمامًا." ثيودور فتح فمه، لم يجد أي كلمات مناسبة لهذا المستوى من اللامبالاة: "لا، لا، لا هذا غير طبيعي. لا يمكن أن تكون هادئًا بهذا الشكل!" فيليو أدار نفسه نحوه وقال: "وماذا تريدني أن أفعل؟" ثيو رفع يديه بعصبية: "لا أعرف! على الأقل... تصرّف كشخص بشري! أشعر ببعض الغضب! أظهر بعض الفضول! ابحث عنها، واجهها، افعل أي شيء!" لكن فيليو عاد ببساطة إلى القائمة، وكأن الأمر قد انتهى بالنسبة له: "لقد رأيت النتيجة.. هذا يكفي." ثيودور أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، ثم هز رأسه يحاول استيعاب هذه الفكرة المستحيلة: "لا، لا أستطيع... لا يمكنني تقبّل هذا منك.. أنت أكثر شخص منافس عرفته في حياتي، ثم تأتي الآن وتتصرف وكأن خسارتك الأولى على الإطلاق ليست مشكلة؟! من أنت؟ وماذا فعلت بفيليو؟!" وقف ثيودور أمامه، يحدّق فيه كمن يرى شخصًا غريبًا تمامًا..ثم لوح أمام عينيه: "مرحبًا؟ فيليو؟ هل أنت بخير؟ هل لديك حمى؟" لم يجبه. "حسنًا، إذًا... هل هذه إحدى استراتيجياتك الجديدة؟ التظاهر بعدم الاهتمام، ثم تفاجئ الجميع عندما تسحقها لاحقًا؟" ولا حتى رمشة عين... ثيودور زفر بضيق، ثم ضرب جبهة يده على جبين فيليو بخفة: "أوووه، يا إلهي! أنت لست روبوتًا، أليس كذلك؟ لا بد أنك إنسان، أليس كذلك؟ أنت تشعر بالأشياء، صحيح؟ صحيححح؟؟؟!" فيليو تنهد مجددا، التفت إليه ونظر إليه نظرة قاتلة جعلت ثيودور يرفع يديه مستسلمًا: "حسنًا، حسنًا، فهمت.. أنت لا تريد الحديث عن الأمر." لكن بدلاً من التراجع، اقترب ثيودور أكثر، حتى أصبح على بُعد خطوة واحدة منه. خفض صوته قليلاً، وكأن ما سيقوله أمر بالغ الأهمية: "لكن... بصراحة الآن... ألا يحرقك الفضول؟ ولو قليلاً؟" لم يرد فيليو على الفور. ثيودور رفع حاجبه. "حقًا؟ لا شيء؟ لا رغبة حتى في معرفة من هي؟ كيف تبدو؟ كيف تمكنت من سحقك بهذه الطريقة؟" وأخيرًا، تحرك قليلاً. نظر إلى القائمة مرة أخيرة، ثم أدار رأسه نحو ثيودور ببطء شديد، يفكر في شيء بعيد جدًا. ثم، بصوت هادئ لكنه يحمل ثقلًا غريبًا، قال: "سأعرف عاجلًا أم آجلًا." ثيودور تجمّد لوهلة ثم ابتسم، ابتسامة نصف جادة ونصف ساخرة: "أوووه، بدأ اهتمامك أخيرًا؟ حسنًا، حسنًا، هذا أكثر منطقية! لأنني كنت سأشكّ فيك حقًا لو لم ترغب حتى في معرفتها." قاطع حديثهما صوت...جعل الأجواء في القاعة يتغير. الصوت كان حادًا، متعجرفًا، مشحونًا بكبرياء ملكي متعالٍ. "هذا المركز لا يليق بك، دوق الشمال." وقف الطلاب ببطء، و شعروا بالتوتر يملأ المكان. فيليو لم يتحرك. لكنه عرف هذا الصوت جيدًا. استدار، وعيناه السوداوين التقيا بزوجٍ من العيون الزرقاء الجليدية. ولي العهد.. إدموند لودفيغ رومانوف. شعره الذهبي يلمع تحت وهج الضوء المنعكس، زيه الملكي كان أنيقًا كالعادة، لكنه يحمل ثقل السلطة التي لم يتردد في استخدامها ضد الجميع. وقف بثقة ملكية مطلقة، يديه متشابكة خلف ظهره، زوايا شفتيه ترتفع بابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن إلا سخرية صافية: "لطالما كنتَ مجرد دوقٍ وحشي، بلا عقل، بلا استراتيجيات.. مجرد بربري قاتل يتخفى في ملابس النبلاء." بعض الطلاب شهقوا بصدمة، لم يصدقوا وقاحة ولي العهد. لكن فيليو؟ لم يُظهر أي ردة فعل. كأن الكلمات لم تصل إليه حتى. لكن هذا لم يكن كافيًا لولي العهد. خطا خطوة أقرب، عيناه تتوهجان بلذة الانتصار. "والآن، يبدو أنك قد سقطت.. لم تعد الأول دائما.. لم تعد الأفضل.. حتى شخص مجهول تمكن من سحقك.. هل تظن أن المركز الاول في الدفعة و لقبك النبيل كافيان لاخفاء طبيعتك؟" كان الجميع يترقّب في صمت. إلا ثيودور... كان يراقب بعينين واسعتين، مليئتين بالحماسة كطفلٍ على وشك مشاهدة انفجارٍ ناري. همس، وهو يقاوم ضحكة مكبوتة: "أوه، أوه، هذا سيكون جيدًا! فيليو، من فضلك لا تفسد هذا المشهد، أنا بحاجة إلى شيء يُلهيني بعد الصدمة التي مررت بها!" فيليو لم يبد ردة فعل تذكر. ولي العهد ضاقت عيناه قليلًا. "ما رأيكَ يا دوق الشمال؟ هل ستنحني لي هذا العام؟ أم أنك ستبقى ككلبٍ عنيد يرفض الاعتراف بسيده؟" حل صمت مخيف جعل الطلاب يرتجفون.. ثم... ضحك فيليو. لكنه كان ذلك النوع من الضحك الذي يجعل الدماء تبرد في العروق. ضحك وكأن الكلمات لم تكن سوى محاولة يائسة للفت انتباهه. رفع نظره أخيرًا إلى ولي العهد، ثم قال بصوت منخفض، لكنه كان أكثر تدميرًا من صرخة معركة: "أنت تتحدث كثيرًا من أجل شخص لا يستطع حتى أن ينظر لي من القاع....الاعتراف؟؟ هل تظن ان لقبك سيجعلني كلبا لك؟؟ اسمع....ستبقى دائما خلفي ياولي العهد..هذه حقيقة عليك تقبلها" جمدت القاعة بأكملها. ولي العهد تصلب مكانه...كأنّ ما قاله لم تكن مجرد كلمات، بل خناجر مغروسة في كبريائه. أما ثيودور، فقد انهار من الضحك: "يا إلهي! هل رأيت وجهه؟!" ولي العهد حاول استعادة هدوئه بسرعة، لكنه لم يستطع إخفاء التوتر الطفيف الذي مر بعينيه. لكن فيليو لم يمنحه فرصة للرد. خطا خطوة للأمام، حتى أصبحت المسافة بينهما تكاد تكون غير موجودة. نظر إليه نظرة قاتمة، خالية من أي مشاعر، لكنها حملت ثقلًا لا يمكن وصفه.. ثم همس بصوت بالكاد يُسمع، لكنه كان قاتلًا في روح من سمعه: "لا يمكنك هزيمتي، ولا يمكنك حتى أن تصبح تهديدًا بالنسبة لي.. لا أنت، ولا مكانتك، ولا عرشك." بدأت صوت الهمسات يعلو في المكان بعد كلمات فيليو الأخيرة. جسم ادموند ارتجف من شدة الغضب.. الطلاب غطّوا أفواههم بدهشة، بينما تجمّد آخرون.. لكن قبل أن يتمكن من الرد... "صاحب السمو،" جاء صوت ناعم، شديد الرقة. أمابيل ركضت نحوهما... شعرها الوردي المتموج تألّق تحت الأضواء، وعيناها البنفسجيتان تحملان تلك اللمعة المعتادة. تحرّكت برشاقة، فستانها الأبيض المقدس ينساب حولها كأنها ملاك هبط من السماء.. "لا تكن قاسيًا عليه، دوق الشمال." قالتها بنبرة حانية، عيناها تنتقلان بين فيليو وولي العهد، ثم أضافت بابتسامة صغيرة: "الجميع يعلم أنه لا يمكن هزيمتك بسهولة... لكن لا ضرر في إعطائه فرصة، أليس كذلك؟" ولي العهد استعاد هدوءه فورًا، وحدّق في فيليو بنظرة تحمل ألف معنى. لكنه لم يقل شيئًا آخر. فيليو لم يكن مهتمًا أبدًا بوجودها. نظر إليها لثانية واحدة فقط، ثم استدار، وبدا لمشهد كله أصبح بلا أهمية بالنسبة له. لكن قبل أن يبتعد... رصد صوتا مختلفا خافت، لكنه غريب، تسلل وسط الصمت المتوتر.. ...صوت رنين فيليو لم يفهم لماذا لاحظه، لكنه فعل. صوت خلخالٍ ذهبي، يرافق خطوات فتاةٍ مرّت على بُعد أمتار قليلة. مشيها رتيب، لكن ذلك الصوت الرنان.. صَنع إيقاعًا متناغمًا مع خطواتها. ذلك الصوت.. بقي معلقًا في أذنيه للحظة أطول مما ينبغي. لم ينظر إليها أحد. لم يهتم أحد بها. لكن هو؟ عينيه السوداوين تحركتا تلقائيًا نحوها.. ورآها. مرّت بجانبهما كما لو أن هذه الضجة بأكملها لم تكن تعنيها إطلاقًا. شعرها كان بنّيًا، لكن ليس كباقي درجات البنيّ... بل أشبه بذوبان العسل أو لبّ الذهب، لم يكن كأي لون رآه من قبل، حيث تلاعب الضوء بخصلاته.. لم يستطع رؤية وجهها بوضوح، النظارات التي كانت ترتديها حجبت معظم ملامحها... شيء ما جعل نظره يعلق عليها للحظة أطول مما ينبغي. كانت تحمل بين يديها كتابًا مغلقًا، خطواتها رتيبة، لا متسرعة ولا بطيئة، و تمشي في عالم مختلف تمامًا عن هذا المكان. لم تلتفت إلى أحد. لم تكن حتى تدرك أن أحدهم يراقبها. لم يكن هناك شيء غريب بها... ومع ذلك، فيليو لم يستطع أن يتجاهلها. ...... خرجت سونارا من المكتبة و في يدها شيء طال انتظاره. كتاب مغلف بعناية أو بعبارة أخرى روايتها المفضلة... الجزء الجديد الذي انتظرته لأشهر. وقع خطواتها هادئ لكن الرنين خلخالها ملأ الممرات، متناغمًا مع ترددات أفكارها.. كانت تمسح بيدها على غلاف الكتاب برقة لا واعية، كشيء يعني لها أكثر من مجرد كلمات مطبوعة. وأخيرًا هو بين يديها، وشيء واحد فقط يشغل بالها. [أريد أن أراه مجددًا.] كانت تتشوق لقراءته، لم تكن مهتمة بالبطل، لم يكن يهمها مصيره، ولا مصير القصة.. لم يكن يهمها أي شيء سوى "هو"، الشرير المفضل لديها، الذي كانت تتوق لرؤيته مجددًا.. الشخصية التي جعلتها تقع في حب القصة منذ البداية.. لم يكن بطلاً، لم يكن كاملاً أو مثاليا وحتما ليس خيرا، لكنه كان واقعيا في تصرفاته في قراراته وحتى طريقة تفكيره..الشخصية التي تترقب صفحاتها بشوق أكثر من أي شيء... انتظرت هذه اللحظة كثيرًا، اللحظة التي ستتمكن فيها من قراءته مجددًا، من فهمه أكثر، ستتمكن من التعمق في كلماته، من رؤية العالم بمنظوره... مرّت بجانب المجموعات المتفرقة من الطلبة، لم تهتم بالهمسات ولا بالكلمات المتطايرة، لكنها لم تستطع تجاهل الأحاديث المتكررة، نفس الاسم يُذكر مرارًا، بنفس الطريقة، وبنفس الإعجاب المبالغ فيه... "إنها الأجمل في الأكاديمية بلا شك، لا أحد يقارن بها." "لطيفة حقاا، لقد ابتسمت لي بالأمس!" "يُقال إنها ساعدت عائلة بأكملها خلال الاحتفال الأخير." "كيف يمكن لشخص أن يكون بهذا الكمال؟" "إنها مثالية... تمامًا كما يجب أن تكون النبيلة المثالية." أمابيل روزنتال.. الوردة المقدّسة، الفتاة التي تحظى بشعبية هائلة، ليس فقط بسبب قوتها المقدسة أو سحرها، بل بسبب صورتها المثالية التي يعشقها الجميع... الوجه الذي تبنّى صورة المثل العليا بكل ما فيها من جمال، لطف، تفانٍ و نقاء. كان حضورها يقدّس، لا يُرى كشخص، بل كأيقونة... كنُصبٍ حيّ لفضائل لا يجرؤ أحد على التشكيك فيها. لكن بالنسبة لسونارا... لم يكن لكل هذا أي معنى. لم يكن يستحق حتى الالتفات، تابعت طريقها، صوت خلخالها يتردد في الساحة، كان لها وجهة واحدة فقط، قائمة المتفوقين... لم تكن مدركة تمامًا لخطواتها التالية حتى رصدت نظراتها ذلك الحشد الكبير أمامها، كان واضحًا أن شيئًا يحدث في الساحة المركزية، الهمسات كانت أكثر من المعتاد، والجو كان مضطرباً بشكل واضح. ولي العهد، بهيبته الذهبية، يقف أمام فيليو باليوتي، الدوق الشمالي، الرجل الوحيد الذي يستطيع الوقوف نِدًا له. التوتر بينهما واضح الهواء مشبع بطاقة قاتمة، الجميع يراقب بصمت، لم يكن هذا مجرد شجار، بل معركة نفوذ بين اثنين من أقوى الشخصيات في الأكاديمية، تنذر بما هو أكبر من مجرد خلافٍ بين اثنين. لم يكن هناك صراخ، لم تكن هناك كلمات عشوائية، العيون المتجمعة تراقبهما، الجميع كان مدركًا لما يعنيه وقوف هذين الاثنين أمام بعضهما البعض.. لكن ذلك ليس ما أتى بها إلى هنا، كانت لديها وجهة، شيء أكثر أهمية من صراعات النبلاء. خطت بخفة بين الجموع، رنين خلخالها كان الإيقاع الوحيد الذي سمعته، تجاوزت الأحاديث، وتوقفت أمام اللوحة العملاقة، نظراتها صعدت ببطء، اسمًا تلو الآخر، حتى وصلت إليه. المركز الأول في السحر والمعادلات – سونارا بوسويل. [لقد فعلتها.....] ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها، بالكاد واضحة، شعور دافئ انتشر في صدرها.. لم يكن الامر مفاجئًا، ولم يكن غير متوقع، لكنها كانت تنتظر رؤيته بأم عينيها، كانت تنتظر لحظة التأكيد. مرّت أناملها فوق الصليب الذهبي حول عنقها، وبيدها الأخرى كانت تعبث خواتمها – كل خاتم يحمل ذكرى، وكل ذكرى... تحمل اسمه. أغمضت أعينها لوهلة، فعاد الصوت الذي ظنّت أنها نسيته.... الذي صاحبه قرر تركها.. وبقى منه سوى صدًى ظل يسكنها كأن الزمن لا يريد أن يمضِ...لم يكن وعدًا عابرًا، ولا طموحاً عادياً... بل عهدًا نُقش بين قلبين فرق بينهما المكان، لكن الرابط بينهما ظل قائمًا، حيًّا، لم ينكسر... "ستصلين إليّ يومًا ما، أليس كذلك؟" نبرته لا تحمل سخرية، ولا تحديًا... بل يقينًا مطلقًا. لم يكن يريد كسرها، ولم يكن يشكك بها، كان يعلم أنها ستتبعه دائمًا، أنها لن تتوقف... ...كان يؤمن بها. وكانت تنوي أن تفي بذلك الإيمان. قبضت على القلادة بقوة أكبر، حدّقت مجددًا في اسمها المتوهج أعلى القائمة، ثم ابتسمت. [لقد نجحت.] [ قمت بالوفاء بوعودي لهما.] تابعت عيناها بقية الأسماء، انتقلت إلى التصنيف العام، اسمها الذي في المركز الثاني يتلألأ مباشرة تحت المركز الأول...فيليو باليوتي. [بالطبع.] لم تكن تحتاج لرؤية اسمه لتعرف، لا يوجد أحد غيره، وما من شخص قادر على احتلال القمة سواه، لا يهم مجال الدراسة، لا يهم أي تصنيف، كان تلك حقيقة مطلقة. لكنها لم تكن تسعى لأن تتفوق عليه، معركتها ليست معه، كان لديها خصم آخر، معركتها مع من غاب، لكنها وعدته ألا تتوقف. أبعدت نظرتها، لقد حققت هدفها التي سعت اليه بالفعل... [لكن...] نظرتها عادت إلى أعلى القائمة، إلى الرقم الذي سجلته، إلى الرقم الذي كاد أن يحطم كل ما كان قبله، لكنه لم يكن كافيًا. عبست قليلًا، لم يكن هذا كافيًا، لم يكن "الأولى في مجال السحر" و"الثانية على التصنيف العام" كافيًا، لم يكن تسجيلها لرقم قياسي جديد كافيًا كذلك، لا يزال هناك رقم واحد لم تحطمه بعد، لا يزال هناك شخص لم تتجاوزه.. [في العام القادم... لن أكون الثانية.] أدارت ظهرها للقائمة.. لم تنظر للخلف، فقط تقدمت بين الحشود التي بدأت تتفرق، بعضهم بحماس، آخرون بإحباط... [الآن، انتهى الجزء الأول من يومي.] لكن هذا لم يكن سوى البداية. سارت بخطوات هادئة بعيدًا عن الساحة المركزية، عقلها كان نصفه معها، ونصفه الآخر في مكان آخر تمامًا، في أفكار عن العام الجديد، عن حاضرها، عن الكتاب الذي كان لا يزال تحت ذراعها لكن قبل أن تتمكن من اتخاذ وجهتها، لفت انتباهها شيء آخر، أو بالأحرى... شخص آخر. كانت هناك فتاة تقف عند أحد الأعمدة الحجرية، رأسها مرفوع نحو اللوحة، عيناها الواسعتان كانتا مليئتين بدموع خفيفة.. ليست دموع انهيار، لكنها لم تكن فرحًا أيضًا.. يداها كانت مشدودة إلى الحقيبة التي تحملها، كتفاها منقبضان بألم، وكأنها تحاول منع نفسها من الانهيار. سونارا لم تكن تعرف اسمها، لم تكن تذكر أنها رأتها من قبل، لكنها ليست بحاجة للسؤال حتى تفهم، الفتاة كانت هناك تبحث عن اسمها، ولم تجده حيث أرادت أن يكون. لم تقل شيئًا، لم تقف طويلًا، فقط مرّت بجانبها، لحظة قصيرة لكنها حملت معها إدراكًا غير مريح. [ليس الجميع قادرًا على تحمل هذا المكان.] لم تكن هذه الأكاديمية مجرد مدرسة، بل ساحة معركة، حيث كل اسم محفور على تلك اللوحة يعني فوزًا، وخلف كل اسم مفقود... هزيمة. لم تتعاطف معها، فقط عرفت أن بعض الأمور لا تجري مثلما يريد الجميع .... كان عليها التوجه الآن إلى قاعة المناسبات الكبرى، حيث سيُلقى خطاب الافتتاح، ليقف الطلبة الأوائل وأعضاء مجلس الطلبة في الصفوف الأمامية.. سيتم استعراض الأسماء التي ستصنع هذا العام الدراسي، أسماء ستُرفع فوق الباقين... لم تكن مهتمة، لكن كما في كل مرة، لم يكن لديها خيار. بينما تسير في الممر الحجري الطويل، التقطت همسات متفرقة هنا وهناك، معظمها كان يدور حول أسماء مألوفة، عن ولي العهد وخسارته، عن القديسة وانجازاتها، عن النبلاء الذين يحتلون المقاعد الأولى، عن إدوارد المعجزة السحرية الذي خسر بشكل مفاجئ المركز الأول في المجال السحري.. كل ذلك مرّ عليها دون أن يثير فيها أدنى فضول، إلى أن التقطت اسمًا أخيرًا جعل حاجبها يرتفع بخفة. { من صاحبة المركز الأول؟ لم يسمع بها أحد من قبل } ابتسمت بسخرية خفيفة، فكّرت: "بدأوا يتحدثون عني فعلًا... من الجيد أنني لم أظهر وجهي بعد." لم تكن راغبة في الأضواء، لم تكن تريد اهتمامًا أو تسليطًا للأنظار... كل ما تريده الآن هو انتهاء هذا الخطاب السخيف وتناول شيءٍ حلو يخفف عنها. شدّت معطفها حولها حين دخلت القاعة الكبرى، تلك القاعة ذات السقف الشاهق المتدلّي منه ثريات كريستالية عملاقة، تتوهّج بضوءٍ سحريّ خافت، والجدران محفورة بنقوش قديمة تشهد على تاريخ الإمبراطورية. الصفوف كانت مصطفّة بدقة، وكل طالب جلس في مقعده، لا فاصل بين النبلاء وبقية الطلبة، لا امتيازات تُظهر الأنساب، فقط زيّ الأكاديمية الرسمي يوحّدهم جميعًا... ظاهريًا. عيناها مسحتا الصفوف بحثًا عن مقعد، جلست في مكان أقرب للجانب، لم ترغب في الجلوس في المقدمة.. نزعت نظارتها للحظة لتعدلها ثم أعادتها على وجهها، أطراف أصابعها مرّت على خواتمها الذهبية العشرة التي تزين أصابعها، جميعها كبيرة، ذات نقوش غريبة، بعضها كان بسيطًا، وبعضها بدا وكأنه يحمل أسرارًا في المعدن نفسه... لم تكن أنيقة، كانت ببساطة...غريبة. .... كان الطلاب قد تجمعوا بالفعل لحضور الخطاب الافتتاحي. الأساتذة جلسوا في أماكنهم، المدير بدأ يتقدم الى المنصة مستعدًا لإلقاء كلمته.. بدأت الهمهمات تتلاشى عندما صعد المدير يقابلهم، رجل مسنّ، ذو لحية بيضاء قصيرة، ظهره مستقيم ونظراته الفضية ثاقبة، حتى صمته كان يفرض الهيبة على الجميع. وقف بصمت لثوانٍ، تاركًا القاعة تغرق في السكون قبل أن يباشر بالكلام، و ثم وبصوته العميق يتردد في القاعة: "مرحبًا بكم في الأكاديمية الإمبراطورية، المكان الذي لا يُصنع فيه التاريخ فقط، بل يُعاد كتابته." صوته لم يكن مرتفعًا، لكنه حمل ثقله الخاص.. "أنتم لستم مجرد طلاب، أنتم ورثة القوة، أنتم أولئك الذين سيحملون راية الإمبراطورية إلى المستقبل.. ولكن، لا ترتكبوا خطأ الاعتقاد أن اللقب الذي جئتم به إلى هنا كافٍ.. في هذه الجدران، لا معنى لألقابكم، ولا أهمية لنسبكم.. لن يحميكم إرثكم، لن تمنحكم أموال عائلاتكم النجاح، ولن تُحترموا إلا بقدر ما تثبتونه بأفعالكم.. هنا، لا نكرّم من وُلِد عظيمًا، بل من أصبح كذلك." لم يُصفّق أحد. لم يكن خطابًا حماسيًا، بل أقرب إلى تحذير، إعلان صارم لقواعد المكان الدي دخلوا إليه استمر المدير في حديثه عن القوانين، التوقعات، والعبء الذي يُلقى على عاتق كل طالب، لكن عقل سونارا بدأ بالشرود... بينما، من الخلف، كانت عينا فيليو تراقبانها بصمت، تلتقطان كلّ حركة، كل رفّة جفن.. انتهى خطاب المدير، وبدأ الجزء التالي: خطابات مجلس الطلبة للطلالب الجدد.. ولي العهد، رئيس مجلس الطلبة، صعد أولًا. شعره الذهبي يعكس الضوء، وعيناه الزرقاوان تحملان ثقةً لا تتزعزع.. مرّر نظراته على الحشد في القاعة، ثم تحدّث بنبرة صارمة: "الإمبراطورية بحاجة إلى العظماء، الأكاديمية ليست سوى المرحلة الأولى، نحن لسنا هنا لنعيش سنواتنا بلا معنى، بل لنصبح أقوى.. لا مكان للضعفاء هنا، ومن لا يستطيع مجاراة القوة... لن يكون له مكان في المستقبل......." خطابه كان رسميًا، مختصرًا، و مملوءا بالكبرياء.. وحين أنهى كلماته، دوّى تصفيق قوي. استمر الخطاب لبضع دقائق....ولمجرد انتهائه دوى تصفيقٌ قوي. ثم تَبِعته أمابيل... المتحدّثة الرسمية التي تحيطها هالة من القبول والاحترام..ذات الشعر الورديّ المسترسل، والعينين البنفسجيتين المتلألئتين بلطف... صوتها رقيقٌ، يحمل في نبرته شيئًا أشبه بالودّ: "في عالم يقدّس السلطة، نحن ننسى أن القوة بلا حكمة هي مجرد وحش جامح.. الأكاديمية ليست فقط لاختبار من هو الأقوى، بل لاختبار من يستحق هذه القوة.. لا تكونوا مجرد مقاتلين، بل كونوا قادة....." تحدّثت بصوت متزن عن أهمية اقتران الحكمة بالقوة.. لكن كلماتها طالت، وطالت... حتى بدأ الخطاب يتحوّل إلى ترهات.. سونارا، من مكانها، شعرت بالضجر فصارت تحدّق إلى الأعلى.. مهتمة بتفاصيل الثريات أكثر من مضمون الكلامها من "الترابط، المحبة، التعايش السلمي في الأكاديمية"... عبارات جوفاء، وهراء سخيف لن تحتاجه... كم هو متوقعٌ من فتاة تُبجّل كقديسة. ...وأخيرا، جاء الجزء الذي كان ينتظره الجميع، الإعلان عن الطلبة الأوائل في المجالات الرئيسية، أولئك الذين سيُطلب منهم التقدم و إلقاء كلماتهم، لكن سونارا لم تكن واحدة منهم. حين جاء العرض من الأكاديمية بإلقاء كلمة الافتتاح، لم تفكر مرتين، كتبت كلمة واحدة فقط في الورقة الرسمية: (مرفوض). ببساطة، لم تكن مهتمة.. لا تملك ما تقوله، ولا تجد ضرورة لذلك.. لذا، أُعطي الدور لشخصٍ آخر. "والآن، دعونا نرحب بصاحب المركز الأول في المجال السحري على الأكاديمية، إدوارد فون هايدريش، المعجزة السحرية!" عم الصمت، نظرات متفاجئة اكتسحت المكان، بعض الطلبة بدأوا يتهامسون، وسونارا رفعت حاجبًا بخفة، هذا كان غير متوقع. إدوارد، الذي كان جالسًا بين الطلبة المميزين، ضاقت أعينه ببرود، لم يتأثر، لكنه لم يتحرك أيضًا، ينتظر التصحيح... أثناء محاولته استيعاب الموقف. رغم أنه لم يكن راضيًا عن الحرج الذي وقع فيه، عدّل نظاراته وقال بنبرة هادئة: "حسنًا، يبدو أن شخصًا ما لم يراجع الأوراق جيدًا." في الصفوف الخلفية، فيليو كان يجلس مع ثيودور، الأخير تمتم بخيبة أمل: "هذا ليس صحيحًا، أليس كذلك؟" فيليو فقط أغمض عينيه للحظة وكأنه فقد الأمل في هذا المكان. كان يراقب المشهد بهدوء، لم يرد مباشرة، فقط انتظر التصحيح الذي لم يتأخر. المقدم، الذي أدرك خطأه، سعل بخفة قبل أن يعيد تعديل نظارته و يتدارك الوضع: "عذرًا، قصدت أن أقول، المركز الثالث في المجال السحري، لكنه بلا شك من أعظم المواهب السحرية التي شهدتها الأكاديمية! المعجزة السحرية، إدوارد فون هايدرش!" سونارا من جهتها، لم تتحرك، لكن جفنيها ارتعشا قليلاً من سخافة الوضع. [كم هذا محرج.] تمتمت بذلك و هي تمسك رأسها... صعد إدوارد إلى المنصّة، شعره الأزرق الطويل مربوط بذيل حصان منسدل، ونظارته تعكس ضوء الثريات...عيناه الفضيتان بدت حادّة، لكن خالية من الانفعال.. لم يتردد حين بدأ الكلام. لم يهتم بالخطأ، لم يظهر عليه الغضب ولا الارتباك، تحدّث كما لو أنّ شيئًا لم يحدث.. لا ابتسامة، ولا تجهّم... فقط وضوح جاف وكلمات مرتّبة، واثقة، ومباشرة. لم يُطل، كان يعرف جيّدًا أن لا أحد جاء من أجل الخطبة المطولة، بل لأن الجميع ينتظر نهاية هذه اللحظة ليبدأ العام فعليًا. "السحر ليس مجرد قوة، إنه علم. إنه لغز ينتظر من يحلّه، كنز لا يُكتشف إلا بالاجتهاد. من لا يسعى لاكتشافه، يبقى مقيدًا بحدوده..." استمر خطابه بنفس الطريقة... بالنسبة لسونارا، لم يكن هذا الوضع مهما لها، لكنّها فكّرت بشيء واحد: من الجيّد أنني رفضت الخطاب. لم تكن تستمع حقًا، عقلها كان في مكانٍ آخر.. عيناها انخفضتا، وقدماها تهتزّان بخفّة بنفاد صبرٍ واضح. "تبًا... متى سينتهي هذا؟ أنا جائعة." في الخلف، كان فيليو لا يزال يراقبها من بعيد، بذراعٍ مسترخية على حافة المقعد، ونظرةٍ تحمل اهتمامًا لم يكن ظاهرًا للعيان. تمتم ثيودور بملل: "ظننت أننا سنرى صاحبة المركز الأول..مخيّب للأمال..." ثم أضاف، وكأن في كلامه شيئًا من اللوم: "على الأقل، كنا سنرى من هزمتك في السحر، أليس كذلك؟" لكن فيليو لم يرد.. فقط ألقى نظرة قصيرة نحو سونارا، تلك التي جلست تراقب المنصّة بنظرة خالية ، بينما تلعب بأقدامها... "إنها تنتظر أن ينتهي هذا بسرعة." فكّر بذلك، وكأنه يقرأ أفكارها. .... "أخبرني، فيليو، لماذا نحن هنا مرةً أخرى؟" سأل ثيودور بتثاؤب، يكسوه الملل الذي ارتسم على ملامحه بوضوح.. أجابه فيليو، دون أن يكلّف نفسه حتى أن ينظر إليه: "ربما... لأننا طلاب؟" "هاه... كنت أظنّ أننا تجاوزنا هذه الحقيقة منذ زمن.. لا حاجة لهذه الخطابات الرسمية لنُذكَّر بها." لم ينتهِ حديثهما حتى... سقف القاعة اهتز قليلاً. اهتزازًا طفيفًا، بالكاد يُرى، لكنه لم يكن عاديًا. وبدون أي تحذير، الأرضية الرخامية للقاعة بدأت يتذبذب بشكل غريب.. لم يكن زلزالًا، لم يكن سحرًا واضحًا، بل شيء غير متوقع تمامًا. لا أحد لاحظ ذلك في البداية.. لا أحد كان منتبهاً للذبذبة الطفيفة التي مرت عبر الجدران الرخامية.. لكن بعد لحظات، بدأت الثريا الكبرى تتأرجح ببطء... " لحظة ما هذا..؟" " الثرية تتحرك..." " هل هذا زلزال أم ماذا؟.." بدأت الهمسات تدوي في القاعة و الارتباك و الاستغراب يظهر على وجوه الطلاب... "لا تخبرني واللعنة أن هذا..." همست سونارا بذلك بين نفسها. كانت تأمل أن ما يحدث ليس نتيجة السبب الذي تعتقده حقا. كانت قد أقسمت أنها لن تتدخل اليوم.. لن تفعل.. لن تلمس شيئًا... لكن يبدو أن الأمر خرج عن يدها، كما في كل مرة. وبالطبع حدث اسوأ ماقد يحدث... تحررت الثرية وسقطت.. ارتطمت بالطاولة الرئيسية ارتطامًا مهولًا، محطّمة كل ما تحتها، مسببة انفجارًا من الزجاج المتناثر والضوء المنكسر.. صرخة جماعية كسرت هدوء القاعة، وارتفعت الأصوات فجأةً في هستيريا جماعية... الصمت الذي أعقب ذلك كان مرعبًا. أعين الجميع اتسعت بالرعب. العقول لم تستوعب بعد ما جرى.. الجسد البشري، حين يُفاجأ، لا يصرخ فورًا.. بل يصمت.. يتجمّد.. ثم يبدأ بالارتجاف. ثم جاء الانفجار الثاني، هذه المرة من الداخل: الجميع بدأ يركض..بسبب الغبار المتناثر و الشظايا المتطاير كسكاكين زجاجية.. لم يُصَب أحد لحسن الحظ، لكن الخطر لم يكن فيما حدث... بل في كونه لا يُفسَّر. الأساتذة قفزوا من أماكنهم، المدير نفسه اتسعت عيناه بدهشةٍ نادرة، قبل أن يستعيد رباطة جأشه. بهدوءٍ يُحسد عليه، رفع يده، وأطلق تعويذة جعلت الشظايا تتلاشى كأنها لم تتواجد.. ثم قال بصوتٍ رخيم محاولا تهدئة الوضع رغم كل الفوضى: "يبدو أننا واجهنا بعض المشكلات التقنية غير المتوقعة.. أرجو منكم البقاء في أماكنكم، ريثما يتم التأكد من سلامة القاعة." كلمات كالسحر—ولعلها كانت كذلك—هدّأت الأجواء جزئيًا، لكن القلق ظل موجوداً. فيليو رفع حاجبه ببطء، وهو يتفحّص السقف بعناية. لم يكن هناك أي سحر ظاهر.. ولا أثر لتعويذة مفجّرة أو عبث طلابي... فقط سقوط مفاجئ وغير مبرر لثريا ضخمة كانت مثبتة بإحكام منذ عقود. ثيودور، الذي لم يفقد حسّه الساخر رغم الرعب، قال: "يا رجل... هل هذه علامة سيئة لبداية عامنا؟ لأني أفكر جدّياً في أخذ إجازة طويلة." التفت إلى فيليو وأضاف:" هذا جديد، لم نتوقع أن يبدأ العام بهذه الكارثة." فيليو لم يرد مباشرة، لقد تفاجأ كذلك مثلهم.. لم يتوقع حقا أن يحدث شيء كهذا. ....غير موضع نظره نحو الزاوية التي جلست فيها سونارا، والتي كانت تجلس بهدوء شديد... هادئة أكثر مما ينبغي. كانت جالسة في مقعدها بصمت، ترتدي تعبيرًا فارغًا بالكامل، يديها في حجرها، ونظراتها موجهة للأمام...بدت غير موجودة في نفس البعد الذي وقعت فيه الكارثة. بدا الأمر وكأنها لم ترَ شيئًا، ولم تسمع شيئًا.. كأنها قرّرت أن تلغي وجودها.. هي تعرف... وتخشى أن يُكتشف ما تعرفه.. ... كانت تتظاهر بأنها غير موجودة، أغلقت عينيها للحظة بحنق، ثم تمتمت في داخلها بحنق: [... على الأقل لم يسألني أحد عن الأرفف.] حسناً... يبدو أن كارثة جديدة قد وقعت دون قصد منها. ولأن لا أحد ربط الأحداث ببعضها... فقد قرّرت ببساطة أن تتجاهل وجودها بالكامل. "إذ لم يتحرك الجاني، فلن يكتشفه أحد، صحيح؟" أغمضت عينيها مجددًا، ونظرت للأمام بثباتٍ بارد. "... حسنا الأمر يبدو غريبا وغير مفهوم نوعا ما." ".... لنعد للخلف ببضع ساعات لنفهم الأمر جيدا." .... كان اليوم يسير بشكل طبيعي.. أو على الأقل، طبيعيًا بالنسبة لشخص يملك سجلًا حافلًا من الكوارث العشوائية مثل سونارا تلك التي تبدأ بنظرة خاطئة وتنتهي بانفجار غير مبرر... كانت قد شقت طريقها إلى المكتبة بحذر كمن يمشي فوق جليدٍ هشّ، متجنبة أي حركة مفاجئة قد تتسبب في وقوع كارثة قبل حتى أن يبدأ اليوم الدراسي بشكل رسمي. والهدوء الذي يحيط بها كان من النوع الذي لا يُطمئن... بل يُرعب. كان في الأمر شيء مريب. حيث لو كان في العالم عدالة حقيقية، لكانت هذه اللحظات سعيدة، راحة خالص، صباح بلا فوضى... لكن لا، منذ أن كانت صغيرة، تعلّمت درسًا واحدًا: هو أن الأيام التي تبدأ بشكل هادئ للغاية... لا تبشر بالخير أبداً. هي لا تعرف لماذا، لكنها اعتادت أن تسير وحولها غيمة من الحظ السيء... غيمة لا تمطر سوى على رأسها. لطالما عانت منه كأميرة مصابة بلعنة ألقتها عليها ساحرة شمطاء. حظها العاثر....رفيق دربها التي تود طعنه ان أمكن.... ومع ذلك، تابعت طريقها نحو المكتبة.. عيناها تلمعان بفكرة واحدة: شراء روايتها الجديدة. تلك اللحظة الصغيرة، تلك اللذة المؤجلة التي تنتظرها كل أسبوع.. لم تكن تطلب الكثير. مرّت بجانب أحد الممرات الجانبية للأكاديمية، حيث تقف صفوف طويلة من الأرفف الخشبية العتيقة، تحمل كنوزًا من المخطوطات القديمة، وأوراقًا لم تطلها الأعين منذ قرون.. كان المكان مزدحمًا قليلًا، بعض الطلاب يتنقّلون هنا وهناك، وعامل يحمل كومة من الكتب مستخدمًا سحر الطفو.. لم يكن هناك أي علامة على كارثة قادمة. ...مرّت بحذر، خطوة... خطوتين... ربما ستكمل طريقها دون أن يحدث شيء.. ثم، وكما لو أن الكون قرأ أفكارها قرر معاقبتها على جرأتها... انزلقت قدمها. تعثرت قدمها بشيء صغير، ربما كانت مجرد حافة غير مستوية في الأرضية.. انزلاق خفيف بزاوية غريبة،، تافه، بالكاد يُذكر... لكنها لمحت لحظة الرعب قبل أن بحدث... يدها امتدت بشكل لا إرادي نحو أقرب رف خشبي، محاولة استعادة توازنها بسرعة. لم تكن نيتها أن تلمس شيئًا. لكن هذا هو جوهر مأساتها: النوايا الحسنة لا تكفي. كان من المفترض أن يكون ذلك مجرد لمسة خفيفة، لمسة بسيطة فقط لكنها نسيت أن حظها السيئ يجعل أي شيء بسيط يتحول إلى كارثة. الرف بأكمله اهتز. " اللعنة..." شهقت بصدمة.. المخطوطات القديمة تحركت قليلاً، على وشك السقوط.. ثم بدأ الرف المجاور يهتز معه... ثم الثالث... ثم الرابع... خلال لحظات، صفوف الكتب كلها بدأت تتداعى مثل تأثير الدومينو. [لا، لا، لا، لا، لا، لا، لا—] صرخت داخليا.. الأرفف تتساقط، الكتب والمخطوطات تتطاير في الهواء، والطلاب يحدقون في المشهد لا يصدقون ما يحدث. ... يا إلهي. سونارا، التي وقفت هناك متيبسة. امسكت رأسها بين أيديها بدرامية وكأنها قامت بكارثة عظمى..لا تعرف هل تضحك أم تبكي. "ماهذا بحق الجحيم...لما حدث هذا الآن.؟؟" نظرت حولها بسرعة — لا أحد رآها. حاولت إصلاح الوضع.. حقًا حاولت.. لكن الشيء الوحيد الذي استطاعت فعله هو أن تراقب الانفجار الصغير الذي نتج عن انفتاح مخطوطة سحرية، والذي انتقلت طاقته مباشرة.. نحو... السقف؟ ولحسن الحظ ...الجميع كان منشغلا و لم يلاحظوا، زفرت بارتياح.. "لحسن الحظ.. لحظة لحسن الحظ؟؟ اي حظ لعين املكه لكي اشكره؟؟؟ هل ماحدث للتو له علاقة بشخص محظوظ و اللعنة؟؟" إن كان لي حظ، فهو يهوى رمي الحجارة عليّ بدلاً من أن يكسرها لأجلي." تمتمت بذلك بين أنفاسها و هي تتنهد لقد تعبت من مشاكل التي تتبعها بالفعل. لطالما سمعت عن من يمتلكون حظًا عظيمًا يكسر الصخر. لكن سونارا؟ هي الصخرة التي يُكسر عليها الحظ. ما لم تكن تعرفه، هو أن الكارثة الحقيقية لم تكن سقوط الرفوف. بل كانت النتيجة المترتبة عنه.... الآن وقد وقع ما وقع، لم يكن هناك ما تفعله سوى شيء واحد... أن تتجاهل. أنزلت يديها بهدوء، التقطت أنفاسها، وعدّلت نظاراتها بحركة واثقة غير ضرورية. كأن ما حدث للتو كان أمرا عاديا للغاية مرّرت يدها في شعرها، رتّبت ملابسها.. ثم قررت أن تتناسى الأمر تمامًا وتكمل طريقها.. متجاهلة دقات قلبها التي لم تهدأ بعد. بخطوات رتيبة وادّعاء مثالي بالبراءة، استدارت، أكملت طريقها نحو المكتبة، ودخلت كما لو أنها لم تكن حتى في المكان قبل لحظات. [إذا لم أتصرف بغرابة، فلن يشك أحد.] بداخلها، كانت تصلي ألا يكتشف أحد ما حدث، وألا يسألها أحد أي شيء. لكن ما تعلمه، هو أن الحادثة التي تسببت بها لم تنتهِ بعد... تلك المخطوطات التي سقطت على الأرض كانت تحتوي على تعويذة غير مستقرة، وما إن انفتحت صفحاتها، حتى انطلقت منها موجة طاقة خفيفة... غير مرئية، لكن مؤثرة. الطاقة تحركت في الهواء، انسابت عبر الممرات، وانتقلت من مكان إلى آخر، حتى وصلت إلى... السقف الرخامي للقاعة الكبرى. حيث كانت تتدلى واحدة من أكبر الثريات في الأكاديمية. .... لم تمر الكارثة دون أثر. رغم أن السقف قد استقر مجددًا، ورغم أن الثريا استعادت مكانها كأنها لم تهتز قَط، الا أن الحادثة تسببت في فوضى عارمة داخل القاعة، الطلاب يتهامسون، يرمقون بعضهم بعضًا بعيون متسائلة، والأساتذة يتحركون بسرعة مضطربة لإعادة النظام، بينما المدير، الذي رفع يده بإيماءة رصينة، أطلق تعويذة إصلاح متقدمة.. وخلال لحظة قصيرة، عادت كل الأشياء إلى ترتيبها الأول... ظل واقفًا في مكانه، عينيه تُمشّطان السقف ثم الأرض بتعبير متفحص، كأنه يبحث بين ثنايا الحادثة عن تفسير لمصدر الخلل... أو المتهم نفسه. سونارا من جهتها، لم تتحرك قيد أنملة.. جلست بثبات، تنفست ببطء، و واصلت التحديق في الطاولة أمامها تركيزها مُفتعل حد البلادة، وتنفّسها بطيء كمن يتدرب على التلاشي... وكأن ما حدث لم يكن له أي علاقة بها إطلاقًا. [جيد... لقد نجحت.. لم يلاحظ أحد.. كل شيء تحت السيطرة...] أعادت نظرها نحو تلك الفوضى... " على ما اعتقد..." ... ثيودور، الذي كان قد هدأ أخيرًا مال نحو فيليو، وهمس له: "هل تصدق أن كل هذا حدث في أول يوم فقط؟ كيف سيكون هذا العام إن استمرت الأمور بهذا الشكل؟" فيليو لم يرد مباشرة، لكنه استند بظهره على الكرسي، عينيه لا تزال تراقب شيئًا... أو شخصًا. ثم تمتم بصوت خافت، بالكاد يُسمع، "سيكون...غير متوقع." هي لم تنتبه لنظرات فيليو، ولم تهتم بأي شيء يحدث حولها.. جلست بصبر، تنتظر أن ينتهي الخطاب بسرعة لتعود إلى عزلتها، وتنجو من اليوم الأول دون فضائح أخرى.. بالطبع، الحياة لم تكن لتسمح لها بذلك. بينما كان المدير يستعد أخيرًا لإكمال خطابه، ظهر فجأة أحد موظفي الأكاديمية على المنصة، همس بشيء في أذن المدير، الذي أومأ بتعبير محايد قبل أن يعود إلى الجمهور: "يبدو أن لدينا بعض التحديثات غير المتوقعة قبل أن ننهي خطاب الافتتاح" قال بصوته العميق، ثم نظر إلى إحدى الأوراق أمامه قبل أن يرفع أعينه نحو الطلاب. "لقد وصلنا الآن إلى لحظة إعلان المراتب الأولى في دفعتكم، وهو تقليد يتم إحياؤه كل عام." بعضهم كان يعرف بالفعل الترتيب، لكن الجميع كان ينتظر اللحظة التي يتم فيها ذكر الأسماء علنًا بشكل رسمي. سونارا رغم كل شيء، لم تبدِ أي اهتمام..كانت تعلم بالفعل أنها في المرتبة الثانية على مستوى الأكاديمية، وكانت راضية عن ذلك.. لم تكن بحاجة إلى سماع اسمها يتردد في القاعة.. "في المرتبة الأولى..." توقف المدير لثانية قبل أن يكمل: "فيليو باليوتي." ..القاعة امتلأت بالتصفيق الحار.. لم يكن هناك شخص واحد في الأكاديمية لم يتوقع هذا... حتى هو نفسه بدا وكأنه سمع شيئًا معتادًا. أما هي فظلت تنظر إلى يدها.. تتفحص خواتمها الذهبية العشرة، محاولة قتل الوقت. "وفي المرتبة الثانية..." المدير توقف قليلًا، ظهرت عليه لمحة دهشة بعد قراءة الورقة.. وكأن الامور بدأت تتضح له... ساد صمت قصير. ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة على وجهه ثم أكمل: "المرتبة الثانية تعود إلى سونارا بوسويل!" ارتفعت الهمسات في القاعة مرة أخرى..كان الجميع يتساءل عن هذه الطالبة التي لم يرها أحد أو يختلط بها منذ بداية اليوم. من هي؟ من تلك التي تسببت بالفوضى للتو، وها هي تُعلن ضمن الأفضل؟ في المقابل، لم تبدِ أي انزعاج.. و لم تتحرك حتى، فقط اكتفت بالتحديق بصمت، متجاهلة كل العيون التي بدأت تتساءل عنها. المدير أكمل الخطاب بعدها، محاولًا إعادة النظام للقاعة، لكن الجو ظل متوترًا بعض الشيء. بعد انتهاء إعلان المراتب الأولى، كانت قد فقدت اهتمامها بالأمر كله، عادت لتسند رأسها على يدها، بينما تستمع بلامبالاة للكلمات التي تُلقى على المنصة. لكن في الجهة الأخرى من القاعة ....كان هناك شخص واحد لم يتوقف عن النظر إليها.