تَبُدّدُ غِشاوَة

تَبُدّدُ غِشاوَة

8 0

تَهافتَت أصواتُ المَدينةِ بينما تختلج أجفانه، وما إن افترقَت حتى انهالَت الشّمس على بُنيّتَيه الضّبابيّتَين بأشواكٍ لاسِعة..

أغمضَ بسُرعةٍ مُلتقفًا الغِطاء وحجَب وجهه..

ما هذا الألم..! ما الذي حدث..؟

حاول الاستيعاب.. هذا سريره..! أخرجَ رأسَه بحذَر مُطبَقَ الجِفنَين، إلا من فُرجَة صغيرَة..

جالَ بها على ما حولَه حتى وصلَ ملابسَه المُتّسخة.. كيفَ وصل هنا..؟ ما الذي حدث له..!

نصَبَ ذراعَيه النّحيلَتَين ليستندَ، إلا أن رجفَتهما أسقطَته

مع لسعَة صُداعٍ مريرة..

أطلقَ تأوّهًا مُتحشرِجًا بينما يَضغطُ رأسَه قبلَ أن تهاجمَه نوبَة سُعال عنيفَة..

كان الجفاف يحرقه، كأنّ الصّحراءَ نفثَت من رملِها السّاخِن في جَوفِه..

أخذَ يجذِب ريقَه فلَم ينزِل، أحسّ بضيق فارتفعت يده لا شعوريًا ليدعَكَ عنقَه، لكنّ الصّخرَةَ القابعَةَ منتصَف حلقِه

لم تتزحزح أُنملة..

مفعول الهلَع ظلّ ساريًا حتى بعدما أقامَ جسده.. أحسّ بالأثاث يدور من حوله بينما يتَثبّتُ بيدَيه على طرفِ السّرير..

الماء.. الماء..! حاولَ الوقوفَ وسقَط، لكنّ العطَشَ رفسَه فاندفَع مُجددًا..

انقضّ على مقبض الباب كأنما سيخلعه ثم هرعَ إلى السلالم هائجًا..

قطَع العتبات مترنّحًا، تارَة يطؤُها مزدوجة وأخرى منفردة بينما يُصارع دُوارَه القاسي..

فما إن بلغَ المَطبخ حتى التقفَ كوبًا عشوائيًا، ملأَه من زجاجة باردة جوار الثلاجة ودون تريّث تجرّعه دفعَة واحدة..

ارتخَت أجفانه لذّة بالسيل البارد على مَريئِه حتى آخر قطرة قبلَ أن يعلو صوت لهاثِه مُشتبكًا برطمَة الكوب الزجاجي على الرخام..

كيفَ عاد..؟ ألم يكن مع كارلوس..؟

ثمّ كم السّاعة..! نظرَ فوق الباب..

الثانيةَ عشرَ والرّبع..؟ إنه يوم جديد..! لمَ لا يتذكّر شيئًا..؟لقد كانَا في المقهى ثم.. دخّن..!

لمعَت الفكرة في ضباب ذِهنه كالبَرق من نار، لقد خانَ ثقَة والدِه..! كيف سيُقابلُه الآن..؟

ثمّ أين هم..؟ لمَ المكان هادئ جدًا..؟

«لِياس..؟ هل أنتَ بخير..؟»

استدارَ ببطء نحو والدَته، تقترب منه بأمارات وجهٍ قلقَة..

فطأطأَ رأسَه يشدّ على الكوب بأصابع مُرتجفة..

هل اكتشفَت أنه قد دخّن..؟ لا، كيف ستفعَل..؟ فحتى كارلوس من المُحال أن يقول..

غرقَ في أفكاره المتشابكَة حتى التقفَته قبضتها الدافئة على كتفه المتشنّج، فيستدير باثًّا لها نظرَهُ الخائف..

باتت أمامَه، تنظر له مباشرة دون أيّ عازل، وفي عَينَيها آلاف الأسئلة التي ليسَ مُستعدًا ليُجيبها..

اضطرّ لجرّ صوته ولو مبحوحًا حين سألَته مجددًا..

«لياس..! كيف تشعُر الآن..؟ أَتعاني أيّ ألم..؟»

«أ.. أنا بخَير.. أخبريني، ما الذي حدثَ البارحة..؟ لا أذكر شيئًا.. كيف عُدت..؟»

تركَتها تنهيدَةٌ ثقيلة حينَ استرسلَت، وما انفكّت تَدرُس ملامحَ ابنها المنهارة، وكأنها قناع هلاميّ سيذوب في أي لحظة..

«لقد أحضرَكَ كارلوس وأنتَ في حالة سيئة، استحمّ واذهب لوالدكَ في المجلس سيخبركَ بأمر مهم..»

أعطَته ظهرها فانزلَق بصرُه عنه حتى الأرض.. بأيّ شكل من السّوء..؟ وأي أمر..؟ ولماذا..؟

لم يعلم بما فعلَه أليسَ كذلك..؟ بالطّبع لا..! علَيه أن يهدَأ لن يُظهرَ هذا الخوف.. نعم..

الأَولى أن يفهمَ حالته الغريبة هذه، صعدَ نحو غرفته، ستكونُ المرة الأخيرة ولن يكرّرَها، وسينتهي..

الأمرُ بالطّبع..

ما هيَ إلا رُبع ساعة حتى استعادَ هيئَته المَقبولة، وما زال الصّداع حاضرًا، لكنّ الاستحمامَ أزال بعضَ الحِمل..

مسحَ على شعرِه البنيّ بزفرَة طويلة آلمه كتمُها، ثمّ دفعَ جسدَه للمجلِس في الطابق السفلي..

وقفَ للحظَة محدّقًا في ظهر والده المنحني.. تسارع نبضُه كما لو أنه في سباق موت..

لابدّ أنه مُحبَط منه..

أخيرًا اجتثّ قدمَيه فسارَ بحذَر نحو الأريكة المُقابِلة.. ما إن جلسَ حتى رفعَ الأب رأسَه..

ليلتقيَ وجهَ ابنه المُصفرّ وحينها فقَط لانَت ملامحه تلقائيًا..

«كيف تشعر الآن..؟»

حلقُه ما زالَ جافًا قليلًا.. تنحنح..

«بخير، والآن أخبرني، ما الذي حدَث معي البارحة..؟»

«ألستَ من يجب أن تشرح..؟ لقد أحضرَكَ كارلوس بحالة مُزريَة، وقال أنّك اتّصلت به من مكان ما في وقت متأخّر..»

طوى الأبُ ذراعَيه ووجّهَ نظرَةً صارمة جمّدَت الريقَ الجافّ لدى ابنه..

هربَت عيناه في حين حاول استرجاعَ ما فعلَه البارحة ولم يخطُره سوى مشهَد السيجارة..

أيّ كذبَة سيحيكها بخيوط ذاكرته الشّحيحة..؟

«ل.. لا أعرف.. لقد سهِرنا حتى الحاديةَ عشر في المقهى، ثمّ غادَرت ولا أذكر شيئًا بعدها.. ما الذي قاله كارل..؟»

بهُتَت ملامح الأب كأن الضغط المديد مزّقها، فأطلق تنهيدَة حارّة..

«لقد قال أنّك تعرّضتَ لعملية احتيال بإحدى المواد التي تشبه الممنوعات، لكن لا تقلَق ستكون بخير..»

نمَت الرّاحةُ في وجه الأب بينما اتسعت عينا ابنه بصدمة..

ممنوعات..؟ لا يُعقَل..!

عليه أن يسأل كارلوس ليفهَم..!

«لِياس..!»

رفعَ رأسه فسقطَ بصرُه على ابتسامة أبيهِ الودودة..

أليسَ غاضبًا..؟!

«لا تقلَق.. كل شيء بخير، كانَت مجرّد حادثة..»

ثمّ وقفَ مع بصر ابنه المذهول، تقدّم فربّتَ على كتفِه..

« لن أفقدَ ثقتي فيكَ بسبب حادثة عارضة كهذه.. لكن عليك أن تكون نبيهًا جيّدًا..

وابقى في المنزل خلال الأيام القادمة، حتى الدّروس لا تذهب إليها.. »

وكأنه يغرس الثقة فيه، شدّ على كتفه قبلَ أن يستديرَ للمَخرَج..

يترُكُه للمخاوف تنهشُ راحتَه، فكل هذا الرفق لم يُطمئنه

بل زادَ من تأنيبِ ضَميره..

هو ما زالَ يثق به.. ولا يعلم أنه دخّن وخانَ تلكَ

الثّقَة.. فرك شعرَه ووجهه بعنف..

كيفَ له أن يُكفّر عن شيء كهذا..؟ رمى رأسَه بين يدَيه وانهارت عيناه فوق الأرض مجددًا..

يجب أن يلتقيَ كارلوس..

لكن كيفَ مع حظر الخروج هذا..؟

~~

~~

عَصرَ اليَوم..

ينتصبُ باب مكتبه الخشبيّ أمامَها كالعقبَة الأخيرة بعدَ كلّ ما قطعَته بصُحبَة التّردّد..

فرغم أنها رتّبَت ما ستقول وشاورَت أمها فيه، إلّا أن انزعاجَ سيلينا حينَ تعلَم كالتحذير المُهمَل على هامش أفكارها..

مع هذا، فأيّ غضَب منها سينتهي، في حين سيصرُخ ندمَها هي للأبَد إن لم تطمئِنّ على رفيقَتها..

ثمّ ليسَ بالضرورة أن كلّ ما يقال حقيقيّ، ربما هو مظلوم مثل سيلينا..؟

أغمضَت عينَيها ودفعَت نفسًا طويلًا ليخفّف صخَب عقلها..

أليسَ رجلًا في النهاية..؟

إذًا لا أمانَ له، وبتلكَ الشخصية المُريبة قد يكون خطِرًا على سيلينا، خصوصًا وأنّها معميّة بأمر الانتقام هذا..

لفّت أناملُها الرقيقة حولَ برودَة المقبض النّحاسيّ وطرقَت الباب..

ما إن انفرجَ عما خلفَه حتى التحمَت أجفانُها تلقائيًا لاستيعابِ فرق الإنارة.. لمَ الضّوء خافِت هكذا..؟

«مساءُ الخير سيّد آدم..»

ابتلعَ صوتُ انطباق الباب دَقّة حذائها العالي، في حين مسّت أنفها رائحَةٌ خفيفة..

ميّزَت منها الصّندَل فقَط لأن والدُها يضعُه، ما الخَطب..! وكأنّها انتقلَت لمبنى آخرَ تمامًا..!

سحبَ ورقَةً أخرى من المُكوّمَة أمامَه..

«مساءُ الخير آنسة جودي، تفضّلي..»

تفحّصَها بنظرَةٍ زرقاءَ دقيقَة قبلَ أن يَخطّها بتوقيعِه، ثمّ أغلقَ قلَمَه الفضّيَ ووضعَه في حافظَة مَعدنية، تستنِد جوارَ الأوراق..

نقرَ حذائُها الرّخامَ الأسوَد اللامع تباعًا، حيثُ انسكبَ الضوء بهدوء مع ظلال الأثاث الغريب حولها..

حانَت منها نظرَة خاطِفة للسّقف، كانَت أربعةُ دوائرَ زجاجية استقرّ في كلّ منها مِصباح أبيض..

توزّعَت في أنحاءه بقَصدٍ جليّ لمن يُدرِكه، مما غمرَ المكتَبَ كاملًا بنورٍ خافتٍ..

حَسبَ مداهُ، وكأنّه يخافُ تجاوزَ حُدودِ مالكِه

الشّديد..

افترشَت الأريكةَ السّوداء مُقابلَ مكتبه الأبنوسيّ المتين.. أقامَ ظهرَه بصرامة وشبكَ أصابعَه بارتخاءٍ فوقَ المَكتَب..

رائحة عطرِه الغريب بلغَت أقصاها حتى شعرَت وكأنها طبقَة من الغبار الكثيف على رئتَيها..

ثقيلة بشكل لا يُحتمَل..

ولأوّل مرّة.. تُقابِل لازَورديّتاه المُنطفئتانِ بشكلٍ مُباشِر حيثُ مكثَ جُمود.. فراغٌ عميق.. وربما ضجَر عبثيّ..

حوَته تلك الجُفون الخاملة..

هل ربما تسرّعَت بالمَجيء..؟ ماذا لو أخرَج حقيقَةَ ذلكَ الهدوءِ المُصطنَع الآن..؟

وماذا ستكون الحقيقة..؟ إنه ليسَ وحشًا..!

«قلتِ أن لدَيكِ حَديثًا مُهمًا، لذا تفضّلي رجاءً..»

شتّتت هواجِسها المُبالغَة سريعًا..

«أنا أعرفُ حقيقةَ علاقتكَ بسيلينا..»

وضعيّتُه المَشدودة على المَقعَد الجلديّ لم تكترث..

«إذًا جئتِ لمعرفَةِ التّفاصيل الآن..؟»

لم ترى في سؤاله أيّ تحفّظ، وكأنّه مُستعدٌ للبَوح بأي شيء دون اكتراث.. أو ربما يعرفُ مُسبقًا..؟

«لا، كلّ ما في الأمر أنّكَ بحاجَة لمعرفَة بعضِ الأمور عنها..»

هزّ رأسَه إيجابًا..

«أسمعكِ، تفضّلي..»

«قد أسافر في أي وقت خلال الفترة القادمة ولا أعرف متى سأعود، لذا هذه فرصتي الوحيدة للحديثِ معك كي أطمئن علَيها..»

اجتهدَت في نبشِ تعبيرِه الميّت عن أيّ لمحَة حولَ ما تغطّيه تلكَ الجُفون، فلم تجد غيرَ رمشَة فارغة..

«نعم فهمت..»

« هيَ لم تعِش حياةً سهلَة، ورغم ذلكَ لطالما كانت شخصًا كتومًا، فحتى وأنا صديقتها الوحيدة لم تفصِح لي سوى مرّات نادرة عن أيّ مما يدورُ في منزِلها.. »

ثمّ سكتَت فمالَت نظرَتُها عنه، كأنّ الحدّ الذي كادَت تقطَعُه يُمزّق الأحرُف في جوفها..

للتّوّ فقَط اتّضحَ العُمقُ الذي ستَغوصُه في حياةٍ ليسَت لها هل هذا صحيحٌ تحتَ مُسمى الاهتمام..؟

ضغطَت الحقيبةَ الصّغيرَة فوق حِجرها.. ربما تسرّعَت..

«آنسَة جودي، أنتِ بخير..؟»

عادَت له بنظراتٍ تائهة، قرأ فيها حيرَة تفهّمَها..

«آنسة جودي، أنا آخذ مجيئكِ اليومَ على مَحمِل الوفاءِ لسيلينا، لذلك أضمنُ لكِ ألّا تعرف بأمر هذهِ الزّيارة أبدًا..»

فجأة أصبح جمود نظراتِه عاديًا عندَها، نبرَتُه الهادئة باتَت مجرّد طبعٍ مختلف، قد يمتلكهُ أيّ إنسان، ليسَ غريبَ أطوار

فنكَسَت رأسَها دون وعي، وكأنه يطّلعُ على ما يدور في خُلدِها..

كيفَ فكّرَت بكلّ هذه التّصورات الظّالمة دونَ أن تختلطَ

به حتى..!؟

كانت تراه من عن بُعد في مناسبات قليلة، فمن أين جاء تصوّرها سوى من حديث الناس حول هدوءه..؟

لقد تصرّفت كالّذينَ أذَوا سيلينا، دون تفكير أو تَحقّق..

كم من الأشياء قد تكون متأثّرَة بها دون أن تشعر..؟

ثمّ في لحظةٍ تبدّل عجيبَة، وجدَت نفسَها ترمي بكلّ ما لدَيها أمامَ برودِه المُريح..

ذلكَ الذي سبّب توتّرها قبل بضعَةِ دقائقَ فقَط..

« كنتُ على علمٍ بتعرّضها للكَثير من الظّلمِ، تعامُل عمّتها القاسي، إهمالُ والدِها غير المبرَّر..

وغيرُ ذلكَ مما أجهَلُ حقيقَتَه، إلّا أنها لم يَسبِق وأن بكَت أمامي..

دائماً ما تظهَرُ بشكل طبيعيّ وكأنّ شيئًا لم يَحدُث، مع أنني أعلَمُ أنها بكَت لوَحدها أعوامًا..

لهذا أرجو منكَ أن تنتبه لمشاعِرها، فهي لن تتحدّث أبدًا.. أنا لا أطلبُ منكَ سِوى أن تُحسنَ إليها حتى ينتهي هذا الاتفاق.. »

مالَ نحو ساعدِه المُنتصب على ذراع المقعَد، حيثُ تعبَثُ أناملُه بلحيتِه الفاتِحة القصيرة..

لم يترُك سؤالًا أو يطلُب جوابًا على أيّ مما سمعَه، في حين أنّ ذهولًا خفيًا يعصفُ بها عصفًا..

«أتفهّم قلقَكِ وسأنتبِه لذلك، فهذا من مسؤوليّتي..»

رسمَت شفتاها ابتسامةً راضية طفَت على هُمودِ تعبيرِه..

«شكرًا جزيلًا لاستماعك، كلّ ما أرَدتُ قولَه بأنه إن لم تنفَعها فلا تؤذِها رجاءً..»

أومأ ثمّ وقفَ تِبعًا لها..

«فهمت، أرجو لكِ سفرًا يسيرًا..»

«إلى اللقاء..»

لقد شكّت به، خافَت أن يطمَع بمثلِ سيلينا..

كحال الكثيرين، لكنّه الآن يبعث فيها اطمئنانًا غريبًا، جعلَته محطّ ثقَة، بعد هذا الحوار القصير فقَط..

وكم سخرَت من تَعايُشِ هذه الحقيقة مع برودِه الجنونيّ..

ألقَت مسحَة أخيرَة على المكان لتحفظَه..

عِطرُه الكَثيف يُعاوِد مداعبَة أنفِها لمرّة أخيرة، كأنه يهمسُ باسمِ ما لم تميّزه سابقًا..

تذكّرَته.. إنه العودُ المُعتّق..!

لكن لمَ هذا المزيجُ الغريب..؟

~~

~~

قدمُها تحكّ السّجادَ.. أسنانُها تجُزّ أظافرها، ونبضُها يتداخَل مع رنّات الهاتف المُتتالية..

مرّة.. اثنتَين..

تسوءُ رجفتها وتَعود سوداوتَاها للباب كَرّة أخرى، كأن القفلَ سيخون عهدَه في أيّ لحظة..

ثلاثة..

أخذَ الضغطُ يَتفرّغ بحروفٍ خافتة، كأنها أنفاسُ فرنٍ مُشتعِل..

«رُد..رد.. اللعنة.. رد..!!»

يجرّ الهلَعُ نظرَتها نحو الرّسالة فوقَ المكتَب جوارَها..

الختم بالذّات..!؟ كيف تفعلها..؟

أتَسرِقُ شريانَ أعمال العائلة..؟ وأيّ كارثَةٍ بعدَها..!

بدأت الأفكار تفترس بقايا صبرِها.. إن اكتُشفَت! إن فُضِحَت! إن لم يردّ اللعينُ الآن..!!

«مرحبًا..؟»

« مُصيبة.. مُصيبَة يا لاري، أرجوكَ ساعدني، لا أعرف لمَ يفعَل هذا الشخص هذا معي!!

أنا لم أؤذِ أي أحد في حياتي فمن قد يرغب بإيذائي..؟ سأجن.. يجب أ.. »

لجمَها تأفّفُه الثّقيل..

«حسنًا حسنًا.. اهدَئي، رسالةٌ أُخرى أليسَ

كذلك..؟»

تجمّدَت..

تهدَأ..؟ حقًا..؟

بصرها عالقٌ في الفراغ أمامها..

ما قصّته..؟

ما هذا البرودُ الذي يُغلف نبرَتهُ اللامبالية، أليسَ خائفًا أن يُكشَف..؟

فإن كانَ نيلسون سيُقطّعها بعدَ أن يعلَم، فماذا عن هذا الرجل..؟

سيَحرِقُه حيًا..! إذًا لمَ هي الوَحيدة الخائفة..؟

«لقد طلَب مني أن أسرقَ ختمَ أخي وأخفيَه..! أرجوكَ فكّر معي، يجب أن نفعلَ شيئًا قبلَ أن نُكتشَف..»

«نفّذي ما يُريده..»

اتّسعَت عَيناها..

«ماذا..؟ كيف..؟ لا أفهم قصدَك..»

طارَت أشلاءُ ثباتِها بتنهيدَته الطّويلة..

«وماذا تريدين أن أقول..؟ لا يُمكنني التّفكير بشيء وجميع الأبواب مُغلقة أمامَكِ..»

أنفاسها ترتفع.. إنها تتزلزل..! لقد كان مَسنَدَها الوحيد لكن.. ما باله الآن..؟

صدرُها يضيق وعيناها تحشدان الدّموع فارتجفَ صوتها..

«لماذا تتحدّث كأنها مشكلتي وحدي..؟ فكّر بشيء معي..!»

لا إجابة.. فقَط أنفاسُه السّاكنة، وكأن العاصفة تدورُ بعيدًا تمامًا عنه..

«ما قصَدتُه أنه لا يمكنني فعل شيء، نحن فعليًا لا نعرف معلومَةً واحدة عن صاحب الرّسالة، فماذا تنتظرين مني..؟»

ماذا تنتظر..؟ ستقبَلُ أيّ ردّ سوى هذا الجمود المؤلم..

قلبُها اضطرَب حتى باتت تشعرُ بخفَقانِه أسفل جلدِها..

«نفّذي ما يطلُبه إلى أن نجدَ حلًا، سأجتمعُ بكِ بعد فترة ونحاولُ التّصرف، إلى اللقاء..»

أغلقَ الهاتف فورًا، ليتركَ رنينَ الانقطاع يتآمر مع طنينِ كلماته في رأسها..

طالعَت السّماعةَ ببصَرها الغائم، كأنها تَستنجِد بالشّاهد الوحيد على خيبَتها.. سيجِدان حلًا.. نعَم.. لكن..

ما هذا الخوف..؟ لمَ لا يُمكنها الاطمئنانُ بكلماتِه بعدما كانَت تفعَل بمُجرّد التّفكير فيه..؟

لم يتوقّف عقلها عن استدعاء أسوأ السيناريوهات ما إن يكتشفَ شقيقُها..

أحقًا لا يُوجَد أيّ حل..؟

ارتجّت قدماها المرتعشتان حتى سقطَت مُجهِشَة بالبكاء..

~~

~~

الثامنة مساءً..

نساءُ الحفلة ثمّ هاتان، وهذا بخلاف الرّسائل المكوّمَة لدى بريد القصر، هل تَهافتَ الجميع فجأةً لأَنني تزوّجَت..؟

من السّذاجَة القَول بأنهم نادِمون بعدَما رجَعوا لأنفسهم

فمثل أولائكَ السّفهاء لن يُفكّروا بطريقَة سويّة..

السّببُ الوحيد يَعودُ للعُنوان المثير الذي باتَ لحياتي، ابنةُ برينسيا الفاجِرة تزوّجَت آدَم روهند..!

إذًا هناك قصة مُثيرة علينا الإحاطة بها.. أم لأنّ الزّوج هو رئيس روهند..؟

ولمَ لا..؟

فلو فكّروا لِلحظَة فقَط، سيُدركون أن مُعاداتي تعني خسارَة العلاقات معه..

بيدَ أن لا أحد سيصنَع صَفقَة مع رجل بينما يقذفُ ويسبّ زَوجته، سيَبدونَ مثل الثّعالب المُطيعة حولَه..

مَذلولين، صاغِرين، وكم هو عظيمٌ أن يَخسروا تَحالفاتِهم بسببي، إذًا كيفَ باستغلالِه لردّ ما فعلوه بي..؟

لكن شتّان ما بينَ الخيال المنعِش والواقع القاسي، لأن المَسارات المُيَسّرة بخيلَةٌ جدًا..

كما أن هذا التّشفّي سيؤذي أعمالَ روهَند، وهو ما لا أريده فحتى آدم ومهما دعمَني سيتوقّفُ ما إن يمُسّ الأمرُ مصالحَه

النتائج والأسباب بلا فائدة في تحسين أيّ شيء، ولن أعودَ لذلكَ المُجتمَع القذِر.. أبدًا..!

مسحتُ بُخار زفرَتي عن المِرآة فبانَ وجودُه، يقفُ أمامَ سريري، يُغلِق أزرارَ كُمّه، سُترَة البدلة على السّرير خلفَه..

ما زالَ لم ينطِق بحَرف بعد تحيّةِ دخوله.. في بعض الأحيان أشعرُ وكأنّ طبقَة من الهدوء السميك تلفّه..

لدرَجَة أنني لو لم أرى انعكاسَه لما تذكّرتُ وجودَه أساسًا.. فحتى أنفاسُه، ساكنةٌ وبطيئَة، بالكادِ تُسمَع..

كما لو أنها تَذوب في الهواء، بدأتُ أتخيّلُهُ حقًا داخلَ فقاعة مُنفصِلة..

لابد أنه ذاهبٌ للشّركة الآن، بعدَما عادَ للتّوّ من المَصنع..

إنها الثامنة مساءً بالفعل وهو يعمُل منذُ الصّباح..

دون توقّف.. هذه مسؤولية مرهقة، رغم أنها طبيعيّةٌ لابنٍ وحيد وعائلة عملاقة كروهَند..

توجّه إليّ، نحو التّسريحة، حيثُ مكثَت حاجيّاتهُ على ضِفّتها اليُسرى..

سطحُها يحملُ عطورَه وفرشاةَ شعرِه، بينما الثلاثةُ أدراجٍ فيها تَحوي ساعاته وبعض المُلحقات التي قد يرتديها..

فتَح الأول فأخرجَ ساعَة، كانَت فضّيَة تلمَعُ تحتَ الإنارَة البيضاء وقد ترصّعَ مُحيطُ زُجاجِها بقطَع ألماسٍ صغيرة..

ظننتُ والدي يُبالغ حينَ يصفُ بذَخ آدم، ولكنني أرى ذلك بعيني..

أنهَيتُ تَمشيطَ شعري وجمَعتُه بكعكة سفلية مشدودة، لم أترك أيّ جزء من غرّتي هذه المرّة..

نظّفتُ الفُرشاةَ فغطّت راحَة يدي كومَةٌ من السّوادِ المُتقصّف، في مشهدٍ غابَ عني طويلًا..

ما هذا الكمّ المُتشابك..؟ كم مرّ على تساقطِ شعري بهذا القَدْر..؟

هل كان منذ تُوفّيَت جدّتي..

أم هيَ تلكَ الحادثة..؟

لا أتذكر..

أشعرُ وكأن شفرَة تحفّ جلد كفّي..

هناكَ شيءٌ يلسعني..

«سيلينا..»

صوت آدم يصلُني من بعيد..

ثمّ عادَت دندنةُ السّاعة..

ما الذي حدَث..؟

رفَعتُ رأسي لتكرارِه النّداء..

«توقّفي..!»

وجدتُ عبوسُه حائرًا في وجهي، ما الأمر..؟

فرَكتُ الصّداع الذي ينبض في جَبهتي..

وكأنني انفَصلتُ عن الواقع لِلحظَة..

«ماذا..؟»

«أنتِ تُحدّقينَ في الأرضِ منذُ عشرِ دقائق، وانظري لما فعلتِ بيدِك..»

ففعلتُ حيثُ تردّدَ بصرُه مرارًا سابقة، سطحُ كفّي ملتهبٌ بالحُمرة، ويخرجُ من الخُدوشِ العَشوائيةِ دِماءٌ راكدة..

إنه مثل ذلكَ اليوم بالضّبط، ولكن هذه المرّةَ كفّي..

أشعرُ بحرارة تتقافز على وجهي..

غطّيتُها عنه، ومبرّري السّخيف في الطّريق ليُرسّي

نظرَته..

«لا أعرفُ ما الذي حدَث، لابدّ أنني سرحتُ كثيرًا هذه المرّة ولم أنتبه..»

لم يكُن أسوأ من هذا العُذر إلّا إدراكي لما يحدُث، لحقيقة عودَة خوف قديم، يهونُ الموتُ أمامَ سلطانِه..

تبًا..

قبل أن أنطقَ بحرف كان قد استدارَ متّجهًا نحو الرّف المُقابل للسّرير..

«إن لم تكوني بخيرٍ فاعتذري، لستِ مُضطرّة لاستقبالهن..»

فالتفتّ نحوَه..

لأجده قد أخذَ حقيبَة الإسعافات وعادَ فأنزلَها أمامي..

«أظنكِ تجيدين الإسعافات، عالجي نفسكِ وارتاحي..»

ثمّ سحبَ زُجاجَة عطرِه، فتضمّخَ بهِ حتى سعَلت..

«أعتذر..»

إنها رائحة آلبرت..

«لا بأس..»

رغمَ أن البأس هنا يغمرَني، انتابني شعور خانق حينَ تبعتُ رغبتي الغريبة في التّحديقِ بها..

لماذا ما زالَ يضَعُه..؟

ألا تجرَح هذه الرّائحَة صدرَه مثلي..؟

عادَ للسّرير فسحبَ سُترةَ بدلَتِه وقصدَ للباب..

«أراكِ في المساء..»

هو تجاهلَ الأمرَ فحسب، ذلكَ الذي أصابَني مجددًا، وأمامَه! لا أجرُؤ على توقّع ما يدور في ذهنِه حِيال كلّ هذا..

مَسَحَت الدّماء ثمّ عقّمَته، مرّرَت القطنَة بخفّة فوق الخدوش لكن ملمَحها انكمَش تلقائيًا..

أخيرًا لفّتها بالضّماد وعايَنَتها في الهواء لمرّة أخيرة ثمّ وقفَت، تفقّدَت حالَها بنظرَة سريعة وخرجَت..

حواشي فُستانُها الأحمَر تمايلَت بثقَل خامَتها على حذاءٍ أبيَض عالٍ..

يحمِلُها فوقَ سلالم القصر بينَما تقطَعها برويّة تُلقي عليها هالَة وَقارٍ فاتِن..

تجذِبُ نظراتِ العاملات وتحفرُ فيها لمحات العاملين، ولو أنهم قلّة..

كانَت أمامَ مجلِس الضّيافة حينَ انتبَهت للطّباخ أمام السّلم الملتوي..

قادم من المَخزَن على ما يبدو.. في يدِه قدرٌ فارغة ويحدّقُ فيها ببلاهَة بليدة..

لكن الأمر لم يَعُد مُقلقًا، باتَت تَكفيها التفاتَة

مُستحقِرة..

كالتي أذهبَتهُ دون تأخير، تمامًا كما لو أنها تُبعِدُ حشرَة

ما..

دَفعَت البابَ ودخلَت، الأحاديثُ الخافتة انتهَت مع توجّه الأبصار إليها..

«مساءُ الخير، أعتذرُ للتّأخير لكنني اضطررت للتعامل مع

أمر مفاجئ..»

تعلّقت العيونِ الدّاكنة بقوامِها النّاعم ورشّت التّساؤلاتَ لتمزّق ضمادَ كفّها..

تابَعنَ مشيَها نحوَ الأريكة الفرديّة مُقابلَهُن أثناء تفحّصِها بدهشَة متأججة..

ورغمَ أنه لم يمضي كثيرٌ على رؤيَتِها في حفلة زوجِها، هيَ تُبهِرُ كأنها أوّل مرّة..!

تدحرجَت نظرَة خاطفة بينهن ثمّ تنحنَحَت ذاتُ الشّعر الأحمر فتحدّثَت..

تُزيّن وجهها بالبشاشة..

«مساءُ الخير يا عزيزتي، بل نحن من نعتذرُ للزّيارة المُفاجئة أنا داليا روديل وهذه آنجي مونز، سعيدتان جدًا بهذا اللقاء»

أومأَت المَنعوتَة بتعبير مماثل..

«تشرّفتُ بمعرفَتكِ سيدة سيلينا..»

روديل معروفون في مجال السياحة، لكن مونز..؟ لم تسمع بهم من قبل، ربما من العائلات الصّاعدة مُؤخَرًا..؟

جدّدَت عقد ارتفاع شفتَيها وتراجعَت تطوي ذراعَيها فوق قدمَين مُتشابكتَين..

«لا بأس، سعيدة بلقائكما..»

ماذا الآن..؟ بدا حرَجُ الصّمت على تعابيرهِنّ التي تُحيطُها بعينِ شكّ حثيث..

لا يطفو على السّطح شيء غيرُ طَبيعيّ، بيدَ أن هذا لا ينطِبق على الدّواخِل التي ابتُليَت ببشاعَتَها عُمرًا..

فكلّ الأفعال متوقّعة، وهذا الهدوء ما هو إلا شقيق هدوء ذلك اليوم، الذي انتهى بجُرح جديد..

قبلَ سنوات.. حينَ دعَتها إحدى الفتَيات لحفلَة شاي صغيرة.. حينَ كانَت حالمَة مُغفّلة..

ربما لأنها كانَت في الخامسةَ عشرَ فقَط..؟

تتلهّفُ لأيّ علاقَة تُشبِع حاجَتها الاجتماعية والطّبيعية لِمن في سنّها..

أرادَت حقًا صداقتهُن، فكّرتُ طوال الطّريق بسلسلة الزيارات التي ستصنعُها هذه الدّعوة..

وتلكَ الابتسامةُ التي متّعَت تعابيرًا أضجرَتها الوَحدة، ما زالت تُعيد رسم امتدادها السّاذَج على صفحَة ذاكرَتها..

الضّيقُ الذي شقّ صدرها من النهايَة المأساوية آنذاك، لم يُغادِر قبلَ أن يتركَ علامَة يستدِلّ بها على نُدبَتِه..

فظلّ يعود ليَنبِشَها كُلما مرّت مشارِط الماضي

علَيه..

«لقد كنتِ رائعَة في حفلَة السّيد آدم، والجميع أرادَ التّحدّث إليكِ..»

أضافَت آنجي..

«نعم نعم.. لكنكِ بدَوتِ مُتعبَة يا عزيزَتي، هل كنتِ مريضة..؟»

تقيّأَت قبلَ الحفلَة فقَط..

«لا، كنتُ أمرّ بنزلَة برد بسيطة..»

أومأنَ على مضَض وغُصنَ في الأحاديث تِباعًا، حتى رمَت

داليا..

«أرادَت السّيدة تورين أن تأتيَ معنا، لكنّ زوجَها تعبَ فجأة واضطُرت للاعتناء به..»

لاحَظنَ صمتَها بينما تُحاولُ تذكّر صاحبة الاسم، فهو

مألوف..

«أعني تورين صاحبَة سلسلة الصالونات الأشهر في العاصمة لابد أنك تعرفينها..»

أكّدت آنجي على ما توصّلت إليه..

إنها تورين ميسيل..! لقد عُرفَت بأنها أثرى امرأة نمَت بمالِها الخاص، رغمَ أنها في السادسة والعشرين فقَط..

عادَت لهنّ بابتسامة صفراء..

«نعم عرفتها، تَكفيني نيّتها لذلك..»

~~

~~

رَوبُه الرّماديّ الطّويل يُغلّف وِقفَتَة الصّارمة قِبالَة النّافذَة كأنما يقهَر انعكاسَهُ الذي تحمِله..

كفّاه يَشتَبكَان أسفل ظهره وسيجارُه الثالث يحتضِر بينَ نصلَيّ شفتَيه الشّاحبَتَين..

كم تشتهي فحميّتاه الانصهارَ بالليل المُتفَشّي أمامَه.. علّها تتخفّى عن طيوف الأفكار التي احتلّت صِبغتها، علّهُ يهربُ من غفلتِه التي اكتشفَها..!

تُرى ما الذي تفعَلُه الآن..؟ لمَحَ ساعتَه بنظرَة جافّة صارَت جزءًا أصيلاً من تقاسيم وجهه..

كانَت الحادية عشر..

ربما هيَ نائمة، هل تفعل باكرًا..؟ فركَ ذقنه بتنهيدَة حارّة.. هو لا يعرِف حتى..!

أبسَطُ التّفاصيل عنها لم يَفطَن لوُجودها.. بل لم يُلبّي الدّاعيَ لذلك..

لقد كبُرَت في زاويَة ضيّقَة من بصرِه، وما كانَت إلا مَساحةً فاضَت من العائلة التي سكنَت عُمقَ عينَيه..

حتى وقت قريب كانت ابنته وَجهًا مختلفًا للخَيبة التي تركتها أمّها، فما فعَلَته قد أثخنَ صدرَه بالجراح..

وجودُها بدا كتذكير مُتجَدّد بأن ما ربَطهُ بتلك المَرأة ما زالَ يتنفّس بقُربه..

رغم ذلك فقد أعطاها كُلّما تحتاجُه وما ترغبه.. المال الملابس والمجوهرات..

وفي مرحلَة لاحقة هدَم جُدرانَ الحمايَة التي شيّدَها حَولَها فتركَها تخرُج كيفَ ومتى ما أرادَت مع الحراسة الشّديدة..

سخّر لها كلّ ما بإمكانه فقَط كي لا يمسَح على رأسها أو يُثنيَ على علامة جيّدة حصلَت علَيها..

لمَ لمْ يفعَل..؟ هل كان الأمر صَعبًا لهذه الدرجة..؟ لمَ الآن

بالذّات تَتجلّى تفاهة خوفِه، رغم وُضوحها منذ زمَن..؟

ما زالَت الأسئلة تتهافَت عليه بلا أجوبَة تُنقِذُه.. ضَميرُه المَبحوح تمنّع عن الإفصاح وتهجّم بأنين مَديد..

فلا هو مُتغافلٌ مُرتاح ولا هو مُدركٌ مَعفِيٌّ من

التّأنيب..

"اخرج من حياتي"

ما زال وقْعُ الجّملَة يُثير نوعًا من النّدَم المَشدوه لدَيه..

حضَرَهُ وَجهها المُرهَقُ حين رمَتها في وجهه

المُبعثَر من الصّدمة..

أحقًا يجب أن يفعَل..؟ وما المُشكلة في تربية عمّتها..؟ لمْ يرى آثار ضرب ولم تَشتكي، كانَت طفلَة هادئة..

نعم لقد تجنّبها قدرَ الإمكان، لكن..

معَ ركضِ الأيام بعمُرها، أدرك أن الفجر الذي ينشقّ من رَحِم الظّلام لن يُشبهه أبدًا..!

لطالما كانَت سيلينا أنضَج، أَهدَأ، وتُذهِله بحِكمةٍ لم تُؤتَها والدَتُها، رغمَ سِنّها الصّغير..

فقَط حينَ أدرَكَته الحقيقة وقتَها، شعرَ بانسحاب ذلك التّوتّر القديم عن كاهلِه.. نفَسُ الرّاحة الغائب يعودُ بنسمَة أمَل..!

لكن.. حين قرّر الخَطوةَ كان الطريقٌ قد اندثر.. كيف..؟ لماذا لم تعُد تنظرُ إليه حتى..؟

انعزلَت في غرفتها، وكأنها اكتفَت، ليسَ منه أليس كذلك..؟ عبسَ لا إراديًا، لقَد لسَعَته الخاطرَة..

يتذكّر كيف كانت تتجنّبه، وكيفَ أجبرَها على تناولِ الطّعام مع العائِلَة يوميا، وفي كل الوجبات، ولم تَستجِب..

لم يُفلح يومًا في جعلها تَرفَع رأسَها عن الطّبق حتى.. ولمْ تُنازعه مرّة على أي قرار، ما اتّخذه إلّا ليجتَثّ أيّ ردٍ منها..!

حاولَ صنع حديث معها وكانت تردّ بجفاء، أو أحيانًا لا تفعَل..

وفي النهاية تزوّجَت بسرعة..

ومِمّن..!؟

آدم روهند..

كُسِر السيجارُ بتشنّج فكّه..

انتزَعه كما رجى أن يفعَل بالفِكرة من رأسِه وألقاه في سلّة المُهمَلات جِواره..

فجأَةً أصبَحَ الهُدوء طنّانًا، كأنه اتّخذَ صفّ

هواجِسه..

نغزَته حاجَة مُلحّة لإفراغِ هذا الضّيق المُطوَّق بجسدِه، فلجَأَ للتّحرّك جيئةً وذهابًا بين المكتَبِ الضخم والنافذة..

بالتّأكيد ظهرَ لها كالبَطَل المُنقِذ من الأب الشّرير..! ولابدّ أنها تعلّقَت به..

غريبُ الأطوار الذي لم يُبادله إلا تحيّات باردة تفرضها المناسبات أصبحَ زوج ابنته..!

لكنْه لم يملِك خِيارًا عدا الموافقة، وكيف لا يفعَلُ بينما هيَ طالعَته لأولّ مرّة مُنذ دَهر..

التقى عيني والدَتِه في وجهها المُحطّم، تغلِيان بسخَطٍ كحِمَمٍ التهمت هدوءه المُتزعزع..

كانَت ترتجف، نبرتها ظلّت تُنازع لتَثبت، وَوجهُها شاحب كأنها ستَسقط في أي لحظة..

يعتصرُ قبضتَيه بعدَما استَوعبُ سذاجَة تفكيرِه

آنذاك..

إن كانَت تُحبّ ذلك الرجل وتصرّ عليه بهذه الشّدّة، فربما يستطيع استعادتها من خلاله..

لكنه اصطدَم بالجدار مجددًا، ففي لِقائهما الأخير صنعَت منه أضحوكَة لنَفسه..

وقبلَ ذلك متى تعرّفَت علَيه لتُحبّه..؟ من الواضِح أنها أرادت الهروبَ فقَط..

بل حقيقةُ عدَم اكتراثها بِكذبتها الواضحة يعني أنها كانت مُستميتَة للابتعاد..

انتهى أمره بتحديقٍ عبثيّ في الأرض..

أحقًا لا يُمكنه إصلاح ما انكسر..؟

حنّت يدُه للصّورة في جيبِه المربّع.. كانَت لطفلة بهيّة يحمُلها بين ذراعَيه..

شعرُها الحالك بالكادِ يمسّ كتفَيها، ووجهها البَشوش يُعانِق اطمئنانَ ملامحه بمبسَم هادِئ..

للتّوّ يُلاحَظ كم كانا مُتشابهَين بذلك الملمَح.. انفجرَ فيه حنينٌ توشّح بالندم، فليّنَ تعابيرَه حتى ابتسامة باهتة..

سيلينا لم تمسّ طبع والدَتها حتى..

سيلينا كانَت تُشبهه هو..

لقد فات الأَوان..

لا..! فرغم كلّ ما تفعلُه.. هو ما زال

والدَها..

شدّ على الصّورَة بعَزم..

شاءَت أم أبَت سيَبقى معها ويُصلِح كلّ شَيء..

نعم لقد تهوّرّ بإجراء الجّراحة، وقد اعترَفَ بذلكَ بعدَ كل تبريراته التي حتى هو لم يقتنع بها..

لكن ماذا عن باقي الأمور..؟ هو حقًا لا يَفهم! ما الذي فعلَه بالضبط..؟ ألأَنّه لم يعانقها..؟

أيجبُ أن يفعَلَ طوالَ الوقتِ ليُسجّلَ كأَبٍ جيّدً..؟ هو لا يقدِر على إظهار هذه المشاعر لها..

فما الذي بوسعه فِعلُه..؟! ثمّ إنه عوّضَ ذلكَ بكلّ ما استَطاع.. ألا يكفي هذا..؟

أفرغَ إحباطَه بزَفرَة طويلة..

عليه أن يجِدَ حلًا..

تاهَت نظراتُه المَشدوهة في الزّجاج حتى أرشَدَها الطرقُ نحوَ الباب..

أعادَ الصّورةَ لجَيبه وأذِنَ لمن كان ينتظر..

استدارَ نحوَ مكتبه بينَما كشَف الباب الخشبيّ عن رجلٍ كهل وَقور، يرتدي بدلة رسمية متواضعة..

«مساء الخير سيّد نيلسون..»

تقدّم بنظرَة مُستقيمة لم تجذِبها اللوحات الزَيتيّة للطّبيعَة حولَه ولا الشّهادات المَرموقة على الجدار الأبيَض النّاصع..

فليسَت مرّته الأولى هنا.. هذا السائق كان ينقلُ الأخبار طوالَ ما يقربُ الشّهرَين..

«أهلا بكَ يا مورغان، تفضّل بالجلوس..»

افترَشَ إحدى الأرائك مُقابلَه بينما جلسَ نيلسون..

«لا شيءَ جديد يا سيدي.. بعدما ذهبَت لمركزِ الشّرطة مع زوجها..»

تصلّب ظهرُه أكثَر وغاصَت يدُه في لِحيَته الكَستنائيّة الشّائبة..

نظرةٌ ضيّقة وجّهها لسَطح مكتبه بعدَ همهمةٍ

ثقيلة..

ما زالَ سرّ الشّرطَة يستفزّ نفوذَه.. لمَ أخذوها..؟ هل الأمر خطير..؟ لو كان لأخبَروه..

لكن ربما لن يفعَلوا.. سيلينا لن تخبرَه بأيّ شيء قطْعًا..

بعيدًا عن ذلك..

كيفَ لمْ تلتقط العاملةُ أيّ كلمَة حول الأمر..؟ وكأنّهما أخفَياه حتى عن العائلة..!

رأسُه سيَنفجِرُ إن استمرّ بالتفكير..!

شحذَ تعبيرَه المُقتَضِب حتّى برَد، ثمّ رفعَ رأسَه ورمى ذراعَيه فوق بعضهما على المَكتَب..

«ماذا عن العامِلة..؟ هل نقلَت لكَ أيّ شيء؟»

هزّ رأسه نفيًا..

«لم تَقُل ما يَستحقّ الذّكر..»

مُجددًا.. الأخبارُ التي يُريدها تتمنّعُ عنه، مسّد بينَ عينَيه

بتنهيدَة مُغتاظة.. كيف تَتطاير جهودَه بِريح الظروف..!

«حسنًا.. لكن شدّد على ألا تنقل إلا ما يتعلّق بسيلينا

ولتَصمّ أُذنَيها عن أيّ شيء آخر..»

أومأَ السّائق إيجابًا ووقفَ للمُغادَرة..

«إذًا أستأذنكَ يا سيّدي..»

«نعم..»

غادَرَته لمحَةٌ حارَت بالأَبَ الغريب قبل أن يستدير بأسئلَته..

فكّر ببصرِه المُنزَوي إلى الطّاولة مجددًا، بدا وكأن كمّ الأفكار يُؤجّج حيرتَه..

إن كنتَ بهذه اللهفَة علَيها فلمَ تفعَل كل هذا..؟ إن كنتَ تُريدُها فلمَ لا تزورها باستمرار أو تتّصل على الأقل..؟

أليسَ أفضل من تجنيد أحد السّائقين في منزل زوجها..؟ لمَ تحتاج شيئًا كهذا مع ابنتك..!

ركبَ سيارته والتفّ بها حول النافورة الضّخمة في المنتصف حتى أخرجَها من باحَة القَصر الواسعة..

ولمَ تَترجّى الطّرُقَ الصّعبة طالَما تُواتيكَ كرامةٌ بالوَصلِ

اليَسير..؟

~~

~~

هذا الهدوءُ المُسالم في الجناح هو أكثَر ما أحتاجَه بعد ثلاثَة ساعات من الثّرثرة المُتواصلة، مَن يَمكُث بهذا القدر للتّعارف..!؟

أنهَيتُ استحمامي وارتدَيتُ ملابسي بسرعة، هرَعت خارج الحمام كي أستقرّ عندَ المدفئة المشتعِلة..

وضعتُ فيها بعض الخشَب من سلة القش فوقَها، ثمّ ألقيتُ بنفسي أمامَها وضمَمتُ رُكبَتايَ..

أقمتُ رأسي فوقهما لتقابلَني النار المُتراقصة بصوت

خافت، بينما أتجاهَل نغزات الصّداع..

أشعر بعضلات جسدي ترتخي عن بعضها كأنما ستنفصل.. إحساسُ مُريح بقدر ما هو مؤلم..

أيّ عذر سينفعُني إن كرّرَن الزيارة مع تورين كما وَعدن..؟

وهاتف المنزل.. إنه معهنّ الآن..

دفعتُ زفرَتي المَحبوسة وسايَرتُ ارتخاء أجفاني من الدّفء المُنبعِث..

يرتطمُ بجبيني البارد وأطرافي المُتجَمّدة ثمّ يذوب على جلدي كهالة دافئة تُغري للنّوم..

بالتأكيد هناك حلّ ما، عليّ فقَط إيجاده..

تحسّسَت أسفل ظهري، لم يسبق ليَ الشّعور بهذا التّصلّب وكأنه خشبَةٌ باردَة..

بالإضافة لشعور الخُمول هذا، في كلّ يوم يولَد ألم جديد في جسدي، كما لو أنني عجوز واهنة.. تبًا..

رغمَ أن الغُرفةُ دافئة جدًا والطّقس في الخارج ساكن تمامًا فلا صوت للهواء ولا أثر للمطَر على زجاج الشرفة..

لكنني لأوّل مرّة أشعر بالبرد بعد الاستحمام..

شعري الرّطبُ انزلقُ عن كتفَيّ ببطء حتى انسدلَ على جانبيّ فبثّ قُشعريرة قامَ لها بدَني..

إن لم أرُدّ على الاتّصالات سيَفهمن بالتأكيد، وماذا إن كُنّ صادقات..؟ لقد سئمت..

لمحتُ السّاعة فوقَ الباب، إنها الحادية عشر والنصف.. لأوّل مرّة يتأخّر لساعة ونصف..

سلّكتُ جمود عُنقي بحرَكات عشوائية ثمّ دفنتُ وجهي ونفثتُ نفَسًا ساخنًا..

أكادُ أستسلم لما يراودني من نعاس سَليط، كأن قوّة ما تسحبُ أجفاني، وقد استسلَمتُ لها..

ربّما يشتمنَني الآن، أو يُخطّطنَ لكسب ثقَتي لهدف دنيء..

بالتّأكيد لابدّ من عُذر إن حدثَت المرّة القادمة..

لا أدري كم مضى قبلَ أن أسمع صريرَ الباب، وعلى إثرِه عادَت الأصوات فجأة من حولي، متى انقطَعَت..؟

التفت مع علمي بألّا أحد غيرُه، كلّ ما يشغَلُ عقلي المُتعطّل هو استكمالُ الغفوَة في أحضانِ السرير..

فركتُ عينايَ حتى اتّضح..

«مساء الخير..»

نزعَ نظرَته عن وجهي ودسّ يدَه في جيبه..

«مساء الخير..»

ثمّ أخرجَ عبوَةً صغيرة، مُستديرةَ الشكل بلَون ورديّ..

وتقدّم بها إليّ..

«هذا المرهم لألّا تتكوّن نُدبة، استخدميه لمرّة في اليوم حتى يختفي الأثَر..»

مرهم..؟ لقد خطرَ له شيء كهذا..

التقَطتُها، كنتُ قد نسيتُ الأمرَ تمامًا بعدما اختفى الألم..

«شكرًا لك، لكنّ الجروح سطحية، لم يكُن هناك داعٍ لذلك..»

استدارَ نحو الغرفة..

«أتُريدينَ كوبَ شاي..؟ طلَبتُ من العاملة إعدادَ واحد..»

«لا، شكرًا..»

وضعتُ العُلبة في جيب بنطالي..

أنا بالكادِ أحملُ أجفاني، ثمّ لماذا الشاي الآن..؟ ألن ينام..

أرجو أن يُنهيَ التبديل سريعًا..

أعدتُ رأسي لمكانه حين أطبقَ باب الغرفة، ثمّ لم أعي مجددًا إلا هبوطُه جواري، فرفَعتُ رأسي..

تربّع وفي يدِه كوبُ الشّاي، متى أحضَرَته العاملَة..؟

لم أشعر بفتحِها للباب..

«إذًا كيفَ كان اللقاء..؟ ما الذي يُرِدنَه..؟»

جمعتُ شعري للخَلف ولفَفتُه حول يدي لأرميَه أسفل ملابسي، سارت قشعريرة مؤلمة لذلك..

أشعرُ بعينَيه تسيرُ مع تحرّكاتي، هذا يحدُث بعضَ الأحيان لكنّني لا أشعر بالخطَر معه..

«يبدو أن وجودي في حفلتكَ بعدَ كل هذا الغياب حرّك فضول البَعض، يُرِدنَ تكوين صداقَة معي..»

وتوقّعنَ أن تسير الأمور بسلاسة، أن ابتسمَ وأرحّب، كما لو

أن سنينًا من حياتي لم تكن مَحفوفَة بمثلهن..

«هذا جيّدٌ لكِ، أليسَ كذلك..؟»

لو سألَني حين كنتُ مراهقة لوافقته دون تردّد، لكن الآن.. لم يَعُد الأمر ذا قيمة لي..

«في الحقيقة.. أنا لا أريد تكوينَ أيّ علاقات ويُثقِلُني أن تُفرَض عليّ هذه..»

«فهمت..»

أيظُنني أُهدرُ فرصَة ذهبية لإنهاء مشكلَتي

الاجتماعية..؟

«أقصدُ أنني اعتدتُ على دائرَتي المَحدودة ولا أشعرُ برغبَةٍ

في توسيعها، ولا أكترث بالعودَة للمجتمع..»

«ظننتهنّ زميلاتِ مدرسَة أو شيئًا من هذا القبيل..»

زميلات..؟ أنا آخر من يملك شيئًا كهذا..

«أنا لم أذهَب للمَدرسة أساسًا..»

وضع كوبَه جانبًا والتفت إليّ، فاستبَقتُ سؤالَه..

«أنهيتُ جميعَ المراحل الدّراسية بتدريسٍ منزليّ..»

«هل أجبرَكِ والدِك..؟»

يبدو متأكدًا من ذلك..

«ليسَ تمامًا، فلأكونَ منصِفَة لم يزعجني قراره، كنتُ واعيَة بما يكفي لأدركَ أن مكمَن مصلحتي في قلة الظّهور..»

ليسَ الأمر وكأن الرجال سيختطفونني بمجرّد أن أخطوَ خارج المنزل، لكنني أدرَكتُ أنه كفاني الكثيرَ من المواقف..

خصوصًا في المرحلة المتوسّطة والتي رفضَ فيها طلَبي بالذّهاب للمدرسَة..

قالَ أنها مرحلة عمرية خطيرة ويخاف ألّا أستطيع التعامل إن تعرٍضت لأي مضايقة أو اعتداء..

رغم كلّ ما بيننا، لا أنكرَ أن لدَيه وجهَة نظَر في الأمر..

«ولم تُغيّري رأيكِ أبدًا منذُ حينها..؟»

في كثير من الأحيان ودَدتُ لو أجرّب الشعور.. الدروس والفُسحة..

الرّكض في الباحة بل وحتى التنافس على الاصطفاف للوَجبات..

أردتُ أن أدعوَ صديقاتي كما كانت تفعَل أختي..

تلك اللعينة..

«العديدُ من المرّات، لكنّه ليسَ بالأمرِ الجَلل..»

هزّ رأسَه بينما يحدّق في النار..

الكوب بين يدَيه فارغ..

«إذًا لهذا لم تكوني في الجامعة..؟»

بالطبع سينتبهون لغيابي، فأغلبُ العائلات والمعروفة منها خصّيصًا، تكون في جامعة رئيسية واحدة..

يُمكنني تَخيّل كم الهراء الذي ملأ فراغي بينهم.. عدم تواجد إبنة كورفال الكبرى كان يخنق فضولهم الحِشَريّ تجاهي..

مثلُ الجامعات والكليات هيَ بمثابَة شبكَة خفيّة للعَلاقات الدبلوماسية والزّواجات المُستقبلية..

الجميع يعرف الجميع، لا تطيرُ غُبارَة إلا ويُعرَف من صاحبها ولأي عائلة ينتمي..

«ذهبتُ إلى كليّة خارج العاصمة، ووافَقت والدي بارتداء كِمامَة لأقلّل بروزي..»

ما عدتُ قادرة على رَفع أجفاني، لقد انتهيتُ لليَوم.. لا يمكنني مقاومة النعاس أكثر..

حملتُ جسدي المُترنّح كجسد المَخمور ووقفتُ للمُغادرة..

«أراكَ غدًا..»

لم أملِك طاقة لترتيب كلام أو انتظار ردٍ منه حتى، استدرتُ مستأنَفَة طريقي وتركتُه يُشاهد النّار بهدوء..

«إلى اللقاء..»

بمجرّد أن وصلتُ السّرير ارتمَيتُ كجثة هامدة، فكأنّ تعبَ اليومِ أعلَنَ انتصاره على جسدي، غبتُ عن الوعي دون غطاء حتى..

يُلْحَـــــقْ..

حياكم الله من جديد🍁

برأيكم..

هل الخوف على عزيز يُبرّر التّدخل في حياته الشخصية لأجل مصلحته..؟

📍اجتماعنا..

وإلى لقاء آخر إن شاء الله..

⭐

أي شيء سيئ يذكر بالرواية من قتل شتيمة حتى على مستوى إزعاج شخص بكلام او مضايقته وما إلى ذلك من أمور هي كثيرة، وُضعت خدمة لأحداث الرواية فقط ولا أشجع عليها أبدا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كهرمان

المؤلف nabiola_as05
2025/06/27 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة