الفاتِنَةُ وَالصّائِغْ

الفاتِنَةُ وَالصّائِغْ

25 0

لم يَكُن المَسار الحجريّ تحتَهما أقسى من خُطواتِها التي تتلاحَق كأنها تُوطّدُ البُعدَ عنه مع كلّ وطأة..

فهذا ظهرُها الهَزيل يُغطّي مَرآهُ وتلكَ عَيناهُ الخابيَتان تجترّان صورَةَ وَجهها البالي من لَمحتِه السّابقة..

كأنّها كانَت تبكي..؟! ولماذا..؟

كيف يسألُها الآن..؟

مرّت بهما نسمَة عليلة..

همسَت للقيقَب المُنتشِر في جنَباتِ الحديقة فتمايلَت أوراقه المُحمرّة كأنها تربّت على حرارة العتاب بينَهما..

توقّفَت بهِ مُقابلَ البوّابّة الرّئيسية، ظنّها ستلتفِت إليه فنكَسَ تَقاسيمُه المُحبطَة للأرض لا شُعورِيًا..

ستَصرخُ به مرة أخرى..!

إلّا أنّها جمعَت ذراعَيها أمامَ صدرِها قبلَ أن تَغرِزَ نبرَة كلماتها الحادّة في صَدرِه الجَريح..

«ما الذي أتى بك..؟ ألَم تنتَهي حُجَجُكَ الواهيَة في المَشفى..؟»

رفعَ رأسَه مُقطّبَ الحاجبين، كأنه لم يفكّهُما يومًا، عيناه اللتان سقطتا على ظهرها القاسي تذوبان بضيقٍ مذهول..

حجّة..؟ وواهية..؟ أما زالَت تحمِلُ هذه الضّغينَة تجاهه..؟! لقَد أخطَأ واعتذر.. ماذا يفعلُ أكثر..؟

تفتّتت الكلمات وتجمّدت على لسانِه فتيبّسَ.. بدأ يفقِد ثقتَه بالأُخت التي ظنّ تفهّمها متاحًا دائمًا..

أنزلَ قبضتَه المُتردّدَة على كتفِها المُتصلّب فرُفسَت بعنفٍ قَبلَ أن تَتِمّ..

«وحذّرتُكَ من لَمسي سابقًا..!»

تزَحزَح قليلًا للخَلف، يُحملِقُ في ذراعِه قبلَ أن يُحوّل نظراتِه الغارقة بالصّدمَة نحوَها..

ليَنبسَ بصَوت هادِئ أقرَب إلى التّمتَمة، كأنه يتوسّل

سماحَها..

« أردتُ الاطمئنانَ عليكِ فقط، أنتِ لا تبدين بخير أبدًا.. انظري لحالك، لوجهكِ الشّاحب وهالاتِ عينَيكِ..

انظري للفُستان سيلينا، أصبَح ضِعفَ حجمكِ..! دعيني أسندكِ، أنا أخوكِ..!

أنتِ تعرفينَ موقفي من كلّ ما حدَث، ورغم ذلك تصرّين على تحميلي المسؤولية..!! لماذا..؟ »

لم تلتفت، لم تَنزِل نظرتُها اللامعَة كسكّين عن كبريائها، مع أن أصابعها تحتكّ داخلَ قبضَتَيها..

تنبّهَت لتنهيدَتَهُ القويّة.. إن زادَت معيار استفزازِه قد يرحَل وهيَ لم تستفِد منه بعد..

لذا شحذَت نصلَ نظراتِها ثمّ منحَته وجهها، التقَت عيناهُ رمقَتها الحادّة قبلَ أن تتخذَ خُطوَة كسَرت بها ورقَة مُتيبّسَة فجعَلتها حطامًا..

«إذا كنتَ تُريد أن أُسامحك فيجبُ أن تُساعدَني..»

تجاهلَت الارتباك في ملمحِه واسترسلَت..

« أُريدكَ أن تكون عَينيَ في المنزل، ما سأقوله الآن سيثير غضبكَ حد الجّنون..

لكنك ستصمتُ وتنفّد ما أُريد.. ربما عندها سأعود سيلينا التي تعرفها، وتعودَ أخي الأصغر آرون.. »

ربما..؟ أسيصبح جاسوسًا طمعًا باحتمالية قد لا تحدُث..؟لوى شفتَيه بينما يطالع نظرَتها التي تخنق أفكارَه..

طال تمحيصه كلامها قبل أن يُجيبَها بحزم اتّضح في نظرَة الواثقة..

«إن كان هذا سيُريح ضميري تجاهكِ، فسأفعل.. أخبريني..»

لم تتعنى إعطائه أيّ إنذارٍ مُسبَق للقُنبلة التي ستَرميها..

«عمّتي لديها عشيق سريّ، عرفتُ هذا قبل ثلاثِ سنوات..»

رغم سيطرتها الكليّة على الموقف..

هي لم تُنكر القلق الذي انتابها عندما شَحُبَ وجهه وجحظَت عيناه، كأنما ضربَته صاعقة..

لكنّها أخذَت بالحسبان ثورَته الشّابة مُسبقًا، ولهذا حسبَت جُرعَته من الأسرار بدقّة، لتسدّ حاجتها بالضّبط..

« اهدأ.. سمعتُها تُحادثه على الهاتف فقط، لكن هذا لا ينفي أن كثرَة خروجها غير المبَرّر قد يكون للقائه..

ما أُريدُه منكَ هو مراقبَتها جيّدًا، اشتري كاميرا ما واحرص على تصويرها في أيّ موقف سيكون مُفيدًا لضربها في المستقبل.. »

ماذا سيفعَلُ إن أخبَرَته بأنها بعدَ مراقبة حثيثة رأَت العشيق ينزل من غرفتها مرّة..؟

وأُخرى أخذَها بسيارته في منتصف الليل، قد يموت بسَكتَة قلبية..

بكلّ الأحوال كانت تدرك بأنه سيكتشف الأمر بنفسه لاحقًا.. ما زال صامتًا وملامحُه امتثلَت لهدوء مُتعَب..

زفرَ نفسًا قويًا يفرُك بين عَينَيه، قبل أن يجرّ الخطوات للمُغادرة..

«حسنًا فهمت، لكنني لا أضمن لكِ هدوئي إن رأيتُ شيئًا غبيًا..»

«ستفعل.. ستفعَل كي لا تُفسَد الأمر وتُصبح أنت الضحيّة بدلًا منها..»

عن المَسافَة التي قطعَها استدار..

تأمّل إصرارَها المُخيف لوهلة، عُقدَةَ حاجبَيها وذلك البريق اللاسع في عينَيها بينما تحتفظُ بذراعَيها فوق صدرها..

ثمّ رمى آخر كلامه برضًا تام، ماكان إلّا استسلامًا مُتنكّرًا..

«يبدو أنه لا خِيار لي سوى أن أفعَل..»

راقَبَت ابتعادَه حتى اختفى عن نظرها فارتفعَ بصرها للسّماء المحمرة كأن الغروب أخجلَها..

أغمضَت عينيها تسحبُ بعض الهواء الوفير حولها، تراودها أمنية مُلحّة.. ليتَ الوقت يقف عند هذا المشهد للأبَد..

ليتها تستطيع الارتماء أرضًا، دون همّ أو قلق والتحديق في السّماء كما تشاء..

كم استثقلَت جرّ نفسها لاختيار فستانٍ من أجل الزفاف وكم يبدو مساء الغد طويلًا رغم أنها تخيّلَته فقَط..

~~

~~

الثّامنةُ مساءً..

إنها تقف أمام المِرآة نفسِها، تلكَ التي شَهدَت حُطامَها البارحة وها هي تزفّها عروسًا مُؤقّتة اليوم..

شعرها مصفف بعنايَة ومحيّاها مُتفتّح بشكل يتناقض مع شُح صحّتها، وكأنه يسخَر من هذا الوضع برمّتِه.. ربما لأنها نامَت بعُمق بعدَ كل ما عانَته البارحة..؟

الفستان أيضًا يبدو مثاليًا..

بهيجًا جدًا بالنسبة لروحِها..

بحريرِه ثَقيلِ القَوامِ ولَونِه العاجيّ، يلتفّ بحمّالات شفافة حولَ كتفَيها، ينحت قوامَها بدقّة حتى الرّكبتَين ثمّ ينسدلُ بطيّاتٍ حادّة الوضوح..

ينثني الضّوءُ داخلَها كبريق لؤلؤي ناعم وتتموّج بثباتٍ فَخمٍ معَ حركتِها الرّقيقة..

هذا الهدوء الذي تفشّى في الغرفة بعدَ خروج جودي وليزا منذ فترة، ينقل نبضَ قلبها لأذنَيها كطَرق عنيف..

ماذا تفعَل بكلّ ما يصول في عقلها وما يكمِش معدتَها الفارغة..؟

أهذا هو خوف الإدراك المتأخّر..؟ أم بعضُ ترقّبٍ لحدَث كبير لا تعرف كيف وافقَت على مُضيّه..؟

لا تدري لكنّها مُحاصَرَة بما قرّرَت..

والآن في عُقر الأحداثِ لا مجالَ للتّراجع.. كل شيء عداها جاهز على أكملِ وجه..

سَحبَت نفَسًا عَميقًا انتهى باتجاهِ الباب حين استدارَت للخُروج كي ترافِقَ زَوجَها نحو القاعة..

والذي ما زالَ واقفًا مُنتصفَ السّلالم المُلتويَة، يُراقِب ناصيَتها حيثُ ستبزُغ وينزلا..

هذّب ياقة قميصٍ الأبيَض أسفلَ البدلَة السّوداء ثمّ أَرخَى رَبطَة العُنق التي يكرَهها لآخرِ مرّة..

دحرجَ مقلتَيه الباردتَين نحو ساعَة يده المرصّعَة بالألماس

ثمّ ردّهُما لمكانِها المُتوقّع..

ليسَ وكأنهُ حدّد لها وَقتًا لكن هذا كثير بالنّسبَة لِلَمسات أخيرة، فقد مرّت عليه رُبعُ ساعَةٍ وأكثرَ بقليل..

همّ على إثرها بخطوَة ليتفقّدَها، وإذ بطقطَقَة حذائِها تتناهى إلى مَسمَعِه، وما هيَ إلا ثوانٍ قبلَ أن تتجلّى هيئتُها المُترَفَة لتَحجِزَ نظرَه..

فتنظرُ إليه بهدوءٍ خاوٍ، كأنها الشّجرَة الأخيرَة في حقل محروق..

حاجباها مستقيمان فوقَ عينَيها وأجفانُها الكليلَة تُؤوي مآقيها المُحمرّة..

طرفُه الفاتِر ظّلّل تحديقًا مُطوّلًا..

شعرُها الحالِك كالفحم.. أقراطُها وعقدُها الألماسيّان.. فستانُها المُتمسّك بمنحنياتها دون تضييقٍ مُبالَغ..

وقطعَةُ الدانتيل المرتميَة برقّة حولَ كتفَيها وصَدرِها وُصولًا لمَفاصِل ذراعَيها..

تخبّطَت عيناه بلا هوادِة حتى إذا استقرّت، ارتمَت أمامَ حِمى عينَيها..

هل يُهيّئُ له هوسُه أم أنهما حقًا تتوهّجان تحت أنوار الثريّا..؟ مما خُلقَتا..؟ عمّت عليه حيرَة غريبة..

بدأ يفكّر جديًا بنوع ذلك النّسيج فيهما، هو فقَط وجدَ نفسَه مُنجَرًا لتأمّل بليد، لابدّ أنه فقَدَ عقلَه، مضطربٌ كما يقولون..

حينَ طال صمتُه المربكُ لها تقدّمت فكسَرَت هالَة الجمود التي جمّدَت لحَظاتِه..

تجعلُه يصعد إليها حتى تقاسمَت أقداهما درجة واحدة ومدّ لها ذراعَه فالتحمَت كفّتاهما..

تشابكَت أذرُعهُما وانطلقا للقاعة، نظراتُه ظلّت بعيدة.. هي لم تقل شيئًا..

وهو لم يفعَل شيئًا، كان لصَمتٍ مَهيب خُطوَةٌ مع كلّ واحدَة منهما..

ومع اقترابهما أخذَت الغمغمات العشوائية تتسرّب من الباب..

بدأَ الهواء حولها يثقُل، كما لو أن التوتر يُكاثفُه على رئتَيها حتى تختنق..

ما زالت تُراوِدُ نفسها عن صحّة هذه الخطوة، رغم أنها على أعتابها بالفعل..

كيف تخاف الموت وروحها تطالع جسدَها في القَبر..؟ هل هذا كان الخيار الوحيدَ حقًا..؟ أم أنها لم تفكّر جيّدًا..؟

هل أعماها الغضَب..؟ أيًا يكن فقد بات خِيار الهروب غير صالحٍ بعد الآن.. عيناها تحدِجان الباب كأنه بوابة مصيرها..

الأنفاس التي تتخبط بأضلاعها تصاخبَت حتى جذبَت نظرَه..

ليستغفلَ وعيَها السّارح ويرمي جملتَه قبل أن تمتدّ ذراعَه للباب..

«لا داعي لتوتّركِ هذا.. فحياتك بعد اليوم، لن تسوء أكثَر مما هي عليه..»

ثُمّ عمّ صمتٌ خِلاف ما زرَعَت كلماتهُ فيها، حينَ انعقدَت الألسُن بدُخولهما..

وأخذَت النّظرات تتساقطُ علَيها، تتدحرج أسفل قدمَيها كالأشواكِ وتنتشُ أطراف فستانها وحواشيه كأنما

تستبصِرُ جسدَها..

سمحَت شِدّة الهُدوء بوصول همسات لابُد منها، بعضها لم يفهماه وبعضها ظلّ يتكرّر..

"يا للهول! كيف لها أن تبدو بهذا الحسن.. فاتنة..!"

"انظر إليه! ذلك الصّائغ!"

"أنى له التصرّف ببرود أمام مثلها؟!"

"حجَر مثله لا يستحقّها، ليتني مكانه فقط!"

زفّتهما حتى المقعدَين خلف طاولة مزيّنَة، وقعَت نهاية سجّادة حمراء..

مُحاطَة بسكّان الطّاولات من حولها ليبدأ الحفل بالأحاديث الفارغة والنّظرات العشوائية، غيبَة هنا واستغباء هناك..

سقطَت نظرتُها السّاهية على ضفّة عائلتها، إذْ تصدّرَ والدها طاولَةً دائريةً كبيرة وعن يمينه زوجته..

جوارَها أبنائُها، حيثُ جلسَ آرون شاردًا بين أخته العابسة تماماً كوالدتها وعمّتِها المُقابلَة لوالدها بابتسامة تتسوّل الانتباه..

تَفرّ منها زفرَة ثقيلة لاستيعابٍ ساخِر تخلّلته خيبَتها، آل كورفال الذين يتوق ثُلُثَيّ الحاضرين هنا للارتباط بهم بأي شكل..

كانوا عائلتها السّفيهة.. كالهيكل العظيم من حديد طُليَ بلون الذّهب..

حقيقةً.. إن جلوسهم بذلك التّكتّل، بما فيهم عمَّيها وأبنائهم على طاولات مجاورة..

ألبسَهم ثوب ورم سرطانيّ أكثر من كونهم شامة تُجمّل الوجه..

هذه المرّة خرجَت منها زفرَة حارّة، تُعيد إسناد ظهرها الذي انحنى دون وعي..

بمسحة سريعة جالَت القاعةَ بين جودي المبتسمة جوار خطيبها و.. خيال آلبرت الذي رأته على الطاولة المُجاورَة..

كان يبتسم، يلوّح لها وتوبّخها نظراته على انفلات ملامحِها المُمتعِضَة من السّيطرة..

فتبتسم مُتكلّفَة، تُداري رغبَة البكاء التي دغدغَت أنفها قبل شهقة خافتة تبعَتها زفرَة حارّة..

لم يسمَعها سوى زوجها الذي سألَ بخفوت، بعدما استشّف مزاجها..

«لمَ عيناكِ مُحمرّتان..؟ هل هو الجُّرح..؟»

أيّ جُرح يا رجل..؟ ليتَهُ كذلك..

تجنّبتُ النّظر إليه، فالأمر أسوأ، أثقل وأكبر من أن أتحمّله كان جُرحًا غائرًا في قعر الرّوح يا آدم..

«لا شيء..»

تبًا، لمَ بتّ أبكي بسرعة..

احتجتُ لزفرة قوية وأسنَدتُ ظهري، أُهرّب مآقيّ الدّامعتان للأرض، لكنّه طلبَ فجأة..

«لنرقص..»

استدرتُ إليه، حدّقت في ذراعه الممتدّة ثمّ بوجهه.. الجامد..؟!

هل حقًا طلبَ الرّقص بتلك الملامح الفارغة..؟ رغم اتّفاقنا ضمنيًا على ألّا نفعَل..

سؤال غريب بشكّ ليس وقته الآن تسلّل إليّ، رغم يدي التي استقرّت بيدِه، فرفعَني ونزَلنا أمام الحاضرين..

سيطر عليّ الارتباك ونوع من الخجَل، تاريخي العصيب ما كان ليسمح بأن أتحمّل جلب الأنظار..

فماذا إن كنت الشخص الرّئيسيّ في المناسبة..؟ لهيَ كارثة! فضلًا عن أن آدم هو أول رجل يقترب مني بهذا القدر.. طَوْعًا

لا أشكّ بأن يده اصطدَمت بتصلّبي الشديد عندما حطّت على خصري، بينما تشابكت الأُخرى مع يدي..

وكم امتننتُ للقفارات لحظتَها.. شعرتُ كأنني دخلتُ عالمًا آخر، خاصًا بنا نحن فقط..

فُقاعة صنعَها آدم، حين حجَب الحضور عني وقيّد عينايَ بخاصّتيه قبل أن ينطق..

«يمكنكِ التحدّث الآن، ما الذي حدث..؟»

خفضت طرفي..

أي سيطرَة أدّعيها..! تصرفاته تزدادُ غرابة وبصعوبَة أُخفي توجّسي منه عنه..

لا أفهم التّناقض بين بروده وحرصه، أما بهذه المسافة شبه المعدومة بيننا يَصعُبُ عليّ تهريب بصري..

«آلبرت أراد بشدة رؤيةَ زفافي يومًا ما و.. هذا لم يحدث..»

لم يعقّب بشيء، وبصري الذي ارتفع عن صدره لم يلتقي بخاصّته..

فقد ظلّ يُطالع الفراغ خلفي وقد امتثلَ بروده لعبوس طفيف.. ذكّرني بجوهر هذه المناسبة..

بأن كِلانا ممزّق مما حدَث، وإن اختلفنا في عدد الجروح وعُمقها، وربما هو أكثر..

تزفرُ نفسًا تبِعَ بصرها للأرض، تُجاريه فيما بقي من رّقصة خرساء، أنهاها تصفيق حار..

أيقظها من سراديب عقلها المُوحِشَة ليرميَها على واقع أوحَش..

حين وقع بصرها على والدَتها، بجمالها المقاوم للعُمر وشموخها المعتاد، تجلسُ مكان أخيها..

مما يُرى، فهي تستمتع بأسراب النّظرات حولها، حتى تلكَ المُحتقِرة والسّاخرة..

كانت دليلها الدّامغ على قوّة حضورها وغَيرَة النّساء منها..

هيَ برينسيا العظيمة، الفاتنة التي لن يرفضَها رجل عاقل..

الجبّارَة فلا يكسِرُها حتى موتُ غاليها آلبرت.. ها هيَ في زفاف ابنتها بقدَم فوق الأُخرى..

تُطالعها بابتسامة حانية، لا تدري متى آخر مرة رأتها، تجعلها تفكّر بجدية عبثَت بجراحها القديمة..

هل أتت بعدما فقدَت ابنها الوحيد..؟ هل تريدها بديلة الآن..؟ بينما لم تكن الأساسية يومًا..؟

يضغطها الخاطر الأخير لتشدّ قبضتها بلا وعي، غافلَة عن كفّه التي لم تتركها بعد، تجعله يستشعر برودَة أناملها على جلد راحته الدافئ..

يَنزلُ بصرُه للمَشهَد ثمّ يرتفع مجددًا لوجهها، يراها تستدير فيتبعُها..

عيناه تتردان بين الفنيات يمينه؛ حيثُ تسير نحو مكانها بشحوب خطير..

«تماسكي قليلاً حتى نعودَ للبَيت، تبدين على وشكِ السّقوط..»

زفرَت بحرارة وأَسندت ظهرها على المقعد ، كأنما تشحذ صلابتها ولو على حساب الجّرح..

تتصرّف كشجرة مهيبة، ثابتة الجذور رغم العواصف العنيفة حولها..

كما اعتادَت دائمًا دون وعي، فالضّعف والتّعب شيئان لا يجبُ أن يَظهرا على وجهها أمام الآخرين..

لا يجب أن تكسر اعتزازًا هو أهم ما تملكه، كما لقّنتها جدّتها الراحلة..

وكما تعلّمَت ممن حولها، بالنّظر.. بالسّمع والذّهابِ للحَفلات مع والدتها في مرحلة ضبابية من ذاكرة الطّفولة..

" سيلينا! أمام المجتمع أنتِ

فاتنة زجاجية لا تُكسَر "

لا أنسى النّبرة، النّظرة، وحتى الموقف والمكان، بل وملابس

والدتي في ذلك اليوم الذي وصمَتني بها فيه..

في مرحلة مفصَليّة، مُحال لطفلة مثلي أن تنساها..

لم أدرك حينها أنها عُجِنَت مع كياني..

كنتُ في السادسة ولم أفهم، لكن لأن أمي قالت فهو صحيح وسأفعله..

ظننتُ بأن طاعَة أوامرها ستجعلها تحبّني، تدفعها لعناقي مرّة حقيقية، وليس مجرّد مجاملة أمام صديقاتها..

والآن في كل مرّة أتأمّل حالنا تُعميني بشاعة الفشل الذّريع لظنّي السّاذج..

~~

~~

ما زلتُ أقاوِم الصّداع الذي يفتك بي حتى لحظة مُضيي جواره للباب كآخِر المغادرين..

زفرتُ نفس راحة لم أهنَأ به عندما ظهر من العدم، فقد كُنت لأصدّق أن إحدى النجوم ستقع عليّ الآن، أكثر من أنه موجود بالفعل أمامنا..!

جعلني أتراجع دون وعي، نبضي يتسارع وعيناي لا تريان سوى خيالِ الحادثةِ والمَشفى..

لا أريد الحديث معه، أنا خائفة.. بقدر ما أدركت أن هذا غير منطقي..

لكن عقلي أبى الاستيعاب، وجسدي الذي خاض الجّراحة رفضَ النّسيان.. أمكنَني الشعور بلسعات الجرح..

تراجعتُ أكثر فاصطدمتُ بآدم، وفقَط عندها شعرت بأنفاسي تترتّب مجددًا..

رأيتُ بوضوح كيف امتعضَت ملامح والدي واشتدّت قبضته لكن خوفي لم يعد..

شعرتُ بقلبي يهدأَ.. أحاطتني ذرّات العِطر بدرعٍ خفيّ من أمانٍ راحِل..

الدّفء الذي انتقل لظهري هو لمسة شخص آخر، ليس والدي ولا الجّراح، شخص لن يؤذيَني، على الأقل لم يفعل حتى هذه اللحظة..

شخصٌ سيَحميني إن ساءَت الأوضاع.. غالبًا..

نعم..! لم أنتبه قبلًا لكن بطريقة ما.. أنا لم أعد وحدي..

قوة لا بأس بها استمدتُها من الوضع، كفَتني لأقفَ بثبات عزّزته جملتهُ الخافتة قرب أذني..

«فقط اسمعيه للَحظة وسنذهب..»

نتبادل ذاتَ النظرات التي امتلكناها منذ عشرين عامًا فحميّتاه لمحتا آدم بنظرة عميقة لم أفهمها، ثمّ عاد إليّ..

«اتبعيني قليلاً..»

لم أتكبّد عناء إخفاء ذهولي الذي سيجرحه بلا شك، ولن أفعل..

أردتُ البقاء في دائرة الأمان التي اختار عقلي أن تكون كذلك..

«تحدّث هنا فآدم يعرف كلّ شيء..»

أصررتُ بعزم.. جعَلتُ تمييز حُلكَة شزره عن سواد عينيه بتلك النظرة العابسة مستحيلًا..

إنه يكرهه بوضوح، ولا فكرة لديّ عن السّبب.. أيّا يكن فقد

استعدَدَتُ جيّدًا..

وحصّنتُ قلبي توقّعًا لأي شيء، هيا أفسد مزاجي لهذه

الليلة..

«لا تكترثِ بوجود والدتك.. جرّبي أن تعيشي حياة جديدة.. لكن ابقي حذرة من الجميع..»

يحدجُ آدم بنظرات حادّة، متأكّد أن الجّميع لا يعنون آدم وحده..؟ لا.. مستحيل أنت لست والدي.. أين الحقيقي..!

نظرتُ حولي أبحثُ عنه، بينما ارتخَت ذراعايَ عن صدري لا شعوريًا..

أيُعقَل أنه..

«هل أنت نادم..؟»

رمى لساني دون إذن عقلي، ما جعله يحدجني بقوّة تُوضِح شحذَه لقسوة لن يتحمّل قلبي ما سيترتب عليها..

لذا رفعت كفّتي في وجهه..

«لا تُكمِل رجاءً، وداعًا..»

الوداع لأنني لا أريد لقاءً آخر، فقد اكتفَيتُ منكَ يا والدي

ابتعدتُ دون تردد، ودون نظرة واحدة للخلف..

فلم أُلبّي رغبة فضولي عن نوع ملامحه، أظنّ أن آدم رآه، قد أسألُه لاحقًا..

لا أدري لمَ فعلتُ ذلك أساسًا، ولا أفهم ما أصابَني، فبقدر ما أريد التشفّي بندمه..

إلّا أن جزءًا مني خاف أن أنسى كرهه بعدها، ليس وكأن قلبي العطِش لعَطفه لا يجتهد في محاولاته لذلك منذ سنوات..

أنا فقط سلّمتُ عُنقي لسكّين الكرامة..

~~

~~

فورَ أن خرَجتُ من غرفتي دخلَ هو ليُبدّل ملابسه، فيما اتّجهتُ أنا نحوَ الشّرفَة..

اشتبكَت يدي اليسرى مع ربطَة شعري، تُصارع وحدَها لفكّ الجزء المَربوط منه..

أرى وجهي وعنقي مُنعكسَين كالخيال الباهت عن زجاج بابها اللامع، بينما حَبُّ المطَر يسيل برِفقٍ فوقَه..

أحاول رفع ذراعي اليُمنى بمراعاة شديدة ومع هذا فهي تشدّ الجرح معها فأتألّم..

توقّعت الأمر، كنتُ أعرف أن هذا سيَحدُث ولذلك طلبتُ تركَ شعري مفرودًا..

لكنّ جودي وليزا أصررن على ربط جزء منه، وها أنا أدفع الثّمن..

«تبًا..!»

فرّت مني بخفوت، لكنّها وصلته فور أن خرج، فتقدّم نحوي..

«أتحتاجين مساعدة..؟»

لمَحْته بلفتة سريعة، كافية لفضحِ تردّدي، لكنني حسمتُ أمري..

قرّرتُ المشي للخلف حتى قُرب مُناسب..

«أيمكنكَ فكّ شعري..؟ ألم الجرح يعيقني عن ذلك..»

كتفاي متصلّبان وقدمايَ تستمرّان بزحف بطيء بعيدًا عنه.. لا أستطيع السّيطرَة على جسدي..

أمسكَ شعري وأخذ يسحبُه من الرّبطَة بلطف، حتى شعرتُ به على جانبيّ مجددًا، فالتفتّ بسرعة، أفردُه بيدَيّ..

«شكرًا لك..»

«لا بأس..»

لم يتزحزح، رفعتُ رأسي لأجدَه يُطالع كفّتيه بتركيز شديد يقبضها ويبسطها تِباعًا..

قبل أن يُعطيَني الرّبطَة ويتخطّاني فيفتحَ الشّرفَة..

«سأجلس هنا قليلًا..»

هذا الرّجل لا ينفكّ يُثير استغرابي..

بكلّ الأحوال أنا لديّ الكثير من الأسئلة..

والآن وقت جيّد لاستغلاله، المكان هادِئ ولن يقاطعنا

أحد..

لذا تقدّمتُ حتى الأريكة الثانية، خلف سياج الشّرفَة على مسافة..

«أيمكنني الجّلوس..؟»

رميتُ طلبي بتردّد لتوّقعي رغبتَه بالانفراد..

لكنّه أومأَ إيجابًا، فجلستُ أضمّ رُكبتايَ لصَدري، حاوَلتُ

كبحَ لهفتي المُتعجّلة، لكنّ لساني سبَق..

«هل تُمانع إخباري ما حصلَ ليلةَ موت آلبرت..؟»

بعد اليوم ستتغيّر الكثير من الأشياء..

وربما لن أجد فرصة أفضل لمعرفة الحقيقة.. لم أعرف لماذا خفتُ أن تلتقي أبصارنا..

فلم أجرُؤ على النّظر يساري، ولا أدري إن التفتَ أم لا.. لكنني سمعتُ نفسَه الثّقيل، وعندها فقط خاطَرتُ بنصف التفاتة..

لأجده قد فكّ قدمَه عن أختها وانزلَق جذعه حتى استطاع مطالعة السماء دون رفع رأسِه..

«هل يهمكِ كثيراً أن تعرفي..؟ بكلّ الأحوال سأُريحك..»

هل هذا سؤال..؟ كيف لن يهمّني..؟ ثمّ..

هل يُهيّأ إليّ أم أن نبرَته ارتفعَت لأول مرّة نهاية الجملة..؟ لابدّ أنه منزعج من الحديث.. توجّس قلبي قليلا..

لكنني ازدردتُ ريقي بسيطرة جيّدة، أضفتُ عَلّي أحثّه على الاسترسال..

«أعرفُ أن تذكّر الأمر مزعج لك، لكنني أحتاج أن أعرف.. ضع نفسك مكاني..»

أخذَت أصابعه تتقافَز على ذراع الأريكة، عندما ردّ مُستعيدًا نبرَته الطبيعية..

« لا يُمكنني أن أكون مكانك يومًا، لكنني أفهم أهميّة الحقيقة لكِ.. في ذلكَ اليوم جاء إلينا شاب صغير..

أرانا بطاقَة عمله ووزّع ثلاثة أسلحة، يزعُم وجودَ نشاط صيد في منطقة أُخرى من الغابة لذا تبعناه..

لكن ومع الأسف أنه أخطأَ بإمساك السّلاح وانتهى الأمر بإصابة آلبرت.. »

وكأنه رماني بماء ساخن، صمتٌ مُر أطبقَ على المكان فابتلَعتُ الغصّة مع دموعي..

التخيّل فقَط ينهشني فماذا عن من عاشَه..؟ كم تألّم آلبرت

يا تُرى..؟ سحبتُ نفسًا ليفكّ العُقدَة عن صدري..

صوتي خرج عن رغبتي مهتزًا..

«وما الذي حصلَ للشّاب..؟ حتى إن لم يقصِد لكنّه بالتأكيد سُجِنَ، صحيح..؟»

لم أُدرِك أن نظرتي المترقّبة باتت عُبوسًا منفعِلًا في وجهه الجامد، إلّا عندما علّق..

« اهدَئي من أجل جُرحِك.. نعم، لقد سُجن وازداد وضعُه سوءًا عندما اتّضَح أنه كاذب..

كان قد اتّفق مع والده الذي يعمل حارسًا هناك لهذه التّمثيلية.. »

هل مات آلبرت بسبب خطأ غبيّ كهذا..؟ هل خسرتُ أخي من أجل عمليّة نصب تافهة..؟

لم أُدرِك كفّتايَ المَعصورتان إلّا حينَ شعرتُ بوخزٍ لاسِع على راحتَيّ..

بصعوبة تمالكتُ نفسي أفرّغ غضبي المَكبوت بعضّ

شفَتي..

احتضنتُ قدماي مجددًا ودفنت وجهي فوق ركبتاي، ثوان عصيبة قبل أن يخترق شِدّتي شيء ناعم..

مسّ قبضتي المُحكمَة فرفعتُ رأسي، لأجدَه منديًلا، ثبّتَته أصابعه على سطح كفّتي..

«امسحي دمائكِ واهدَئي، الغضبُ والكُره لن يُفيد بشيء لكنّه سيضرّ بانحدار صحّتكِ أكثر..»

رفعتُ رأسي إليهِ، وعلِقَ بصري عليه.. حاحباه مقطّبان إلّا أن نظراته ثابتة، صلبة.. كالحُدود الشّائكة..

تناولتُ المِنديلَ ونسيت عيناي فنبس..

«لنُنهي هذا الحديث هنا..»

وما الذي يُقال بعدَ كلّ هذا، وهو لا يريد الحديث أكثر..

لذا رميتُ ببصري للسماء ولم أعلق..

كان سكوتي مفهومًا له كموافقة على طلبه، وعندها فقط وقف هو واستدار نحو الغُرفةَ..

«أراكِ غدًا..»

وكأن صدري يضيق على قلبي حدّ تفجيره..

~~

~~

من شرفتهم المطلّة على الباب الرئيسي حيث وقفَت مساء يومها الرابع هنا..

أشارت السّاعَة للسّابعَة مساءً، عندما لفتتها سيارة غريبة اتّضحّ أنها لابنة عمّته فورَ أن نزلَت منها..

لا يبدو وجهها واضحًا، لكن صفعها الباب ومِشيتَها الثّقيلة تشرحُ كم هيَ مُجبرَة..

ازداد عُبوسها بديهيًا وتنهّدَت تستدير للباب بانتظار استدعائها المَحتوم..

الغريبُ أنه كان من آخر شخص توقّعَته.. حيث فتح آدم الباب وطالعها، فتقدّمت باستنكار.. ألا يُوجَد عاملات..؟

«جاءت لورا لتعتذر منكِ..»

أومأَت إيجابًا وتخطّته مع استنكارها نحو ناصية السّلالم حيث لفتَها بقَوله..

«أتُمانعين مسايَرتي أمامها..؟»

عبسَت باستغراب وضمّت ذراعَيها مُتراجعَة لتُواجهه..

«بأيّ شكل..؟»

تقدّم إلي وفرَدَ كفّه أمامي..

« أريد أن ندخل متشابكَين بالأَيدي، وليس الآن فقط بل في كلّ مرّة تكون موجودة..

أُريدكِ أن تُسايري تمثيلي لنُظهر علاقة طبيعية، إن لم تُمانعي.. »

لا أُنكر أنني تردّدت.. طالعتُ يده طويلًا.. رفعتُ ذراعي وقدّمتها، لكنها تيبّسَت منتصفَ المسافة بيننا..

ماذا إن كان يستغلّ الأمر لِلَمسي فقط..؟ لكنّه لا يبدو رجلًا سيّئًا، أو ربما أنا أرى الأمر كذلك..؟

لا، لا.. آلبرت لن يُصادِق شخصًا سيّئًا، سلّمتُه يدي فقبَض عليها بتصلّب طفيف، تمامًا كما حصلَ في الزّفاف..

سَحَبني برِفق ثمّ جاورَني، يُبطِئ خطواتِه ليُجاري تَثاقُلي من الجّرح..

«ألهذِه الدّرجة تُريد أن تُؤذِيَها..؟»

«أجل، لأنه على قدر الأذى يكونُ الابتعاد..»

رؤية شخص يعيش بهذا المنطق القاسي يختلف عن السّماع عنه، لكنني أجدُه مُحقًا، بل أرى أن هذا هو أسلوبه..

دخَلنا المجلِس فاجتمعَت العيون على يدَينا، ابتسمَ شارلِن وفشلَت لورا بإخفاء ألمِها..

فقد كادَت تمزّق فستانها الأسود، وكأنها تُعزّي نفسها بارتدائه هذا اليوم..!

إنها تراني الشّريرة التي تفتن الرّجال، وسرقَت حب طفولتها منها..

رغم ظروف زواجنا والكِذبة التي انتشرَت لصالحنا عن الأمر.. بأنه لمصالح بين العائلَتَين..

إلّا أنها لم تتحمّل الواقع بل في كلّ مرّة أجدها قد ازدادت غيظًا وقهرًا..

بالكاد جلسنا بعد التحيّة، عندما وقفَت فجأة مُتحدّثة..

«أيمكننا البقاء وحدنا يا خالي..؟»

حدّق فيها بنظرة ضيّقة يدرس طلبها بينما اشتدّت قبضتاها بوضوحٍ كأن احتمال الرّفض يرعبها..

لكنه في النهاية تنهّدَ مناديًا ابنه..

«حسنًا، اتبعني يا آدم..»

بمجرّد أن خرجوا اقتربَت مني، خطواتها شديدة وقد انقلبَ وجهها الوديع لنظرة شزرة متوعّدة، لم تُظهرها قبل الآن..

مرّة أخرى تحرّكّت كفّي لتُؤَمّنَ مكان الجّراحة بلا وعيٍ، بينما طوَت هيَ ذراعيها..

« هل ظننتِ حقًا أنني سأعتذر..؟ أتُصدّقين بأنه لو عاد بيَ الزّمن كنتُ لأُكرّر الأمر ذاته..؟ أنتِ لا تفهمين..

ولا أدري إن كانَ لديكِ قلبٌ حتى.. أنتِ سرقتي حب حياتي.. آدم ما كان لينظرَ لأيّ فتاة حتى في أيام مراهقَته..!

ومن المستحيل أن يفعل الآن، بل لم يفعل من قبل! حتى لي أنا التي كُنت طوال الوقت أمامه..

لم يعاملني يومًا كأكثر من مجرّد معرفة، رغم كل الحب الذي كنت أُظهِره..

لكنّه بين ليلة وضُحاها وافَقَ على الزّواج بكِ، فما معنى هذا..؟

_ ارتفعت شفتاها بسخرية _

حبّ من أول نظرة..؟ أم مصلحة ظهرَت بين ليلة وضُحاها..؟

_ تقدّمَت أكثر وقرّبت وجهها لوجهي بذات السّخرية _

بل إغواء بحت، ألا يقولون أن الفتاة تُشبه أُمها..؟ أنتِ أكبر إثباتٍ لذلك.. »

لم تهتزّ ليَ شعرة أو يرفّ ليَ جفن.. كلام اعتدته، حفظته بقدر ما سمعته وكفّتي لم تُطالب بصفعها هذه المرّة..

أفعال والدتي جميعها ارتمَت على عاتقي دون رحمة وجمالها الذي ورِثته زاد الطّين بِلّة..

مهما قلتُ فهي لن تُصدّقني، بل حتى إن فعلَت فلن تعترف ولا يمكنني قَول الحقيقة..

الحل الوحيد والأمل كانَ توجيه ضربَة عنيفة تلويها مع محور الحديث، لذا قُلتُ بسخرية مماثلة..

«هل تَقصدين أن والدَتكِ امرأة عاطفيّة لاحَقت رجلًا لا يُبادلُها المَشاعِر..؟»

رأيت الحُمرَة تتصاعد إلى وجهها، فبدا كبركان على وشك الانفجار، صكّت أسنانها بينما ارتجف كامل جسدها..

رفعَت يدها أمام بصري الثّابت عليها، هل ستردّ الصّفعة..؟

اتّضح أنها ستفعل..

لكنني منعتُها، مُتناسيَة جُرحي الذي شعَرتُ كأنه تمزّق مثلَ ملامحي من الألَم..

حافَظتُ على يدها في قبضتي المرتجِفة وأصرَرت على قَول ما لديّ بصوت جاهَدتُ لثباته..

«الزّواج وقد حدَث.. بغضّ النّظر عن أيّ شيء، فماذا ستستفيدين الآن..؟»

أنا حقًا أُريد أن أفهم نهاية هذا الحوار العقيم.. رأيتُ غروب ابتسامتها..

سحبَت يدها بعنف وخانتها نظرَتها بانكسار لوهلة قبل أن تشتدّ مجددًا..

«أُريد أن أُثبتَ له حجمَ الخسارَة حينَ فضّل واحدة فارغة، لا تملك سوى وجه جميل وجسد..»

ليس من الحِكمة الانفجار الآن، يجب أن أهدَأ وللأسف أنها لا تبدو من الأشخاص الذين يفهمون بالحُسنى..

لكن معَ هذا سأُعطيها فرصة أخيرة؛ فقط كي لا أندم على أيّ شيء قد أفعله في حقّها إن تمادَت..

« سأتغاضى عن صِغر عقلكِ الذي حكَمَ عليّ بما تفوّهتِ به من غباء الآن يا لورا..

صدّقيني، أنا لا أُريدكِ عدوّة ولا أسعى لشيء ضدّكِ، زواجي من آدم أمر أكبر مما تفكّرين فيه..

ولهذا أُحذّركِ من العبثِ معي ثانيَة أو نعتي بأيّ من الهُراء الذي تثرثرينه كلما رأيتِني.. »

بلغتُ حدود تحمّلي، هدّدَت قدمايَ توازني ولمّح ليَ الدّوار عن السقوط..

فأفلتّ يدها بسرعة واتّجهتُ للباب على عجَل.. بهذا الألم أظنني بحاجة لزيارة المشفى مجددًا، تركتها على صدمتها..

لم تَتحرّك أو تُعلّق بأي شيء على كلامي، كادَت تخونني قدمايَ عندما فتحتُ الباب..

لأجدَ يد آدم مرتفعَة على وشك فتحه، لم يكن السيّد شارلِن معه..

هبطَ بصرُه على يدي فوق الجّرح، جدا على رُكبتِه وأمال رأسه كي يرى وجهي الذي باتَ مقابلَ الأرض..

«ما الذي حدث..؟ أتحتاجين الذّهاب للمَشفى..؟»

لم أقوى على الحديث فأومَأتُ إيجابًا..

استدَرتُ عندما شعَرتُ بها خلفي عن قُرب، عُدتُ إليه لأجِده يحدُجها بحدّة..

«اعتذرَت عن كلامها وقبلتُ ذلك، أيُمكِننا الذّهاب بسرعَة..؟»

أردتُ إيقاف هذا الألم الشّنيع، فجسدي يُخيّرني بين الارتماء أرضا أو إسعافه بالسّرير حالًا.. حملني دون إذن هذه المرّة..

لففتُ ذراعايَ حول عنقه لأثبُت، وحانَت مني نظرة لوجهها من فوق كتفه..

مُسوَد، شاحب ويغرق في نظرتِها المُتّسعَة أسى عصيب.. أشعرني بالسّوء لوهلة..

لكن عقلي يدور ونظري يتشوّش، نفسي أولى بهذه الشّفقَة الآن..

تُرى.. هل أراد إيلامها بحملي أيضًا..؟ في الواقع شخص مثله أظنّه ضرب عصفورَين بحجر..

أخذ خطوة باتّجهها ثمّ تراجعها واستدار بي دون تعليق.. لمحتُ وجهها لأقلّ من ثانية قبل أن أُفلت وعيي ليندثر..

يُلْحَـــــقْ..

أتمنى إنه الفصل نال إعجابكم..

وإلى لقاء آخر إن شاء الله 🍁

سيسعدُني استقبال رسوماتكم لفستان سيلينا على حاسبي الخاص في الانستغرام..

Insta: nabiola_as05

📍اجتماعنا للفصل..

أي شيء سيئ يذكر بالرواية من قتل شتيمة حتى على مستوى إزعاج شخص بكلام او مضايقته وما إلى ذلك من أمور هي كثيرة وُضعت خدمة لأحداث الرواية فقط ولا أشجع عليها أبدا

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كهرمان

المؤلف nabiola_as05
2025/06/27 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة