تنوية هام جدًا!! ⚠️
جميع حقوق هذه الرواية محفوظة للمؤلفة، ولا يُسمح بنشرها أو نسخها أو توزيعها خارج تطبيق واتباد، أي انتهاك لحقوق النشر سيُعرَف وسيعرض الفاعل للمساءلة القانونية والإبلاغ الرسمي لإزالة المحتوى رجاءً استمتعوا بالقراءة عبر المنصة الأصلية لدعم المؤلفة وشكرًا لتفهمكم..
.
.
زلزلها دُوار مُفاجِئ، انقطَع الاتصال مع أطرافها وتهاوى جسدها بثِقل غريب، كأن الأرض تدعوها لعناق موت..
سقطَت على الأريكة برؤيَة مشوشة، وخيالات عائلتها تجمّعَت بخزيّ مُقابلها..
أنجِدوني.. افعلوا شيئًا.. بلغ النداء حدود صدرها وتقهقر.. لماذا يبتسمون؟ لمَ يَكتفون بالمشاهدة؟
تشوّشَت الأفكار وتداخلَت.. ما الذي يجري؟! أجفانها تجاذَبَت حتى انطبقَت غصبًا..
ثمّ تلاشى وعيها في ظلام حالك لا تذكر بعده شيئًا، فلم يقذفها لشاطِئ الوعيّ مجددًا سوى حاجُة مُلحّة للهواء..
فتستند بشهقة مُرعِبة، تُصارع لالتقاط أنفاسها المحصورة بصدر مُضطرِب..
تعصر ملابسها فوقه، وعبر دموعها المتجمهرة ترى غطاء المشفى على قدمَيها.. ما هذا إلا الحلم نفسه..! اللعنة..
تقضم شفتها وتقبض عليه.. القهر يشعل قلبها المُتخبّط وكل الذكريات تعود كوسواس حقير..
«سيلينا..»
سكَت الضّحيج..
ندائه الخافِت أخرس كل هواجسها وكخيط ضوء شقّ العتمة ليُنجِدها..
التفتَت فقابلَها وجهه الشّاحب، نظراتُه ذابلة وابتسامتُه الباهتة على سُمكِ شعرة..
ذراعاهُ تفترقان في دعوة لعناق اضطراريّ، لم تتردد لحظَة في تلبيَته..
اهتزّ مقعدَه الخشبيّ به، فشدّ عليها مع ازدياد رجفَتها
يُنصت لما تنبسُه بنبرتها الواهنة..
«الكابوس ذاته يا آلبرت، أشعر أن رأسي سينفجر، فقَط ليتني مِتّ في هذه الجراحة اللعينة..»
تزاحمَت الكلمات في هُوّة شفتَيه وماتَت هناك، يحسّ أن قبضَة آلامِها أقوى من كلماته الرقيقة الآن..
يورِثه الضّيق عُبوسًا مُحبطًا فتنسلّ تنهيدَته الحارّة..
لم يجِد ما يفعله غير أن يُربّتَ برِفق على ظهرها..
«لا بأس عزيزتي، لا بأس..»
لأوّل مرّة يستشعر عجزَه عن مُساعدَتها..
هذا يومُها الرّابع بعد الجّراحة وما زال الكابوس يُوقِظها بصَفعةِ الفزَع..
تحتَ نظراته المُلتاعة وأمام عجزه المطبِق، غصّة أخته أهلكَت حيلتَه..
ترفَع رأسها فيُعانق بصرها ابتسامتِه وتُزهِر السّكينة في روحها الجّرداء..
نظراتُها الخاملة متعلّقَة بوجهه، ما زال هنا، المهم أن آلبرت هنا وليَحترق الجميع..
استرخى ظهرُها للَوح السرير، حيث لاقَتها الوسائد
الطّرية..
أسدلَت أجفانَها المُنتفخَة تسحب الهواء بشَهيق عميق لتنفثَه زفرَةً محرورَة من موقِد صدرها..
سحقَت الدّموع فيما تستقرّ كفّها الأخرى بين دفء
راحتَيه..
«انتهى كلّ شيء يا سيلينا، انسَيّ الأمرَ فحسب، حتى إن تقدّمتي بقضية، تعرفينَ أن والدك سيكسبُها بعلاقاته..»
بين بصرٍ أشاحته متلبّسًا بالغضَب والغيظ المتخمّر في صدره كان الفرق الوحيد قناع ابتسامتِه الدّافئة..
عدّل النّظارة فوق خضراوتَيه الزّيتونية..
«أخبريني يا عزيزتي، ألَن يكون أسهل أن تكتفي بالابتعاد عن عائلة والدك..؟ وماذا ستفعلين بأمر الانتقام..؟ أتظنين الأمور بهذه البساطة..؟»
ماجَت الأنفاس في صدرها فاندفعَت عيناها الخابيتان إليه
صوتها العالي رفعَ أجفانه..
«يُمكنني الكثير وأنتَ تعلم كيفَ تدمير ذلكَ المنزل اللعين بأقلّ جهد، لذا توقّف عن استفزازي.. أرجوك..»
انكبّت عيناهُ على يدِها المُنتزعَة منه، تقارَب حاجباه استنكارًا لقبضتها المُرتجفة..؟
ما كانت هذه الشّراسَة طبعها في أيّ يوم، حتى في التي انتحبَت فيها ليلًا طويلًا، لمْ تتصرّف بهذه الطّريقة..
ألن تتجاهل مجددًا..؟ لَن تنتظرَ أن ينتشلها زوج رؤوف
مما يسمى منزلها..؟
أما عادت سفاهتهِم عُذرًا لصبرها المديد..؟ كأنه يرى النّسخة التي حاولت أخته دفنَها طويلًا..
تُشتته الأفكار لوهلة، ثمّ يُعيدُه صخب الهدوء ليَلحظ شرودها الخطير، ففرقع أصابعه مستعيدًا انتباهها..
ثغره يستثقل أصغر ابتسامة، لكنه لن يترك فرشاة الأفكارَ ترسم ما شاءَت من ملامح القلَق..
فأدرجَ لكنَة راجيَة نهاية كلامه..
«افهميني عزيزتي، أنا لم أقصد.. سيلينا لا تصمتي هكذا.. أتوسّل إليكِ..»
تلتقِط محاولتَه وترُدّها بتعليق أبرد من ابتسامةٍ بالكاد ظهرَت..
فشلَت في مُداراة مزاجها العكر من أجله..
«أعرف، آسفة لصُراخي في وجهك دون حق..»
يشعر بها جيّدًا، كما بالإحباط الذي منع أيّ حل عن باله.. يُعيد المحاولة من باب مختلف..
«تعرفين أنني سأدعمك مهما اخترتي، لكن يجب أن أنصحكِ، دعكِ من الانتقام يا سيلينا وحافظي على ما
تبقّى لكِ..»
تبقّى..؟ حقًا..؟ لم يعتَد منها تلك الابتسامة السّاخرة، في وجهه هو بالذّات لم تظهر من قبل..!
يتسلّل إليه خوف خفيّ، لم يُبلّل وجهه كالشّفقَة التي اعتلَته بعد نظرتها المُحتدّة..
«لم يتبقى شيء يا آلبرت، أنا انتهَيت..»
مجدداً ترتفع شفتاها بالسّخرية، من نفسها هذه المرة.. يختلطُ ملمحها بخيبة جلية عندما تسترسل بخفوت..
تتلمّس مكان الجراحة يمين بطنها..
«ثمّ إنني لم أستطع الحِفاظ على عضوٍ داخل جسدي! فكيف أحتفظ بما حولي..؟»
يرتفع صوتها فجأَة كأنما أخذ قوّته من زفرتها الحارّة، بينما تترجّاه عيناها الدّامعتان..
«دعني أعيش معك ولا أُريد شيئًا آخر..»
ليس وكأنه يستطيع الرّفض، أو يريدُ..
حين تنظر إليه قطعةٌ منه، بكلّ هذا الأمل في عينَيها تضعه في مسؤولية ضخمة..
تضاهي المكانة التي جعلَتها له في حياتها، أمانة ثقيلة يجب أن يصونها على أكمل وجه..
تمرّ بهما لحظات من صمت مرير، لم يهن عليه أن ينتهي
بلا عِناق آخر..
علّها تجدّ به راحتها الضّائعة، فيمسح على شعرها المبعثر وتنزلقَ الكلمات بأمر قلبه..
« سأبقى معكِ وسأحميكِ، شرط أن تحذري من الطّريق الذي اخترته.. »
اقتناعها بكلامه الرّشيد كالعادة، لم يغيّر رأيها بأنه يُحمّل الأمر أكثر من حقيقته..
إنه مجرّد ردّ اعتبار، لا أكثر.. لأيّ مدى يمكن أن تسوء الأمور..؟ فقط تضغط جبينها على كتفه أكثر..
كادَت تغفو مُتنعِّمَة بدفئها الوحيد، مغلوبَة من أثر الوهَن
والمسكنات، لولا أن انتفض فجأة..
«تباً! لقد نسيت..!»
هرعَ للهاتف الأرضي فقرَنَت حاجبيها باستغراب..
«ما الذي نسيته..؟»
أصابعه تضغط الرّقم المطلوب قبل أن يرفع السماعة..
«الرّحلة التي أخبرتكِ عنها غدًا ونسيت إخبارَ آدم بأن يُلغيَها..»
تذكّرتها نعم، رحلة الغابة التي تطلّع للذهاب إليها مع أعزّ أصدقائه..
لا تُريد حرمانه إياها، لذا اندفعَت بالكلمات ضاربة عرض الحائط بحاجتها له..
«لا تُلغها من أجلي، فكما ترى لقد تحسّنت كثيرًا..»
رماها بنظرِة ضيّقة، تظاهرَت بجهل معناها..
كأنه لا يعرف أنها ستُصبح فريسة للقلق في غيابه، وعادَ للهاتف عندما ردّ صاحبه..
«مرحبا..؟»
تطول نظرَته الحائرة ثمّ يستجيب لتكرار الصّوت..
«من معي..؟»
«أنا آلبرت يا آدم..»
يُطالع إيماء رأسها بالرّفض فيستسلم مصرّفًا الآخر..
«انسى الأمر، اذهب الآن وشأشرح لك لاحقًا..»
يعود إليها متذمّرًا..
«لماذا..؟ لا أُريد أن تبقَيّ وحدكِ..»
فتبتسم على مضض..
«وأنا لا أُريد لإجازتكَ أن تضيع في المَشفى، أنا بخير، وَجودي ستأتي الليلة للمكوث معي حتى موعد الخروج، لذا اذهب فحسب..»
يتنهّد بلا حيلة ويعقد ذراعيه متصفّحًا وجهها، نظرته تكتسي بالجمود وتوحي لها بثقَل المضمون..
« ألن تُوافقي على عرض الزّواج الأخير..؟ فالشّاب مناسب
هو شخص ناجح..
وذو مظهر حسن، فضلًا عن كونه الوريث الوحيد لثروة والده الفاحشة..
أتعلمين كم شخص رفضتي للآن؟ توقّفت عن عدّهم بعد الخمسين.. »
كم جملَة يَبعُد عن قناعتها..؟ أخذ يدرُس انحدار ملامحها حتى العبوس..
«ما علاقة هذا بما نتحدّث عنه..؟ ثمّ لمَ تُشعرني بأنني أرفضهم غرورًا..؟»
يُضيف ليستفزّها أكثر، فيما تتظاهر هي بجهل نيّته..
«أُريدكِ أن تنشغلي بما سيسعدك.. ألن تنسَيّ كل شيء إن حصلت على حياة هانئة..؟»
ترمي بصرها للنافذة، ما زال مُصرًا على ثنيها عن ذلك..!؟ شعور مَقيت يطفو لسطح قلبها..
«لا تحاول تغيير رأيي، لأنني سأفعل ما أريد..»
تدفن كل جهوده بمِجرَف بارد.. امتعاضها المرير تجلى في عُقدَة حاجبيها عندما استرسلت..
«انظر لوالدتك، فقد تزوّجَت مرّتَين ولم يتغير شيء، إذًا كيف سيُشغلني الزواج عن انتقامي..؟»
علوّ ضحكته فجأة يجعلها تحملق بغضب، مُقاوِمَة الابتسامة التي جاهدَت لتُفسد جِدّيّتها..
«الآن تّأكّدّتُ أن دماء أمي في عروقكِ..»
تحملق فيه بامتعاض، لكنها تتمسّك بالهدوء..
«لا تُشبهني بها رجاءً، تعلم كم أكره ذلك، ثمّ من سلّطكَ
على مزاجي اليوم..؟»
يُنهي نوبة ضحكهِ بالوقوف، فيُمدّد جسده، ويرميها بنظرة ماكرة، مبطّنَة بما لم تكنهه..
«خذي قوة أمي دون شرّها يا سيلينا، الخطأ ليسَ في وجود القوة بل أين تصبّينَها وكيف تتعاملين بها..»
انزلقَ عبوسها الحائر عن ظهره المُبتعِد، تُراقبُ استعجاله الخروج ليَحرمَها من أيّ استيضاح..
«إذًا أيتها القوية بدوني سأذهب لإعداد أمتعتي
إلى اللقاء..»
تتجاهل استفزازه الواضح وتلوّح على مضض، في النهاية هذا هو آلبرت..
كانَ الليل هادئًا هذا اليَوم، حتى ضجيج سيارات الإسعاف متباعدٌ وبعيد مما سهّل للنوم الطريق..
انزلقَت أسفل الغطاء ورفعَته تدفَع بردَ الخريف الجاف، فما هيَ إلّا ثوانٍ قليلة حتى أصدرَ المسكّن حكمَه علَيها..
~~
~~
يُطرَقُ الباب فتستند، يُثقِلها وخزٌ كمشَ مَلامحها بينما تعطِي الإذن مع لمحة سريعة للساعة..
تُعلمها الثانية ظهرًا من يومها الخامس هنا بإتمامه خمسَ ساعات في الرحلة..
أخذَت تُمدّد ذراعَيها وجسدَها قبلَ أن تلفتها الضجّة خلف الباب، توشكُ سؤال جودي التي فَتحَته..
فقَط جزء من رأسها البرتقالي بان من شقّ الباب، تبدو كمن تسحب أحدهم..
«هيا ادخل!»
لم يطُل الأمر ولا ابتسامتها بمجرّد أن رأَته..
احتدّت نظرتها وبلا أيّ اعتبار للتوتّر الذي يبدو عليه حرقته بنظرة ساخطة..
أخسأَت بصره أرضًا بينما تعتصر يداه جوف جيبيه بارتباك فلم يفصل بينهما سوى صديقتها..
«سيلينا أرجوكِ، فقط خمس دقائق، من أجلي، هو يريد أن يُخبركِ شيئًا ويرحل..»
لا تهون نظراتها المترجّية وليس من عادَتها إحراج أحد.. فماذا عن صديقتها الوحيدة..؟
اختارَت ضغطَ نفسها هذه المرّة.. لكن وجهها العَبوس أصرّ على المَوقف..
تطوي ذراعَيها بأقصى ما تستطيع من ضبط النّفس..
«قل ما لديكَ بسرعة وأخرج..»
"ليس وكأنكَ ستغيّر شيئًا" تغصّ ببقايا الجملة وتبتلع ابتسامتها السّاخرة..
خرجَت الأخرى بينما تقدّم شقيقها آرون، يمشي بحذَر.. يتلبّسه تردّد عنيف، فنظراتها الملغومة قد تنفجرُ على غفلة..
يعيد قراءة تعبيراتها لمرّة أخيرة قبل أن يجلس على الكرسي جِوارها..
سوداوتَاه تائهتان في أرضيّة الغرفة، عبث بشعره الكستنائي عِدة مرّات وفتح فمه مرّات أكثَر..
أخيرًا تَحرّك لسانه المُتهشّم من شَفرة نظراتها، ذراعَاها المطويتان تحتكّان..
«سيلينا.. هل ما زلتِ تتألّمين؟»
ماذا..؟
يرتخي كتفاها وتنفكّ عُقدَة حاجبيها بذهول، أهذا ما أراده؟ ولماذا يسأل؟ ثمّ ما تلبثُ أن تزفرَ لنفاذ صبرها..
تُدلّك بين عينيها وتهمّ بإنهاء اللقاء قبل بدايته حتى، لكنه قاطعها، يتمسّك بقبضتها المتكوّرة على السرير..
فتنهره بنظرة جارحَة، لم يتوقّع رؤيتها في وجه أخته المُحِبّة..
«أفلِت يدي..!»
انتشلَتها.. فشلَت في الفرار، فجدّدت تجاهل ملامحه التي ازدادت امتعاضًا بفكّ مشدود، ثمّ رشّت ضميره المجروح بالملح..
«ما الذي تريده..؟ والدكَ حصل على الكبد الغبي مني وانتهى الأمر، فلماذا أتَيت..؟!»
نبرتُها العَنيفة تفتكُ ببقايا ضميرِه المتفتّت، بصره المكسور يضيع في وجهها المنفعل..
يبحث عن أُخته، هذه ليست هي.. اكتشف أنها تصرخُ مثلهم حين تُستَثار..
ويُمكنها أكثر من الصّمت الذي مارَسته في أيّ شِدّة منذ صغرها، لا يرى القناع الذي ارتدته لتنجو..
ولا طرفًا من ثوب الأشواك الذي يخزُها قبل أن يحميها بينما هيَ أخفّ من زهرة الهندباء..
مرّة أُخرى تُطلق نفسًا أعلَن نفاذ صبرها، تترجى نفسها لتَهدأ..
«أفلِت يدي..! قل ما تريد وارحل، فقط أُخرج من حياتي كما فعل الجميع..!»
تقضي بانفلات غضبها على آخر ما تبقى من قوته، حتى لاستخدام الفرصة التي أعطته إياها..!
ليخرَج صوته خافتًا..
« صدقيني، أنا كنتُ مستعداً للتبرّع، لكن أمي هدّدت بالتّبرّء مني إن فعَلت أو أخبرتكِ بشيء حتى..
لم أكن موافقًا، لكن رفضي بلا قيمة أمام إجماعهم، رغمًا
عني تآمروا عليكِ..
هم لم يستمعوا إليّ حتى، فضّلوا الحلّ السريع على البحث عن متبرع خارج العائلة..»
كانت تعرف أن لدَيه مبرّرًا يُريحها، وصِدق كلماته الآن أخضَع حِدّتها للهدوء..
طالعَته ببعض الشّفقة، لكنّ شفقتها على نفسها
أقوى..
«إذًا وقفتَ معهم لمتابعة ما يحدث، لم تستطع البقاء في غرفتك؟ كانَ مظهرُكَ شنيعًا بينهم..»
يعود ليشدّ على يدها، لم تقاومه هذه المرّة..
«كنت مرعوبًا عليكِ، أرَدتُ التّأكّدَ من أنك ستكونين بخير.. حتى بعد كلّ شيء، آسف.. آسف.. آسف، أرجوكِ سامحيني»
تبصِر عيناه.. صمته الصّارخ بالرّجاء.. هالاته التي أخذَت من مقله لونها..
إنه نادم لحدّ استنزَف شفقَتها.. بل وأثارَ الأيام الخوالي منذ طفولتهما..
ألَم يكن عزائها الوحيد في ذلك القصر الكئيب..؟ نعم بالضّبط..! لكن.. مع هذا..
هناك شيءٌ ما.. شعور مبهَم يحوم حول غصّة تُشعِل صدرها
يَخلط ملمَحها بين عبوس وحزن..!
لم تعلّق.. بل بلا تعبير كان يُفترَض أن يكون الابتسامة المتفهّمة من خياله.. التفتَت للنّافذة البعيدة جوارها..
«يمكنكَ الخروج..»
انهارَ سقف أمَله عليه، إلّا أن عزيمته لم تخفُت..
بل حمّل فشله لحرارة الموقف ثمّ وقف دون إضافة.. يواسي نفسه الثّقيلة..
علّ قلبها يلين في المرة القادمة، لم تنظر إليه بعدها.. تجاهلته في إشارة لانتهاء اللّقاء..
اتّجه للباب بعد أن مَسحها بنظرة أخيرة ثمّ أغلقَه، كان سيستأنف طريقه لولا أن لفتته ضجّة المشافي المُعتادة
رفعَ رأسه للعرَبة التي مرّت أمامَه، سُرعتها لم تسمح له بالتّركيز، لكنه متأكّد من صاحب تلك الملابس المُضرَجة بالدّماء..
آلبرت..؟!
~~
~~
بحركة بطيئة.. كشف الباب عن وجه جودي المُتشنّج..
«سيلينا..»
تستغرب ارتباك صديقتها فتسأَلها بتوجّس.. كلّ جسدها تَيبّس كأنه طين جاف..
«ما بكِ..؟ ولمَ لونكِ مخطوف هكذا..؟»
تتابع اقترابها حتى باتت جوارَها..
الهلع قد لبِسَ ملامحها بالفعل..
فارتفع صوتها..
«تحدّثي..!»
لتُفرغ ما بجعبتها كالحمم..
«قبل عدّة ساعات، دخل آلبرت المشفى مصابًا بطلق ناريّ في رأسه، وقد استيقظ الآن ويريد رؤيتَكِ..»
لم تُصدّق ما سمعته، تضاعف حجم عينيها والتهمَها الذّعر لقمَة سائغة..
تتعالى خفقات قلبها دون أدنى جُهد، حاولت استيعاب الأمر برزانتها المعتادة، لكن جسدها يتخبّط مع نفسه حتى وقفَت فورًا..
ترنّحت.. نغزها الجرح فاشتدّت قبضتها على كتف الأُخرى وخرج صوتها ضعيفًا..
«ب.. بسرعة، ما هو رقم الغرفة؟»
«قبلنا بغرفتَين، رقمها عشرة..»
تدكّ قوامَها الواهنَ قشعريرَة كالسّوط الساخن، هل كان جوارها طوال الوقت..؟ والآن فقط تعرف..؟
أقدامها اتخذَت القرار حين سبقتها لباب غرفته، كانَت على بضعة أمتار من خاصّتها..
تجاهلَت وجود الضّابط جوار الباب واقتربَت للطّبيب الذي تكلّف ابتسامة ودودة..
«سيّد إيجن أخبرني كيف حاله دون أيّ تحفّظ رجاءً..»
ازدرد ريقَه واستهلَك خُلاصة خبرته مع عائلات المرضى..
«هو بخير الآن..»
ابتسمت تمسكًا بالقشة التي رماها، صعّبَت عليه الإكمال..
« يا ابنتي.. لا تنسي أن المعجزات يمكن أن تحدُث فتأملي خيرًا، لكنني لن أُخفيَ عليك..
بشكل عام حالته خطرة، لأن الرّصاصة من مسافة قريبة.. »
تجعّدَت ملامحها، يرى الهلع يخطف لونها وينتهي كلّ صموده أمام طفلته الروحية..
يؤول به الحال ليَحتمي بنظرة عمليّة..
«يُمكنكِ الدّخول لكن لا أريد أيّ شيء قد يثيره..»
تثيره..؟ ألا يعلم أنها تخاف على سمعِه من أنفاسها..؟ على مضض هزّت رأسها..
استجمعت ما تبقى من قوتها الواهنة لفتح الباب، وما لبثَت أن وقفَت تحدّق استنكارًا في من سبقَها..
آدم روهند، يقفُ جوار شقيقها ويُربّت على كتفه، انتبها لها فابتسم آلبرت فيما ألقى الآخر تحيَة باردة قبلَ أن يتّجه للباب مودّعًا صديقَه..
اندفعَت نحو شقيقها بينما تبعَت عيناها ظهرَ صديقه، متى آخر مرّة رأت فيها ذلك الرجل..؟ رغم أن كيلو مترًا واحد يفصل بين منزلَيهما..
لم يسمح قلقها بالتّفكير عندما جلسَت على طرف السّرير مُتمسّكة بيده..
تتجاهل وخزات الجّرح بعدما خالفَت أوامر الطّبيب، وها هيَ تدفع الثّمن بابتسامة واسعة من أجله..
«آسفة لأنني لم أكن موجودة، صدّقني لم أعرف سوى الآن لكن.. ما الذي حدَث..؟
وكيف وصلتَ لهذه الحالة..؟ ألم تكن في الرّحلة..؟ و.. »
يرفع سبابته لفمها..
«دعكِ من هذا الآن، كان حادثّا غيرَ مقصود..»
غير مقصود..؟ راحَت تتأمّل شكله المُبعثَر بضيق، وجهه الشّاحب وعيناهُ الذّابلتان..
خُصلاته المُتفلّتة من قبضَة الشّاش دفعَت بموجة حرارة لتضربَ جوفَ قلبها ثمّ تتفجّر من عينَيها..
لا طاقة لها بالاحتمال أكثَر، مُتعبَة من نفسها ومن الجراحة ومن كل ما يدوس صبرها، فرؤيته الآن لا تزيدها إلّا سوءًا..
كان يُطالعها بأجفان متهدّلة أطفأَت نظراتِه الخائرة، وحين لم يقدر على مسح رأسها لجأَ لابتسامة صفراء تُنادي نظرَها..
«لا أستطيع عناقكِ الآن، فلا تُشعريني بالعَجز أكثر..»
ترفع رأسها فورًا وتتوقّف كلّ حواسّها..
تمسح دموعها وتنبس بثبات لا ينسجم مع بكائها..
«آسفة، أرجوكَ فقط استرِح وأنا سأصمت قدر ما تشاء..»
فقط لا تتركني..
«لا داعي لهذا الحزن يا عزيزتي، صدقيني سيتحسّن كل شيء.. حتى لو لم أكن موجودًا حينَها، لكنه وعدي لكِ..»
هل تفكّر كثيرًا مجددًا..؟ لمَ يقول هذا..؟ بل بهذه النبرة الغريبة، حدسها يلتقط شعورًا غريبًا..
لكنها تنفيه دون تفكير، رغم الخوف الذي ينتابها بصحّته فلمَ يتحدّث كأنه..
لا.. ألن يكون معها..؟ يساعدها ويحميها كما قال..؟ تشدّ على كفّه الشاحبة..
«لن أَضيع لأنّكَ ستكون معي وترشدني أليس كذلك..؟»
لم يُلبّي صمتهُ أملها..
اكتفى برفع ابتسامة خفيفة.. أثارَت رُعبها.. هل بطريقة ما.. هو متيقّنٌ عن نفسِه بالشيء الذي ترفضَ تصديقه..؟
مُحال أن تجرؤ على السؤال الذي جال في بالها، وإن فعلت
فما كانت لتجد الوقت بعد ذلك الدّخول العاصف..
تعرف تلك المرأَة جيّدًا، ولجَت كإعصار عنيف بينما تُحادث الطبيب، وهو يتبعها مُحذّرًا..
«يا سيدة، أرجوكِ اهدئي.. لا يُمكنكِ الدّخول هكذا..»
شعرَت بأنها شفّافة كالهواء وقد تغافلت هيَ عن وجود ابنتها
تدفعها لانسحاب هادئ من كامل الغرفة، تحدج الأرض بانكسار..
طولها، رشاقتها وجمالها الثابت كما رأت من شق الباب.. مستمرّ رغم الكِبَر..
شعرها الفاحِم المميّز.. ورثَته كما شَقيقها.. كيف لها أن تنساه..؟
وهي تراه في المرآة يوميًا ومع كل التفاتة يَلوح في أفقها..؟كأنما يذكّرها بمالكتِه الأصلية..!
كيف تنسى تلك المرأة بالذّات..؟ كيف تنسى أمّهما..؟ التي تخطّتها على مرأًى من الضّابط المَصفوع بالدّهشة..
فلم يُغلِق فمَه، إلّا ابتلاعًا لريقِه من سطوَة مُحيّاها على إدراكه..
جمال..؟! هذه الكلمة الرّكيكة، هل تكفي حقًا لوصف ما يراه من حُسن..!؟
وعيناها.. هناك شيء غريب فيهما.. هل هما.. تلمعان..؟أهذا ممكن..؟ ذلك اللون الغريب.. ما اسمه..؟
احتاجَ عدّة ثوانٍ ليَستعيد نَفْسَه ثمّ نفَسَه ويمسحَ جفاف رمشَته الأولى منذ مهلَة طويلة..
بين وجهها وطبيعة المَوقف استمرّ يُراقب خُلسَة، آلاف الأسئلة تسبح في بنّ عينيه الغامق..
ربما لو لم يكتسح وجهها مساحات عقله لاستطاع تحليل المشهَد وإيجاد خيط يربط القصة..
نفَضَ رأسه كأن الأفكار ستسقط بذلك.. حاول التركيز مجددًا..
امرأة تشبه تلك الباهرة.. تخطّتها للداخل نحو الشقيق، إذًا هيَ أمّهما.. كان الأمر جليًا دون شرح..
لكن ماذا عن ذلك الوجه البائس..؟ أهوَ عذرٌ كافٍ للحديث معها..؟ ولم تخطّتها هكذا..؟
يراها متصنّمة دون حراك، عيناها على الأرض ويداها ترتجفان، تنتابه رغبَة للحَديث معها..
أنكر تلوّثها بعاطفته كرجل.. لكنه ما لبث أن رمى أفكارًا ستُقحمه بما ليسَ من شأنه..
رمى بصرَه أرضًا، هو يُؤدي عمله في مراقبة الأمر لأجل شُبهَة جنائية فقط..!
أما هي فقد تركّز بصرها للتّلَصّص من شق الباب..
قرّرت حرقَ نفسها لمرّة أخيرة، أرادتها مؤلمة كاوية، بقدرٍ لا يُتيح التفكير ولو بنصف واحدَةٍ أُخرى..!
رأتها تمسح وجهه وتُقبِّل رأسه ويديه، تمامًا كأمّ طبيعية لم تكن يومًا لها..!
ما زالت لا تفهم بالضّبط سبب هذه المفارقة المفجِعة.. لكنها لم ولن تغار منه أيضًا..!
فقَط شعرَت برغبة في الرحيل، تمسّكت بالباب مجددًا تُلحِم ببطئ الشّرخ المطلّ على آلامها..
كأنما تتنازَل عن حقّها في قضيّة لم تجد محاميًا لأكثر من عشرين عامًا..
لقد حان الوقت لأن تخرج رسميًا من صّورة عائلية لم تنتمي لها يومًا..
~~
~~
لا تدري كيف نامت أو استيقظت، كلّ ما أدركَه استيعابها البطيء فور انفراج جفنَيها، كانَ وجودُها على الأرض الباردة
تصلّبُ ظهرِها تشابك مع وخزات الجُرح وانصهرا كالنّحاس على جلدها..
فلم تقوى على الوقوف عن جانب السّرير إلا بعد بضع ثوانٍ.. احتاجتها لتثبيت نفسها دون الترنّح على الأقل..
ولأولّ مرّة منذ ثلاثة أيام بعد وفاته.. مُنذ طردَت صديقَتها التي حاولَت اصطحابها للعزاء وها هي واقفَةٌ على الباب مرّة أُخرى..
كفّها الدافئة تلفّ برودَة مقبضِه بشدّة بينما تطالع حالَ رفيقتِها المزري، تُحاول بحذَر قراءةَ الأجواء..
تُرى هل ستنتفِض إن حاولَت لمسَها كما حدثَ في المرّات السّابقة..؟
دفعَت الخُطوَة تليها الأُخرى بترقّب قلِق، ظلّ نظرُها يتأرجح مع وِقفَة سيلينا جِوار السّرير حتى دنَت منها..
أحاطَت كتفَيها الهزيلَين بقبضتَين رقيقتَين فبانَت لها نظراتُه المرهقَة فوق هالاتٍ عتيقة..
مُقلُها المُحمرّة وبدايات البروز لعظام خدّيها.. كيف لبصرِها ألّا يبارح الأرض كل هذه المدة..؟ تحاول حثّها لرفع رأسها..
« سيلينا أرجوكِ، ركّزي معي، أنتِ لم تبدّلي ضماد الجرح ولم تتناولي الأدوية..
ثمّ يجب أن تعتني بهيئتك، ما تفعلينه لا فائدة منه، ارحمي نفسكِ رجاءً.. »
لم يُشكّل كلامها فارقًا، بل دفعها الإعياء لترتمي على السرير.. تلتحف الغطاء كأنه ابتلعها..
تضامنٌ غير مرغوب وجدَته من الجرح عندما بدأ يئِنّ مع قلبها.. اليوم عن ألف سنة في هذه الفترة..
مُصاباتُها ثقيلة، مُوجِعة وتسرق روحها شيئًا فشيئًا.. في لحظات كهذه يبلغ الألم بها ما لا يُحتمَل..
تضيق عليها الأرض بما رحبَت، هل يوجَد مخرَج..؟ هل الموت هو الحلّ للرّاحة..؟ هل يُعقَل أن تبتسم مجددًا..؟
الغرفة رغم اتساعها بدَت قبرًا ينقبض على جسدها.. فكيف تُطيقها الآن..؟
الألم تضاعف، يدفعها للانطواء على نفسها أكثر كالجنين..
ثمّ تدخّلت الممرضة..
إلّا أنها لم تقاوم هذه المرّة، ضغطت على الضّغط الذي عصر خوفها من الأطباء لتوقِفَ هذا الألم الشّنيع..
يبدأ مفعول المخدّر وترتخي أطرافها، شعور راحة يتسلل إلى نفسها، راجيَة من أعماقها ألّا تستيقظ..
فما الذي بقي بعدَ آلبرت..؟
~~
~~
لكنّ قدرَها لم ينتهي..
ما زال أمامها الكثير لتمرّ به ويجريَ عليها..
قد مرّت ثلاثةُ أسابيع بين نوم مضطَرِب وحياة بِلا مذاق، فقد اعتمدَت على المغذّي..
هذا بحَذفِ اللّقَيمات التي تُجبَر علَيها كلّ يوم مع جودي والتي غالبًا ما ينتهي الأمر بتقيّئِها..!
ما زالَت تمدّدُ فترةَ جُلوسها في المشفى، لم تنطق بحرف حتى اللحظة..
أدمنَت الجلوس على السّرير مَغويّة بسرابِ الانعزال المُريح..
لا تدري أنها بذلك تُجهِزُ على أعصابها المُنهكَةِ دون أن تشعر..!
لا خطة، لا أهداف.. ولا رغبة.. حتى السّخطُ ما عاد يحرّض ندوبَ روحها لتثأَر..
مجرّد أجفانٍ مُرتخية، تواسي عَينَيها المعلّقتان بفراغٍ التهم بريقهما، وهواجِسٌ مُنكَرَة استباحَت أزقَة عقلها الخاوية..
لم تبرَح الصّمت أو التحديق العبثيّ في النافذة جوارها، كأن الحياةَ بكلّ ما فيها ما عادَت تُغري الرّوحَ الفتيّة فيها..
خطَأً.. تتعثّر نظرَتها بالكتاب فوق الطّاولة الصغيرة يمينها وتستقرّ هناك دون هدف..
كأنها كبرياء الشغف الذي لن يخبو ولو غطّته أطنانٌ من السّواد..
ترجّتها جودي لتقرَأَه؛ علّها تسترجعُ شيئًا من شغفِها المُنطمِر..
شردَت في النّبتة الغريبة على الغلاف، والتي لم تكن كذلك لخبيرَةِ سمّ مثلها..
إنه الّلبلاب السّام..
الذي لن تنساه ولو نسيَت نفسها.. آخر ما تحدّثَت عنه مع شقيقها الرّاحل، أهذا التّذكير متعمّد..؟
فارقَتها تنهيدَة طويلة.. يَطرَأُ على بالها حين شرَحَتها له باستفاضة في ذلك اليوم..
كانَت متحمّسة لوجودها معه، حتى أنه أمرَها بالسّكوت لثلاثِ مرّات متتالية..
شبحُ ابتسامةٍ باهتة يرتمي على ثغرِها، لحظَةُ راحةٍ تمسّ روحها كوَكزَةٍ للألَم المُلتهب، وما تلبَث أن تختفي لتُخلّفَ حنينًا ثائرًا..
فيعودُ الوهَنُ لمَلامِحها بينما تعتصر ملابسَها فوقَ الجرح..
ما هذا الشعور الغريب..؟
ما هذا الضّياع الذي يتخلّلها..؟
لا معنى في أيّ شيء..
وكأنها سقطَت في هذا الوضع فجأة، يبدو كلّ شيء جديدًا بشكل موحِش..
أهذه حقًا حياتها..؟ ما معنى أن يكون الواقع أكبَر مما يعيه عقلها..!
ما معنى هذا الشعور الأخرَس، لمَ هو يقبَع كشيء في الحلق تشعر باستفزازِه ولا تملكُ دفعه..!
وهذا التّيه الذي أخذَها على بساط أحمرَ للموت.. فركَت شعرها بقوة ورفَعته، كأنه المُذنبُ فيما أصابَها..
شقّت طرَقاتُ الباب السّكونَ الكئيبَ حولَها، طارَت لمحة عفوية نحوَه ثمّ عادَ الشّرود ليلتبسَها..
حينَ توقّف الصّوت بعيدًا عن مسمعها السّاهي فُتِحَ فاجتثّ نظرَةً منها، انعقدَ حاجباها لا شعوريًا نحوَ.. عمّتها..؟
هذه أول حادثَة تأخذ زمام تركيزها من يدِ الضياع، تأهّب لا واعي شدّ جسدَها باقترابها..
خطواتها قصيرة خفيفة وترتدي ابتسامة لامعة كثَوبها المخمليّ الفاخر..
كأنها منتصفَ حفلَة ما..!
وهي كذلك بالنّسبة لها..
وقفَت أمامَ السّرير، ضمّت ذراعَيها لصَدرها وكظمَت غيظَها الذي كادَ يَشتَعل بفحمَ عَينَيها..
فكَيفَ تجرؤُ هذه الوقِحة على تجاهلها هكذا..؟
«مساءُ الخيرِ عزيزتي، كيف أصبحتِ..؟»
ردّ الصّمت بصخَب فاستفزّ هدوئها المزيّفَ، تنهيدَة حارّة نفثَتها سيلينا لتقضيَ على ما تبقى منه..
اغتاظَ ملمَحها وانحنَت أكثَر، قبضَت أظافرها الطويلة على ذقنِها ولفّتها بعنفٍ إليها..
لتجدَ رُفاتَ وجه لطالما أثار حنَقَها ببرودِه، لكن هذه المرّة مختلفة..
تأملّت بريقَ مُقلَتَيها الخابي، كأنهن أرضٌ زُرِعَت بترابَ
الوَحدَة..
ثبّتَتها الدهشَة لِلَحظة، لمَ لا تجدُ أيّ ردّة فعل..؟ أين ذلكَ الغضب..؟ الحِقد..؟ ولا حتى طرَفُ نظرةِ اشمئزاز..؟
هل انكسرَت أخيرًا..؟ لقد طحنَتها.. هذا الجمال الذي يذكّرُها ببرينسيا..
تشوّهَ بطبقات من الأسى، وكم عشقَت اقترانَه
بوجهها..
افترّ فمُها عن ابتسامةٍ مُنتَشيَة، أفلَتتها وظلّت الخدوش شاهدَة على حقدها..
فركَت أناملها كأنما تنفِضُ قَذارةً ما..
«انظري لحالك، يبدو أن ذلكَ اللقيط كان عزيزًا عليكِ حقًا..»
ضربَتها بنظرَة حادّة فاستهزَأَت بابتسامة، اقتربَت منها وعيناها تترنّمان لفُرصَة القَهر التي نالَتها..
« غدَوتِ وحدكِ يا سيلينا، ذلكَ الأبلَه كانَ يعني لكِ كلّ شيء أليسَ كذلك..؟
هذا يكوي صحيح..؟ هل فهمتِ ما شعرته حين سرقتِ أنتِ ووالدتك أعزّ أشقائي..!؟ »
قهرٌ تليد أنزلَ آخرَ الكلمات على مسمعها المنهَك، ثم اختفى لعودَة ابتسامةٍ مجنونة..
« لكن انظري، ما عاد لكِ مكان تَعودين إليه، رغبتكِ الساذجة بالهرَب دُفنَت معه صحيح..؟
وعليكِ تقبّل رحيله يا سيلينا، أخوكِ الحنونُ قد اختفى إلى الأبَد.. »
بلغَ احمرار وجهها الزُبا فيما ارتجفَ جسدُها، احتقنَت عيناها بالدّماء المُهتاجة..
«آلبرت قد مات وباتَ تُرابًا يُداس يا سيلينا__»
لم تعي ثورانَ يدها النّحيلَة حتى هوَت على وجهِ مقابلَتها لتلفّ رأسَها بعُنف، فتنفرجَ أعينُ المُهانَة بصدمَة..
«إياكِ أن تنطقي اسمه أيتها اللعينة، انصرفي عن
وجهي..»
مرّت ثوانٍ ساخنة قبلَ أن تستديرَ بِبطء، ثمّ تستَحيلَ ملامحُها لغضَبٍ مَسعور..
اندفعَت إليها ويدُها تنوي تلابيب القَميص، ما كانَت لتكترِث بأنفاسها المُتسارعة أو عبَراتها المتعلّقة بنظرَة مُستعِرة..
فكيفَ تَجرُؤ على شَتم آلبرت..؟ لم يَكن أيّ شيءٍ في صالحِ إبنة الأخِ تلك اللحظة، بل لم يكُن أيّ شيءٍ صالحٌ عندَها..
لم يكفَّ العمّةَ عمّا نوَت سوى طرقاتُ الباب الذي سحَبَ الأبصارَ إليه، ثمّ دخلَت الممرّضَة..
سقطَ بصرها على الوضعيّة الغريبة نحو المَريضَةِ المُتعبَة انعقَدَ حاجباها للحظة قبل أن تتدارَكَ نفسها بابتسامةٍ رحيمة..
تقدّمَت تحاول سترَ استنكارها، هل حقًا نوَت شدّها منه..؟ ولماذا..؟
«ع.. عذرًا سيدتي جيلين، لكن وقتَ الزّيارة انتهى..»
حدّقَت سيلينا استغرابًا.. أهيَ صدفَة دخولها الآن بالذّات..؟
ظلّت جيلين متجمّدَة للَحظة حتى امتلكَت زمام نفسها لتجرّ ابتسامة لطيفة ثمّ تمسكُ القميص مجددًا كأنما تهذبه..
«سعيدةٌ لرؤيتك بخير عزيزَتي، لكن كما ترَينَ، يجب أن أغادر الآن، لذا اعتني بنفسكِ رجاءً..»
تابعَت سيلينا جُملتَها المستفزّة بنظرات شائكة، لم تستُرها عن الممرضة..
فيما استدارَت جيلين تحاول إخفاء لونَ وجنتَيها بينما شيّعَتها ابنة أخيها في جنازَةٍ حتى خرجَت..
أخيرًا غادرَ نفَسُها الذي انحشر كأن ما له من مخرَج.. قلبُها يتخبّط وحاجباها يُصرّان على الاشتباك..
آثارُ الغضَب لم تُغادر جسدَها المُرتجف والهدوءُ الذي عمّ وسطَ تحديق الممرضة المحرَج يزيد من ضغط الأفكار علَيها..
نغزَها الجرح فانطوَت على نفسها بملمَح مُنكمِش، تخلّلَتهُ بوادرُ الدّموع المقيّدَة..
اقتربَت المُمرّضة على عجَل لتَدفعَها حتى تتمدّد
مجددًا..
تتأمّل حالَ وجهها الشّاحب، وملامحها تربّت إشفاقًا على نظرَتها المُغيّبَة نحوَ السّقف، كأنما تهذي بأفكارِها..
«آنسة سيلينا، اهدَئي أرجوكِ، الانفعال ليسَ جيّدًا لجُرحك
اعذريني للتّدخل لكنني أقوم بعمَلي فقَط..»
لم تنظر لِلّتي كبحَت أسئلتها، ليسَ لحالة مريضَتها فحسب بل هيَ لا تعرف ما تقول..؟
سيدة سيلينا، ما هذه العلاقة بعمّتك..؟ ولا يُمكنُها إخبار والدَها صاحبِ المَشفى عن أخته..
لن تُخاطرَ بالتّدخل في شؤون الأثرياء، فلدَيها عائلةٌ
تحبّها..
رجَع بصرها السّارح إليها، تراها مجرّد شاردَة بينما هي حَبيسَة ذهنها..
عيناها المحدّقتان في السقف الأصَم لا تعكس ما يعتلجُ
في داخِلها..
كأنما تناقشه كي لا تُجنّ وحدَها، ما الذي حدَث للتّو..؟ كادَت تبتسم كالمجنونة..
كيفَ قالَت تلك اللعينَة ذلك..؟ كيف تَجرُؤ على شتمه..؟ التقليل منه والتّمادي في الكلام هكذا..؟
جَذوَة صَغيرة من نار الغيظ توهّجَت في أعماقها، كبُرَت ببطء ثمّ استَشْرَت حتى بلغَت جليدَ البؤس السّميك فوقَ مشاعرها وتغلغلَته في مهمّةِ إذابة..
هذا الجَورُ.. هل ستتحمّلُه أكثَر..؟ اشتبكَ حاجباها فوقَ نظرَة صَلدة حينَ اشتدّت قبضَتها..
أحقًا تظنّها انكسرَت..؟ هي التي قاومَت عشرين عامًا في بحرهم الغادِر لن تقوم من مستنقع كهذا..؟
هل كانَت ستهرب..؟ الآن ما عادَت تريد، إن كانَت تطلبُ
العذاب فستُعّدُه لها بصَدر رحِب..
وهذا الكُره الذي يتأجّج داخلها ستُخرجُه، وليَحترق
الجَميع..
كفّت دموعها حرجًا فانتفخَت عيناها احمرارًا كأنما تختنقُ بالماء، وستنفجرُ في لحظَة ما، ربما ليسَت بعيدة..
نسيَت وجودَ الممرضة تمامًا بينما تذكّرَت الأَخيرة أن تفعل ما أَمِرَت به..
فجلسَت على طرَف السرير وتقابَلت وجوههما، ليسَت أول مرة، فهي تعتني بها منذُ دخلَت قبل شهر..
مع هذا فما زالَت تُخطَف بلحظَة تأمّل كلما رأتها، إنها مذهلة إنها حقًا مذهلة..
أيعقَلُ أن كلّ هذا مجرّد جمال..؟ ببساطة هكذا..؟ من الإجحاف تقييدُه بهذه الكلمة فقَط..
رغمَ الشّحوبِ والدّموع إلا أنها كمُحاولة إخفاء الشمس بقماشَة بالية.. ابتسمَت تُمسكُ يدها..
«آنستي سيلينا هناك من يريد أن يراكِ، يقول أنه أمر مهم
بل إنه كان يقفُ خلف البابِ مُذ جاءَت عمّتك..»
عندها فقَط ارتفع بصرها المذهول للمُتحدّثة فاسترسلَت..
«وهوَ من طلبَ أن أدخل فورَ سماعنا الضّجة..»
لمْ يوجَد بعدُ من هو كريم لحدّ أن يزورها لمرّة فقَط..
هل هوَ من العائلة..؟
حتى أقربُ الاحتمالات في بالها بعيدٌ بما يكفي لنَفيِه.. التفتت الممرضة فطالعَت البابَ تلقائيا..
خرجَت الأخيرة ودخل شخص ما، بمجرّد أن بانَت نظراته الباردة استسلمَت تعابيرها الواجمة أمامَ ذهولٍ عابس..
آدم روهند..؟
يُلْحَـــــقْ..
حياكم الله، كيف الأحوال..؟
معكُم نابيولا 🍁
ويسرني أن أضع بين أيديكم أولى فصول عزيزة قلبي "كهرمان" ✨
📍عند هذه الإشارة سيكون اجتماعنا بعد كل فصل للنّقاش.. بانتظاركم.. يمكنكم ترك تعليقات..🏷️
ال⭐ يا بطة..
وإلى لقاءٍ آخر ان شاء الله..
Insta: nabiola_as05
اي شيء سيئ يذكر بالرواية من قتل شتيمة حتى على مستوى إزعاج شخص بكلام او مضايقته وما إلى ذلك من أمور هي كثيرة، وُضعت خدمة لأحداث الرواية فقط ولا أشجع عليها أبدًا..