آدم روهند..؟
هذا في احتمالاتِ كوكب آخر أساسًا..
عمّتها، والآن هذا الرّجل.. ما الجنون الذي يريد سلبَ بقايا عقلها..؟
«أعتذرُ للإزعاج في هذا الوقت، لكنني أحتاج الحديثِ معكِ
يا آنسة سيلينا..»
نظرتُها الحائرة تلازم خطواته نحوها.. بصرَهُ يلمح الكتاب ذو الغلاف الغريب ثمّ يعودُ للتّحديق في وجهها..
عدّل الكرسيّ وجلسَ بقدم فوق الأخرى..
أسندَت نفسها..
طوى ذراعَيه، وسحبَت هي نفسًا قويًا..
«أرجو أنكِ بخيرٍ الآن..؟»
تُطالعه.. لسانُها ثقيل وحالَتُه فرَضت تعريف نفسها
أوّلًا..
فمن هذا القُرب توضّحَت لها ملامحه، وجهه كاسف وملابسه عاديةٌ جدًا بالنّسبة لأناقَته التي ذاع صيتها..
الظّلالُ أسفلَ عينَيه تُبرِز بريق زُرقتهما المَلكيّة..
ألَيسَ هو الأَولى بهكذا سؤال..؟
تنحنحَت..
«بخَير..»
انتظرتُ أن يوضّحَ ما توقّعتُه.. فإن لم يتعلّق الأمر بأخي _صديقه العزيز_ لن يكون بغيره..
لكنّه زادَ حيرَتي حينَ استرسل..
«أنا هنا لأمد لكِ يد العَون..»
ما الذي يعنيه..؟
آلمَني مَجمَعُ حاجباي فتذكّرت إرخائهما..
دلّكتهما مرارًا.. هذا يكفي، عقلي يحتاجُ راحةً
عاجِلة..
طفحَ عبوسي في وجهه، وهو لم يُظهر أيّ ردّ فعل بذلك التعبير المُتجمّد..
«لا أفهم ما تقصده بالضّبط يا سيّد آدم، أيُمكنكَ الإيضاح رجاءً..؟»
ازدردتُ ريقي أترقّب، أشعرُ كأنني ارتكَبت جُرمًا، حتى بِعدَم فَهمي لمغزى كلامه..
«أعرفُ أنكِ لا ترغبين بالعَودَة لقصر كورفال، ولهذا تُمدّدين إقامتكِ في المَشفى دونَ داعٍ حقيقيّ..»
هل يتجسّس عليّ..؟ تزدادُ ريبَتي، ليسَ من معرفته، لكنّ نبرَته القاطِعة.. كأنّما يكشف سرًا خطيرًا عني.. وهو كذلك..؟
لم أقوى على الإنكار حتى، شعرتُ بحاجة للتّململ قبل أن أنبس..
«ما مغزاكَ من هذا الكلام..؟»
« أريد أن أساعدكِ فلا أحد أكثر مني يستطيع، وهذا لن يحصُل ما دام كلّ منّا في مكان..
ألا تُريدين مُغادرَة منزلكِ والانتقام..؟ أنا فرصتكِ لذلك بدلَ الهُروب »
الانتقام..؟ لمَ أخبرَه آلبرت برغبتي..! ثمّ كيفَ عرفَ أنني
كنتُ سأهرُب..؟
ألهذا أتى الآنَ بالذّات..؟
منذُ متى يعلَم أساسًا..؟
ليسَت صدفة.. أشعرُ بخَطَره يُحيطُني.. توجّستُ خيفَة فطغَت الفظاظة على نبرَتي..
حتى إن كنت لن أفعل لكن..
«كيفَ عرفتَ أنني سأهرُب..؟»
انفلتَت أعصابي بينما لم يُبدي هو أي تعبير حين التصقَ بظهر المقعد..
«اعتبريهِ تَخمينًا أو استنتاجًا.. الأهمّ هو أن أعرفَ ردّكِ..»
ت
َخمين..؟ حقًا..؟
رمّمتُ تركيزي وقطَعتُ النقاش.. لا أجد نصفَ سبب لأثقَ به ولا أدري من أين له بهذه الثقة في محاولَة إقناعي..
«أرجو أن تنسى كلّ ما قلتَه يا سيّد آدم، وإن كنتَ تريد إسداء معروف لصَديقك، فغُضّ الطّرفَ عن أمر هروبي..»
بقيَ صامتًا، يُحدّق فيّ كأن إجابَتي خارج قاموسه..
ثمّ رشقَني..
«آلبرت أرادَ أن تنتقمي..»
تشنّجت.. ما الذي يهذي به..؟
هل أصابَه الحزن بالجنون..؟ آلبرت لم يترُك أيّ وصيّة فضلًا عن أنه عارَض ذلكَ حينَ أخبَرته..!
«لا أعرف مبرّراتك أو نواياك، لكنكَ كاذب يا سيّد آدم، لذا اخرج رجاءً، فأنا مُتعبَة كما ترى..»
فكّ ذراعَيه.. تنهيدَة طويلة غادرَت صدره بينما يُخرج شيئًا من جَيب بنطاله.. حدّقَ فيّ بصرامة، كأنها ورقَته الرّابحة..
وكانَت ورقة.. قدّمها إليّ فأخذتُها على مضض بينما أبحث عمّا يوضّح الأمور في تعبيره الأخرَس..
لم أتوقّع شيئًا مهمًا لكن بمجرّد أن فتَحتُها انتابَتني صدمة عصيبَة، إنه خطّه..!! لكن كيف..؟ "انتقمي يا سيلينا.."
شعرتُ بالأفكار تخبِط جمجمَتي، تتصاعد الحرارة لأسفل عيناي وفي النهاية تَساقطَت الدّموع دون هوادَة..
رفعَ منديلًا أمامَ نظرتي المُشوّشة نحوَه..
كأنما تسألُه أن يُبرّر..
أن يرميَ بطوق تَوضيح يُنجيني من هذه المَوجَة، إلا أنه صمَت فسلّمَني للغرق، وما عُدتُ أفهَم شيئًا..
كادَ وجهي يصبح بحرًا هائِجًا لولا أنني تناولته منه.. تمالكتُ من روعي بعد عناء..
لكن الدّموع لا تتوقّف، لم أبكي أمام أحدٍ من قبل.. إن آدم روهَند هو أوّل من يراني..
مسحتُ دموعي وزفَرتُ نفسًا ضروريًا.. ما زالَ يحدّق في الورقة بين يدي..
بدّلتُ بصري بينَه وبينها، الإصرارُ يتفجّر من نظراته رغم سُكونها..
كأنّه لن يَقبل أيّ رد يُخالف رغبته غير المُبرّرَة.. زفرَةٌ باسم الحيرة رافقَت موجة النّعاس التي لطَمتني من المُسكّن..
ابتغَيتُ إنهاء الحوار فقَط..
«ما الذي ستَستفيده من مُساعدَتي..؟»
لم أعاتب حدة نبرَتي، فهو بدأ يُخيفني.. مرّة أُخرى يُجيب ببرود..
«يكفي أنني أحتاج لفعل ذلك.. ولا داعي لأَن تقلقي مني..»
م
ا هذا الآن..؟
هل هو يتحكّم بزمام الحِوار أم أن المسكّن سرقَ قُدرتي لمُجاراته..؟
آلبرت يُريد.. وهكذا لن أعود للمنزل ثمّ يمكنني تنفيذ انتقامي بأمان..
قفزَت الفكرة لرَأسي تلقائيًا، كأنّها تتوق لتأكيد
نفسها..
لا.. لا يمكنني الوثوق به..
"ما عاد لكِ مكانٌ تلجئينَ إليه.. رغبتك الساذجة ماتت معه"
لسعَني جانبا رأسي فاستوعبت اصطكاكَ أسناني.. تلك الحقيرة..!
لا بل هذه فرصة، وَسواءً اعترفتُ بذلك أم لا، فأنا بحاجة لعرضِه.. يكفي الصّداع الذي يصعقني كلما تذكّرت الحادثة..
غالبًا صديقُ آلبرت لن يكون شخصًا سَيئًا..
أُحقّق انتقامي دون العودَة للجَحيم..
معَ هذا، لا يُمكنني كتم قلقي جرّاءَ إصرارِه، ربما كلّ ما يريده هو سيلينا كورفال..
هو رجل في النهاية.. لكن الورقة..؟
و "ما دام كلّ منّا في مكان..؟!"
يخطرُ لي معنى وحيد لعرضِه هذا، وما كنتُ لأتسرّع بتأكيده قبل أن يُفصِح هو..
ليتَه صمَت بدَل ما استرسل به، فقد أخرج عِقدًا من
جيبه..
رموشي تلامسَت عدَة مرّات بينما أحدّق فيه، تعلّق بصري بجوهرته الزمرّدية..
تتراقص في الهواء أمامي، أسفل إضاءة الثّرية، كأنما تريد فتنَ بصري..
أخذَت عيناي تسير على إطاره الأسود بدهشة بلهاء، ألا يكون ذهبيًا أو فضّيًا بالعادة..؟
ثمّ استوعبْت.. هذا التنسيق اللوني يُذكّرني ب..
قدّمه ليَ فالتقطتُه..
«احتفظي به إلى أن تُحققي مبتاغكِ وبعدها ارميه في أقرب مكبّ نُفايات..»
ذُهلتُ أكثَر ولو كانت العيون تسأَل لفعلَت نظرتي الحائرة في وجهه الفارغ، لمَ تُعطيني إياه..؟
بالكادِ انفرَجت شفتاي حتى أخرسني ببرود حديثه.. كأنّما يسأل عن الطّقس..
«آنسة سيلينا كورفال، أقصدُ أن مصلحتكِ تكمُن في الزواج مني.. ولكِ حقّ الاختيار طبعًا..»
~~
~~
عصرُ اليوم التالي..
«حقًا وافقتِ..؟!»
صرخَت بدهشة وسّعَت عينيها، يتعثّر الكلام في فمها فتبتلع بصعوبة قطعة التفاح..
تسترسل مقدّمة جذعها بانفعال، لتواجه من زفرَت
بعبوس..
« سيلينا.. أعلم أن شدة المساوئ التي تعرضتِ لها لا يتحملها أيّ أحد، لكن..
بالتأكيد ليس لدرجة أن تفقدي عقلك وتتزوجي فقط كي لا تعودي للمنزل..!! »
تذبل نظرتها فيتلقاها السرير بينما يتفشى الحزن في وجهها أليس ثمنًا زهيدًا مقابل كسر حلقة المعاناة هناك..؟
تُقلّب قماشَ الغطاء حين تُفصِح..
« لقد فكّرت طوال الليل دون لحظَة نَوم، ثمّ ليسَ وكأنّ لديّ خيارًا آخر..
كما لا أستطيع البقاء في المشفى للأبد، أليسَ هذا أفضل من العودَة للمنزل..؟
أنا بالفعل أحتاجُ مكانًا آخر لأحقّق ما أريده، بقائي معهم يرفع احتمال كشفي ثمّ إنه آلبرت، إن قرّر دعَم انتقامي فسأفعَل»
« برأيكِ ما الذي قد يفكّر به الناس حين تتزوجين بعد وفاة شقيقكِ ببضعة أسابيع فقَط..؟
وماذا عن موافقَة والدك..؟ سيلينا هذا ليسَ صحيحًا من
أيّ ناحية.. »
يكفهرّ وجهها وينزِل طرْفُها بتنهيدة عصيبة قبلَ
ردّها البارِد..
«لا أحد يعرف أن علاقتي به قويّة، وهو مجهول جدًا بالنسبةِ لهم.. أما والدي فليس لديه سبب للرّفض، وإن فعل فأعرفُ كيف أجبره..»
لديها الكثير لتقوله لكن صحة الماثلة أمامها لا تسمح، ثمّ إنها ما كانَت لتخاطر بخسارة هذا التّقدّم في جعلِها تتحدّث..
لذا تكتفي بهمهمة مُتفهمة ثمّ تتحدث بعد وهلة صمت..
«حتى إن كان من طرف آلبرت فلا تثقي به تمامًا..»
خضراواتاها الفاتحتان تلمسان السّقف حين تلصق ظهرها للمقعَد ثمّ تعودان مع تقديم جذعها مجددًا..
«المشكلة أنه قليلُ الحضور للتّجمعات وإلا لأعطَيتكِ تقريرًا كاملًا.. »
تتناولُ قطعة تفاح أخيرة من الطبق فوق المنضدة وتقف بتتّمة حديثها..
« بكلّ الأحوال، فرغم كلّ غموضه، أنا لم أرى منهُ ما يثير الرّيبة.. ولم أرى العكسَ أيضًا..
كما أنتِ.. لذا احرصي دائمًا على مجال لخطوة تراجع واحدة على الأقل.. »
تهزّ رأسها على مضض، كأن كلامها لم يعبَث بأزرار القلق طوال الليلة الفائتة وحتى الآن..
لم يكشف عن نواياه ومن الواضح أنه لن يفعل في وقت قريب، لذا الحذر واجب..
قبل الباب ببضع خطوات التفّت صديقتها مجددًا..
«ما الأمر..؟»
اقترَبَت قليلًا وبنظرَة صارمة كلّلَت مُواساتها طوال الأيام الفائتة..
« سيلينا، أعرف أنكِ تدركين ما سأقول لكني سأكرّر، لو كان آلبرت حيًا فلَن يرضيه أن تبقَيّ هكذا..
الكثيرُ من الناس قد انكسروا ببشاعَة مثلكِ، لكن الكثير منهم أيضًا قد وقفوا مجددًا..
بل وُهِبوا سعادة مسحَت على كل جراحهم، يا سيلينا.. تذكّري دائما أن حزنكِ سيؤذي آلبرت.. إلى اللقاء.. »
كأن الكلمات عالقَة في الهواء، ظلّت تحدّق في الباب بهدوء
احتضنَت ركبتَيها وأخفَت وجهها أعلاهما متعاميَة عن وخزَ الجرح إثر حركتها المتهورة..
نعم آلبرت لن يرضى، لكن ماذا تفعل بكلّ هذا الألم..؟ كيف تُصرّفه..؟ كيف تبتسم بعدما دفنَت أملها الأخير بنفسها..؟
أي عَودَة تقصدها جودي..؟ بل هل هيَ موجودة..؟ مهما كانَ الكلام منطقيًا..
فَرفيقتها التي عاشَت بين كفّ تُهدي في الفرح وأُخرى تُربّت في الحزن، لن تفهَم معنى أن تُصبح أساسياتٌ عاطفيّة رفاهياتٍ غيرُ موجودة..
~~
~~
منذ ساعتَين في معمله الخاص، يحني جذعه فوق طاولة خشبية بطول مترَين..
زرقاواتاه المَلكيّتان تنصبّ بتركيز عالٍ في الفراغ الأخير داخل العِقد..
حيث يضع آخر قطعة ياقوت بالمرصِّع في يمينه قبلَ أن يتذكّر الوقتَ بلمحة..
الخامسةُ مساءً من ذات يومهنّ تعني وقت استراحة.. جعلَه يُفلت ما يُمسك بحذر مُعتاد ويُمدّد ذراعَيه في الهواء..
دون أن ينسى عنقَه من بضع حُرَيكات خلّفَت طقطقة خافتة.. كسَرَت صمت المكان..
بضعَة ثوانٍ مرّت خلالها عيناه على الصّحيفة أمامه، قبل أن يُطرَق الباب..
«أُدخل..»
فأطلّت العاملة..
«العشاء جاهزٌ يا سيّد آدم..»
لم يلبَث أكثرَ من خمسِ دقائق ليُنظّف مكانه ثمّ يتبعها من الطّابق الثاني وإلى الأرضي..
حيث مرّ بالأول ونزل من إحدى السلالم الملتوية على جانبي البهوّ الدّائريّ الواسع، متّجهًا لقاعة الطّعام يساره..
حيث تجمّد على عتبتها، يقترِن حاجباه بعبوس
للضّيوف..
يلحظَ والدته بحدّة، لكنها تزمّ شفتيها كتهديد صامت وتشير بعسليّتَيها..
يتقدّم فيجلس جوارها بزفرة عميقة، مقابلًا لابنة عمّته يسارَ والدَتها وقد انفرَجَت أساريرها..
تستمرّ بتحديقها المَلهوف وتُتبعته بلكنَة مرِحة..
«يجب أن تعوّضنا عن انتظارك أيّها الوغد..!»
كان يملَأُ طبقه من الأصناف المُتنوعة حين رمى إجابتَه المُغلَقة..
«أعتذر..»
أمامَه جميع محاولاتها لجذبه مكشوفة، يعرف جيّدًا كم تريد دفعه للحديث، وكعادتها تستغلّ وجود والدَيه هنا..
تجلى الإحباط في عبوسها بينما تُفرّغ غضبَها بأكلٍ نهِم.. متجاهلة وكزات والدتها أسفل الطّاولة..
تنهّد السيّد شارلن في سرّه بلا حيلَة وتجاهَلت والدته الأمر تشاغُلًا بطبقها، لم يكن تصرّفها غريبًا..
فالجميع يعرف حبّها الجنونيّ لابن خالها منذ الطّفولة وحتى الآن، بقدر ما يعرفون أنه لا يُبادلها الأمر أبدًا..!
ما عاد حبها له في المهد، بل بات كهلًا تُثقلها رعايته.. خصوصا مع رفضها لعروض زواج جيّدة من أجله، دون ضمانه..!
ولكي يُساعدها ويريحَ نفسه، بعد وقت قدّره جيّدًا قرّر ابن عمّتها تأدية مهمّة أجّلها حتى حينٍ مُلائم، أرادَه أن يكون الآن..
فعَزم على نحر هذه المشاعر أمام الجّميع دون تردد.. مُتقصّدًا جمع ألم الإحراج مع انكسار القلب عليها..
علّها تكرهه بقدرٍ يُبعدها للأبد.. نطق يُقاطع كلامهم، جاذبًا أبصارَهم إليه..
استغرابهم الجّليّ مُبرّر، فمن النّادر أن يبدأ آدم
حوارًا..
«أعيروني انتباهكم رجاءً.. لقد قرّرت بعد يَومين التّقدّم لخِطبَة إحداهن..»
وكأنه فجّر قنبلة صّمت، كُتم المكان، حتى رنين الملاعق والأشواك ما عاد يُسمع، وجه لورا خُطِف كأنما رأَت الموت أمامها..
وبين نظرة والدته شديدة الصدمة كما عمّته ووالده جادّ الملامح مع علمه بكلّ شيء مُسبقًا، يُقلّب بصرَه قبل أن يستأنف بلا اكتراث..
«سأخطِب سيلينا كورفال..»
حجم صدمتهم تافه أمام وجَع من ارتخى فكّها..
تفترق شفاهها بلا صوت عدّة مرّات قبل أن تستعيدَ شيئًا من زمام نفسها، فتنبس بخفوت اتّسخ بحنق البكاء..
«م.. ما الذي تقوله؟ أعني لا، لمَ هيَ؟ بل كيف تعرفها..؟»
الوالدات يتبادَلن نظرات مترقّبة..
والقاتل اكتفى باحتضان ذراعَيه بلا أيّ تعبير، لتسترسل مغالِبة دّموعًا تهدّدها بفضيحة..
الغضبُ يتفجّر من نظراتها وينفِض قدمَيها لوقوف عنيف
بينما تصرخ به..
« لماذا..؟ لماذا تفعل هذا بي..؟ تلك الفتاة.. أهي أفضل مني؟ لقد فتنتك، أليس كذلك..؟
هل أنتَ سطحيّ لهذه الدّرجة..؟ ألا تعلم بأمر والدَتها..؟ أتريد لأبنائك أُمًا مثلها..؟ »
لم تهتز له شعرَة، فليس وكأنه لا يعرف تفاصيل كهذه عن حياة جارته منذ زمن، ثمّ من لا يعرف سيلينا كورفال..!
تشبّث بصَمتِه وتركَها تفرغُ ما بجعبَتها..
«انتهَيت، اسمحوا لي بالمغادرة..»
بالكاد تناوَل لُقمتَين عندما وقف وانهارت هيَ لتمسكَها والدتها..
نظرَتها انكسرَت على ابنتها وبالتفاتها إليه توجّهَت لتنغرس في برود تعابيره..
حاجباها يشتبكان بعقدة فُكّت توًا عن لسانها..
«آدم! ألا تظنّ أنّك تمادَيت..؟ احترم وجودي على الأقل..!»
تُدرِك جيدًا أن ابنتها لن تصل لنهاية مُرضيَة مع هذا الرّجل..
تمامًا كما والدَيه اللذين وقفا على الهامش..
موافقان ضِمنيًّا على قراره.. كم حذّرتها وحادثتها عدة مرّات لكنها لم تُنصت.. ورغم إدراكها لخطأ ابنتها..
إلّا أنها لم تستحمل ولو سُمكَ شعره من الإهانة لها، مسببة استدارته بجفاء أربكها.. عيناهُ الميتتان تُخيفانها لوهلة..
« صبري عليها حتى هذه اللحظة هو احترامٌ فوقَ الحد
لذا وضّحي لها ذلك، علّها ترتاح..»
يتحدّث وكأن بإمكانه الشعور بشيء لها أو لغيرها، يا له من تهريج.. رغم ذلك فالحقيقة واضحة..
شاءت أم أبت، كان على حق ربط لسانها حتى أنهى
كلامه..
«لورا نسجَت كلّ شيء من خيالها وصدّقته، هذا كلّ ما حدَث، وأرجو ألّا يُسبّب الأمر شرخًا بيننا..»
شدّت على أسنانها وشزرَته بحنَق قبل أن ينزلق لسانها..
«وكيف سيقدّر مشاعرها معدومُ إحساس مثلك..؟!»
«تيريزا..!!»
استوعبَت خطأها تاليًا..
فاستدارَت هلعَة لوالده الذي زجرها بحدّة، قبل أن تُعيد نظرها منكسِرًا إليه..
اكتفى المُهان بلمحَة جامدة لها، قبل أن يستأنف طريقه تتبعه والدَته..
على أيّ حال فقد انتصر.. لا مجال للإضافات، آدم كان المجرم والقاضي والمحامي في هذه القضيّة..
فأيّ إنصاف ستحصل عليه تلك الوالهةُ الواهمة..؟
~~
~~
بعد يَومَين..
من حيثُ لا تراه، في ساحة المشفى على المقعد المقابل لبوابتها..
يجلس ودبيب أصابعه العنيف عليه قد علا.. حتى أوقظ رفيقه الذي غفا جالِسًا..
فيرفع رأسه، يرمقه ببصر مشوّش قبل أن يُمدد ذراعيه بتنهيدة ضجر من حاله..
« أخرَجْتني منذ الصباح وها هي الخامسة مساءً ونحن في انتظار خروجها غير المضمون للحديقة..
والآن توقظني أصابعك الغبية لأنك غاضب من الرّجل الذي خرَج معها..
لمَ لا تفهم ألّا شأن لك بها..؟ هل تنوي إضاعة وقتنا بالرّكض خلفها..؟ »
ضربَه على وتر حساس، بل وصل لعُمق جرحه فداسه، دفعه للالتفات بقوّة..
عيناه تقدحان شرَرًا وبتذمّر يرفس الأرض مُثيرًا
غبارها..
« أخبرَتني الممرضة أنهم يُخرجون المرضى للتمشي في كثير من الأحيان ثمّ.. ألا تفهم..!
أخبرتكَ أنني أحببتها، ومن الخانق أن أراها مع رجل آخر، لا أعرف شيئًا عن علاقتها به..
وهذا يزيد الأمر سوءًا، لكن الفضول يقتلني، هل هيَ تحبّه..؟ ثمّ كيف صحّتها الآن..؟ »
وجهه يَشحُب ورأسه يتهاوى حتى بات بين كفّتيه وقد أتكأ بساعدَيه على ركبتيه..
ارتمَت جملته بخفوت..
«ليتني اقتلع قلبي فحسب..»
أزاحَ نظرَته المحبطة لصديقه فإذ به يجمع ذراعَيه المرفوعتين خلفَ رأسه، مطالعًا المشهَد بلا اكتراث..
يدفعه لحملقَة غاضبة قبل أن ينتفضَ واقفًا ويبتعد بخطوات ثقيلة مُغمغِمًا بسخَط..
لا أُصدّق أن هذا ما حدَث، لكنني خرجتُ للتّو من المشفى يُرافقني آدم، الذي رأيتُه آخر مرّة قبل ثلاثةِ أيام..
وها نحن ذاهبان لعَقدِ القِران في مكان خاص سنجتمع فيه مع القاضي، نظرًا لأن المحكمة مغلَقة الآن..
أنا بحاجة لهذا الزواج في أسرع وقت، فلن أعود إلى ذلك السّجن ولو عشتُ في الشارع..
يجب أن نكون هناكَ في السابعة، أي بعد ساعتين على الطّريق.. مع أننا نحتاج أقل من ذلك للوصول..
أخذَ هو يرتّب الحقائب التي حمّلها في صندوق السّيّارة
بينما أسندتُ جسدي ببابها..
قلّبت بصري دون مغزى حتى لفتَني وجه مألوف..
كان الضّابط منذ يوم الحادثة، يجلسُ على إحدى المقاعد المُقابلة لبوابة المشفى..
يدوس الأرض بقوة، رُبما خسرَ إحدى القضايا المهمة..
أو ربما هو هُنا ليُخبرَني شيئًا عن موت آلبرت..!
هل أذهبُ الآن..؟
«هيا اركبي..»
التفّ لمَقعَد السّائق وجاوَرتُه، أُنهي حيرتي بعد نظرَة أخيرة للضّابط، أراه يقفُ مبتعدًا عن صديقه..
أيًا يكُن، بمجرّد أن تحرّكت السّيّارة غاب عن بالي، ارتخَيتُ من وهَني، فما عاد جسدي يُسندُني..
طوال الوقت يبدو الأمر وكأنني أحمل جبالًا صغيرة على أطرافي..
لفحَني الهواء البارد فأخذتُ أدفعُ خُصلات شعري المُتسابقة لعِناقِ وجهي وشيءٌ من الوسَن يُداعب أجفاني..
حتى أنني كِدتُ أغطّ في النّوم لولا أن نطقَ بعد طول
صَمت..
«هل تشعرينَ بالإعياء أو التّعب..؟»
عدّلت جلستي وفرَكتُ عيناي علّي أطرد النّعاس..
«لا، بعضُ النّعاس فقَط، هذا يحدث كثيرًا في الآونة الأخيرة..»
مسحتُ ملابسي الفاخرَة بنظرَة سريعة، الذّهاب لعقد القران يقتضي أن أكون بأفضل حال..
"لا يجبُ أن تُهدَرَ هذه الأناقة دون داعٍ يستحق" لاحَ وجهه فجأة في عقلي..
أدركتُ متأخّرَة أنها جُملتُه، أدركتُ بعدما نكشتُ جُرحَ قلبي بذكراه..
غصّة منعتني من ابتلاع ريقي وحرارة حفظَت طريقها لعينايَ في الفترة الأخيرة، كادَتا تُفلِتان من تماسكي..
فلم أشعر بيدي التي اتّجهت للعِقد، شددتُ عليه وجُزءٌ مني يحذّر من النّظر لليسار..
أردتُ إقناع نفسي بأنه لم يلاحظ، مع معرفتي التّامة بأنه لابدّ وفعل، ومن الواضح أنه سايَرَني..
فبالتّفكير في الأمر حتى هو قد فقد صديقه، وربّما وضعُه أسوأ بعدما مات أمام نظره..
حتى الآن لم أجرؤ على سؤاله عن أيّ تفصيل ليوم الحادثة
ولا أدري لماذا..
لقد قيّدتُ حيلتي، بين جزء يريد معرفة المزيد وآخر يخاف أن يسمع..
بصعوبة تمالكتُ نفسي، أقتل بوادر الدّموع في مهدِ عيناي
دون منعهما من لمحة سريعة نحوه..
ما زالَ على حاله، يُطالع الطّريق كصخرة جامدة لولا عبوسه الطّفيف واصفرار مفاصل يديه على المِقوَد..
لم أُطل النّظر راجية ألّا يُلاحظ أنني فعلت لوهلة
سابقة..
~~
~~
يتحايل النُعاس على وعيي بوساطة المُسكّن، سيُصيبني بالجنون إن لم يُحدد موعدًا لبثّ تأثيره ويتخلّى عن عنصر المفاجئة هذا..
«يُسعدني بشدة ارتباط العائلَتَين وأرجو أن يكون بداية نجاحات مُشتركة في المستقبل..»
بنصف وعي لانشغال الآخر بالمحافظة على عينايَ مفتوحتان أسمع كلام السيّد شارلن والدِ آدم..
وقد خرَجنا للتّو من القاعة، يتبادلُ مع والدي التّحايا بابتسامات لبقة قبل أن يقترب الأخير من آدم..
أيّ منّي أنا التي أقف جِواره، فأتراجعَ خطوة لم أُقرّرها في سيطرة واهنة على رجفتي..
يُسلّم علَيه ببضع كلمات يحفظونها في هذه المواقف ثمّ يجذبه السّيّد شارلن بتتمة جُملَتِه..
«سيّد نيلسون فيما يخصّ الزّفاف، أنا أُوافق على قرار العروسَين باحترام موتِ السّيّد آلبرت، فيكفي اضطرارنا لهذا الزّواج باكرًا..»
أعرفُ أنه سيرفض، أحفظ والدي عن ظهر قلب ولهذا أعرف أن موت ابن طليقته لا يُهمّه..
وهذا ما أثبتته لحظَة حِدّة في نظرته قبل أن يعود لارتداء الابتسامة..
« أحترمُ رأيكَ يا شارلن لكن لابدّ لكَ من تقدير أنه زفاف ابنة كورفال الكبرى..
ويجبُ أن يُقام بشكل يُشرّف اسم العائلة، أليسَت هذه العادات..؟ »
يقتضبُ وجه المعنيّ بالكلام ويشدّ على العصا التي تُسند اعوجاج مشيته..
كأنما يطلب مساندتها في هذا أيضًا، فينبس بأسوأ ما فعله بحقي..
«لمَ لا نسأَل صاحبة الزّفاف..؟ وهي ستُقرّر..»
ينظرُ الجميع إليّ، أشعر بأن الأرض تفعل أيضًا..
ازدردتُ ريقي قبل رمي إجابة تقرّرت منذ أول لحظة وافقت فيها على هذا الزواج..
«لا أُريد حفل زفاف يا أبي..»
كم كرهتُ هذا المُسمى له، وكرهتُ فعلتَه أكثر حين نبس مُخرِجًا سيجارَه..
«يا ابنتي لنجعله حفل زفاف بسيط وهذا أقصى ما يُمكنني التّنازل عنه احترامًا لأخيكِ..»
ينفث هوائها أمامي.. دور المضحّي إذًا..؟ لكنني أعرف ألّا فائدَة من العناد..
وإن لم يُوافق الآن فلن يفعل لاحقًا، اللعنة.. فقط اللعنة عليكم جميعًا..
ابتلعتُ خنجرًا تلطّخ بشعور الخيانة تجاه أخي، استدرتُ مع جملتي، لا أريد أن يرى وجهي المعتصَر..
كأنني سأحفظ فُتاتَ كرامتي بذلك..
«أيًا يكن..»
ثمّ خطوتان نحو السّيّارة خلفنا على مسافة، وفي الثّالثة تخدّرَت قدماي فجأة فالتقطَ آدم ذراعي..
«انتبهي..»
عندها رمى السّيد شارلن أمره لابنه..
«آدم خذ زوجتكَ واسبقني للمنزل..»
زوجتَك..؟ لم أتخيّل وقعها بهذا الثّقَل..
بالتّأكيد ليس أثقلَ من الإعياء الذي داهمَني بوخزات الجرح يحنيني لأَجدوَ على رُكبتاي..
دعمَني أكثر برفعي من ذراعايَ، حتى وقفت مجددًا بحالٍ مُزرية، فقدمايَ ترتجفان..
وضعيّتي سمحت برؤية والدي من طرف عيني، حُلكَة مقلتيه شديدة..
وكالسّيف مسلولَة على يدي آدم التي تُسندني، ما الذي يُفكّر به بتلك النّظرة..؟
لم أمتلك الوقت لاكتشاف الإجابة حين شعرتُ بنفسي أرتفع عن الأرض فجأة..
فتمسّكتُ بأقرب شيء ثابت، اتّضح أنه ياقة قميصه، لأنه قد حملني بعدما طلب إذنًا نسيتُ إعطائه له..!
«لأن حالتكِ لا تسمح بالسّير..»
قُربي أذِنَ لرائحةُ عطره بالتمشّي حول أنفي..
بل ودلع سيلٍ من الذّكريات التي أحرقَت قلبي.. لمَ عطر آلبرت هنا..؟ هل بدأ عقلي يُحتضَر..؟
لا أظُن، فلو كان كذلك لما خانني العبَق حين تعاوَن مع أعراضِ المسكّن المسببة للنّوم..
استكنتُ رغمًا عني، ويا للعار..! دون أن أشعر.. ارتخى رأسي على صدره بمَشروع غفوَة اضطرارية..
~~
~~
التاسعة والنصف مساء في أحد المقاهي..
يُمرّر كوب الشّاي لمُجاوره دون أن يرفَعَ نظرَه عن الصّحيفة
فوق الطّاولة..
«أهذا ما نعرفه عن القضيّة فقط؟»
يردّ الأصهبُ بعد رشفة سريعة من كوبه وقد عادَ لإتمام ما يكتبه..
« هذا ما أُغلقَت عليه، فليس بالأمر المهم، مجرّد صبي أحمق أراد النّصب على بعض الأغنياء..
وانتهى به الأمر يقتل أحدهم بالخطأ، يحدُثُ هذا كثيرًا.. »
بدا كلام صديقه كالموسيقى عند أصَم حين شغلته تمتمة ممتعِضة..
«آدم روهند إذًا..»
قبل أن يتراجع لظهر كرسيّه، مفلِتًا تنهيدتَه المُحبطَة..
«من الواضح أنه حبيبها، صديق شقيقها ولابد أنها تعرفه يبدو أن فرصَتي قد ذهبَت أدراج الرّياح..»
ثمّ ما يلبث أن ينتفض بغضب لتعليق صاحبه السّاخر.. فيضربّ الطّاولة ويسكب ما في كوبه عنها..
« بل لم تكن موجودة أصلا، مجرّد وجود ذلك الرّجل حولها يعدمها تمامًا، ألم ترى وجهه؟
ولا حتى بُنيَته أسفل ذلك القميص الفاخر؟ يا رجل.. تفوح منه رائحة النقود..
أنا أشمّها..!! أساسًا تلك الفتاة يبدو الثّراء على كلّ إنش منها.. »
لا مجال لأن تجحظ عيناه أكثَر بعد كل ما سمعه..
«وكيف رأيتَ بُنيَته ووجهه من تلك المسافة أيها الكاذب..! أتريد إزعاجي فقط..؟»
بابتسامة واثقة، أخرج منظارًا صغيرًا من جَيبه يدوس جثة الفرصة الميتَة بالفعل..
«بهذا أيها الأحمق، فبينما انشغلتَ بدكّ الأرض كالأبلَه راقبتُ أنا الوضع عن قُرب..»
يريد أن ينام، كانت هذه النتيجة التي توصّلّ إليها عقله بعد تحديق منكسِر في الأداة أمامه..
~~
~~
كان أول ما وقع عليه بصري سواد حالك، ما زلتُ لا أستوعب شيئًا من شدّة الظلام..
استندتُ ببطء حتى اتّكأت على ما اجتهدتُ أنه لوح السّرير ومن سكوت الجّرح اتّضح ألّا حاجة للمراعاة التي أبدَيتها..
أشعر بشرارات من الحيويّة تجري مع دمي، الأنني نمت..؟ وكم فعلتُ أساسًا..؟
لا أعرف.. لكن مقارنة بأوّل مرّة بعد الجراحة، أنا في نعيم خالص الآن..
انقضّ عليّ شريط الأحداث فجأة، لقد فقدت الوعيّ وحملني آدم ل.. ما هذا المكان..؟
نبضي ارتفع والأنفاس تفرّ مني، لستُ في المنزل أليسَ كذلك؟ بدأتُ أبحثُ حولي عن أيّ نور..
لا أرى شيئًا، هل حلّ الليل..؟ ولم لا يُوجَد أيّ صَوت..؟ هرعتُ للنّهوض نحو ما لمع جواري على مسافة..
تحسّسته واتّضح أنها السّتارة.. قد زُيّنت بمادة برّاقة، كان خلفها شُرفة صغيرة، فصلني الزّجاج عن الليل خلفها..
عندها فقد تنفّستُ الصّعداء، ليسَت غُرفتي، نعم.. لقد اتّفقنا بأن أعيش في منزل روهند فور إتمام العَقد..
لقد سار كلّ شيء على خير.. نعم، لا بأس بالاطمئنان قليلًا.. فككتُ ضيق صدري بزفرة طويلة واستجمعت نفسي..
قلبي بالكاد هدأ حينَ شعرتُ بضجّة خارج الباب وثارَ مجددًا.. باقترابها تسلّلت رائحة دخانه لأنفي..
إنه هنا وأنا وحدي..! استدَرتُ مُتصلّبة وكأنّ مفاصلي تجمّدَت، فلا أسيطر على رعشتي..
يداي ما زالتا تتمسّكان بالسّتارة وقدماي لا تسعافنني لوصول السّرير..
حاولت السيطرة على نفسي أسحبُ ما استطعت من الهواء الذي كان يهرب مني..
لا..! يجب أن أهدأ، لا أدري متى بلغ بي الخوف منه هذه المرحلة.. لا، هذا الهلَع قد بدأ منذ الجراحة..
فما عُدت بعدها أقوى على البقاء حتى في ذات المنزل معه بل إنني أطلتُ مدة مكوثي في المشفى بسببه..
إن مجرّد وجوده معي في نفس المكان يلتهمني بلا
رحمة..
ثمّ طُرق الباب وها هو يُفتَح.. ربما لهذا السّبب دبّت الحياة في قدماي مجددًا..
صعدت السّرير مع التقاط بصري المعلّقِ على الباب له..
«يُسعِدُني استيقاظكِ يا ابنتي..»
أشعَلَ الأنوار.. أُخرج، أُخرج! صرخ عقلي بائسًا فيما انسحبَ لساني من الموقف..
إنه يتقدّم، لا أدري لمَ ضمَمتُ ركبتايَ لصدري، يدي تحتضن الضّماد فتُضيّق الحصار عليه..
ما الذي أفعله..؟ هل أخفيه عنه أم أحميه منه..؟ وكأنه لا يعرف..! أليس هو السّبب فيه منذ البداية..؟
وقفَ جواري فعلق بصري الجاحظ أمام نظرته الغريبة، وجهه يابس، بارد كما كان ولا زال تجاهي..
لكني لم أغفل عن دفءٍ غريب تخلّل حُلكة مُقلتَيه، شيءٌ لم أفهمهة، يبدو أقرَب للشّفقة..
«جِئتُ لأطمئّن فقط، في نهاية المطاف أنا والدك..»
للأسف..
ما زال لساني مخدّرًا وهو يُحدّق فيّ بحاجبَين معقودَين..
عينايَ ما انفكّتا تتفقّدان الباب، علّه يكشف عمّن يُنقذني..
أيّ شخص.. أي أحد..
ثمّ فُتحَ مجددًا واتّضح آدم، لا أُنكر شعور الرّاحة الذي انتابني أين كان منذ البداية..؟!
من نظرتي أظنّه شعر وكأنّها نهاية العالم، وبطريقة ما فهذا صحيح إن تحدّثنا عن عالمي..
وقفَ والدي مجددًا واتّجه للباب حيثُ استقرّ هو.. قبضَ على كتفه بضغط واضح، بعيدًا عن ابتسامته الراقية..
«إذًا سأترك ابنتي في أمانتك، اعتني بها رجاءً..»
هزّ السامع رأسَه على مضض..
ثمّ طلب من العاملة أن تُرافقه للمخرج.. أغلَق الباب واتّجه لمكتب انزوى على بُعد جيّد يمين الغرفة..
سحبَ عنه المقعد ووضعه قرب السرير، طوى ذراعَيه ببروده الذي اعتَدتُه بالفعل..
«أيمكنني أن أعرف لمَ تخافين والدكِ لهذه الدّرجة..؟»
عرفتُ أنه سيسأل..
يُلْحَـــــقْ..
حياكم الله من جديد..
📍اجتماعنا للفصل..
يمكنكم ترك تعليقات..🏷️
ال⭐ يا بطة..
وإلى لقاء آخر ان شاء الله..
Insta: nabiola_as05
أي شيء سيئ يذكر بالرواية من قتل شتيمة حتى على مستوى إزعاج شخص بكلام أو مضايقته وما إلى ذلك من أمور هي كثيرة، وُضعت خدمةً لأحداث الرواية فقط ولا أشجع عليها أبدا..