الفصل الثاني عشر: رسالة مجهولة

الفصل الثاني عشر: رسالة مجهولة

11 0

قد لا نستطيع تغيير ما مررنا به، لكننا نستطيع أن نختار من يرافقنا في الطريق، ومن يذكّرنا بأن في الحياة دائمًا مساحةً للأمل.

____________________________

وصلت سيارة الأجرة أمام منزل فيرا، فترجلت كلتاهما منها.

نظرت نور الهدى إلى فيرا بابتسامة خفيفة: "هل هذا منزلكِ؟"

ابتسمت فيرا رغم التعب والإرهاق وهي تقول: "نعم، هذا منزل عائلتي."

خطت فيرا وهي تفتش في حقيبتها متجهةً إلى الباب، تبعتها نور بهدوء.

ثم أخرجت فيرا مفتاحها وأدخلته في الباب

فتحت فيرا باب المنزل، فإستقبلهم صمتٌ ثقيل وعتمةٌ باردة.

التفتت إلى نور بعين متعبتين وابتسامة مرتجفة :

"تفضلي... ادخلي."

خطت نور للداخل. كان البيت ساكنًا سكونًا غريبًا. لا ضحك، لا صوت تلفاز، لا حركة.

تساءلت نور بتعجب:

"هل والداكِ ليسا هنا؟"

تجمدت ابتسامة فيرا لثانية. طأطأت رأسها بسرعة كي لا ترى نور ما في عينيها:

"لا... هما هنا. في غرفتيهما."

صمتت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ خافت تحاول أن تجعله عاديًا:

"البيت هادئ دائمًا."

نظرت نور إلى الأريكة، ثم إلى عيني فيرا الزرقاوين.

لاحظت العبوس على وجهها فتنهدت وقالت بنبرة مطمئنة:

"عادي... الهدوء أحيانًا يكون خيرًا لنا. وسيأتي يوم وتعود الحيوية لهذا المنزل."

ابتسمت لها فيرا ابتسامة باهتة، ونظرت إليها نظرة امتنان، ثم قالت بصوتٍ خافت:

"لا أظن ذلك... فقد رحلت حيويته منذ زمن بعيد."

ردت نور بيقين:

"أعلم أن الله سيعيد لهذه الدار حياتها، فلا تيأسي. وأعلم أيضًا أنكِ أنتِ من ستعيدينها."

تجمدت فيرا مكانها واستغربت. تساءلت في سرها:

"أنا؟ وكيف؟"

لكن ملامح وجهها فضحتها.

فضحكت نور بخفة وربتت على كتفها:

"الأيام ستظهر لكِ ذلك يا فيرا. لا تقلقي."

تنهدت فيرا بقلة حيلة، ثم قالت:

"إذن، تصعدين معي للغرفة؟"

ما إن كادت نور أن تومئ لها، حتى سمعت صوت اهتزاز هاتفها داخل الحقيبة.

عقدت نور حاجبيها باستغراب، ثم أدخلت يدها في حقيبتها وأخرجت هاتفها.

نظرت إلى الشاشة , ما إن رأت إشعار رسالة من رقم مجهول حتى تغيرت ملامحها .

لاحظت فيرا ذلك فسألتها :

" ما بك ؟ من المرسل ؟ "

ابتسمت نور تخفي فضولها وهي تبدي عدم الإهتمام :

" لا اعلم أنه رقم مجهول ... سأحذفه "

نظرت لها فيرا بإستغراب ثم قالت :

" و ليكن دعينا نصعد للغرفة أخذ اغراض و نذهب "

توقفت فيرا للحظة، ثم قالت بخجل:

"آه، عذرًا... هل يمكنكِ أن تنتظري هنا رجاءً؟ غرفتي مبهدلة قليلًا."

أومأت نور وهي تضحك:

"بالطبع، خذي وقتك."

تنفست فيرا براحة، ثم صعدت الدرج سريعًا، بينما بقيت نور في مكانها تنتظرها.

بقيت نور جالسة فوق الأريكة، تتأمل زوايا المنزل بصمت، حتى لفت انتباهها إطار صورة موضوع فوق أحد الرفوف.

نهضت واقتربت منه، ثم حدقت فيه باهتمام.

كانت الصورة تجمع فيرا مع شاب طويل، يشبهها بشكل لافت؛ بشرة بيضاء، وعينان زرقاوان، وشعر أسود، وإلى جانبهما امرأة ورجل بدا أنهما والداها.

لكن ما أثار انتباه نور حقًا لم يكن الأشخاص في الصورة... بل فيرا.

كانت تضحك بعفوية، ووجهها مضيء بطريقة لم ترها نور من قبل.

حدقت نور في الصورة طويلًا، ثم تمتمت باستغراب:

"لماذا تبدين مختلفة هكذا؟"

أفزعها صوت رجل هادئ جاء من خلفها:

"من أنتِ؟... وكيف دخلتِ إلى هنا؟"

التفتت نور بسرعة، لتجد السيد سيرغي واقفًا خلفها، وقد بدت على وجهه علامات الإرهاق والتساؤل.

ابتسمت نور بخفوت، ثم قالت باحترام:

"مرحبًا، سيدي... أنا صديقة فيرا، وستبيت عندي الليلة، وأنا أنتظرها هنا."

مال سيرغي بنظره نحو يدها، فلاحظ الصورة التي كانت تحملها وتتأملها. مدّ يده وأخذها منها، ثم أعادها إلى مكانها، قبل أن يقول بصوتٍ خانق:

"هل أنتِ فعلًا صديقتها؟... لأنها منذ فترة ابتعدت عن الصداقة."

قالت له نور:

"نعم... صداقتنا جديدة."

لم يرغب سيرغي في الإطالة بالحديث، لكن شيئًا من الفرح ظهر على ملامحه؛ فبمجرد رؤيته لنور الهدى و رغم شكلها الغريب شعر بالاطمئنان على ابنته.

ثم أردف قائلًا:

"حسنًا يا ابنتي... يبدو أنكِ فتاة محترمة وذات أصل. مرحبًا بكِ، واعتني بفيرا جيدًا."

ابتسم لها سيرغي ابتسامة باهتة، ثم صعد الدرج، بينما بقيت نور الهدى شاردة، تنظر إلى الدرج تارةً وإلى الصورة تارةً أخرى، قبل أن تتمتم:

"يا له من أب لطيف حقًا... فيرا محظوظة به."

قطع شرودها اهتزاز هاتفها، معلنًا عن إشعار جديد.

نظرت إلى الشاشة، فتجمدت للحظة.

إنها رسالة من الرقم نفسه.

بدأ قلبها يخفق بعنف، دون أن تعرف السبب.

لكن ماذا يمكن أن يكون قد أرسل هذه المرة؟

ترددت طويلًا قبل أن تضغط على الرسالة، ثم تشجعت وفتحتها.

كانت صورة لطفلة صغيرة، لا يتجاوز عمرها العامين، بشعر بني غامق مصفف في ضفيرتين صغيرتين، وعينين عسليتين واسعتين. كانت ترتدي فستانًا ورديًا تتناثر عليه ورود بيضاء، وحذاءً أبيض لامعًا، وتجلس فوق أرجوحة وهي تبتسم بعفوية، حتى ظهرت أسنانها الصغيرة.

حدقت نور في الصورة، وقد اتسعت عيناها بدهشة.

كانت الطفلة تشبهها... بشكل مخيف.

أخذت نور تبحث في المرسالة، علّها تجد شيئًا يفسّر سبب إرسال الصورة، لكنها لم تجد أي شيء آخر سوى تلك الرسالة.

والأغرب من ذلك أن الرسالة الأولى التي وصلتها منه كانت قد حُذفت.

عقدت حاجبيها باستغراب، ثم عادت لتنظر إلى الصورة مرة أخرى، وكأنها تحاول أن تجد فيها إجابةً عن سؤالٍ لم تعرف حتى كيف تطرحه.

من هذه الطفلة؟ ولماذا أرسلها إليها؟

_____________________

عند فيرا :

دخلت فيرا غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وسقطت تلك الابتسامة المزيفة فوراً.

سالت دموعها بضيق وهي تسند رأسها على الباب. لم يكن مجرد تعب عادي، بل كان ذلك الألم القاسي في عظامها الذي ينهكها كل يوم... ألم المرض الذي تخفيه عن الجميع.كانت تشعر بنغزات الحزن تعصر قلبها، ليس فقط من ألم جسدها، بل من ثقل الفكرة التي تلاحقها دائمًا: كيف لجسدها الضعيف أن يحمل كل هذا الخوف بمفرده؟ وكيف لها أن تبتسم في وجه العالم بينما تنطفئ روحها ببطء في العتمة؟ .

ذهبت بخطوات متعبة نحو درج مكتبها، وأخرجت أقراص مهدئ الألم، وابتلعت جُرعتها مع رشفة ماء وهي تحاول أن تهدأ. كانت تفكر بنور التي تنتظرها بالأسفل وتظن أنها بخير وتتفاءل لأجلها، بينما هي تعلم كم هي متعبة من الداخل.

انتظرت لحظات حتى تهدأ دقات قلبها، ومسحت دموعها بسرعة. أخذت حقيبتها ونزلت الدرج، وهي تحاول أن تبدو طبيعية تماماً.

لكن ما إن وصلت إلى الصالة حتى تفاجأت بمنظر نور؛ كانت واقفة بمكانها، وجهها شاحب وعيناها معلقتان بشاشة الهاتف بذهول.

نسيت فيرا تعبها واقتربت منها بقلق:

"نور؟ ما بكِ؟ لمَ وجهكِ متغير هكذا؟"

نظرت إليها نور بارتباك واضح، وأرتها شاشة الهاتف وهي تقول بصوت مرتعش:

"انظري... لقد أُرسلت لي هذه الصورة!"

اقتربت فيرا ونظرت إلى الشاشة، وللحظة اتسعت عيناها بدهشة وشخصت في مكانها. اتكأت على طرف الأريكة لتخفي رجفة جسدها من أثر المهدئ والتعب، لكن الذهول من منظر الصورة أخرجها من تفكيرها بمرضها.

كان الشبه بين نور والطفلة التي في الصورة واضحًا جدًا وغريبًا لدرجة تدعو للحيرة.

رفعت فيرا رأسها ونظرت إلى نور باستغراب قائلة:

"ما هذا؟ الشبه بينكما يخوف... من أين وصلتكِ هذه الصورة؟ ومن أرسلها؟"

عقدت نور حاجبيها وهي تقلب في الهاتف بحيرة:

"لا أعلم! الرقم مجهول... والغريب أن الرسالة الأولى التي وصلتني منه حُذفت تمامًا، ولم يترك سوى هذه الصورة!"

قالت فيرا وهي تحاول طمأنتها:

"ربما هو مجرد شخص يحاول التلاعب أو التسلية... لا تهتمي له، اتركيه."

ابتسمت لها نور وهي تحاول إخفاء الخوف الذي تملّكها:

"صحيح، ربما يكون كذلك... يكفي، دعينا منه."

ابتسمت فيرا بقلة حيلة، ثم اتجهتا نحو باب المنزل وخرجتا معًا، قاصدتين منزل نور.

____________________

في مكان آخر:

كان جون واقفًا أمام المرآة يرتدي ملابسه يستعد للمناوبة الليلية في المستشفى، لكن عقله كان شاردًا بـ "نور الهدى" ومواقفه معها.

تذكر كلام صديقه حين قال إنها مسلمة وأن دينهم معقد. بقيت كلمة "مسلمة" تدور في رأسه وتثير فضوله.

هي ليست مثل أي فتاة قابلها من قبل ، مظهرها يوحي بالنقاء والاحترام. تساءل في سره:

" هل الإسلام هو من يحثها على هذا التصرف؟"

تذكر الفتيات اللاتي يراهن عادةً بحياتهن المبتذلة وتصرفاتهن الباحثة عن الانتباه، وهو نوع طالما ينفر منه ولا يجد فيه أي جاذبية. أما نور، فكانت تملك شيئًا مختلفًا يفرض احترامه.

أخذ مفاتيحه وساعته، ثم خرج متوجهًا إلى المستشفى، وما زالت صورتها وأسئلته عنها لا تفارق ذهنه.

__________________________________

في بيت نور الهدى:

وصلتا إلى المنزل، فابتسمت نور لفيرا وقالت:

"تفضلي يا فيرا..."

نظرت لها فيرا بخجل ثم دخلت خلفها.

فتحت نور الباب وهي تظن أن والديها قد غادرا بالفعل، لكنها تفاجأت بهما يجلسان في انتظارها، فقالت بتساءل:

"يا إلهي، ألم تذهبا بعد؟"

ضحكت والدتها زينب من ردة فعلها وقالت قبل أن تلاحظ وجود فيرا:

"طائرتنا بعد ساعتين... انتظرناك لنودعكِ ونعطيكِ بعض التعليمات."

ابتسمت نور بفرح وقالت:

"ياااا، الحمد لله على وجودكما في حياتي!"

ثم ركضت ونحوهما وأخذتهما بالأحضان.

لاحظت زينب الفتاة الواقفة عند الباب، فابتسمت لها بلطف، وكذلك رحب بها والد نور بحرارة ليخفف من خجلها.

قالت نور وهي تُعرفهما عليها:

"أمي، أبي... هذه صديقتي فيرا، ستبيت معي الليلة."

رحبت بها زينب بحرارة:

"أهلاً بكِ يا ابنتي، البيت بيتكِ."

ردت فيرا ابتسامة خافته ونبرة خجولة:

"شكراً لكِ سيدة زينب... واعتذر إن سببت أي إزعاج."

قال والد نور بطيبة:

"لا إزعاج أبداً يا ابنتي، بالعكس، نحن مرتاحون لأن نور لن تبقى لوحدها."

التفتت زينب لنور وقالت:

"حسنًا يا نور، لم يتبقَ الكثير على موعد الطائرة. انتبهي لنفسك وللبيت جيدًا."

احتضنتهما نور مجدداً بامتنان، بينما كانت فيرا تتأمل هذا الدفء العائلي بنظرة ملأها الشوق والحزن، وهي تتذكر الهدوء الثقيل الذي يملأ منزلها.

غادر والدا نور، وأغلقت الباب خلفهما وهي تنظر إلى فيرا بابتسامة:

"تفضلي، لنصعد إلى غرفتي كي ترتاحي."

صعدتا معًا إلى الغرفة، فألقت فيرا حقيبتها على الكرسي وجلست على السرير بتعب. كانت تحاول إخفاء ألمها وأن تبدو طبيعية تمامًا، رغم أن مفعول المسكن بدأ يزول، لكنها تماسكت.

نظرت إليها نور بهدوء وقالت:

"هل تريدين شيئًا لتشربيه؟"

ردت فيرا:

"نعم، لو تحضرين لي كأس ماء أكون ممتنة لكِ."

ابتسمت نور وهزت رأسها، ثم خرجت ونزلت إلى المطبخ.

وبينما كانت تخرج الكأس من الرف، شرد ذهنها فجأة وتذكرت أمر تلك الصورة... كان الأمر يدعو للحيرة بحق؛ من قد يرسل لها صورة كهذه؟ وما الذي يهدفه من ورائها؟

توقفت يد نور وهي تمسك الكأس، وعقلها يدور في دوامة من الأسئلة.

كان الشبه بينها وبين الطفلة في الصورة يثير الحيرة، وتلك الابتسامة جعلتها تتساءل أكثر: من يملك هذه الصورة؟ ولماذا أرسلها لها هي تحديداً؟ وما الهدف من حذف الرسالة الأولى بتلك الطريقة الغريبة؟

تنهدت بخفوت وحاولت طرد هذه الأفكار من رأسها كي لا تلاحظ فيرا شيئًا. ملأت الكأس بالماء، وأخذت نفساً عميقاً، ثم صعدت راجعة إلى الغرفة.

قدمت الكأس لفيرا بابتسامة دافئة:

"تفضلي يا فيرا."

أخذت فيرا الكأس بامتنان وشربت منه، وهي تتجاهل الألم الذي بدأ يعود لعظامها تدريجياً.

لكنها لاحظت نظرة الشرود في عيني نور، فسألتها بهدوء:

"نور... هل أنتِ بخير؟ يبدو أنكِ تفكرين بشيء."

ردت نور بتلعثم وارتباك:

"نعم؟... ماذا؟... لا... لا شيء، فـ... فقد شردت قليلاً."

لم ترد فيرا الضغط عليها أو إحراجها، فاكتفت بالقول:

"حسناً..."

في تلك اللحظة، لمحت فيرا من بعيد المصحف الشريف موضوعاً فوق حامل أبيض أنيق، فذهبت نحوه وحملته بلطف. كان شكله جميلاً ومميزاً يختلف عن النسخة التي تملكها. وبينما كانت تتأمل جماله وتفاصيله، جاءها صوت نور الهادئ وهي تقول:

"هذه هي النسخة الأصلية من المصحف، وهي باللغة العربية."

نظرت إليها فيرا بتفهم ثم فتحت المصحف، ليقع بصرها على آية لم تفهم رسمها ولا معناها لأنها لا تقرأ العربية.

لاحظت نور الحيرة في عينيها فقالت بلطف:

"لا تقلقي... يمكنني أن أشرح لكِ معناها."

صمتت نور للحظة تجمع أفكارها، ثم بدأت تبتسم وهي تقول:

"هذه الآية من سورة الحج، يقول فيها الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾."

زاد استغراب فيرا وهي تنظر إلى الحروف العربية، ثم سألت بفضول:

"وماذا تعني هذه الآية؟"

ابتسمت نور وهزت رأسها مجيبة:

"المعنى يوضح لنا كيف بدأ خلق الإنسان؛ فالله تبارك وتعالى يذكّرنا ببدء أصلنا الأول حين خلق آدم من تراب، ثم يبيّن مراحل تطور الجنين في الرحم خطوة بخطوة... يبدأ كقطرة، ثم يتحول إلى علقة تتعلق بالرحم، ثم إلى مضغة تتشكل منها ملامح الجسد، لِيُبيّن لنا قدرته الباهرة في الخلق والإحياء."

قالت نور وهي توضح لها ببساطة:

"الله يخبرنا هنا كيف بدأ خلق الإنسان؛ فأصلنا الأول خلق من تراب وهو آدم، ثم يمر الجنين في الرحم بمراحل دقيقة من بداية تكوينه حتى يكتمل جسده، وكل هذا دليل على قدرة الله وعظمته في خلقنا."

تأملت فيرا الكلمات في المصحف وهزت رأسها بذهول:

"هذا يتطابق تمامًا مع العلم الحديث وما ندرسه في الأحياء!"

ابتسمت نور وقالت بآية أخرى تشرح الغاية:

"صحيح، وهناك آية أخرى تبيّن الهدف من وجودنا وهي: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾... أي أن الله خلقنا لنعرفه ونعبده ونعمر هذه الأرض بالخير."

أغلقت فيرا المصحف بلطف ووضعته مكان بحرص، وهي تشعر ببرودة عجيبة وراحة تلمس قلبها المرهق، وقالت بصوت خافت:

"كلام جميل جدًا ويجعل المرء يشعر بالاطمئنان."

سألت فيرا وهي تنظر إلى المصحف بذهول وتمرر أصابعها ببطء على غلافه:

"لكن يا نور... إذا كانت هذه التفاصيل الدقيقة عن تشكُّل الجنين مذكورة هنا منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، كيف لأحد في ذلك الزمان أن يعرفها بهذه الدقة قبل اختراع الأجهزة والمجاهر الحديثة؟"

ابتسمت نور بهدوء وأجابتها:

"لأنه ليس كلام بشر يا فيرا، بل هو كلام الخالق الذي يعلم سر كل شيء."

صمتت فيرا للحظات، وعيناها تتأملان الصفحات، ثم سألت بنبرة تحمل فضولاً أكبر وعلامات الاستفهام تزداد في رأسها:

"وإذا كان الهدف هو العبادة كما تقول الآية الثانية... لماذا يمر الإنسان بكل هذه الآلام والمصاعب في حياته؟ هل العبادة مجرد طقوس، أم أن هناك معنى أعمق نعيش من أجله؟"

نظرت إليها نور بعينين تملؤهما المودة والدفء، واقتربت قليلاً لتكون بجانبها، ثم قالت:

"سؤالك في محله تماماً يا فيرا... الابتلاءات والآلام ليست عقاباً، بل هي جزء من طبيعة هذه الحياة لأنها دار اختبار وليست دار خلود. الله لا يبتلينا ليعذبنا، بل ليختبر صبرنا، وليرفع درجاتنا، ولأن الألم أحياناً يكون هو الطريق الوحيد الذي يوقظ قلوبنا ويقربنا منه."

ثم تابعت ونبرتها تزداد عمقاً:

"أما عن العبادة، فهي أبداً ليست مجرد طقوس ظاهرة ونظريات نكررها! العبادة في الإسلام هي منهج حياة كامل... أن تكوني صادقة، أن ترحمي الضعيف، أن تصبري على ألمك، أن تسعي في الخير وتساعدي الناس... كل عمل صالح تبتغين به وجه الله هو عبادة."

ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ، وكانت فيرا تستمع بكل جوارحها، وكأن كل كلمة تقولها نور تلامس جرحاً غائراً في قلبها وتخفف من ثقله.

سألت فيرا بصوت شبه خافت، وعيناها تلمعان ببريق من الأمل والحزن في آن واحد:

"وهل... هل يغفر الله للإنسان إذا أخطأ أو تعب وتوقف عن المقاومة في منتصف الطريق؟"

ابتسمت نور وهزت رأسها بكل دفء وحنان، ثم أمسكت بيدي فيرا وقالت بصوت هادئ:

"نعم... نعم يا فيرا، فالله غفور ورحيم بعباده."

تنهدت فيرا بتأثر، وشعرت وكأن جبلاً ثقيلاً انزاح عن صدرها بتلك الكلمات البسيطة.

أرجعت المصحف الشريف إلى حامله الأبيض بحرص، ثم التفتت إلى نور وقالت بصوت خافت:

"شكراً لكِ يا نور... كنتُ فعلاً بحاجة لسماع هذا."

ابتسمت لها نور بحرارة، ثم أردفت وهي تتجه نحو باب الغرفة:

"سأنزل الآن إلى المطبخ لأجهز لنا شيئاً نأكله للعشاء."

نهضت فيرا وقالت بابتسامة دافئة:

"سآتي معكِ للمساعدة، لا أريد أن أترككِ تعملين بمفردكِ."

دخلا كلتاهما إلى المطبخ، واتجهت نور نحو الثلاجة لترى ما يمكنها طبخه، رغم قلة خبرتها في هذا المجال. لكن سرعان ما لفتت انتباهها ورقة لاصقة صغيرة مثبتة على باب الثلاجة، مكتوب عليها بخط أمها:

"لقد جهزت لكِ العشاء يا ابنتي، أعلم أنكِ لستِ خبيرة في الطبخ، ستجدينه في علبة داخل الثلاجة."

ابتسمت نور بلطف وهي تقرأ الرسالة، ثم التفتت إلى فيرا وقالت بابتسامة دافئة:

"يبدو أننا لن نتعذب في الطبخ اليوم... لقد جهزت أمي كل شيء."

ابتسمت فيرا وردت بامتنان:

"والدتكِ لطيفة جدًا، هذا أراحنا بالفعل."

أخرجت نور العلبة وبدأتا في تجهيز الطاولة معًا في أجواء ملؤها الهدوء والانسجام.

جلستا معاً على الطاولة، لكن فيرا كانت فاقدة للشهية تماماً، وكان يبدو عليها ذلك من لعبها بالطعام بالشوكة دون أن تأكل.

كانت شاردة في عالم آخر... فهذه أول مرة منذ زمن طويل تجلس فيها على طاولة أكل وتتشارك وجبة مع أحد، شعور دفء المشاركة هذا كانت قد فقدت طعمه ونسيته منذ زمن بعيد.

لاحظت نور شرودها وضياع عينيها، فوضعت شوكتها وسألتها بهدوء ودفء:

"فيرا... هل هناك شيء؟ الطعام لا يعجبكِ أم أنكِ متعبة؟"

استوعبت فيرا السؤال ورُدت من شرودها، فنظرت لنور بابتسامة باهتة وقالت بصوت خافت تحاول به إخفاء ما بداخلها:

"لا... بالعكس، لكنني فقط لا أشعر بالرغبة في الأكل الآن."

ابتسمت نور ابتسامة خفيفة، ثم نظرت إليها وقالت بتساءل:

"ولماذا لستِ جائعة؟"

تذكرت فيرا أنها لا تستطيع إخبارها بالسبب الحقيقي، فردت سريعاً وهي تحاول تغيير الموضوع:

"نور... لماذا خلق الله هذا الكون؟ وما الهدف من كل هذا؟"

اتسعت ابتسامة نور بهدوء، وأزاحت طبقها جانباً لتنظر إلى فيرا باهتمام، ثم قالت بصوت يملؤه السكون:

"سؤالكِ عميق يا فيرا... الله لم يخلق هذا الكون العظيم سدى ولا عبثاً، بل خلقه بأبدع نظام ليبيّن لنا عظمتَه وقدرته. خلق السماء والأرض والنجوم لنتفكر في جمال صنعه، وخلقنا لنعرفه ونعبده ونعمر هذه الأرض بالخير والمحبة."

سكتت نور للحظة، ثم أردفت وهي تنظر لعينَي فيرا بدفء:

"كل شيء في هذا الكون له سبب وغاية، حتى نحن... وجودنا ليس محض مصادفة، بل لنؤدي رسالة ونكون سبباً في الخير."

تأملت فيرا كلام نور في صمت، وشعرت بأن الأسئلة التي تدور في رأسها بدأت تجد لها إجابات تلامس قلبها المرهق.

____________________________

في مكان آخر، بعيد عن هذا التوتر وتحديداً في الجزائر _ ولاية وهران _ :

داخل غرفة بسيطة، كان هناك شاب متوسط الوسامة، طويل القامة، بشرته حنطية وشعره بني مائل للأسود، أما عيناه فكانتا لوزيتين بلون بني دافئ.

كان يقف بجانب النافذة المطلة على ساحة المنزل، يرسل نظراته إلى الخارج حيث كان الأطفال يلعبون بعفوية وبراءة، وضحكاتهم تملأ المكان دفئاً وحياة.

وبينما هو واقف يتأمل الأطفال، دلفَت عليه امرأة في منتصف العمر، ترتدي جُبّة صفراء اللون ووشاحاً تعصب به شعرها...الذي بدأ الشيب يغزو جنباته.

كانت ملامحها تشبه ملامحه إلى حدٍ كبير، وكان الاختلاف الوحيد الذي يميزها عنه هو لون البشرة؛ إذ كانت بشرتها بيضاء، على عكس بشرته الحنطية.

نظرت إليه تارة، ثم وجهت نظراتها نحو الحقيبة المستقرة أمامه، وأردفت بعبوس يملؤه الحزن:

"هل أنت ذاهب حقاً؟"

نظر إليها الشاب بابتسامة دافئة، ثم احتضنها بلطف وقبل رأسها:

"يا أمي لا تحزني... أنتِ تعرفين سبب سفري جيداً، وقد وعدتكِ أنني سأتصل بكِ يومياً."

ترقرقت الدموع في عينيها ولم تعد تقوى على كتمانها، لتخرج كلماتها بصوت مخنوق وسط شهقاتها:

"ولكنني سأشتاق إليك يا بني... قلبي لا يحتمل فراقك."

أبعدها بلطف عن حضنه وهو ينظر لعينينها بحنان:

"يا أمي، إنها سفرة مؤقتة فقط... ثم إن أخي وأختي هنا بجانبكِ."

تنهدت بقلة حيلة ومسحت دموعها بأطراف وشاحها ثم قالت:

"عدني ألا تنقطع عن الاتصال بي..."

أجابها بنبرة تفيض بالتعهد والرجاء:

"أعدكِ يا أمي... وكيف لي أن أنقطع عنكِ وأنتِ روحي وعيني؟ ثم إنكِ تجعلينني أشعر وكأنني ذاهب بلا عودة!"

ضحكت خفيفة وهي تستغفر الله، ثم رفعت يديها بالدعاء:

"أعلم أنك لن تفعل... أسأل الله أن يسهل لك سفرك، وأن يحفظك بعينه التي لا تنام."

ابتسم براحة وقال:

"آمين يا أمي... اعتني بتلك الشقية الصغيرة، واتصلي بي فوراً إن أزعجتكِ. أما ذلك 'الفلفل الطائر' فاتركيه لي، سأتحدث معه قبل مغادرتي كي يبتعد عن المشاكل في غيابي."

أومأت له بموافقة، ثم خرجت من الغرفة وتركت له المساحة ليكمل توضيب أمتعته. ظل يتابع أثرها بنظراته، وهو يعلم في أعماقه كم هو صعب عليه هذا الرحيل؛ فاشتياقه لها يثقل كاهله منذ الآن، لكنه يعلم أيضاً أنه لا مفر من هذه السفرة، فهي أمر لا بد منه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رسالة آمل

المؤلف الكاتبة أسيل 🌺
2026/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة