الفصل الحادي عشر : حين يوقظ الآلم قلبا

الفصل الحادي عشر : حين يوقظ الآلم قلبا

16 0

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

- سورة البقرة: 216

______________________________________

توقفت فيرا أمام باب المنزل.

المفاتيح في يدها كانت أثقل من روحها المنهكة.

أدارتها ببطء... وما إن انفتح الباب حتى شعرت بدفءٍ غريب يبلل أعلى شفتها.

مسحته بطرف أصابعها.

دم.

لم تصدم.

منذ ساعات فقط قال لها الطبيب:

"نزيف متكرر، إرهاق، شحوب..."

والآن جسدها كان يؤكد له كلامه واحدًا تلو الآخر.

فتحت حقيبتها على عجل، وأخرجت منديلًا ضغطته على أنفها بقوة.

كأنها لو ضغطت بقوة كفاية... سيتوقف كل شيء.

دخلت.

وفي أول عتبة... تجمدت.

منذ رحيل أندريو لم تجرؤ على تأمل هذا البيت.

لكن اليوم كل شيء كان في مكانه.

رائحة القهوة، صوت التلفاز منخفض، وصوت والدتها في الصالة تتحدث في الهاتف بنبرة باردة.

البيت حيّ... لكن لا مكان لها فيه.

عيناها سقطتا تلقائيًا على الأريكة.

نفس الأريكة التي كان أندريو يرمي نفسه عليها ويقول:

"تعبان".

ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة ومكسورة.

"والآن دوري أنا التي تعبانة... ولا أحد سيسأل."

خطت خطوتين داخل الصالة ثم توقفت.

كان المنديل لا يزال على أنفها.

أبعدته ببطء، ونظرت إلى بقع الدم عليه.

أخذت نفسًا عميقًا مرتجفًا...

ثم رفعت يدها وفتحت باب غرفتها. وهربت.

-

ولجت الغرفة بخطىً واهنة، يثقلها تعبٌ لم يفارقها منذ الليلة الماضية، وكلماتٌ ما زال صداها عالقًا في ذهنها.

أبعدت حقيبتها عنها وألقتها بعنف، فارتطمت بالأرض بقوة.

كان قلبها يحترق كالجمر، تتأجج فيه نار الألم والتعب.

ترقرقت الدموع في عينيها، قبل أن تنساب على خديها، شاهدةً على ألمٍ عجزت الكلمات عن وصفه.

ألقت نظرة على هاتفها ، لتجد أمامها سيلا من المكالمات الفائتة و الرسائل ، و كلها تحمل اسم "نور"

لم تكن قادرة على فتحنا أو التحدث معها .

ماذا ستقول لها ؟ هل ستخبرها بأنها مريضة ؟ حتى ترى في عينيها نظرات الشفقة ؟ .

كانت على يقين تام بأن مواجهة نظرات الشفقة ستكون أشد ألما من المرض نفسه .

ألقت بنظرها نحو المكتب ، فوجدت المصحف فوقها.

خطت  ببطء ، ثم حملته برفق ، عادة إياه إلا صدرها ، و كأنها تعانق به روحها المنكسر من وعطلة المرض و الخوف.

لطالما عاشت وهي لا تؤمن بوجود الله ، و لم يخطر ببالها يوما أن تبحث عن او تناجيه ، لكن المرض بدل فيها أشياء كثيرة ؛ فقد وجدت نفسها ، للمرة الأولى ترفع قلبها إلى الله و تطلب منه أن يسمعها .

لم تكن تعرف إن كان يسمعها حقا ، ولا إن كانت كلماتها ستصل إليه ، لكنها احتاجت إلى أن تتكلم ، أن تخرج كل ما أثقل روحها ، و كأنها تخشى أن تغادر هذه الدنيا قبل أن تجد إجابة لأسئلتها .

جلست فيرا على طرف سريرها، والمصحف لا يزال بين يديها.

لم تكن تعرف لماذا أخذته أصلًا.

ربما لأنها لم تجد شيئًا آخر تتمسك به.

مررت أصابعها على غلافه للحظات، ثم فتحته بتردد.

راحت عيناها تتنقلان بين الآيات، لكنها لم تكن تفهم الكثير مما تقرأ.

توقفت عند آيةٍ لفتت انتباهها.

قرأتها ببطء:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

_سورة البقرة، الآية 155_

أعادت قراءتها.

ثم توقفت.

كان هناك شيء في الآية يشبه ما تعيشه الآن، لكن عقلها لم يستطع أن يربط الكلمات ببعضها.

"ونبلوكم..."

همست بها، ثم نظرت إلى المصحف باستغراب.

"ابتلاء...؟"

تذكرت نور.

تذكرت حديثهما تحت شجرة البلوط، حين كانت نور تتحدث عن الألم، وعن الإنسان حين تضيق به الدنيا، وعن الباب الذي ستطرقه يومًا.

لكنها لم تكن تريد أن تتذكر ذلك الآن.

عادت عيناها إلى الآية.

"وبشّر الصابرين..."

عقدت حاجبيها.

ما معنى الصابرين؟

وهل الصبر يعني أن يتحمل الإنسان كل ما يحدث له بصمت؟

أم أن هناك شيئًا آخر لم تفهمه؟

مدت يدها إلى هاتفها، وفتحت محرك البحث.

ترددت قليلًا، ثم كتبت:

"ما معنى الصبر في الإسلام؟"

ظهرت أمامها نتائج كثيرة.

بدأت تقرأ واحدةً تلو الأخرى.

كان الصبر أكثر من مجرد تحمل الألم.

كان الثبات حين لا يفهم الإنسان ما يحدث له، والاستمرار رغم الخوف، والتمسك بالله حتى عندما لا يرى نهاية الطريق.

توقفت عن القراءة.

رفعت عينيها عن الشاشة نحو المصحف.

ثم نظرت إلى يدها التي كانت ترتجف قليلًا.

"إذًا... الصبر ليس أن أتظاهر بأنني بخير؟"

لم يجبها أحد.

ساد الصمت في الغرفة.

خفضت عينيها، وسقطت دمعة على الصفحة المفتوحة.

لأول مرة، لم تكن تسأل:

"لماذا حدث لي هذا؟"

بل كان سؤالها مختلفًا تمامًا:

"يا رب... إن كنت قد وضعتني في هذا الطريق، فكيف أمشي فيه؟"

ضمّت المصحف إلى صدرها.

ولم تعرف لماذا شعرت، للحظة قصيرة، أن صدرها أصبح أخف قليلًا.

_____________________________

عند نور الهدى:

خرجت نور الهدى من غرفتها بإبتسامة مصطنعة ، تحاول أن تبدو بخير حتى لا تثير قلق والديها .

لكنها ، في الحقيقة ، لم تكن تفكر في شيء سوى في فيرا .

كان القلق عليها ينهش قلبها ، و الأسئلة تتزاحم في ذهنها دون أن تجد لها جوابا .

تساءلت في نفسها :

" أين هي الآن ؟ و لماذا لم تجب عن رسائلها ومكالماتها ؟ وهل حدث لها مكروه ؟ "

استغفرت الله في قلبها ثم توجهت إلى المطبخ .

توقفت مصادفة عندما بلغ مسامعها حديث والديها عن أمر ما.

لم تكن تنوي الاستماع إلى حديثهما ، فهي لم تكن من النوع الذي يتنصت على الآخرين ، لكن جملة التقطتها أذنها جعلتها تتوقف للحظة دون أن تشعر :

"يجب أن نذهب فورا إلى الجزائر."

تفاجئ السيد أليف من كلام زينب فقال بتسائل :

" لماذا ؟!"

نظرت له زينب و القلق ينهش كيانها:

" رودني خير أن عائلة أمها بدأت تبحث عن... "

اندهش السيد أليف و بدت علامات الخوف والتوتر تتسلله و فهم مباشرة قولها.

لم تكمل عبارتها حتى...

دلفت نور إلى الصالة، قاطعةً حديثهما دون أن تدرك ما كانت ستسمعه.

"هل أنتم ذاهبون للجزائر ؟ و لماذا؟"

اضطربت ملامحهم عند سماعهم سؤالها و ساد هدوء مشوب بتوتر.

لاحظت نور الهدى ارتباكهم ،

ثم تنهدت بضيق :

"اوووه... لا تقولوا لي انكم ستذهبون بدوني ؟ "

لم تتلقى أي رد .

سألت بحيرة :

"أمي...أبي...ما بالكم ؟"

ابتسم السيد أليف بتوجس ثم قال محاولا تلطيف الجو :

"اسف ، يا وردتي البيضاء ... لكن هذه المرة فعلا لا نستطيع "

رمقته بنظرة مشككة لكن سرعان ما لانت ملامحها قائلة بصوت رقيق مملوء بالرجاء :

"يا الله ...مرة أخرى ؟... أرجوكم خذوني معكم أريد أن أزور الجزائر "

أطلقت السيدة زينب تنهيدة طويلة ثم ضمتها لصدرها هامسة:

" حتى أنا يا عمري لا يهون علي تركك ... لكن مضطرة "

أبعدتها من حضنها برفق ناظرة لها بحنان ثم أكملت حديثها :

" لو لم تكن سفرة مستعجلة لكنت اخذتك يا روحي "

عقدت نور حاجبيها باستغراب و قالت :

"لكن لماذا تبدوان وكأن الأمر أخطر من مجرد سفرة؟ ماذا يحدث؟"

بقيت نور تحدّق في وجه والدتها، وكأنها تحاول أن تجد بين ملامحها إجابةً عن ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إلى قلبها.

ابتسمت زينب لها محاولةً إخفاء اضطرابها، ثم مرّرت يدها على خدها بحنان.

أما أليف ، فظل صامتًا، وعيناه معلّقتان بالأرض، وكأن الكلمات قد خانته للمرة الأولى.

لم تفهم نور سبب هذا التوتر، لكنها شعرت أن هناك شيئًا يُخفى عنها. شيء أكبر من مجرد سفرٍ عاجل إلى الجزائر.

ابتسمت ابتسامةً صغيرة، محاولةً طرد تلك الأفكار من رأسها، ثم قالت:

"حسنًا... سأبقى هنا، لكن عندما تعودان، أريد منكما أن تأخذاني معكما."

أومأت زينب، وضمتها إليها مرة أخرى، بينما اكتفى أليف بابتسامة متعبة.

جلست نور لتناول الفطور ثم ودعتهم و خرجت متجهة إلى الجامعة .

__________________________________

أمام باب الجامعة :

توقفت سيارة أجرة أمام البوابة الحديدية للجامعة.

دفعت نور الأجرة، ثم ترجلت منها وقلبها معلّق بأمل أن تجد فيرا.

عبرت الحديقة... لا أثر لها.

ثم اتجهت نحو مبنى الجامعة... لا أثر أيضًا.

بقي مكان واحد فقط... المدرّج.

أسرعت في خطواتها، تتشبث بأمل أن تكون هناك

.

دلفت إلى القاعة، وأخذت تناديها بصوتٍ متلهف:

"فيرا! ... فيـ..."

انقطع صوتها فجأة، حين أدركت أن المدرّج كان خاليًا تمامًا.

دلفت إلى المدرّج بتذمّر، ثم اتجهت نحو مقعدها بخطواتٍ متثاقلة.

جلست وأسندت خدّها إلى كفّها، وظلّت عيناها معلّقتين بالنافذة، تراقبان ما وراءها بشرود، بينما كانت أفكارها تتزاحم في رأسها دون أن تجد لها مخرجًا.

وبينما كانت غارقة في شرودها، تسللت فيرا إلى خلفها بخطواتٍ هادئة، ثم فاجأتها بابتسامةٍ دافئة، رغم التعب الذي كان ينهش جسدها.

"اشتقتِ لي لهذه الدرجة؟"

قالتها فيرا بنبرةٍ مازحة، محاولةً إخفاء ارهاقها خلف ابتسامتها.

انتفضت نور في مكانها، ثم التفتت إليها بسرعة، واتسعت عيناها بدهشة.

"فيرا!"

نهضت من مقعدها فورًا، وكأنها لم تصدق أن صديقتها تقف أمامها أخيرًا.

اقتربت منها، وتأملتها للحظات، قبل أن تعقد حاجبيها بقلق.

"أين كنتِ؟ اتصلت بكِ عشرات المرات! أرسلت لكِ رسائل... لماذا لم تجيبي؟"

ابتسمت فيرا ابتسامةً خافتة، ثم جلست إلى جوارها.

"اهدئي يا نور... أنا بخير."

لكن نور لم تقتنع. كانت عيناها تتفحصان وجه فيرا، وكأنهما تبحثان عن شيء تخفيه عنها.

"أنتِ لا تبدين بخير."

ساد الصمت للحظة.

خفضت فيرا عينيها، ثم قالت بصوتٍ هادئ:

"ربما... أنا فقط متعبة قليلًا."

فلاش باك - قبل ساعات -

قبل ساعات...

جلست فيرا على طرف سريرها، تحدّق في هاتفها بصمت. كان جسدها يطالبها بالراحة، لكن شيئًا آخر كان يشغلها أكثر.

فتحت محادثتها مع نور، وتوقفت عند آخر رسالة منها.

"أين أنتِ؟ هل ستأتين إلى الجامعة اليوم؟"

بقيت تحدّق في الكلمات طويلًا.

كانت تستطيع أن تتجاهلها، وتبقى في غرفتها حتى يهدأ التعب... لكنها لم تستطع.

أرادت أن ترى نور.

أرادت أن تجلس معها قليلًا، ربما لأن وجودها كان الشيء الوحيد الذي يجعل هذا اليوم أقل ثقلًا.

نهضت بصعوبة، ارتدت ملابسها، و أمسكت بحقيبتها.

وقبل أن تغادر، نظرت إلى نفسها في المرآة، ثم ابتسمت ابتسامةً باهتة وهمست:

"سأعود قبل أن يزداد التعب... لن يحدث شيء."

ارتدت معطفها على عجل، وأخفت شحوب وجهها بطرف شعرها، ثم تناولت حقيبتها وغادرت المنزل.

في طريقها، ظلت كلمات الطبيب تتردد في ذهنها، لكنها حاولت تجاهلها.

لم تكن تريد التفكير في مرضها الآن.

كل ما أرادته هو أن ترى نور، وتجلس معها قليلًا كما اعتادت.

جلست في سيارة الأجرة متجهة إلى الجامعة، غير عالمة أن نور كانت تبحث عنها في المكان نفسه.

الوقت الحاضر :

في الوقت الحاضر...

"هل أصابتكِ حُمّى؟ هل ذهبتِ إلى الطبيب؟"

سألتها نور الهدى، وقد بدا الخوف واضحًا في عينيها.

ابتسمت فيرا ابتسامةً باهتة وقالت:

"لا تخافي، أنا بخير. مجرد نزلة برد خفيفة... بدأت أتعافى."

قالتها و قلبها يتقطع من الداخل بصمت ، بينما تخفي خلف ابتسامتها حقيقة ذلك التعب الذي بات يطفئها و هي على قيد الحياة .

نظرت إليها نور بعتاب، ثم قالت:

"أفٍّ منكِ يا فيرا! لماذا أتيتِ؟ كان بإمكانكِ الاتصال بي."

أجابتها فيرا بابتسامة:

"نسيتِ أن اليوم موعد عرض المشروع؟ كيف سأترككِ وحدكِ؟"

تنهدت نور، ثم هزّت رأسها باستسلام:

"عادي... عندكِ عذر، يمكنني عرضه وحدي."

ابتسمت فيرا، ثم قالت بخفة:

"وأترككِ تتحملين أسئلتهم وحدكِ؟ مستحيل."

ضحكت نور من كلامها، وقالت بمزاحٍ وهي تهزّ رأسها:

"أنتِ عنيدة كالأطفال يا فيرا."

أجابتها فيرا بابتسامةٍ خفيفة:

"وماذا أفعل؟ لا أستطيع أن أترككِ تواجهين الأمر وحدكِ."

وفي خضم ضحكاتهم، دخل جون القاعة بخطواتٍ ثابتة وثقيلة، يمشي بوقارٍ لافت. وما إن وطئت قدماه القاعة حتى وقعت عيناه على نور، فمنحها نظرةً خاطفةً على غير عادته، لم تدم سوى ثانية واحدة، قبل أن يصرف بصره عنها وكأن شيئًا لم يكن.

ظنّ أن تلك النظرة الخاطفة ستدفعها إلى النظر نحوه، لكن لا حياة لمن تنادي؛ لم تلتفت نور الهدى إليه، وكأن وجوده من عدمه بالنسبة إليها.

مما أشعل في داخله شيئًا من الاستفزاز والغيظ، فعقد حاجبيه بضيق، وحاول أن يخفي انزعاجه خلف ملامح هادئة.

بعد أن بدأ الطلبة بالتوافد إلى القاعة، جلس أحدهم أمام جون، فلاحظ على الفور انزعاجه وغضبه،

خصوصًا أن عينيه ظلّتا معلّقتين بنور الهدى من حينٍ لآخر.

سرعان ما فهم الطالب ما يجري، فابتسم ابتسامةً جانبية وقال بمزاحٍ مستفز:

"جون... لا تقل لي إنك وقعت في حب تلك الفتاة الغربية المنبوذة؟"

نظر إليه جون بغضب، وقال بحدّة:

"وما شأنك أنت؟"

رفع الطالب حاجبيه، ثم ابتسم بسخرية وهو يستند إلى ظهر مقعده:

"لا شيء... كنتُ فقط أتساءل."

ثم ألقى نظرةً سريعة نحو نور الهدى، وعاد ببصره إلى جون قائلًا:

"لكن يبدو أنني أصبتُ في ظني."

ضيّق جون عينيه، وقال ببرود:

"قلت لك: ما شأنك؟"

ضحك الطالب بخفوت، ثم رفع يديه مستسلمًا:

"حسنًا، حسنًا... لن أتدخل."

ساد بينهما صمت قصير، قبل أن يعود الطالب إلى مقعده، بينما بقي جون يحدّق أمامه محاولًا إخفاء الاضطراب الذي أثارته كلمات زميله في داخله.

_______________________________

في منتصف الحصة، كان الأستاذ يتابع عروض المشاريع واحدًا تلو الآخر، بينما جلست نور وفيرا تراقبان العروض من مقعديهما.

وبعد أن أنهى أحد الطلبة عرضه، أغلق الأستاذ حاسوبه ونظر إلى قائمة الأسماء أمامه، ثم قال:

"حسنًا، شكرًا لكما. المشروع التالي... نور الهدى وفيرا."

عندما جاء دورهما، تبادلت نور وفيرا نظرةً سريعة، ثم نهضتا معًا واتجهتا نحو مقدمة المدرّج.

حملت نور الحاسوب المحمول، بينما أمسكت فيرا بملف المشروع. وقفتا أمام الشاشة، وبدأت نور بتشغيل العرض.

ظهرت الشريحة الأولى، فعمّ المدرّج هدوءٌ نسبي.

بدأت نور بالحديث بثقة، تشرح مقدمة المشروع وأهدافه، بينما كانت فيرا تنتقل بين الشرائح وتضيف التفاصيل التي أعدّتها .

كان الأستاذ يتابع حديثهما باهتمام، وبين الحين والآخر كان يدوّن بعض الملاحظات في دفتره.

بعد أن انتهت نور من الجزء الأول، أخذت فيرا الحديث منها وأكملت شرح الجزء التالي، مستعينةً بالرسوم والمعلومات الظاهرة على الشاشة.

طرحت إحدى الطالبات سؤالًا حول المشروع، فأجابت نور عنه بهدوء، ثم أضافت فيرا توضيحًا قصيرًا.

استمر العرض عدة دقائق، حتى وصلتا إلى الشريحة الأخيرة.

قالت نور وهي تبتسم:

"وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية عرضنا، شكرًا لحسن استماعكم."

أومأ الأستاذ بإعجاب، ثم قال:

"عمل جيد، يمكنكما العودة إلى مقعديكما."

شكرتاه، ثم عادتا إلى مكانهما وسط همسات الطلبة وحركة المقاعد.

شعرت فيرا بدفءٍ خفيف يسيل من أنفها، فأدركت ما يحدث. ارتبكت للحظة، ثم أسرعت إلى إخراج منديل وأخفت به أنفها، محاولةً أن تمنع نور الهدى من ملاحظة شيء، بينما كانت تخفي قلقها خلف ملامح هادئة.

التفتت نور الهدى نحوها في تلك اللحظة، فسرعان ما أخفضت فيرا رأسها وانشغلت بتقليب صفحات دفترها، وكأن شيئًا لم يحدث.

"فيرا؟"

همست نور، وهي تراقبها بطرف عينها.

رفعت فيرا رأسها بسرعة، وابتسمت محاولةً طمأنتها:

"ماذا؟"

حدّقت نور في وجهها للحظات، ثم قالت:

"لا شيء... ظننتكِ متعبة فقط."

أومأت فيرا برأسها، وعادت إلى دفترها، بينما كانت يدها لا تزال تخفي المنديل.

حاولت التركيز مع الأستاذ، لكن الكلمات أمامها بدأت تتداخل، وشعرت بثقلٍ غريب في جسدها.

"ليس الآن..."

قالتها في سرّها، ثم أخذت نفسًا عميقًا، مصممةً على إكمال الحصة دون أن تلاحظ نور شيئًا.

مرّت دقائق أخرى، لكن التعب أخذ يزداد عليها شيئًا فشيئًا. حاولت فيرا أن تبقى منتبهة إلى شرح الأستاذ، إلا أن صوتَه بدأ يبدو بعيدًا، وكأنها تسمعه من خلف جدار.

وضعت يدها على جبينها للحظة، ثم أنزلتها بسرعة عندما شعرت بنور تراقبها.

"أنا بخير..."

تمتمت لنفسها، وكأنها تحاول إقناع قلبها قبل أن تقنع نور.

ثم مالت نحوها نور قليلًا وهمست:

"فيرا، أنتِ متأكدة أنكِ بخير؟"

ابتسمت فيرا ابتسامةً صغيرة، وأومأت برأسها.

"أكيد... لا تقلقي."

عادت نور إلى دفترها، لكنها لم تبدُ مقتنعة تمامًا.

أما فيرا، فأخفضت عينيها إلى المنديل الذي تخفيه في يدها، ثم قبضت عليه بهدوء، وهي تدعو في سرّها ألا تلاحظ نور شيئًا آخر.

_______________________________

في نهاية الحصة، أغلق الأستاذ كتابه معلنًا انتهاء الدرس، وبدأ الطلبة بجمع أغراضهم ومغادرة القاعة.

تنفست فيرا الصعداء، ثم أخفت المنديل في حقيبتها بسرعة قبل أن تراه نور.

التفتت نور إليها وقالت:

"هيا، لنذهب."

ابتسمت فيرا ونهضت عن مقعدها، لكن ما إن وقفت حتى شعرت بدوارٍ مفاجئ، فتشبثت بطرف الطاولة للحظة.

انتبهت نور إليها فورًا، وأمسكت بذراعها بقلق:

"فيرا! ماذا بكِ؟"

رفعت فيرا عينيها إليها، وحاولت أن تبتسم:

"لا شيء... فقط وقفت بسرعة."

لكن نور لم تقتنع هذه المرة، وظلت تنظر إليها بريبة.

بقيت نور تحدّق فيها ، وكأنها تحاول أن تقرأ ما تخفيه خلف ابتسامتها.

"أنتِ تخفين عني شيئًا، أليس كذلك؟"

ارتبكت فيرا للحظة، ثم أشاحت بنظرها وهي تحاول استعادة توازنها.

"قلت لكِ إنني بخير، لا تقلقي."

تنهدت نور، لكنها لم تترك ذراعها، وقالت بلهجةٍ حازمة:

"حسنًا... لكنني سأوصلكِ إلى البيت بنفسي."

ابتسمت فيرا بخفة، ولم تجادلها، ثم حملت حقيبتها واستعدتا لمغادرة القاعة.

خرج جون من القاعة برفقة صديقه، يتبادلان الحديث عن المحاضرة، بينما كانا يسيران في ممرّ الجامعة.

وعند المنعطف، لمح جون نور الهدى تخرج من المبنى برفقة فيرا.

توقفت عيناه عليها للحظة، ثم قال لصديقه:

"انتظرني دقيقة."

اتجه نحوها، وحين اقترب منها قال:

"نور الهدى."

التفتت إليه للحظة، لكنها لم تجبه، ثم تابعت سيرها إلى جانب فيرا.

بقي جون واقفًا مكانه للحظات، وقد بدا عليه الاستغراب.

عاد إلى صديقه وقال:

"لماذا لم تجبني؟"

ابتسم صديقه بسخرية وقال:

"ربما لأنها مسلمة. ألا تعرف أن بعض المسلمين يرون أن الحديث مع الرجال الأجانب أمر غير مناسب؟ ثقافتهم معقدة جدًا عن ثقافتنا."

عقد جون حاجبيه، ثم نظر في الاتجاه الذي اختفت فيه نور.

"لكنها لم تفعل شيئًا سيئًا."

هزّ صديقه كتفيه:

"لم أقل إنها سيئة، قلت إن ثقافتهم معقدة."

ظل جون صامتًا للحظات، ثم قال:

"ربما... لكنني أريد أن أفهم السبب بنفسي، بدل أن أحكم عليها من كلامك."

نظر إليه صديقه باستغراب، بينما بقيت كلمات جون تتردد في ذهنه، دون أن يدرك أن فضوله هذا سيكون أول خطوة في رحلة ستغيّر حياته.

________________________________

وبينما كانتا في طريقهما، خطرت لنور فكرة فجأة، فقالت دون تردد:

"فيرا... ما رأيكِ أن تبيتي عندي الليلة؟"

نظرت إليها فيرا باستغراب، ثم سألت:

"المبيت؟! ولماذا؟"

ابتسمت نور وقالت:

"والداي سيغادران البلاد بعد قليل، ولا أريد أن أبقى وحدي."

ترددت فيرا قليلًا، ثم قالت:

"لكنني لا أريد أن أسبب لكِ إزعاجًا."

ضحكت نور بخفة:

"إزعاج؟ أنتِ صديقتي، ومنذ متى يكون وجودكِ إزعاجًا؟"

نظرت إليها فيرا بابتسامة ممتنة، ثم أومأت برأسها:

"حسنًا... سأبيت عندكِ."

ابتسمت نور بسعادة ثم إلتفت للنافذة بصمت .

تراقب الشوارع الممتدة خلف الزجاج، بينما بقيت فيرا تنظر إليها للحظات، وكأن سؤالًا ظلّ عالقًا في ذهنها.

وبعد صمتٍ قصير، قالت فيرا بهدوء:

"نور... هل يمكنني أن أسألكِ شيئًا؟"

التفتت نور إليها، وقالت بابتسامة:

"طبعًا، اسألي."

ترددت فيرا قليلًا، ثم قالت:

"لماذا يبتلي الله عباده؟ أعني... إذا كان الله رحيمًا بهم، فلماذا يسمح لهم أن يمرّوا بكل هذا الألم؟"

ساد الصمت للحظات، ثم ابتسمت نور ابتسامة هادئة، وقالت:

"لأن الابتلاء لا يعني أن الله يكره عبده يا فيرا. أحيانًا نحن نرى الألم ونظن أنه نهاية الطريق، بينما قد يكون وراءه شيء لا نستطيع رؤيته الآن."

نظرت فيرا إليها باهتمام، فأكملت نور:

"الإنسان لا يعرف دائمًا لماذا حدث له شيء، لكن الله يعلم. قد يكون الابتلاء سببًا في أن يعود الإنسان إلى ربه، أو أن يتعلم الصبر، أو أن يكتشف قوةً لم يكن يعرف أنها موجودة بداخله."

صمتت قليلًا، ثم قالت:

"والأهم... أن الله لا يعدنا بأن الحياة ستكون بلا ألم، لكنه وعدنا أن الألم ليس بلا معنى، وأن مع العسر يسرًا."

خفضت فيرا عينيها، وبقيت كلمات نور تدور في ذهنها.

ثم سألت بصوتٍ خافت:

"وهل تعتقدين أن كل ابتلاء له نهاية؟"

ابتسمت نور وقالت:

"ربما لا تكون النهاية دائمًا بالطريقة التي نتخيلها...

لكنني أؤمن أن الله لا يترك قلبًا صبر وتعلّق به يضيع سدى."

_______________________________

وفي مكانٍ ما، كانت صورةٌ قديمة تُخرج سرًا دُفن منذ سنوات...

لكن لماذا الآن؟

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رسالة آمل

المؤلف الكاتبة أسيل 🌺
2026/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة