روسيا ، 20 أكتوبر 2024 :
"ليس بسببي… ليس بسببي…أخيييي لاااا"
شهقت في نومها، وارتجف جسدها بعنف وهي تتقلب بين الوسادة والغطاء. كان العرق يبلل وجهها، وأنفاسها متقطعة، وكأنها تركض هاربة من ذكرى تطاردها كل ليلة.
انتفضت من فراشها، فتحت عينيها على اتساعهما، ووضعت يدها المرتجفة فوق صدرها، تحاول التقاط أنفاسها. تنهدت تنهيدة عميقة تعبرعن الألم الذي ينهش قلبها ، و اعتدلت جالسة فوق سريرها . مدت يدها لتفتح الدرج الذي بجانبها ، اخرجت منه أقراص مهدئة ، إلتقطت معها قارورة ماء كانت بجانبها ، ثم التاعو القرص برشفة ماء
أدخلت يدها تحت الوسادة وأخرجت صورة مكتوب عليها "Forever". اعتصر قلبها ألم، وانهمرت دموعها كالغيث. عانقت الصورة بقوة، كأنها تعانق آمالها المفقودة وذكرياتها التي لن تعود.
وقفت أمام نافذة غرفتها، و صورة لازالت بين يدها. نظرت لها بشرود ، و كأنها كانت تتذكر شيء آلم روحها بعنف .
كان قلبها يخفق بعنف، حتى خُيّل إليها أنه سيحطم أضلاعها ويخرج. ابتسمت بسخرية مُرّة... حتى قلبها لم يعد يرحمها. ثم همست في داخلها:
"ولماذا يرحمني؟ وهل رحمتُه أنا يومًا؟".
ابعدت نظرها من الصورة متأملة البرق الذي يشق السماء، والمطر ينهمر وكأن السماء تبكي حزنًا على حالها. كان وجهها شاحبًا، وعيناها الزرقاوان ذابلتين، يكسوهما سواد التعب. اعتادت كلما ضاق بها صدرها أن تلجأ إلى السماء؛ تحدق فيها طويلًا، وكأنها تنتظر منها جوابًا لا يأتي، أو تبحث بين غيومها عن عزاءٍ يخفف ثقل قلبها.
نظرت إلى ساعة هاتفها، فإذا بالوقت يشير إلى السادسة صباحًا. الصبح قد حل، لكن السماء ما زالت مظلمة.
على الساعة 07:30 صباحا ، و بينما هي غارقة في بحر آلامها، قطع صمتها صوت رنين الهاتف، الذي كان يرن منذ نصف ساعة وهي غير واعية له. نظرت إلى المتصل بعين طفش:
"آه، إنها مستشارة الجامعة."
ردت ببرود :
"نعم، ماذا؟"
تعجبت المستشارة من كلامها:
"ماذا تقصدين؟ غيابك شهرين وأنتِ لا تبالي! أخبرتِ المديرة أنك مريضة، ووافقت على يوم إضافي فقط. وهذه آخر مرة لك، وإلا إنطردتي!"
زفرت فيرا وقالت بلا مبالاة:
"وليكن، فلتطردوني، ما المشكلة؟ ماذا أفعل بالطب، هل سيشفي روحي مثلاً؟"
أحكمت المستشارة قبضتها على يدها، وقالت بنبرة صارمة:
"إما العودة للدراسة أو مواجهة العواقب. القرار قرارك. وتذكري ما قلته لك ذلك اليوم."
أوتت كلمات المستشارة أوتار قلبها المنكسر، صمتت للحظة، ثم نبتت بنبرة حزن:
"ولكن كان قبل موت أخي أندريو آنذاك، وقد مر سنة على رحيله، والآن لم يبقَ ذلك الحلم، أيتها المستشارة، أصبح بلا طعم."
أجابتها المستشارة بصوت هادئ لكن حازم :
"لا، أنت مخطئة في تفكيرك. يجب أن تكملي، لأنك تعلمين كم كان أندريو يحلم أن يراكِ بالمئزر الأبيض، أليس كذلك؟"
تنهدت فيرا بإنكسار وردت :
"كيف سيتحقق ذلك الحلم، وحالمه تحت التراب الآن؟"
قاطعتها المستشارة بهدوء:
"الحلم لا يفقد قيمته بموت صاحبه، يظل حيًا في قلوبنا."
تلا صمت الهاتف بثقله، تاركًا فيرا وحيدة في بحر من الأفكار. رمت الهاتف على السرير وجلست على الأرض، متخذة وضعية الجنين، قابضة خصلات شعرها بقوة، مستحضرة ذكرى أول يوم جامعة وما قالته للمستشارة آنذاك.
Flashback – منذ عام:
"فيرا، ما زلت تلبسين، هيا سنتأخر!"
"دقيقة واحدة، أخي، وأنتهي."
"آه، يبدو أن الدقيقة تلك ساعة!"
"خلاص، ها قد نزلت. أرأيت؟ أف منك يا أخي، تستعجلني في اللبس، وفي الأخير أراك ما زلت على الطاولة."
"ههههه، فعلت ذلك لكي تأتي للفطور ولا تخرجي جائعة."
"آه فعلاً، أنا جائعة، أشعر أنني على وشك الإغماء."
"هيا، إذا أيتها الشقية. بالمناسبة، أنا انتهيت من الفطور، سأنتظرك في السيارة 5 دقائق لا أكثر، حاضر؟"
"آه، حسنًا، لن أتأخر، وعد."
في السيارة:
"ها قد أتيت."
"وأخيرًا، ضعي حزام الأمان، ودعينا ننطلق."
في الجامعة، عند مكتب المدير:
"أهلاً السيد أندريو."
"أهلاً بك يا سيد أندريو، وأهلاً بك أيتها السيدة فيرا. نحن مسرورون بانضمامك لهذه المنحة، يشرفنا ذلك."
"شكرًا لك أيها المدير، لولا أخي لما دخلت هذه الجامعة."
"ليس بسببي، بل بسبب مجهودك وامتيازك أنت."
"أنا ممتنة لك، أخي، أنت سندي في هذه الحياة."
"العفو يا أميرتي."
"هيا، سأقودك إلى صفك."
"شكرًا."
دخلت المستشارة "أنستازيا":
"أهلاً، عزيزتي، مبروك، دخلتِ هنا؟"
"نعم."
"واو، أحسنتِ الاختيار، هذه أكبر وأشهر كلية طب في روسيا. ذكية أنت، ولماذا دخلتِ الطب؟"
ابتسمت فيرا ابتسامة خفيفة، وأمعنت النظر في أندريو للحظة، ثم أجابت:
"أدرس الطب بعدما أغرمني أخي، الذي يحلم أن يراني بشهادتي وأنا أرتدي المئزر الأبيض. أعده، وأعدك أنني سأحقق حلمه وأصبح أفضل وأكبر طبيبة جراحة في روسيا."
"هذا هو الصح، يا صغيرة، اعملي لتحقيق ما في خاطرك دائمًا، ولا تترددي أبدًا."
"شكرًا أيتها المستشارة."
"هيا أخي، أنا سأدخل إلى القاعة، نلتقي مساءً."
"حسنًا، أميرتي، إلى اللقاء."
"إلى اللقاء."
الوقت الحاضر:
أسندت رأسها على الجدار البارد خلفها، كأنه صديقها الوحيد الذي يحافظ على صمتها وأنينها. أخذت نفسًا عميقًا، وقررت أن تذهب اليوم ليس لأجلها، بل من أجل أخيها. تدرك كم كان عاشقًا للطب، لذلك ستفعل كل ما بوسعها لتحقيق حلمه.
استقامت من الأرض، رتبت شعرها قليلًا، وخرجت بخطوات متثاقلة نحو الحمام. استحمت وعادت إلى غرفتها، فتحت الخزانة وأخرجت جينز أزرق عريض، سويت أبيض، ومعطف أسود منتفخ. بدأت ارتداء الجينز، إذ صدمها حجمه الكبير عليها. أخذت نفسًا طويلًا، ثم أحضرت الحزام وضيقته حتى أصبح على مقاسها.
حدثت نفسها بنبرة استهزاء:
"لماذا الصدمة يا فيرا؟ كأنك تهتمين بصحتك لتصدمي."
أكملت ارتداء ملابسها، نظرت في المرآة إلى وجهها الشاحب، ولاحظت كدمة زرقاء صغيرة على عنقها، لكنها لم تهتم. جففت شعرها الأسود القاتم وربطته عشوائيًا، دون استخدام مساحيق التجميل؛ فهي فاقدة للشغف، تريد الذهاب من أجل أخيها فقط، لا أكثر.
ارتدت حذاءً شتويًا أسود، غطت شعرها ووجهها بقبعة، حملت محفظتها وخرجت. ما إن فتحت باب غرفتها، حتى صادفت نظرات جارحة من أمها، لكنها مطنشتها، معتادة عليها.
أمسكت أمها بذراعها بعنف، دفشتها، فأتاها دوار حاد، لكنها قاومت. أنزلت فيرا عينيها إلى الأرض، ليس خوفًا من أمها، بل خوفًا من مشاعرها التي قد تُفضح. ضحكت الأم ضحكة ساخرة، ثم صرخت:
"لماذا خرجت من الغرفة؟ أنتِ عيشي حياتك وأخاك تحت التراب. أنتِ من يستحق الموت! ليتك متِ بدلًا عنه. اذهبي إلى الجحيم، أيتها القاتلة!"
شعرت فيرا بصدمة قاسية، كأن كلمات أمها سكب عليها ماءً مغليًا. انقبض قلبها، وبدأت عيناها تفيضان. ذهبت مسرعة إلى غرفتها لتأخذ قرصين من المهدئ، جلست على سريرها، أغمضت عينيها وتنفست بعمق، تحاول مقاومة الإنهيار
جلست فيرا على سريرها، تحاول السيطرة على نفسها، ثم همّت بالخروج، هذه المرة أسرعت كي لا تلتقي بوالدتها. خرجت، تحاول الإمساك بنفسها بصعوبة، مترددة وخائفة من هذا اليوم، لكنها قررت أن تتحرك. ابتعدت عن المنزل متجهة نحو محطة الباص.
ركبت أول باص كان مزدحمًا، لكنها لم تبالِ، وضعت السماعات في أذنها وأشعلت الموسيقى لتغلق على العالم الخارجي. ومع ذلك، سقطت السماعات من يديها بسبب الزحام، فلم تستطع الانحناء لأخذها، فأطفأت هاتفها وسرحت في نافذة الباص. الشوارع لم تحمل جديدًا سوى الغبار، وداخل قلبها لا جديد سوى الفراغ.
POV – فيرا
عندما حاولت إعادة سماعاتي، لم أتمكن بسبب الزحام، لذلك تركتها ونظرت إلى النافذة أمامي. الناس في الباص منهم من يتحدث عن يومياتهم، ومنهم من يتحدث عن شتاء روسيا، ومنهم من يضحك… أما أنا، واقفة كصنم، لا شيء يحرك داخلي، ساكن. الحزن يعصر قلبي بقبضة باردة.
سمعت صوت طفلة تقول لأمها:
"أمي، لماذا السماء حزينة؟"
سؤال بريء جدًا، تمنيّت لو أنها لن تكبر كي لا تعرف معنى الحزن، وكم تمنيت لو كنت أنا مكان الأم آنذاك. ابتسمت الأم للطفلة وقالت:
"هذا لأنك لم تأكلي فطورك، فزعلت السماء، وزعلت ماما أيضًا."
تقلب وجه الطفلة بحزن وقالت:
"آه، حقًا؟ سامحيني ماما، لن أدعكي تزعلين مني. سأأكل كل فطوري غدًا، أعدك. سامحيني أيضًا أيتها السماء، لن أزعلكما مرة أخرى."
ضحكت الأم من رد فعل الطفلة المفاجئ، وارتسمت ابتسامة غير إرادية على وجهي أنا أيضًا.
نزلت من الباص، وواجهت صداعًا رهيبًا وضبابًا كسى عينيها. توقفت في مكانها لخمس دقائق لتستجمع نفسها، ثم أكملت طريقها نحو بوابة الجامعة.
اوقفها الحارس عند البوابة:
"إلى أين أنت ذاهبة؟"
أجابته ببرود و باستفزاز:
"إلى جهنم الحمراء تدخل معي."
استغرب الحارس من طريقة كلامها، مد يده طالبًا بطاقة الطالب:
"هايا، البطاقة."
أخرجت البطاقة من المحفظة، سلمتها له، رمقها للحظة ثم أعطاها بصوت غاضب:
"فيرا أورلوفا... أدخلي"
ضحكت ضحكة انتصار، وأكملت طريقي نحو القاعة. كنت متأخرة على الدرس الأول، لكن لم أهتم، دخلت القاعة بهدوء، كأنها ملكي، أحاول أن أبدو طبيعية.
الأستاذ لمحني وقال:
"فيرا أورلوفا، من هي؟"
رفعت يدي ليعرف، رمقتها بإزدراء، كأن وجودها إهانة لعينه. قال بصوت بارد:
"أخيرًا استفقت، أيتها الأميرة النائمة."
ضحك طلبة القاعة جميعهم، ونظرت له فيرا بنظرة حادة، كانت على وشك أن تخنقه، لكن يدًا حنونة مسكتها، كانت يد الفتاة الغريبة، نور الهدى، التي أمسكها بحنان وقالت:
"اتركيه، لا عليك، ستقبعين فقط في مشاكل."
خف غضب فيرا، وهدأ الجميع.
سمعت الأستاذ يتساءل عن نور الهدى، وابتسمت داخليًا لسخرية الاسم وطول لفظه، وضحكت خفية.
قال الأستاذ ببرود:
"نعم، ستعملان معًا في مشروع عن جراحة القلب."
فتحت فمها مندهشة، وقالت بصوت صارخ:
"ك… كيف ذلك؟ هل سأعمل مع تلك؟"
ابتسم الأستاذ ابتسامة نصر، فهو يعلم أنها سترفض، لأن نور الهدى منبوذة بسبب لباسها ودينها المختلف. لكنها لم تكن مهتمة، فإيمانها أقوى من كل شيء.
قال الأستاذ:
"نعم، وليس هناك رفض، وإلا ستحصلين على صفر ويعادك السنة."
أغمضت عيناها لتقاوم الغضب، ثم تنهدت بقلة حيلة. رغم قوة إيمان نور الهدى، غمرتها سعادة لا توصف، وأرادت أن تعانق فيرا، لكنها تراجعت، وابتسمت ابتسامة هادئة تعبر عن سعادتها و كأنها تقول
"سيجمعنا القدر، شاء قلبك ام ابى"
الكاتبة أسيل 🌺