"الجُرح هو المكان الذي يدخل منه النور إليك."
_جلال الدين الرومي_
____________________________
الإسلام دين يقوم على توحيد الله، والرحمة، والعدل، والسلام الداخلي.
هذا أول ما وقعت عيناها عليه.
توقفت عند كلمة الرحمة.
لماذا هذه الكلمة تحديدًا؟
مرّت بعينيها على سطرٍ آخر:
معنى الإسلام هو الاستسلام لله، أي الاطمئنان إليه والثقة بحكمته.
همست لنفسها:
"الاطمئنان…"
ضغطت على رابطٍ آخر، فوجدت آيةً مترجمة:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
شعرت بشيءٍ يهتز داخلها.
هل يمكن فعلًا أن يهدأ القلب؟
هل الطمأنينة شيء حقيقي… أم مجرد كلمة جميلة؟
تابعت القراءة، فوجدت أن الإسلام لا يُشترط فيه أن يكون الإنسان كاملًا، بل أن يكون صادقًا في بحثه.
توقفت طويلًا عند هذه الفكرة.
لم يخبرها الموقع أنها سيئة.
لم يهددها.
لم يُشعرها بالخوف.
بل كان الحديث عن:
الرحمة.
التوبة.
أن الله قريب.
وأن كل إنسان يبدأ من جديد.
أغلقت الشاشة قليلًا، ووضعت يدها على صدرها، وسألت نفسها بصوتٍ خافت:
"وإن أردتُ أن أبدأ من جديد… هل يقبلني الله؟"
حملت هاتفها مباشرة، وفتحت حساب نور الهدى. كتبت بتردد:
"أريد أن أدرس الإسلام…"
توقفت لحظة، ونظرت إلى الكلمات كأنها تخشى معناها، ثم أرسلت الرسالة قبل أن يتراجع قلبها.
في فجر اليوم التالي، استيقظت فيرا فجأة، تتصبب عرقًا.
أنفاسها متسارعة، وصور مبعثرة تمر في ذهنها…
صوت… نور… بكاء… وهدوء غريب في النهاية.
لم تستطع تمييز إن كان حلمًا أم كابوسًا.
وضعت يدها على رأسها، تشد خصلات شعرها بعصبية، وبدأت دموعها تنهمر دون أن تفهم السبب.
"لماذا أنا؟… ماذا يحدث لي؟"
سحبت هاتفها بسرعة، وكأنها تبحث عن شيء ينقذها.
دخلت إلى اليوتيوب، ويدها ترتجف قليلًا، ثم كتبت الآية التي أصبحت منذ الليلة الماضية ملجأها:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
بدأ صوت الترتيل يملأ الغرفة بهدوء…
شيئًا فشيئًا، خفّ اضطراب أنفاسها.
هدأ صدرها.
واستسلمت للنوم مرةً أخرى، وهذه المرة دون خوف.
_______________________________
عند نور الهدى:
استيقظت على منبّه الفجر كعادتها.
مدّت يدها لإيقافه، لكن إشعارًا جذب انتباهها.
رسالة من فيرا.
فتحتها بسرعة، وما إن قرأت:
"أريد أن أدرس الإسلام…"
اتسعت ابتسامتها، وكأن قلبها قال: "الحمد لله" قبل شفتيها.
ردّت عليها:
"ما شاء الله، خير ما فعلتِ."
ثم قامت إلى وضوئها، وقلبها ممتلئ بشعور لم تختبره من قبل…
شعور بأن شيئًا جميلًا بدأ يتحقق.
على الساعة السابعة،
نهضت فيرا مسرعة بعد رؤيتها للساعة، فالجامعة تبدأ على الثامنة والنصف، وهي تريد أن تذهب باكرًا لتلتقي بنور الهدى، لذلك سارعت في لبس ملابسها والإسراع في ركوب سيارة أجرة.
وبينما هي في الطريق، وضعت السماعات لكي تسمع موسيقى، وبينما هي تبحث عن أغنية، توقفت عند مقطع فيديو للمرتل إسلام صبحي.
في الأول كانت تحسبها أغنية؛ لأنها كانت تظن أن القرآن هو تلك الآية التي سمعتها ذلك اليوم فقط، لكنها فور دخولها الفيديو وبدأ المرتل بالقراءة:
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
— الآية 61 من سورة النمل —
شعرت بشعور غريب، شعور الطمأنينة والسكينة، شعور قوي جدًا، وكأنه يخاطبها هي.
شعرت وكأن الصوت مألوف، وكأنه يشبه صوت قارئ الآية الخامسة والثلاثين من سورة النور، التي دائمًا ما تسمعها وتهدئ قلبها، لكنها فهمت مباشرة أنه من القرآن، نظرًا للغة الغريبة وصوت القارئ.
لكنها لم تفهم:
"أليس القرآن فيه فقط تلك الآية؟ أم أن نور الهدى سمعتني فقط تلك الآية؟"
هذا ما طرحته فيرا على نفسها.
فور وصولها إلى الجامعة، صعدت مسرعة إلى القاعة، فوجدت منظرًا لطالما ارتاحت عند رؤيته.
رأت نور الهدى جالسة بهدوء، واضعةً سماعات، وتتأمل النافذة.
هي لا تريد الكذب، فلو كانت رجلًا لوقعت في حبها، فقد ينتابها هدوء أشبه بالغريب عند رؤيتها.
أدارت نور الهدى رأسها، لتنفزع من فيرا، فهي لم تشعر بمجيئها، لكنها ابتسمت وقالت لها:
"فيرا… تعالي، لماذا أنتِ متصنمة هناك؟"
فركت فيرا رأسها، فقد أحست بالخجل لرؤيتها لها بتلك الطريقة، وعند ذهابها للجلوس بجانبها، قالت نور الهدى بعدما قرأت علامات خجل فيرا:
"لا تخجلي مني، فقد افزعتُ عند رؤيتك؛ لأنني لم أشعر بدخولك على غير العادة."
ضحكت فيرا من كلامها، ثم أردفت:
"آسفة!… لم أقصد إفزاعك."
نظرت إليها نور، وعلامات الفرح تملأ قلبها، قائلة في ذهنها:
"اللهم اجعل هذه الابتسامة دائمة على وجهها."
ثم تذكرت أمر الرسالة، فقالت لها:
"لقد تذكرت شيئًا… قلتِ لي إنك تودين أن تعرفي الإسلام؟"
نظرت فيرا إلى عينيها، وكأنها لمست وترًا حساسًا عند نطقها لكلمة "الإسلام"، وأزاحت بنظرها نحو النافذة، وبقيت تقلب في يديها، قائلة:
"نعم، أود أن أدرسه… أود أن أعرف من هو الإله الأحد؟… وكيف أعرف أن الإسلام ليس اختراع بشر مثل الأديان الأخرى؟… كيف أصدق أن هذا الإله هو من خلقني؟"
سكتت للحظة، وقبل أن تكمل قالت لها نور الهدى:
"ستلقين الأجوبة عن كل الأسئلة التي تدور في ذهنك، لكن دعيني أجيبك عن أسئلتك هذه باختصار."
تعجبت فيرا من كلامها، وقالت في نفسها:
"سألقى الأجوبة!… ومتى؟…"
أكملت نور كلامها قائلة:
"قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. يونس: 38
لم تفهم فيرا ما قالته لها نور، لكنها عرفت أنها تقرأ شيئًا شبيهًا بالقرآن، أو القرآن بذاته. هي مشوشة، لا تعرف ماذا تفعل. الآية التي قالتها لها نور أشعرتها وكأنها اقترفت ذنبًا كبيرًا لا يجوز اقترافه. كل مرة تقول لها نور آية من سورة يرتاح قلبها، لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا.
لاحظت نور صمتها، فعرفت أنها لم تفهم، فقالت مبتسمة:
"أعلم أنكِ لم تفهميني، لذلك سأشرح لك."
وقبل أن تباشر في الشرح، همَّ الطلاب بالدخول، فاكتفت بالصمت، قائلة لفيرا إنها ستشرح لها فيما بعد، لكن بإمكانها البحث عن التفسير بنفسها.
تداركت فيرا سبب صمتها، واحترمت رغبتها، موافقةً رغم الفضول الذي انتابها لفهم الآية.
دخل الطلاب إلى القاعة وهم يتهامسون بصوتٍ شبه مسموع أن هناك طالبًا جديدًا سيدرس معهم، ويقال إنه في غاية الوسامة، لذلك تحمس الجميع لرؤيته، لربما يصبح من نصيب إحداهن.
لم يُبالِ أيٌّ من فيرا ونور؛ فنور ترى أنها مضيعة للوقت وعصيان لله، أما فيرا فكانت تقرف ذلك، فقالت وهي تهمهم بقرف:
"وكأنهم يلعبون لعبة اليانصيب! هنا جامعة طب، وليست استوديو تصوير."
انفجرت نور ضاحكةً من كلام فيرا.
اتسعت عينا فيرا دهشة، ووضعت يدها مسرعة على فمها، وقالت بخجل:
"هل سمعتِني؟…"
ردت نور الهدى:
"لا عليكِ، هذا ليس بأمرٍ يدعو للخجل، فأنا أيضًا لا أحب هذه التفاهات."
ابتسمت لها فيرا بامتنان، فقد صارت تبتسم معها بارتياح أكثر من المرات الأولى.
بعدما بدأ الأستاذ بإلقاء المحاضرة، وباشر الطلاب في الاستماع، فجأة دخل عليهم شاب ذو عينين خضراوين، وشعرٍ بني، وعلامات الركض بادية عليه، فقال وهو يلهث:
"آسف أستاذ، أيمكنني الدخول؟…"
ابتسم الأستاذ له، فقد علم أنه الطالب الجديد من ركضه، فقال له:
"أكيد، ادخل يا ولدي… قدّم نفسك قبل الجلوس لنتعرف عليك."
دخل الشاب إلى القاعة، وتعجب الكل من جماله. حلَّ الصمت قليلًا، ثم تكلم الشاب قائلًا:
"مرحبًا… أنا اسمي جون لويس. كنت أسكن في أمريكا، لكنني انتقلت للعيش هنا، وأكمل تعليمي في الطب… هذا فقط، لا ينبغي أن أقول لكم أكثر من ذلك."
لم تنتبه نور الهدى عند دخوله، لكنها سمعت صوتًا قد سمعته من قبل. رفعت نظرها، لربما كانت تتوهم، لكنها لم تخطئ.
اتسعت عيناها فجأة.
كان هو نفسه…
الطبيب…
يقف بشموخ أمام الأستاذ، نفس العينين، نفس النظرة التي أربكتها ذات يوم. خفضت بصرها فورًا محاولةً إخفاء ارتباكها.
في الجهة المقابلة، كان جون لويس يجول بعينيه في القاعة حتى توقفت عيناه عندها.
عرفها فورًا.
ابتسم بخفة... ابتسامة لم ينتبه لها أحد، كأن القدر أعاد إليه فرصةً ظنّ أنه فقدها.
أما هي، فرغم أنها غَضَّت بصرها عنه، إلا أنها شعرت بثقل نظراته. لم يكن ارتباك إعجاب... بل ارتباك ذكرى.
بدأت تستغفر بصوتٍ خافت، يكفي لأن تسمعه فيرا.
رفعت فيرا رأسها، وقد كانت غارقة في التفكير بالآية التي سمعتها قبل قليل...
ثم ضحكت.
ضحكة قصيرة، وربما قد تكون الثانية منذ أن مات آندريو.
توقفت نور الهدى عن الاستغفار، ونظرت إليها بدهشة، ثم ابتسمت دون أن تسأل عن السبب.
سألتها فيرا وهي تحاول كتم ضحكتها:
"كلما ارتبكتِ... تستغفرين؟"
ابتسمت نور الهدى وقالت:
"لماذا؟… هل علامات الارتباك بادية عليّ؟!"
أجابتها فيرا بلطف، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة:
"قليلًا... لكن لا تقلقي، يبدو عليكِ الهدوء أكثر من الارتباك."
احمرّ وجه نور الهدى خجلًا بعدما لاحظت فيرا ارتباكها، لكنها سرعان ما التقطت أنفاسها.
قالت فيرا، محاولةً تغيير الموضوع:
"بالمناسبة... لم تجيبي على سؤالي."
نظرت نور الهدى إلى عينيها الزرقاوين، ثم قالت بتساؤل هادئ:
"اعذريني... لكنني لم أسمع سؤالك، هل يمكنك إعادته؟"
نظرت إليها فيرا للحظات، ثم قالت وهي تعقد حاجبيها قليلًا:
"كنت أسألك... هل كلما ترتبكين تقومين بالاستغفار؟"
ابتسمت نور الهدى ابتسامة هادئة، وخفضت بصرها لتعيد النظر إليها، ثم قالت:
"لا... ليس فقط عند الارتباك، بل كلما ضاق صدري أو شعرت أن قلبي تائه. فالاستغفار يريح القلب، والله سبحانه يقول في القرآن: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾. [سورة نوح: 10]"
تمعنت فيرا في كلامها، وأطلقت تنهيدة معبرة عن الألم الذي بداخلها، فقالت بصوت خانق:
"إذا كان الله يغفر الذنوب، أفلا يخفف هموم القلوب أيضًا؟"
نظرت لها نور، وعيناها تملؤهما الطمأنينة، ثم قالت:
"إذا كان…"
قاطعها الأستاذ بصوتٍ غاضب دوّى في القاعة:
"أنتما! هل جئتما لتكملا الحديث أم لتحضرا المحاضرة؟ إن كان الكلام أهم عندكما، فالباب أمامكما."
خيّم الصمت على المكان، وانخفضت رؤوس بعض الطلبة، بينما تبادلت فيرا ونور الهدى نظرةً خاطفة.
فقالت نور بصوت خافت:
"سنكمل الحديث لاحقًا."
أومأت لها فيرا، ثم أعادت بصرها إلى السبورة، متظاهرةً بالإنصات، بينما كانت تعيد في ذهنها كل كلمة قالتها نور الهدى:
"الله... الاستغفار... الطمأنينة…"
أما نور الهدى، فكانت تقلب أوراق دفترها الفارغ، ومشهد ارتباكها يدور في عقلها .
_______________________________
انتهت المحاضرة، وتعالت أصوات الكراسي وهي تُسحب من أماكنها. خرج الطلبة واحدًا تلو الآخر، بينما بقي هو جالسًا للحظات، يراقبها من بعيد.
كانت نور الهدى تحمل في يدها مصحفًا، بينما اتجهت بخطوات هادئة نحو فيرا.
نظرت نور مرةً إلى المصحف، ثم رفعت بصرها إلى عيني فيرا، وابتسمت ابتسامةً خافتة، وقالت:
"تفضلي يا فيرا... هذا سيساعدك على التعرّف إلى الإسلام."
عقدت فيرا حاجبيها بدهشة، وحدقت في الكتاب بين يديها طويلًا، ثم رفعت نظرها إلى نور قائلةً باستغراب:
"أتقصدين... أن تعطيني إياه؟"
هزّت نور رأسها مبتسمة.
"نعم، خذيه. لا أطلب منك أن تؤمني بما فيه... فقط اقرئيه بعقلٍ وقلبٍ مفتوحين، ثم احكمي بنفسك، وأيضًا هذه النسخة المترجمة منه؛ لأن الأصل باللغة العربية، ليسهل عليك الفهم."
بقيت فيرا صامتة لثوانٍ، تتردد بين مدّ يدها أو التراجع. لم تكن تعلم لماذا، لكنها شعرت أن هذا الكتاب الصغير أثقل من كل الكتب التي حملتها في حياتها.
وبعد ترددٍ طويل... مدت يدها ببطء، وأخذته.
عند أخذ فيرا المصحف من يدها، رفعت نور الهدى رأسها مصادفةً... فتلاقت عيناهما لثانيةٍ خاطفة.
لم تبتسم، ولم تتحدث.
خفضت بصرها مباشرةً مستغفرةً الله، وجمعت أغراضها، ثم عدلت حجابها وغادرت القاعة بخطواتٍ هادئة.
أما هو... فظل واقفًا مكانه يتابع أثر رحيلها، وعلى شفتيه ابتسامةٌ صغيرة، كأنها وعدٌ لم يُكتب بعد.
ولم يكن يدري... أن الطريق إليها لن يكون سهلًا أبدًا.
الكاتبة أسيل 🌺