الفصل الثالث : إنه القرآن...

الفصل الثالث : إنه القرآن...

33 0

"لا بد أن نقبل خيبة الأمل المحدودة، لكن يجب ألا نفقد الأمل اللامحدود."

_ مارتن لوثر كينغ الابن_

__________________________

الأيام تتشابه، كأنها صور مكرّرة على جدار الزمن، لا جديد فيها سوى صمتٍ يثقل الصدر. حتى نومها لم يعد ملاذًا؛ فالأحلام نفسها تتكرر، بنفس الوجوه، بنفس الألم. منذ يومين لم تغادر غرفتها، ضائعة بين الوسادة والغطاء، لا شيء في معدتها سوى المهدئات. الكوابيس تعيد سرد نفسها كلما حاولت النوم، وموجات الاكتئاب تهاجمها بلا رحمة. دموعها، منذ تلك الليلة، لا تعرف الجفاف.

في لحظة انهيار، شعرت بدوخة غريبة، قلبها ينبض بسرعة، والرؤية تغشاها بضباب ثقيل. عادت لتستلقي لعلّ الألم يتوقف. بقيت هكذا للحظات، ثم نهضت لتستحمّ وتتهيأ للدراسة؛ اليوم هو الإثنين، ولا مجال لتضييع المشروع، فهي تعرف جيدًا عواقب ذلك. رغم أن الأستاذ تغيّر، إلّا أن تحذير ذاك “القذر” لا يزال يرنّ في ذهنها.

خرجت من الحمام، ارتدت فستانًا صوفيًا أسود، ومعطفًا بيج، وحذاءً شتويًا عاليًا. جفّفت شعرها وربطته عشوائيًا دون أن تنظر إلى المرآة. خرجت من الغرفة لتجد والديها على طاولة الفطور، فمرّت من أمامهما بصمت دون أن تنظر في وجهيهما. نطقت أمها بصوت حادّ:

"حقيرة... متمرّدة!"

شدّ السيد سيرغي النظر فيها بعينين تقدحان غضبًا مكتومًا.

"ألا يمكنكِ أن تصمتي ولو لمرة؟ عار عليكِ! ألا تعرفين الرحمة؟ إنها ابنتك!"

قالها وهو يحتكّ بأسنانه من شدّة الغضب.

رفعت رأسها، والنار تشتعل في عينيها:

"ابنتي؟ هل سأتركها تُدعى ابنتي بعد أن قتلت أخاها؟"

نبرتها كانت تقطر شرًّا يخترق جدار الصمت الذي خيّم على المكان.

أما فيرا، فشعرت أن قلبها يتمزّق أشلاءً. الهواء صار ثقيلًا على صدرها، كأنها تتنفس حجرًا لا هواء. خنقة مؤلمة ارتفعت إلى حلقها، ودمعة ساخنة خانتها فسقطت على وجنتها، كأنها تحاول الهروب منها. خرجت مسرعة تستنشق بعض الهواء، لعلها تتمكن من التنفس. أما والدها، فبدأ يتناقر مع أمها بسبب كلماتها البذيئة، وأنهى شجارهما بجملة رجفت لها السيدة:

"عندما تخسرينها إلى الأبد... لا تبكي آنذاك."

كان يشعر، في أعماقه، أن شيئًا سيحدث، لكنه لم يعرف ما هو.

أخرجت فيرا أقراص المهدئ من حقيبتها ، فهي لا تفارقها . تناولت ثلاث حبات أخرى وارتشفت الماء. استعدت للانطلاق، لكنّ الضباب عاد إلى عينيها. تجاهلته، مقنعةً نفسها أنه مجرد تعب.

وصلت وجهتها، وكالعادة أوقفها الحارس، فشتمته في سرّها وقدّمت بطاقتها. دخلت القاعة، ولأول مرة وجدتها فارغة. تمتمت بين نفسها:

"غريب… ألا ندرس الآن؟"

نظرت إلى الساعة، كانت السابعة والنصف صباحًا .

مبكرة بنصف ساعة، وهذا لم يحدث من قبل. تنهدت وقررت الجلوس، لكن قبل أن تصعد المدرج لمحت فتاة جالسة أمام النافذة.

كانت “نور الهدى” تجلس بهدوء وسكينة، وجهها يشعّ بالنور والجمال، كأن الشمس أشرقت داخل القاعة. ثوب زهري فضفاض ينسدل برقة على جسدها، ووشاح رمادي يضفي لمسة صفاء على مظهرها. عيناها الهادئتان تنظران إلى الخارج بابتسامة خفيفة، كأنها ترى شيئًا جميلاً يبعث السعادة.وقد وضعت سمّاعة في أذنها، فظنّت فيرا أنها تستمع إلى أغنية هادئة، لكنها حين اقتربت قليلًا أدركت أنه صوت تلاوةٍ عذبةٍ للقرآن الكريم، لا موسيقى . اضطرب انفاسها فجأة ثم شعرت براحة جميلة ، راحة لم تشعر بها منذ سنين .

وفجأة وجدت فيرا نفسها تجلس أمامها دون أن تدري كيف وصلت، كأن قوة خفية جذبتها. نظرت إليها بفضول، فبدت الفتاة أقرب وجمالها أعمق، كأنها تشعّ طاقة سلام. أحست فيرا بتعبها يتلاشى تدريجيًا، وكأن النور الهادئ المنبعث منها يطهر المكان من كل ألم.

سألتها فيرا بصوت خافت:

"ما هذا الذي كنتِ تسمعينه؟"

ابتسمت نور الهدى بهدوء وأجابت:

"القرآن الكريم."

ظهرت على ملامحها سكينة مطمئنة، وكأن الكلمات الإلهية تسكن قلبها. تعجبت فيرا وسألتها:

"وهل يمكن سماعه أيضًا؟"

ضحكت نور الهدى برقة وقالت:

"نعم، هناك تلاوات بصوت قراءٍ يجودون الآيات بخشوعٍ يلامس القلب ويملؤه سلامًا. أنا أحب الاستماع إلى أحدهم، صوته يأخذني إلى عالمٍ آخر."

سألتها فيرا:

"هل سبق لكِ أن استمعتِ لتلاوة؟"

فابتسمت نور الهدى قائلة:

"أكيد، فأنا مسلمة، لا أستطيع أن أبدأ نهاري دون ذكر الله."

نظرت إليها فيرا نظرة حائرة، ففهمت نور الهدى صمتها وقالت بلطف:

"أعلم أن المعتقدات تختلف، لكن الإسلام بالنسبة لي هو راحة وسلام داخلي. القرآن يعلّمنا العدل والرحمة والإحسان، لا الكراهية ولا الأذى."

ترددت فيرا قليلًا ثم قالت:

"لكن... الناس يقولون أشياء مختلفة عن الإسلام."

هي صحيح لا تعرف شيء و لم تعرف شيء فقد كانت تسمع اراء و كلام الناس عليه و شدت في ما سمعت اذانها .ابتسمت نور الهدى:

"صحيح، هناك من يسيء فهمه أو يستغله. لكن لا يمكن الحكم على دين كامل بأفعال قلة. الإسلام الحقيقي هو نور ورحمة، كما أن كل دين فيه من يتّبعه بصدق ومن يسيء إليه."

صمتت فيرا للحظات، ثم قالت بصوت خافت:

"هل يمكنني أن أسمع تلاوة منه؟"

تألقت ابتسامة نور الهدى، وقدّمت لها السماعات. وضعتها فيرا على أذنيها، وما إن سمعت:

"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (النور: 35)

رغم عدم فهمها له لكنها شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى قلبها. الكلمات لم تكن مجرد صوت… بل حياة. دموعها انهمرت دون إذن، وكأنها تتلقى رسالة خاصة من الله.

نزعت السماعات وقالت بصوت مبحوح:

"وهل يمكن أن تشرحي لي معناها؟"

ابتسمت نور الهدى وقالت:

"هي من سورة النور… تتحدث عن أن الله هو نور السماوات والأرض، ونوره يهدي القلوب كما يضيء المصباح الظلمة. كل كلمة فيها رمز للهداية والنقاء. “نور على نور”… أي نور الإيمان فوق نور الله الذي يهدي من يشاء."

تنهدت فيرا ووضعت يدها على صدرها، كأن شيئًا انكسر ثم عاد لينبض بهدوء.

قالت بخفوت:

"وما اللغة التي يقرأ بها؟"

ابتسمت نور الهدى وقالت:

"العربية، لغة القرآن الكريم."

تسعت عينا فيرا بدهشة، وهمست:

"اللغة العربية؟!"

فأجابت بابتسامة مطمئنة:

"نعم، لغة النور، لغة القرآن."

دخل بقية الطلاب، وبدأت المحاضرة. جلس جسد فيرا في مكانه، لكن روحها كانت في مكان آخر. الكلمات الأولى من الآية تتكرر في ذهنها بلا توقف. فجأة، أحست بدوار حاد، صداع قوي، ورؤيتها تتلاشى تدريجيًا حتى أظلم كل شيء.

سقطت مغمى عليها. هرعت نور الهدى إليها، رشّت الماء على وجهها دون استجابة، فصرخت طالبة المساعدة.

بعد نصف ساعة، كانت فيرا في المستشفى، ونور الهدى واقفة في الممر تنتظر بقلق. خرج الطبيب أخيرًا فقالت بتوتر:

"كيف حالها؟ أهي بخير؟"

أجاب بلطف:

"تناولت جرعة كبيرة من المهدئات. قمنا بغسل معدتها، لكنها تعاني من فقر دم حاد بسبب سوء التغذية."

شهقت نور الهدى وقالت في نفسها بنبرة شفقة:

"لماذا تؤذي نفسها هكذا؟"

ثم سألت الطبيب:

"هل يمكنني رؤيتها؟"

قال بابتسامة مطمئنة:

"نعم، لقد استعادت وعيها للتو."

دخلت الغرفة، فرأتها ممددة كأنها جثة بلا روح، وجهها شاحب، عيناها ذابلتان. اقتربت منها هامسة بدعاءٍ صادق:

"اللهم اهْدِها إلى الطريق المستقيم."

فتحت فيرا عينيها بصعوبة و كانت الرؤية ضبابية أمامها، لكنها اتضحت تدريجيا.

لترى امامها نور الهدى وهي واقفة من عينيها التي تلونت بلون الأحمر اتضح لها انها كانت تبكي.

نظرت إليها نور الهدى بإبتسامة خفيفة و قالت

" الحمد لله على سلامتك …، خفت كثيرا عليك"

ابتسمت فيرا لها بدون وعي فهي قد شعرت براحة كبيرة معها ، هذه اول مرة قالت

" شكرا … شكرا على خوفك علي ايضا "

ردت نور الهدى بصوت مختنق

"لا أعرف لماذا، لكن عندما رأيتك في تلك الحالة، شعرت بألم كبير في قلبي. كأنني عرفتك منذ زمن طويل. أنا آسفة إذا كنت قد تدخلت في شيء لا يعنيني، لكنني لم أستطع أن أتركك وحدك."

فرحت فيرا بكلامها جدا و خفق قلبها بسعادة قالت في صمتها

"هل هذا صحيح ؟ هل حقا خافت علي رغم الذي فعلته بسبب المشروع ؟"

رمقتها بنظرة مطولة بعينين يبرقان بالدموع

ردّت فيرا بصوت متردد، وكأن الكلمات تخرج من قلبها لا من فمها:

"لا... لا تعتذري. لم يهتمّ بي أحد منذ زمنٍ بعيد، لذا لم أعتدّ على هذا النوع من الخوف… لكن شكراً لكِ."

جلست نور الهدى على الكرسي بجانبها وقالت بلطف:

"لا تشكريني على شيء، هذا واجب. الإنسان لا يُترك حين يتألم."

ساد بينهما صمت قصير، لم يكن ثقيلاً بل مريحاً. كانت نظرات نور الهدى تشعّ حناناً نادراً، جعلت فيرا تشعر بالأمان لأول مرة منذ سنوات. أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوت خافت:

"أتعلمين… حين سمعت تلك التلاوة، شعرت بشيء لم أفهمه. كأن قلبي يريد أن يقول شيئاً لكنه لا يعرف اللغة."

ابتسمت نور الهدى وقالت:

"لأن ما سمعته لم يكن مجرد صوت… كان كلام الله. عندما يخاطب الله القلب، لا يحتاج إلى ترجمة. يشعر به من يبحث عن معنى لحياته، حتى وإن لم يؤمن بعد."

نظرت إليها فيرا بدهشة صامتة، ثم تمتمت:

"كلام الله؟ وهل تؤمنين أن هناك من يسمعنا فعلاً من فوق؟"

أجابت نور الهدى بثقة وهدوء:

"نعم، أؤمن أنه يسمعنا ويرانا ويرفق بنا حتى ونحن نبتعد عنه. الإسلام ليس أوامر فقط، هو علاقة بينكِ وبين من خلقكِ، علاقة رحمة لا خوف. كلّ ما يريدُه الله هو أن يجدكِ عندما تضيئين من جديد."

شعرت فيرا بقشعريرة تسري في جسدها، وارتعشت أصابعها دون أن تعرف السبب.

"لكن… أنا لا أؤمن بشيء. حاولت، ولم أستطع. كل ما رأيته في حياتي كان ظلماً وألماً."

اقتربت منها نور الهدى أكثر وهمست:

"ربما لأنكِ كنتِ تنظرين إلى الناس، لا إلى الله. الله لا يظلم أحداً يا فيرا، الناس هم من يفعلون ذلك. لكنه وحده القادر أن يجبر قلبك بعد كل هذا الكسر."

صمتت فيرا طويلاً، تحدّق في وجهها، وكأن شيئاً يشتعل في أعماقها. ثم همست بصوتٍ مبحوح:

"أنتِ تتحدثين وكأنكِ تعرفينه حقاً."

ابتسمت نور الهدى وقالت:

"نعم، أعرفه بالرحمة التي يزرعها في قلبي كلما ضعفت… وبالنور الذي يعيدني إليه كلما ابتعدت."

نزلت دمعة على خدّ فيرا وهي تهمس:

"أتمنى لو كنت أستطيع أن أؤمن كما تفعلين أنتِ."

مدّت نور الهدى يدها برفق، وضغطت على يدها قائلة:

"لا تتمني، فقط قولي له في سرك: يا من تؤمن القلوب بلطفك، أرني طريقك… وستجدين الإجابة."

في الخارج، كانت السماء تمطر بخفة. قطرات المطر تلامس زجاج النافذة كأنها تصفق للحياة التي عادت تدقّ في قلبٍ كان على وشك أن يتوقف.

لم تكن فيرا تعلم أن هذا اللقاء، في تلك الغرفة الباردة، سيكون بداية ولادتها من جديد…

بداية طريق طويل نحو النور.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رسالة آمل

المؤلف الكاتبة أسيل 🌺
2026/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة