⊹ الـفـصـل التــــاسـع || تيجان الغنائـم ✧

⊹ الـفـصـل التــــاسـع || تيجان الغنائـم ✧

11 0

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير الأنام

و أشرف الأنبياء والمرسلين

لا تنسوالتفاعل مع كل جزء لأرى رأيكم و لا تنسو

أيضا ترك قلب و الاشتراك بحسابي

☆يا نجومي☆

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦.

خمسة أيام كاملة انقضت منذ تلك الحادثة العصيبة في أعماق الغابة.

خمسة أيام كانت كافية لتهدئة الأنفاس الثائرة، وجمع الغنائم، وتضميد الجراح التي خلفها وحش البرية.

والآن، حان وقت الحقيقة.. حان وقت إعلان النتائج وتتويج الأسياد.

كان الجو فوق أراضي إمبراطورية درافينفال مغيما بثقل ...سحب رمادية كثيفة تحجب أشعة الشمس لكنها جافة تماما بلا قطرة مطر واحدة، كأن السماء نفسها تحبس أنفاسها تضامناً مع الحشود المنتظرة.

في الساحة الكبرى، امتدت مجموعة من الخيام الملكية باختلاف أحجامها وفخامتها، حيث حوت داخلها طرائد وغنائم كل المشاركين الذين جازفوا بأرواحهم.

وفي المقدمة، انتصب مسرح خشبي ضخم، عُلقت على جنباته وجدرانه رؤوس الحيوانات المحشوة بدقة، وافترشته جلود الدببة والذئاب النادرة.

رُتبت كلها بطريقة متقنة وبرية جعلت من تلك الأشياء الميتة تبدو جذابة، مهيبة، وتقطر بكبرياء الصيد الأرستقراطي.

وعلى مقربة من المسرح، ارتفع برج خشبي صغير شُيد خصيصا لهذه المناسبة. في أعلاه، وُضع عرش لم يكن مفرطا في الفخامة والذهب، لكنه حمل هيبة تليق تماما بأجواء المسابقة.

هناك، جلس الإمبراطور والإمبراطورة برقي وفخر ملوكي، يراقبان الحشود وعيناهما تشعان بالسيادة.

ومن حولهما، تراصت صفوف من الكراسي الفارغة.

لم يجلس عليها أحد من النبلاء أو السيدات!

فالجميع كانوا واقفين على أقدامهم، تشدهم اللهفة وتحرقهم حماسة الانتظار لمعرفة من سينال اللقب .. ولم يستثنَ من ذلك إلا كبار السن الذين عجزت أقدامهم عن حملهم رغما عن التوتر الحارق الذي كان يلتهم قلوبهم الشغوفة.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦.

كان الدوق لوسيان يتقدم بخطوات هادئة وواثقة وهو يدفع الكرسي المتحرك المخملي الذي تجلس عليه كلاريس .

كانت هي هادئة تماما ,واضعة كفيها فوق حجرها ببرود أرستقراطي متقن رُغم جراحها، بينما ملامحه هو كانت كالعادة.. لوحة من الرخام البارد التي لا تُقرأ منها المشاعر.

بمجرد دخولهم إلى الساحة، أحاطت بهما مجموعة من النبيلات وسيدات المجتمع كالفراشات ، تباكين بافتعال واطمأنّوا على صحتها بنبرات متلهفة.

بالطبع، كان بعضهنّ صادقا يحمل ودا حقيقيا لعائلة كاروث، بينما البعض الآخر كان يبتسم وعيونه تتلصص على الدوق، باحثا عن مصالحه ومتقربا من خطيبته المستقبلية.

و

فجأة.. دوت "كحّة" خفيفة ومصطنعة لفتت الانتباه، ليتراجع النبيلات فورا بذعر مهذب، صانعين ممرّا عريضا لِتمرّ من خلاله الليدي فكتوريا.

كانت تمشي برقيّ مفرط وغرور يسبق خطواتها، تُهفّهف بمروحتها الريشية ببطء مستفز وتلقي بنظراتها المتعالية على الحشود.

وعندما وصلت، هبطت عيناها لتتفحص كلاريس الجالسة على الكرسي، قبل أن ترتفع حدقتاها ببطء نحو لوسيان الواقف خلف الكرسي، ليمرّ فيهما بريق غيرة واضحة وحارقة لم تستطع كتمانها.

أعادت فكتوريا نظرها لكلاريس، ورسمت على شفتيها ابتسامة زيف باردة كأوراق الخريف، ونطقت بنبرة تقطر سمّا مبطنا:

_حمدا لله على سلامتكِ يا آنسة كلاريس.. لقد فزعنا جميعا لسماع خبر الحادث الأليم، لكن أخبريني.. هل اصطدتِ شيئا يُذكر في تلك الغابة؟ أم أن غنيمتكِ الوحيدة كانت.. اهتمام السيد آشبورن بالكامل؟

ساد صمتٌ مفاجئ ومريب بين السيدات المحيطات بهن، وحبست النبيلات أنفاسهن ترقباً للرد.

لم تهتز شعرة واحدة في وجه كلاريس ..بل رفعت ذقنها ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة ومستفزة، وبدلا من أن تغضب، نظرت إلى مروحة فكتوريا ثم إلى عينيها وقالت بنبرة ناعمة حادة كالنصل:

_اهتمام الدوق لوسيان بي هو واجب خطيب يا ليدي فكتوريا، وليس غنيمة أتباها بها.. أما عن الصيد، فأظن أن خيام الغنائم خلفكِ تملك إجابة وافية قد لا تعجب كبرياءكِ الدوقي كثيرا .

تغيرت ملامح فكتوريا، وكادت تفتح فمها للرد لولا أن صوت المنادي الملكي صدح فجأة في أرجاء الساحة ليعلن بدء الحفل، مجبرا الجميع على الصمت واللتفات نحو المنصة الخشبية الضخمة!

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦.

تحرك المنادي الملكي فوق المنصة بخطوات مسرحية مدروسة، وفتح اللفافة الجلدية الطويلة ليصدح صوته الجهوري الذي تردد صداه في أرجاء أراضي درافينفال:

_أيها النبلاء! بحسب التقاليد العريقة لإمبراطوريتنا العظيمة، نبدأ بإعلان نتائج الفرسان وغنائمهم من المراتب الأدنى صعودا، وليتقدم كل لورد ليعلن أمام العرش الإمبراطوري لمن يهدي دماء طريدته هذا المساء .

بدأت الطبول تقرع بنمط بطيء، وتحرك الفرسان والنبلاء من المراتب الدنيا ،فرسان مبتدئون ونبلاء من عائلات هامشية حصدوا نقاطاً متواضعة جدا (بين 5 إلى 10 نقاط) بصيد الثعالب والأيائل الصغيرة.

تقدم النبيل الأول في القائمة، شاب خجول من البارونات الصغار حصد 5 نقاط برأس ثعلب بري، وانحنى ليهدي صيده لزوجته وسط تصفيق هادئ من عائلته.

وتابعه النبيل الثاني، لورد يافع نال 8 نقاط، تقدم بفخر وأعلن إهداء صيده لشقيقته ليرفع من شأنها بين الحشود المتجمهرة.

ومع تقدم الترتيب وارتفاع النقاط تدريجيا، بدأت حرارة الحماس ترتفع في الساحة، وبدأت مروحة الليدي فكتوريا الريشية تتحرك بخيلاء وكبرياء أكبر .. فقد تقدم تباعا عدد من النبلاء والفرسان الذين يطمعون في التقرب من عائلتها الدوقية أو المتيمين بنفوذها، وبدأوا يرمون بنقاط طرائدهم المتوسطة تحت أقدامها.

كلما تقدم لورد وأعلن: "أهدي صيدي لليدي فكتوريا".

كانت نقاطها ترتفع دفعة واحدة لتسجل قفزة عالية في قائمة السيدات. التفتت فكتوريا برأسها ببطء وتكبر نحو كلاريس الجالسة على كرسها المتحرك، ورمقتها بنظرة جانية تقطر تشفيا، وكأنها تؤكد لها بالعلن أن عرش "ملكة الصيد" مألوف لها ولا يمكن لأحد زحزحتها عنه.

أما كلاريس، فقد ظلت محافظة على هدوئها الأرستقراطي البارد، تراقب صعود الأرقام بملامح غامضة، بينما لوسيان يقف خلفها كشبح صامت، عيناه الحمراوان ترصدان المنصة بجمود رخامي لا يهتز.

تتابعت الأسماء واشتدت دقات الطبول يعلو صوتها في الأرجاء، وبدأ المنادي الملكي يأخذ نفسا عميقا ، مشيرا بيده إلى الحراس لفتح الخيام الكبرى حيث تُخبأ الطرائد الأضخم.. لقد حان وقت الدخول إلى قائمة النخبة والمراكز الثقيلة!

قبل أن تنطق شفتا المنادي بالأسماء الثلاثة الأخيرة، انتشرت الهمسات كالنار في الهشيم بين صفوف النبلاء والسيدات، وعلت التوقعات وتضاربت المراهنات؛ فكل عام تشتد المنافسة الشرسة وتتحول الساحة إلى ساحة معركة باردة بين قطبي القوة في الإمبراطورية: اللورد لوسيان وولي العهد كايلم.

فالتاريخ يسجل تقلب ميزان القوى بينهما بمعدل خمس مرات فوز لـ كايلم، وثماني مرات فوز ساحق للوسيان.

ساد صمتٌ مطبق فجأة، ورفع المنادي الورقة بيد ترتجف، ثم صاح بملء صوته:

_المرتبة الثالثة لهذا الموسم.. بمجموع صيدٍ خطر وثمين.. لوريث دوقية ايفرنورث لوسيان آشبورن!

اتسعت العيون بنظرات مذهولة، وضربت الهمسات المصدومة أرجاء الساحة ..لوسيان في المرتبة الثالثة؟! هذا مستحيل! لكن المنادي لم يمهلهم للاتسيعاب، بل تابع ليعلن الصاعقة الثانية:

_المرتبة الثانية.. وبفارق نقاط ضئيل.. سمو ولي العهد، الأمير كايلم درافينفال!

هنا.. صمت المنادي الملكي تماما . حبس أنفاسه وتراجع خطوة للخلف وهو ينظر إلى اللفافة، بينما ساد الساحة ذهول مرعب.

انقطعت الأنفاس، وتحركت النظرات بين كايلم الذي تشنجت ملامحه الملكية غضبا ، ولوسيان الذي ظل محافظاً على بروده الجليدي.

من عساه يكون؟! من هذا الذي تجرأ واكتسح المركز الأول وسحب البساط من تحت أقدام وريث الدوقية وولي العهد؟ طوال السنوات الأخيرة لم يشهد شعب درافينفال فائزاً غيرهما!

ارتفع صوت المنادي مجددا، ليزلزل أركان الإمبراطورية:

_أما صاحب المرتبة الأولى.. سيد الصيد المطلق لهذا العام بأعلى معدل نقاط سجلته الإمبراطورية.. اللورد.. جيمس كاروث!

انفجرت الساحة بصرخات انصعاق حقيقية! كاد كبار السن يسقطون من كراسيهم ، وتوقفت مروحة الليدي فكتوريا في الهواء من شدة الصدمة!

تسعة عشر عاما فقط! جيمس كاروث، الفتى الوسيم، يتربع فوق عرش الصيد بغنائم مرعبة ومتنوعة قُدمت من خيمته: ثعالب نادرة، ذئاب ضخمة، دبين هائلين، وبعض الوحوش الخطيرة التي تتكاثر في الغابة في هذا الوقت من السنة!

بينما كان جيمس يتقدم بخطوات واثقة وابتسامة ساخرة تليق بنصره ، كانت العيون تلتفت بنوع من الحيرة نحو لوسيان..

كيف لفارس أزلي مثله أن يحل ثالثا؟

لم يكن أحد يعلم سرا سوى المقربين؛ لوسيان لم يصطد طوال الأيام الماضية سوى طريدة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتمنحه المركز الثالث لشدة خطورتها..

لقد اصطاد وحش الـ "بونرست" (Bonerust) المرعب، الوحش الذي هاجم كلاريس في الغابة ومزق لحمه لوسيان بيدين عاريتين انتقاما لها، ومنذ تلك اللحظة، لم يبرح الدوق جانب سرير خطيبته المريضة، متنازلا عن المسابقة وعن ألقاب العالم مقابل حراستها!

تقدم الفائزون الثلاثة نحو المنصة الملكية لاستلام جوائزهم بالترتيب التصاعدي؛ من المركز الثالث صعودا إلى المتربع على عرش المسابقة.

وفي مفاجأة لم تكن في حسبان أحد، بدأت كفة النقاط تنقلب لصالح فتاة واحدة، لتصعد بها من لا شيء.. إلى القمة الأعلى في الإمبراطورية!

خطا الدوق لوسيان أولا بجسده الشامخ، عيناه داكنتان تحملان جمودا مخيفا رُغم حلوله ثالثا. تسلم رمزه التقديري، ثم التفت بجسده نحو الشرفة ونطق بصوت عميق ورخامي تغلغل في مسامع الحشود:

_أهدي نقاط طريدتي.. لخطيبتي، الآنسة كلاريس ايلانور كاروث.

ضجت الساحة بهمسات مأخوذة ..فلوسيان أعلن تملكه وحمايته لها بالعلن.

لكن الصدمة الحقيقية التي شلت الأنفاس كانت مع تقدم صاحب المركز الثاني. وقف ولي العهد، الأمير كايلم درافينفال، بكامل أناقته الملكية، صمت لثوانٍ وهو يجول بنظراته في الحشود، قبل أن ينطق بنبرة واضحة ومسموعة:

_أما أنا.. فأقدم صيدي ونقاطي.. للآنسة كلاريس ايلانور كاروث حامداً لله على نجاتها.

في تلك اللحظة بالذات، خيّم رعب هائل على المنصة!

فوق العرش الإمبراطوري، انقبضت قبضة الإمبراطور بعنف وغضب حارق من تصرف ابنه الطائش وغير المسؤول ، فمن المفترض عسكريا وبروتوكوليا أن يقدم ولي العهد صيده إما لشقيقته أو لليدي فكتوريا، المرشحة الأكبر لتكون زوجته المستقبلية وإمبراطورة درافينفال القادمة!

هذه الحركة كانت إهانة سياسية مبطنة للجميع.

اتسعت عينا كلاريس بصدمة حقيقية، ونظرت نحو كايلم بغير استيعاب ،لم تتوقع أبدا أن يرمي بها ولي العهد في وسط هذه العاصفة.

وفي نفس جزء الثانية، اشتد فك لوسيان بحدة مرعبة، وتكورت يده القوية في قبضة عنيفة برزت عروقها، وكأنه على وشك أن يتجاوز كل الحدود الملكية ويلكم كايلم ليمزق وجهه هنا أمام الملأ! الهالة السوداء بدأت تحوم حول جسده بغضب وحشي مكتوم.

أما كايلم، فقد مرر نظراته على الجميع بابتسامته الحانية والدافئة كعادته ، ممتصا صدمة الجمهور .

وعندما وصلت عيناه إلى لوسيان بالذات، انحرفت تلك الابتسامة لتصبح جانبية، مستفزة، وباردة تتحدى وحش نايتبلوود علنا.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦.

وسط ذلك التوتر الخانق والشرارات الحارقة المتبادلة بين الدوق وولي العهد، تقدم صاحب المركز الأول.

المتربع على عرش الصيد لهذا العام.

خطا اللورد جيمس كاروث بخطواته الواثقة والوسيمة نحو مقدمة المنصة، حاملا رمزه الذهبي ببرود ساخر ، ووجه نظراته مباشرة نحو شقيقته الجالسة على كرسها المتحرك، لتبدأ نبرته القوية في دغدغة مسامع الحشود:

_أما عن صيدي الأكبر وغنائمي لهذا الموسم.. فبالتأكيد لن تذهب إلا لشخص واحد.. أقدمها بالكامل لشقيقتي الكبرى ، الآنسة كلاريس ايلانور كاروث.

صمت جيمس لثوانٍ، وتلاشت ابتسامته الساخرة ليحل محلها دفء صادق وهو يتابع:

_إنها أكثر شخص دعمني ووقف بجانبي طوال حياتي.. نعم، نحن نتشاجر كثيرا ، ولا نتفق في معظم الأوقات ، كما أننا لم نعتد بعد على هذه البروتوكولات المعقدة و...

في تلك اللحظة، قطعت كلامه نظرة حادة وموتورة من كلاريس .

حيث عقدت حاجبيها بغيظ حارق ورمقته بنظرة "سأقتلك"

تنحنح جيمس بسرعة، وتدارك الموقف بابتسامة مرتبكة ووسيمة وهو يصحح كلامه علنا:

_آه.. أقصد.. أنا من لم يعتد عليها بعد! أما هي فقد اعتادت بالطبع.. وستعتاد دائما لأنها ذكية، لبقة، وتفوق الجميع بنباهتها.

أكمل جيمس مدح شقيقته بكل فخر أمام الحشود المذهولة من هذه العفوية ، ثم لم يهتم ببروتوكولات التتويج الصارمة.

نزل عن المنصة الخشبية بخطوات واسعة ، وتقدم نحو كرسيها المتحرك ، وتحت أنظار لوسيان الراصدة وكايلم المبتسم ، انحنى جيمس وعانق كلاريس بحنان أخوي دافئ شديد، وهمس بقرب أذنها بنبرة مسموعة:

_أتمنى لكِ الشفاء العاجل يا ريس.. فقد اشتقتُ لشجاراتنا اليومية في أروقة القصر بشكل لا يطاق.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦.

عاد الثلاثي الصادم، لوسيان وكايلم وجيمس، إلى أماكنهم في الساحة وسط نظرات الحشود المتشحة بالذهول.

وعند هذه اللحظة بالذات، تحرك المساعدون والمنادي الملكي بسرعة لحساب المجموع النهائي لعداد نقاط السيدات بعد أن صُبت إهداءات فرسان الإمبراطورية الأقوى في رصيد فكتوريا.

في الشرفة العليا، كانت الليدي فكتوريا تقف بكامل شموخها وفخرها، تهز مروحتها الريشية بثقة عمياء ويقين تام بأن لقب "ملكة الصيد" محجوز لاسمها كالعادة ، فمن عساها تتفوق على نقاط النبلاء التي جُمعت لأجلها؟

لكن ، ما إن سحب المنادي اللفافة الأخيرة ، حتى تجمدت تعابير وجهه ، وصدح صوته الجهوري ليزلزل أركان أراضي درافينفال:

_أيها النبلاء! بحسب تدقيق النقاط النهائي وتراكم دماء الطرائد المُهداة.. لأول مرة في تاريخ إمبراطوريتنا العظيمة، تساوت الكفتان بالملي.. ليتوج العرش هذا العام.. بملكتين معا!

حبس الجميع أنفاسهم بصدمة شلت الأرجاء، ليصرخ المنادي:

_الملكة الأولى، الليدي فكتوريا.. والملكة الثانية تعادلا بالنقاط.. الآنسة كلاريس ايلانور كاروث!

سقطت مروحة فكتوريا من يدها تقريبا ، وشحب وجهها بغضب حارق وكبرياؤها الدوقي يتشظى أمام النبيلات اللواتي بدأن بالهمس فورا.

تقدمت فكتوريا بخطوات متشنجة نحو المنصة الخشبية ، بينما تحرك لوسيان ببروده المعتاد ليدفع الكرسي المتحرك الخاص بكلاريس ويساعدها على الصعود والوقوف بجانب منافستها. وأثناء دفعه للكرسي، انحنى لوسيان قليلا وسمحت نبرته الرخامية المنخفضة بأن تصل مسامعها بتهكم عذب:

_لقد أصبحتِ ملكة.. يا حشرة.

لم تهتز كلاريس رُغم المرض ..

بل رفعت ذقنها ببرود أرستقراطي مستفز، والتفتت له بنظرة حادة ناطقة وهي تهمس من بين شفتيها :

_إذن، احترم الملكة يا صعلوك.. وإلا ستنال عقابك الملكي حتما.

في تلك اللحظة، خرجت من صدر الدوق تنهيدة عميقة ومكتومة أشبه بضحكة صامتة، وهي التفاتة نادرة من وحش رخامي مثله!

تقدم الحراس يحملون التيجان الملكية للمسابقة .

وُضع فوق رأس كلاريس وفكتوريا تاجٌ ذهبي ساحر، صُمم بدقة متناهية على شكل فروع أشجار متشابكة وجذابة، مريحة للعين وتقطر بفخامة برية تليق بأجواء البرية.

نظر المنادي الملكي إلى الملكتين، ثم التفت نحو الجمهور بابتسامة عملية وعلّق بطرافة لتهدئة الأجواء المشحونة:

_يبدو أنه من الجيد دائماً احتفاظنا بتيجان إضافية في الخزانة الملكية.. فمن يدري؟ ربما في العام القادم سنكون بحاجة لتتويج ثلاث ملكات معاً!

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦.

داخل إحدى القاعات الملكية المغلقة في القصر، خيّم جو من الجدية والترقب الحذر.

وسط الغرفة ، امتدت طاولة خشبية عتيقة ومصقولة من الأبنوس الأسود ، يجلس خلفها الثلاثي الذي قلب موازين الإمبراطورية قبل قليل: الدوق لوسيان ببروده الرخامي الشامخ ، ولي العهد كايلم بابتسامته الدبلوماسية الهادئة ، واللورد الصغير جيمس الذي كان يستند بظهره إلى الكرسي بثقة مفرطة.

وأمامهم ، تراصت صفوف من الكراسي الجلدية حيث جلس حشدٌ من صحفيي الإمبراطورية ، يرتدون معاطفهم الداكنة ويقبضون بأيديهم على أوراق بيضاء وأقلام ريشية حادة ، مستعدين لتدوين كل شاردة وواردة ، وكل إيماءة قد تصنع مانشيت صحفي يزلزل الشارع في الغد.

كانت القوانين صارمة .. لا أحد يتحدث إلا برفع اليد ونيل الإذن.

رفع أحد الصحفيين المخضرمين يده، وعندما أومأ له كايلم، وقف بخضوع مهذب ووجه سؤاله الأول نحو اليمين:

_سؤالي موجه لسيادة اللورد آشبورن.. لقد صدمتَ الجميع بحلولك في المرتبة الثالثة هذا العام، والصحف تتساءل: هل تراجع نفوذ الحائز على اللقب لثماني مرات في الصيد، أم أن صيد وحش الـ "بونرست" النادر كان يحمل قيمة شخصية تفوق كؤوس المسابقة كلها؟

ساد القاعة صمت جاف، والتفتت الأقلام نحو لوسيان.

ثبت لوسيان عينيه الحمراوان المظلمتين على الصحفي ، ليرتعش الأخير غريزيا ، ونطق بنبرة منخفضة وجليدية قطعت أنفاس الغرفة:

_المرتبة الثالثة أو الأولى لا تغير من حقيقة أن مخالب البونرست قُطعت بالكامل.. الدوقية لا تبحث عن ألقاب لتثبت قوتها، وما صِدتُه كان غنيمة وُضعت في مكانها الصحيح.. إضافة إلى أنني أجد الاعتناء بخطيبتي أهم من هذه الألقاب .... التالي.

تململ الصحفيون برعب، ليرفع صحفي شاب يده بسرعة ويوجه سؤاله لوسط الطاولة:

_سمو ولي العهد، الأمير كايلم! خطوتك اليوم بإهداء نقاطك للآنسة كلاريس كاروث بدلا من الليدي فكتوريا أو جلالة الأميرة أثارت عاصفة من الجدل في البلاط الملكي.. هل يمكننا اعتبار هذا إعلانا عن ميزان قوى جديد ، أم أن هناك أسبابا أخرى خلف هذا الكرم الملكي؟

ابتسم كايلم ابتسامة حانية وواسعة، وعدل ياقة سترته الذهبية برقي ملوكي وهو يجيب بنبرة دافئة ومدروسة سياسيا:

_إمبراطورية درافينفال تُقدر الشجاعة دائما . الآنسة كلاريس واجهت خطرا هائلاً في البرية واستحقت الدعم من الجميع ، وإهدائي لها كان لفتة تقدير لشجاعتها كابنة لعائلة كاروث العريقة.. ليس هناك أي أبعاد أخرى، فالإمبراطورية تحتضن رعاياها.

وفي كسر من الثانية، مرر كايلم نظرته الجانبية المستفزة نحو لوسيان الذي اشتد فكه بصمت مرعب كاد يحطم الطاولة.

لتلطيف الجو المشحون، رفع صحفي آخر يده ووجه سؤاله نحو اليسار بابتسامة مبهورة:

_اللورد الصغير، جيمس كاروث ! معجزة هذا الموسم وسيد الصيد بعمر التاسعة عشرة فقط! كيف تمكنتَ من الإطاحة بكبار قادة الجيوش وجمع هذه الغنائم المرعبة وحده؟ وما هو شعورك بعد أن جعلتَ شقيقتك الكبرى تتربع كملكة للصيد؟'

تحرك جيمس في جلسته، وارتسمت على وجهه الوسيم ابتسامة نرجسية ساخرة ولطيفة، ورد بنبرة واثقة ومرحة خطفت أنفاس الصحفيين:

_حسنا.. القادة يعتمدون على الخطط العسكرية، أما أنا فأعتمد على غريزتي وشغفي ! الغابة كانت كريمة معي لأنني لم أرحم أي طريدة واجهتني.. أما عن شقيقتي ريس، فجعلها ملكة هو أقل ما يمكن للأخ الأصغر المطيع أن يفعله، رغما عن أنها ستستغل هذا اللقب لتتحكم بي أكثر في القصر حتما !

انفجرت الغرفة بضحكات خفيفة من الصحفيين الذين أسرهم سحر وعفوية اللورد الصغير، بينما كانت ريشات أقلامهم تخط بسرعة تفاصيل هذا اللقاء التاريخي الذي سيشعل الإمبراطورية غداً!

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦.

دوى صوت صفعة قوية ليرتد صداها بعنف بين الجدران المزخرفة بالذهب والحرير المخملي داخل جناح الإمبراطورة.

كان الوقت قد شارف على نهاية ذلك اليوم الطويل والمليء بالزلازل ، لكن الأنفاس هنا لم تهدأ بعد.

تراجع ولي العهد كايلم خطوة إلى الخلف إثر قوة الضربة، ومال رأسه جانبا بينما صبغت حمرة قانية وجنته جراء صفعة والدته الثائرة.

ومع ذلك، لم يرفع يده ليمسح أثر الإهانة، ولم تتغير ملامحه..

بل ظل واقفا الشموخ الملكي نفسه، وعيناه تنظران إليها بـتلك الابتسامة الهادئة التي لم تفارق وجهه يوما.. غير أنها هذه المرة، كانت ابتسامة منكسرة ، باهتة ، وتحمل في طياتها حزنا دفينا وشديدا لم يقرأه أحد.

وقفت الإمبراطورة أمامه وصدرها يعلو ويهبط بغضب حارق ، وعيناها تشعان بالصرامة والتحقير وهي تصيح بنبرة حادة كالنصل:

_كيف تجرؤ؟! كيف تجرؤ على القيام بتصرف طائش ودنيء كهذا أمام فرسان ونبلاء الإمبراطورية؟! لقد أهنتَ الليدي فكتوريا علنا.. أهنت الفتاة المقررة لتكون ولية عهدك وإمبراطورتك القادمة، لتبدد نقاطك الثمينة وتقدمها على طبق من ذهب لفتاة وضيعة لا تملك من النبالة سوى الاسم؟! عائلة كاروث لا تساوي شيئا أمام نفوذ الدوقية التي تدعم عرشك!'

حركت الإمبراطورة فستانها الفخم بالتفافة صارمة، ووجهت سبابتها نحو صدره مهددة بنبرة لا تقبل النقاش:

_اسمعني جيدا يا كايلم.. في أول تجمع أرستقراطي قادم، وأمام مرأى ومسمع من الجميع، ستقدم اعتذارا

رسميا يليق بكبرياء الليدي فكتوريا، وتعلن خطوبتك العبقرية عليها هناك لتغسل هذه الفضيحة الإعلامية.. هل هذا مفهوم؟!'

ظل كايلم صامتا تماما، يراقب ثورة والدته بعينين معتمتين خلف قناع ابتسامته المنكسرة، كأن السماء الذهبية التي يتربع تحتها أصبحت فجأة قفصا خانقا من الحديد الأسود.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦.

خطا كايلم داخل جناحه الملكي بخطوات ثقيلة ومتهالكة، كأن ثقل الإمبراطورية بأكملها قد هبط فوق كتفيه دفعة واحدة.

أغلق الباب خلفه ليعزل نفسه عن عالم الزيف الأرستقراطي ، ثم رمى بجسده المرهق فوق السرير الضخم، وأطلق تنهيدة عميقة ومحملة بالآلام المكتومة.

أدخل يده ببطء داخل سترته ، وسحب منديل كلاريس الذي كان يخبئه بعناية فوق موضع قلبه مباشرة.

رفعه باتجاه الضوء الخافت للمصباح السحري ، ليظهر أمامه ذلك التطريز المبتدئ ..

الخيوط غير المنظمة ، والزوائد البارزة التي لم تُقص بعناية.

ارتسمت على شفتيه ضحكة خفيفة وصادقة نبعت من أعماقه، ثم قرب المنديل من وجهه واستنشق عبيره الهادئ الذي يحمل رائحتها.

مال على جنبه، مستسلما لطيف كلاريس الذي بدأ يداعب مخيلته.

تذكر ضحكتها العفوية ، وغضبها الشرس ، وعبوسها اللطيف ، ونبرة صوتها التي تختلف عن كل النبرات الباردة في القصر.

تذكر حتى تلك الإصابات التي تربعت على جسدها الصغير ، واشتعلت في صدره رغبة عارمة في أن يكون هو من يحميها.

لكن.. سرعان ما تمزقت تلك الأفكار الدافئة وتبددت... إثر الحرارة اللاذعة التي انطلقت فجأة من خده المصفوع ، لتعيده الصدمة إلى واقعه المرير..

واقع فكتوريا التي ستُجبر على البقاء بجانبه طوال العمر، قفص العرش الذي لا يرحم.

أغلق كايلم عينيه بأسى، وشد قبضته على المنديل المطرّز، ثم همس بنبرة مكسورة تائهة في الظلام:

_ليتني لوسيان..

_نهاية الفصل التاسـع_

هاي قاااااايزززز 🙈💗✨

شو رايكم في جو فصلين بعد بعض هااااا😏😏

عارفة عارفة لو اقدر والله أحط فصلين في اليوم 🙏🏻😭😭

لكن واااعععععع كااايللممم يمااااا قلبي انكسر 😭😭💔💔💔💔

صراحة ما احس يستاهل طرف ثالث والله 🙂💔

جنتل مااانن يستاهل دور أكبر ، لكن الحبكة لي تمشيني 😭💔

ماتوقعت اتعلق بيه لذي الدرجة والله 🤌🏻🗿💔

اما جيمس 🙂 انا اطلع صفات الاخ لي احتاجها في اخي الصغير لانو حرفيا لا احترام و لا تقدير أصلا لما نمر على بعضنا ملامح الكره والله 🤌🏻🗿

(مش لذي الدرجة نتفاهم بس في حالة الطعام في آخر الليل 😂😂✨)

اما الفصل العاشر ممكن انزلو الأحد او بعدو اذا كملتو .. اخخخخخ اخيراااااا كملنا من مسابقة الصيد حرفيا احسها اطول مرحلة بالرواية اخذت فوق 5 فصول او أكثر ... لو كان انمي كان حيكون ارك كامل والله 🤌🏻😭😭😭✨

لما أكبر ان شاء الله احول ذي الرواية لمانهوا 🫠✨✨

بعدها انمي 😭🤌🏻✨✨

و الان نختمها بخاتمنا المعتادة 🫠🎀✨

إلى كل من عاش معي أحداث الفصل التاسع، وابتسم وتأثر واحتبس أنفاسه مع تقلبات هذا العالم...

▪شكرًا لأنكم منحتموني وقتكم ومشاعركم، وشكرًا لأنكم كنتم الرفاق الأجمل في هذه الرحلة.

▪أعدكم أن الفصول القادمة ستأخذكم إلى أعماق أكثر إثارة، حيث تتشابك الخيوط وتتصاعد المفاجآت، وتنكشف أسرار لم يكن أحد يتوقعها.

_عدد الكلمات هو :3289 كلمة

وتذكروا دائمًا... "أنتم نبض هذه الحكاية ، و لكم تنبض سطورها "

▪أحبكم ♡ يا نجومي ☆

-كاتبتكم آريا♤-

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الدوق الأزلي

المؤلف ar._ya
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة