⊹ الـفـصـل الـثـــــــامــن || بُنَيّ ⋆

⊹ الـفـصـل الـثـــــــامــن || بُنَيّ ⋆

6 0

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير الأنام

و أشرف الأنبياء والمرسلين

لا تنسوالتفاعل مع كل جزء لأرى رأيكم و لا تنسو

أيضا ترك قلب و الاشتراك بحسابي

☆يا نجومي☆

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

في العادة، ترتبط الطفولة بأصوات الضحك الممتدة تحت أشعة الشمس الدافئة، لكن في مملكة "نايتبلوود"، كانت الطفولة تُقاس بمدى قدرتك على كبح وحشك الداخلي وسط الظلام الهامس.

كانت ممرات القصر الملكي العتيق كأفعى حجرية ملتوية، يلفها صمتٌ ثقيل مريب، وجدرانها الشاهقة لا تدري ما الشمس.

ومن بين تلك الظلال، كان هناك جسدٌ صغير يتسلل بخفةٍ مذهلة، خطواته لم يكن لها وقعٌ يُذكر على الأرض الرخامية الباردة.

بدا في سن الثامنة من عمره، بجسده النحيل الخادع، وشعره الأسود الداكن كليلةٍ بلا نجوم، لكن عينيه.. عينيه كانتا جمرتين من اللون الأحمر القاني المتقد، تبرز من بين شفتيه الصغيرتين أنيابٌ حادة ولدت معه كشعار لعرقٍ غير بشري.

وصل الطفل إلى البوابة الحديدية الضخمة لقاعة التدريب الرئيسية في قصر نايتبلوود.

دفع الباب بهدوءٍ تام، متسللاً إلى الداخل دون أن يشعر به الحراس أو الخدم.

تقدم بخطوات حذرة حتى بلغ منتصف القاعة الشاسعة، حيث تتراص الأسلحة والدروع كجثث متحجرة.

لكن، في كسرٍ من الثانية، انشق الهواء من أمامه بعنف.

قبل أن يستوعب، ظهرت أمامه طفلة لم تكن قدماها تلمسان الأرض!

كانت تطفو في الهواء بجاذبية مرعبة غاب عنها المنطق، يبدو عمرها في حدود السادسة، ملامحها شديدة البراءة واللطافة، بشعرها الأسود المموج الكثيف، وعينيها الحمراوين اللامعتين، وتلك الشامة الصغيرة والساحرة التي زينت وجنتها الشاحبة.

رغم صغرها، كانت تقبض بكلتا يديها الصغيرتين على سيفٍ حديدي ضخم، يكاد يقاربها طولاً وقامة.

وبتسديدةٍ مستقيمة وخاطفة، وجهت نصل السيف الحاد ليقبع مباشرةً عند رقبة الطفل المتسلل.

اتسعت عيناه بذعرٍ طفولي غريزي في البداية، وجمدت المفاجأة أطرافه، لكن سرعان ما تدارك نفسه.

ارتسم ذلك القناع البارد المألوف على وجهه الصغير، واختفت مشاعره خلف جدار من اللامبالاة.

نظرت إليه الطفلة، ونطقت بنبرة عسكرية صارمة وجادة، لا تتناسب أبداً مع لطافة وجهها:

_ ماذا تفعل هنا في قاعة المحاربين؟

أمال الطفل رأسه قليلا بنظرة مستخفة :

_ أنا هنا لأتعلم الرقص.

وخرجت ضحكة ساخرة خفيفة من بين أنيابه الصغيرة وهو يجيبها:

_بالطبع جئتُ لأتدرب، أيتها القائدة الصغيرة.

رمشت الطفلة بعينيها، ثم أبعدت السيف عن عنقه ببطء، وحكّت رأسها الصغير بقبضتها بحيرة طفولية، وهمست:

_منطقي..

لكنها سرعان ما استعادت حدتها، وتابعت وهي تضيّق عينيها:

_لكنك تعلم أن التواجد هنا ممنوع، خاصة على الأطفال الذين هم في سنك.

عقد الطفل ذراعيه الصغيرتين فوق صدره، ورد بتحدٍ:

_وأنتِ؟ ماذا تفعلين هنا إذن؟

رمت الطفلة السيف الضخم جانبا ليحدث رنينا قويا على الأرض، وارتفعت بجسدها قليلا في الهواء لتصبح أعلى منه، ثم وضعت يديها على خصرها بغضب طفولي ممتعض، وقالت بكبرياء:

_أنا ابنة قائد الحرس الحامي للمملكة!

رد الطفل ببرود ورفع حاجبا واحدا:

_وبعد؟

رفعت ذقنها قائلة:

_من حقي التواجد هنا متى شئت، وكيفما شئت! هيا أخبرني الآن.. من أنت أيها الطفل الشجاع الذي يتجرأ على استجوابي؟

نظر إليها بهدوء، ونطق بصوته الصغير الحاد:

_أنا لوسيان.

تجمدت ملامح الطفلة لثوانٍ، وغرقت في التفكير وهي تردد الاسم، قبل أن تضيء عيناها بوعي مفاجئ وقالت:

_آه.. أنت ابن تلك الـ...

_نعم، هي.

قاطعها لوسيان في منتصف جملتها بنبرة جافة وقاطعة، وعيناه الحمراوان تحملان حذرا غريزيا .

_أنا ابنها.

تغيرت نظرات الطفلة فوراً ، اختفت الصرامة العسكرية ليحل محلها مزيجٌ غريب من الشفقة الطفولية، والإعجاب الصادق بشجاعته وثباته رُغم كل ما يُقال عنه وعن والدته في أرجاء نايتبلوود.

هبطت ببطء حتى لامست قدماها العاريتان الأرض الرخامية أخيرا.

مدت يدها الصغيرة نحوه لمصافحته، وقالت بنبرة هامسة حملت وداً مفاجئاً:

_أنا رافينا.

مد لوسيان كفه الصغيرة، وقبض على يدها يصافحها، بينما كان يتردد صدى الحروف في عقله، وكرر بصوتٍ هادئ مأخوذ بالاسم:

«رافينا»

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

فجأة.. انقطع شريط الماضي بكامل ظلاله.

اتسعت عينا لوسيان الحقيقيتان، ليجفل جسده بجفلة خفيفة وهو يستيقظ من ذلك النوم العميق المفاجئ.

أول ما قابله عند فتح جفنيه لم يكن قاعة التدريب القديمة، بل كانت ملامح كلاريس القريبة جداً..

المسافة بين وجهه ووجهها لم تتعدَّ سنتيمترات معدودة، حتى شعر بأنفاسها المضطربة تداعب بشرته.

شهقت كلاريس بذعر وتراجعت إلى الوراء بسرعة وهي تضع يدها على صدرها، ونطقت بنبرة لاهثة:

_تباً لك! كاد قلبي أن يتوقف عن النبض! لماذا تستيقظ فجأة بهذه الطريقة المرعبة؟

استعاد لوسيان بروده الرخامي المعتاد في كسر من الثانية، ونظر إليها بعينيه المظلمتين بنظرة جامدة، ثم قال بنبرة هادئة حملت غروراً مبطناً لم تتوقعه:

_وأنتِ.. لماذا تراقبينني وأنا نائم من هذه المسافة القريبة؟ أعلم جيدا أنني وسيم أيتها الحشرة، لكن لم أتوقع أن يصل بكِ الإعجاب لهذه الدرجة الفاضحة.

استشاطت كلاريس غضبا ، وتلفتت حولها بسرعة قبل أن تلتقط وسادة صغيرة وتضربه بها مباشرة فوق وجهه لتغطيه، وقالت بحنق وهي تحاول مداركة خجلها:

_كفاك غروراً ووقاحة أيها الدوق النرجسي! لم أكن أراقبك إعجابا، بل كنتَ تهلوس كالمجانين وتنطق باسم "رافينا" مرارا وتكرارا ... أخبرني إذن، مَن تكون رافينا هذه؟ حبيبتك السابقة مثلا؟ هل تركتك وذهبت مع رجل آخر؟ يا إلهي.. كم أنت مسكين ومثير للشفقة!

قالت جملتها الأخيرة بنبرة تقطر شفقة مزيفة ومستفزة، قبل أن تنفجر بضحكة ساخرة رنانة ملأت أرجاء الجناح.

انزعج لوسيان وقطب حاجبيه بحدة، ونزع الوسادة عن وجهه ببرود يغلي من الداخل، ثم قال بصوت حاد:

_لا دخل لكِ بخصوصياتي، ولا تحشري أنفكِ الصغير فيما لا يعنيكِ.

دفعها عنه بخفة، ثم تحرك ليجلس على حافة الأريكة المخملية.

انخفضت نظراته تلقائيا نحو الأسفل.. حيث كانت ساقها ممددة ومجبرة بالكامل بضمادات بيضاء سميكة، فقد أكد الطبيب بعد فحصها أن كاحلها تعرض لالتواء شديد يمنعها من السير، كما لمح طرف الضمادة الأخرى الملفوفة بإحكام حول خصرها النحيل لحماية جنباتها من آثار الكدمة العنيفة التي تلقتها إثر اصطدامها بجذع الشجرة في الغابة.

تنهد لوسيان بعمق، ونظر إليها بنبرة لامت مبالاتها، وقال:

_لماذا تعشقين تعذيب نفسكِ بهذا الشكل؟ ألم يقل الطبيب بوضوح أنه يجب عليكِ التزام الفراش وعدم تحريك إنش واحد من جسدكِ؟

قلبت كلاريس عينيها بملل، وردت بعناد:

_أنا لا أحب البقاء ساكنة في مكان واحد كالأموات، الحركة تجري في دمي.4

رد لوسيان بسخرية لاذعة وهو ينهض:

_نعم، لأنكِ حشرة مزعجة.. حشرة طائرة ومزعجة كالبعوضة تماماً في منتصف الليل.

أثارت كلماته غيظها، لتجيبه فوراً بنبرة لا تقل سمّا:

_الصعلوك يتكلم عن الإزعاج! يا لك من وقح!!

لم يمنحها لوسيان وقتا لتكمل شتائمها.

تقدم نحوها بخطوات واثقة، وأمسك كفها الصغيرة برفق غريب تناقض مع ملامحه الجامدة، وجذبها بخفة ليساعدها على النهوض.

بدأ يمشّيها خطوة بخطوة، بعناية بالغة وببطء شديد مراعاةً لكاحلها المصاب، حتى وصلا إلى السرير الملكي الضخم وسط الجناح.

أرقدها فوق السرير رغما عن اعتراضاتها وعنادها، ثم سحب الغطاء الحريري ودثّرها به بقوة متقنة.

انحنى فوقها قليلا، وثبّت عينيه في عينيها بنظرة تحذيرية قاطعة، وهمس بصوت منخفض يقطر وعيدا:

_إياكِ.. وإياكِ أن أراكِ تتحركين من مكانكِ هذا مرة أخرى، وإلا سأربطكِ بالسرير بنفسي، هل هذا مفهوم؟

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

بمجرد أن أنهى لوسيان وعيده وهو ينحني فوقها، وقبل أن تملك كلاريس القدرة على الرد، تُفتح بوابة الجناح المشترك بعنفٍ وبلا استئذان!

يجفل كلاهما، ليلتف لوسيان ببطء وعيناه تشتعلان غضبا من هذا التطاول على خصوصيته..

ليرى جيمس واقفا عند العتبة، يتنفس بصعوبة وشعره مبعثر قليلًا، وعلامات القلق الممزوج بالحدة ترتسم على ملامحه الوسيمة التي خطفت عقول نبيلات القصر هذا الصباح.

لم يهتم جيمس ببروتوكولات الدوقية ، تجاوز لوسيان بخطوات واسعة وعيناه معلقتان بالضمادات الملفوفة حول كاحل أخته وخصرها.

انحنى فوق السرير بلهفة الأخ، وأمسك وجهها بكفيه يتفحص جرح خدها وهو يسأل بصوت متوتر:

_ريس! تباً، هل أنتِ بخير؟ أخبرتني أليسندرا أن وحشاً هاجمكِ في الغابة.. كيف حدث هذا؟

تنظر إليه كلاريس براحة أخيرا، وتتلاشى حدتها وتقول:

_أنا بخير يا جيمس، مجرد التواء بسيط.. لا داعي لكل هذا الذعر.

هنا، يتدخل لوسيان، يقف بجسده الشامخ كجدار رخامي يفصل بين الأخوين، ويعدل قفازه ببرود قاتل، وينطق بنبرة جليدية:

_اللورد جيمس.. أظن أن والدك البارون كاروث قد علمك أن أجنحة المتزوجين مستقبلاً لا تُقتحم هكذا كالحانات العامة. خطيبتي تحت رعايتي، ووجودك هنا غير مرحب به.

يلتفت إليه جيمس، وتتحول ملامحه القلقة إلى نظرة تحدٍ حادة وسخرية لا تقل عن سخرية لوسيان. يقف في مواجهته كتفا لكتف، ويقول وهو يرفع حاجباً:

_خطيبتك؟ سيادة الدوق المستقبلي.. الرجل الذي يرمي منديل أختي صباحا تحت الأقدام ليأخذه ولي العهد ويضعه فوق قلبه، لا يحق له الحديث عن الرعاية! لولا أن غريزتي تخبرني بأنك أنقذتها فعلاً من ذلك الوحش، لكنتُ نقلتها إلى جناحي الآن رغما عن ختم دوقيتك هذا.

تتسع عينا كلاريس وهي تراقب الشرارات المتطايرة بين أخيها وجيمس ولوسيان!

وفجأة.. تلمح عينا لوسيان الحادتان طرف المنديل السري المطرز بخيوط حريرية غريبة يبرز من جيب سترة جيمس الداخلية..

المنديل الذي كانت النبيلات يتحدثن عنه في الصالون!

يبتسم لوسيان ابتسامة جانبية غامضة، ويقول بنبرة مستفزة:

_يبدو أنك كنت مشغولاً بغنائم أخرى هذا الصباح يا جيمس.. من عساها تكون صاحبة هذا المنديل الغريب التي جعلت معشوق النساء ينسى حماية أخته في البرية؟

يتجمد جيمس لثوانٍ، ويقيد يده فوق جيب سترته بسرعة، بينما ترفع كلاريس رأسها بفضول حارق وعينين متسعتين:

_منديل سري؟! جيمس.. أخبرني فورا من هي!

ضّيقت كلاريس عينيها بابتسامة خبث ذكية وهي تنظر إلى المنديل السري البرق من جيب أخيها، ثم تابعت بنبرة حماسية ممتلئة بالمكر:

_لا تقل لي أنها هي.. أوه يا إلهي! لقد عرفتها! عصافير الحب خاصتي بدأت تغرد أخيراً!

عقد لوسيان ذراعيه، وتحركت عيناه الحمراوان الغامضتان بحذر وسأل بنبرة جافة:

_مَن هي عصفورة الحب السرية هذه

'

التفتت إليه كلاريس فورا ،ورفعت ذقنها بتحدٍّ وشماتة، وقالت بنبرة تقطر بروداً مستفزا:

— لا شأن لكَ بهذا يا سيادة الدوق.. تماما كما لا شأن لي أنا بـ "رافينا" خاصتك!

في كسرٍ من الثانية، تحول الجو داخل الجناح إلى جحيمٍ خالص.

انمحت ملامح لوسيان المستهزئة تماما، وهبطت هالة سوداء مرعبة فوق جسده الشامخ.

وبحركة خاطفة وعنيفة مدفوعة بغضب وحشي مكتوم، رفع يده وهوى بقبضته القوية على عمود السرير الخشبي الضخم ، ليحدث ضربة مدوية جعلت السرير بأكمله يتزعزع والأواني الزجاجية في الغرفة ترن!

انحنى فوق كلاريس، وعيناه تشتعلان ببريق حاد قاصف، ونطق بصوتٍ متحشرج يخرج من بين أنيابه المكبوتة كفحيح الأفعى:

— إياكِ.. لا أريد سماع هذا الاسم مجددا، خاصة.. من بين شفتيكِ أنتِ!

اشتعلت دماء جيمس غضبا لرؤية هذا التهديد الموجه لأخته.

تقدم بسرعة واندفع ليضع يده على صدر لوسيان ويدفعه إلى الخلف بعنف، وصرخ في وجهه وهو يستل عروق رقبة حدة:

_حذارِ أن ترفع صوتك أو تهدد أختي وأنا واقف هنا يا لوسيان! كدنا ننسى أنك وحش بلا مشاعر، لكنني مستعد لتذكيرك بمكانتك الآن!

تلاقت أعين الرجلين بشرارات حرب حقيقية ، وكان جيمس على وشك أن يوجه لكمة قوية لوجه لوسيان الرخامي، ولوسيان كاد يمزقه غريزياً..

لكن.. في تلك اللحظة الحرجة، دُفع الباب مجددا ، ليدخل شخص جعل الأسلحة تغمد غصبا عن الجميع.

_كلاريس! ابنتي!

كان هذا صوت البارون ريتشارد كاروث ، والد كلاريس وجيمس.

دخل وعلامات الذعر والقلق الحقيقي ترتسم على وجهه الدافئ ، وشعره يحمل غبار البرية.

بمجرد أن رأى ابنته مستلقية والضمادات تلف جسدها، تجاوز لوسيان وجيمس المتأهبين للقتال دون أن يلمحهما حتى من فرط خوفه.

انحنى فوق السرير، وجذب كلاريس نحو صدره يعانقها بحنانه الأبوي المعتاد والدافيء، ويده تمسح على شعرها بخوف حقيقي وهو يهمس:

— حمدا لله على سلامتك يا صغيرتي.. عندما سمعتُ بخبر الوحش كاد عقلي يطير من رأسي! أخبريني، هل أنتِ مصابة بشدة؟

تلاشت كل الشرارات المظلمة في الغرفة أمام هذا العناق الدافئ ، ونظرت كلاريس من فوق كتف والدها نحو لوسيان الذي تراجع خطوة إلى الخلف، يعيد قناع البرود إلى وجهه، لكن عينيه لم تتحركا عن وجهها إطلاقاً.

غمست كلاريس وجهها في عمق كتف والدها الدافيء، وتشبثت ذراعاها الصغيرتان بظهره بقوة، وكأنها طفلة صغيرة تحتمي بجدارها المنيع من عواصف العالم الخارجي.

استنشقت رائحة الأمان المألوفة التي طالما ارتبطت بوجوده .. رائحة التبغ الخفيف والبرية الدافئة.

وفي تلك اللحظة، وتحت ثقل عناقه الحنون، انفتح في مخيلتها شريط سينمائي ناعم، يطوي سنوات عمرها ليعيد أمام عينيها كل المرات التي كان فيها والدها طوق نجاتها وملاذها الآمن:

مرت أمام عينيها ذكراها وهي في سن السادسة، عندما تعثرت في حدائق القصر وجرحت ركبتها الصغيرة، وكيف ركض نحوها  بذعر، وحملها بين يديه يمسح دموعها ويهمس لها:

"الجميلات لا يبكين يا ريس، أنا هنا.. لا تخافي".

وتذكرت ليلة العاصفة الهوجاء قبل سنوات، حين كانت ترتجف في سريرها من صوت الرعد، ليدخل غرفتها حاملا مصباحا دافئا ، ويجلس بجانبها يقرأ لها قصص الفرسان حتى تنام وهي ممسكة بيده.

كل عثرة، كل حزن، وكل لحظة انكسار مرت بها في حياتها، كان هو يرممها بعناقٍ واحد، عناق يملك قوة سحرية قادرة على إقناعها بأن كل شيء سيكون بخير ما دام حيا يتنفس.

خرجت تنهيدة دافئة وممتزجة بدموع مكتومة من صدر كلاريس ، لتشدد قبصتها على سترته، مستمتعة بهذا السلام المؤقت الذي فصلها تماما عن واقع الجناح المشترك، وعن الدوق الذي يقف خلفهما كشبح بارد.

أبعد  ريتشارد ابنتَه عن صدره برفق، ومسح على وجنتها بابتسامة مطمئنة، ثم التفت بكامل جسده نحو الدوق الواقف في الظلال.

تجاوز ريتشارد خطوط التوتر والشرارات التي كانت تملأ الغرفة قبل قليل، وتقدم بخطوات هادئة نحو لوسيان الشامخ.

وبكل عفوية وحنان أبوي صادق، رفع البارون يده وربّت على ظهر لوسيان برفقٍ وامتنان عميق، ونظر في عينيه المظلمتين قائلاً بنبرة دافئة خرجت من أعماق قلبه:

— سيادة الدوق.. لوسيان.. لا أعلم كيف أشكرك على شجاعتك. لقد أنقذتَ حياة ابنتي وحميتها من مخالب ذلك الوحش، ولا يمكنني أن أوفيك حقك مهما فعلت.. شكراً لك، يا بُنَيّ.

"بُنَيّ؟!"..

وقعت الكلمة على مسامع لوسيان كضربة قوية، عنيفة، ومفاجئة أصابت أركان روحه المظلمة برعشة لم يعهدها من قبل.

لأول مرة في حياته.. لأول مرة منذ أن وُلد في زوايا قصر نايتبلوود البارد، يسمع لوسيان هذه الكلمة.

الكلمة التي طالما حُرم منها، والتي لم تنطق بها شفة في ماضيه القاسي ..حيث كانت الطفولة تُقاس بالدماء والتدريب وكتم الأنفاس.

كلمة لم تحمل خلفها مصلحة سياسية، ولا طاعة عسكرية، بل حملت حبا دافئا وأمانا مطلقا تغلغل في مجرى دمه الشيطاني ليزلزل ثباته الصارم.

انكسرت النظرة الجليدية في عيني لوسيان لثانية واحدة عابرة، واهتز قناع الرخام أمام حنان هذا الأب العجوز.

لكنه تدارك شتات نفسه بسرعة ..

وتلاشت الهالة المظلمة التي كان يهدد بها كلاريس وجيمس قبل قليل.

انحنى رأسه قليلا ، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة وصادقة خلت من أي مكر، وأجاب البارون بنبرة منخفضة وعميقة تحمل احتراماً حقيقياً لم يظهره لأحد من قبل:

_لا داعي للشكر يا سيادة البارون.. ما فعلتُه كان واجبي حتما.

_نهاية الفصل الثـامـن_

السلام عليكم 🗿 🎀 ✨

نو كومنت 😂 🙂💔

لكن لا تقلقوووو عارفة الفصل قصير و تأخرت 👈🏻👉🏻🙂💔

لكننن بكرااااا بالضبططططط راح انزل الفصل التاسع لانو كملتو و عدلتو و سويتلو كلشي و راح أبدا في العاشر.

مش راح احط ووعود مرة تانية 🗿🗿

لا علينا شو رايكم في الفصل 🙂✨✨✨

نختمها بخاتمنا المعتادة 🫠🎀✨

إلى كل من عاش معي أحداث الفصل الثامن، وابتسم وتأثر واحتبس أنفاسه مع تقلبات هذا العالم...

▪شكرًا لأنكم منحتموني وقتكم ومشاعركم، وشكرًا لأنكم كنتم الرفاق الأجمل في هذه الرحلة.

▪أعدكم أن الفصول القادمة ستأخذكم إلى أعماق أكثر إثارة، حيث تتشابك الخيوط وتتصاعد المفاجآت، وتنكشف أسرار لم يكن أحد يتوقعها.

_عدد الكلمات هو :2718 كلمة

وتذكروا دائمًا... "أنتم نبض هذه الحكاية ، و لكم تنبض سطورها "

▪أحبكم ♡ يا نجومي ☆

-كاتبتكم آريا♤-

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الدوق الأزلي

المؤلف ar._ya
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة