الفصل الرابع||جحيم مشترك

الفصل الرابع||جحيم مشترك

22 0

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير الأنام

و أشرف الأنبياء والمرس

لا تنسوالتفاعل مع كل جزء لأرى رأيكم و لا تنسو

أيضا ترك قلب و الاشتراك بحسابي

☆يا نجومي☆

══════⊱❀⊰═════  

انت الرياح الشمالية تلسع الوجوه حين توقفت العربة أمام بوابة قصر آل آشبورن، ذلك القصر الذي لا يرحب بأحد.

نزلت ليلي ببطء ... يديها ترتجفان قليلاً وهي تشدّ على حقيبتها القديمة.

لم تكن خطواتها فوق الرخام المثلج سوى همسات مترددة تحمل في داخلها ألف سؤال.

كل شيء في ذلك المكان يبعث على الصقيع الجدران النظرات.

وحتى الصمت ...

في بهو القصر، انتصبت الدوقة آشبورن، بثوب من الحرير الأسود ينساب حولها كظل ثقيل.

لم تبتسم حين رأت الفتاة، ولم تسأل عن سبب قدومها .

بل اكتفت بنظرة واحدة من الأعلى إلى الأسفل .

نظرة تلخص حكمًا مسبقا.

قالت ليلى بصوت هادئ

_جلالتك، جئت بخطاب توصية من عائلة كاروث....

للسماح لي بالعمل كوصيفة للآنسة كلاريس.

مدت الدوقة يدها بتأن لتأخذ الخطاب، فبادرتها ليلى بخطوة سريعة وقدمت الورقة بأدب جم .

لكن فجأة...

تراجعت يد الدوقة قليلا...

فاهتزت يد ليلى وسقط الخطاب أرضًا.

رن صوت الورقة على الرخام كصفعة مكتومة.

رفعت الدوقة حاجبها بسخرية باردة، وقالت بنبرة حادة

_حتى الأوراق تعجز عن البقاء بين يديك... فكيف ستخدمين الدوقة المستقبلية ؟

تجمدت ليلى مكانها لثوان ثم انحنت بهدوء و التقطت الخطاب من الأرض..

ونفضت عنه الغبار برفق يكشف عن رقي متأصل رغم الإهانة.

تقدمت بخطوات ثابتة حتى وقفت أمام الدوقة مجددًا.

ثم قدمته لها بكل احترام عيناها تشعان بخضوع ظاهر وكرامة دفينة تأبى الانكسار.

_ها هو يا سيدتي.

تأملتها الدوقة طويلاً قبل أن تأخذ الورقة دون كلمة.

صوت الحرير وهو يتحرك مع التفافة جسدها كان إعلانا صامنا بأنها أنهت اللقاء....

لكن ليلى في داخلها أقسمت أن هذا لن يكون سوى بداية حضورها الحقيقي في هذا القصر الجليدي.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

توقفت العربات أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر آشبورن لتفتح أبوابها بانسياب، كأنها تبتلع من يدخلها دون أن تسمح له بالخروج بسهولة.

هبط لوسيان أولاً بخطوات واثقة .

من ثم اصطف دارين وعدد من الحراس والخدم في صفين متقابلين رؤوسهم منحنية في احترام تام.

لحقت به كلاريس بثوبها الأنيق الذي حمل آثار الطريق الطويل، وعينيها اللتين تلمعان بدهشة طفلة أمام سكون هذا المكان الصارم.

وقفت الدوقة آشبورن في مقدمة السلالم .

أنيقة كتمثال من الرخام حيت نظرتها باردة لا تحمل أي ترحيب .

رغم ابتسامتها المتكلفة.

حين تقدم لوسيان نحوها بانحناءة طفيفة ....خيم الصمت على المكان، حتى صار صوت الريح العابرة في الممرات يسمع بوضوح.

وبين الصفوف المنحنية، كانت هناك ملامح مألوفة.... وجه لم يره قلب كلاريس لمدة لا تحتمل

همست دون أن تشعر: «ليلى؟»

رفعت الفتاة رأسها بخفة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة هادئة كالماضي الذي جمعهما.

لم تستطع كلاريس أن تسيطر على انفعالها، فاتجهت نحوها مسرعة، واحتضنتها بشوق حقيقي أمام الجميع.

لكن ليلى بقيت جامدة، لم ترد العناق كما ينبغي، بل وضعت يديها بخفة على ذراعي صديقتها وقالت بصوت منخفض

_آنستي... المكان لا يسمح بذلك.

ارتبكت كلاريس، فتراجعت خطوة إلى الخلف .

تلتمع على وجنتيها حمرة خجل مفاجئة.

وما زاد الأمر ثقلاً هو تلك النظرة الحادة التي رماها بها لوسیان .

نظرة حملت معنى واحدًا واضحًا:

« تصرفي كدوقة، لا كطفلة.»

تابعت کلاریس مسيرها إلى جانب لوسيان عبر الممر الطويل بخطوات تحاول جاهدة أن تخفي ارتباكها خلفها.

صوت كعبي الدوقة على الرخام صعد في الأرجاء وهي تترجل عن الدرج ببطء، برشاقة مدروسة لا تقل عن هيبة الملوك.

فتحت ذراعيها برصانة وقالت وهي تنحني بانحناءة خفيفة أمام ابنها:

_مرحبا بعودتك يا لوسيان طال الغياب عن هذا القصر دون أن يبهت حضوره.

أجابها لوسيان بابتسامة رسمية ...

لا دفء فيها ولا جفاء ...

ثم انحنى احتراما مجددا قبل أن يستقيم واقفا إلى جوار كلاريس.

حينها انتقلت نظرات الدوقة نحو الفتاة الواقفة إلى جانبه....

نظرة باردة بدأت من أعلى رأسها، مرورًا بثوبها المتواضع مقارنة ببذخ القصر، حتى أخمص قدميها.

ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة دقيقة بالكاد ترى وقالت بصوت رخيم يحمل نغمةً خفيفة من الاستخفاف:

_أهلا بك آنسة كاروث... أرجو فقط أن زيارتك للقصر الإمبراطوري لم تُحرج آل آشبورن بتصرفاتك الطفولية.

كادت الكلمات تُسقط كلاريس في صمت ثقيل.

شعرت وكأن الهواء نفسه رفض أن يملأ صدرها.

لكنها أجبرت شفتيها على الابتسام، وردت بصوت هادئ لكنه ثابت

_أرجو أن أكون عند حسن ظنك يا سيدتي الدوقة.

رمشت الدوقة ببطء، وكأنها تزن نغمة الرد في ميزان خفي .

قبل أن تتابع نزولها بخطوات رشيقة.

أما لوسيان، فبقي يراقب المشهد بعينيه الداكنتين، دون أن يتدخل....

ولكن تلك النظرة العابرة بينه وبين والدته كانت كافية لتقول: «ستكون حربًا صامتة من نوع آخر.»

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

ما إن دخلت كلاريس جناحها الجديد في قصر آشبورن حتى زفرتها الطويلة خرجت كمن تحرر من قيد غير مرئي.

كان المكان فخمًا على نحو يخيف.

كل قطعة فيه تلمع وكأنها تخشى الغبار.

لكن ما إن التفتت نحو الباب حتى تجمدت عيناها على وجه مألوف انتظرته دون أن تجرؤ على الحلم برؤيته هنا.

«ليلى..»

لم تتردد ثانية واحدة.

ركضت نحوها، وألقت بنفسها في أحضانها كطفلة وجدت نصفها المفقود.

ضحكت ليلى بخفة وهي تشدها إلى صدرها، همست قرب أذنها بصوت مرتجف من الشوق :

_اشتقت إليك يا ريس... أكثر مما ظننت.

رفعت کلاريس رأسها، وابتسامة واسعة تضيء وجهها:

_وأنا أيضًا! لا أصدق أنك هنا فعلا!

أجابت ليلى بعفوية ممزوجة بحنو دافئ :

_تفرقنا شهر أو أقل... لكن يبدو أن غيابك جعل الوقت أطول مما يجب.

ضحكت كلاريس، ثم تمسكت بيديها وكأنها تخشى أن تختفي مجددًا.

تبادلت النظرات بينهما لحظة صافية ... لا يشوبها شيء من الرسميات التي فرضها الممر قبل قليل.

كانت تلك اللحظة الصغيرة كافية لتعيد إلى الغرفة شيئًا من الحياة .

بعد برود القصر وصقيع الدوقة الجاحدة .

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

كانت قاعة الطعام في قصر آشبورن أشبه ببيان صامت عن السلطة.

سقف مرتفع تتدلّى منه ثريّا كريستالية تبعث ضوءًا أبيض باردًا... ينعكس على طاولة طويلة من خشب داكن مصقول ...

امتدّت كأنها لا تنتهي ..

أدوات ذهبية مصطفّة بدقة صارمة، وأطباق فاخرة تزيّنها زخارف دقيقة، وكل شيء في مكانه… أكثر مما ينبغي.

حتى الصمت بدا منظمًا .. كأنه جزء من البروتوكول.

جلست كلاريس في مقعدها ..

وداخلها يتشكّل إحساس غريب بالاختناق.

تسلّل إلى ذهنها دون إرادة مشهد آخر لطاولة مختلفة تمامًا ...

طاولة أصغر .. ضحكات أعلى من اللازم ..وكؤوس تُرفع على عجل.

كانت تتذكّر منزل عائلة كاروث ..

الدفء الذي لا يحتاج إلى إذن..

النكات التي تُقال في غير وقتها .

وصوت جيمس وهو يفتعل شجارًا بلا سبب…

فقط ليضحك بعدها.

هناك، كان الضجيج حياة.

أما هنا، فالصمت سلطة.

في صدر الطاولة جلس اللورد إدوارد آشبورن، الدوق الأكبر لدوقية إيفرنورث.

ملامحه جامدة، عيناه ثابتتان، لا تحملان وُدًّا ولا نفورًا.

بدا كتمثال من حجر بارد، حاضر بجسده فقط، وكأن المشاعر ترف لا يليق بمقامه.

إلى جانبه، جلست الليدي إليزابيث آشبورن.

أنيقة حدّ القسوة .. واثقة كمن لم يُشكّك أحد يومًا في مكانتها.

كان كبرياؤها يسبقها بنصف خطوة .

ونظرتها إلى كلاريس محمّلة باحتقار صامت،كأن وجودها خطأ لم يُصحّح بعد.

أما لوسيان غابرييل آشبورن، وريث الدوقية الوحيد .

فكان صورة أخرى عن والده. صامت، متحفّظ، عيناه لا تمنحان شيئًا دون حساب.

لم ينظر إلى كلاريس إلا لمامًا، وكأنها عبء فُرض عليه باسم السياسة، لا أكثر.

انكسر الصمت أخيرًا بصوت الليدي إليزابيث، ناعمًا، مدروسًا:

_آمل أن تكونين قد بدأتِ بالتأقلم مع أجواء آشبورن، آنسة كاروث. فليس كل من يأتي إلى هنا ينجح في… الانسجام.

رفعت كلاريس رأسها ببطء، ونظرت إليها بهدوء لا يخلو من ثبات:

_التأقلم مسألة وقت، سيدتي. أما الانسجام… فهو اختيار.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي الدوقة، لكنها لم تصل إلى عينيها:

_اختيار يحتاج إلى معرفة حدود المكان.

أجابت كلاريس دون أن تنخفض نبرتها:

_وأنا أقدّر الحدود جيدًا، خاصة حين تكون واضحة.

ساد الصمت من جديد، أثقل من السابق.

لم يعلّق اللورد إدوارد، وكأن الحوار لا يعنيه.

ولم يتدخل لوسيان، لكنه رفع نظره إليها للحظة قصيرة، نظرة باردة، حيادية…

ثم عاد إلى طبقه، كأن الأمر حُسم في داخله.

أنزلت كلاريس عينيها، وأمسكت أدوات الطعام بيد ثابتة، لكنها في داخلها شعرت بوخز حنين.

تمنّت، ولو للحظة، ضحكة جيمس العالية، أو تعليقًا ساخرًا يخفّف هذا الثقل.

لكن لا ضحكات هنا…

فقط موائد طويلة..

ووجوه جامدة...

وعائلة لا ترفع صوتها إلا لتُخفي به سُمّها.

وأدركت حينها أن هذا العشاء…

لم يكن سوى أول اختبار حقيقي لها في آشبورن.

كان الصمت قد عاد ليستقر فوق الطاولة كغطاء ثقيل، حين صافح صوتٌ خشن هادئ الفراغ.

تنحنح اللورد إدوارد آشبورن.

لم يكن صوتًا مرتفعًا ، ولا محتاجًا إلى قوة، ومع ذلك انصاعت له القاعة فورًا.

توقّفت حركة الأدوات، وارتفعت الأنظار نحوه تلقائيًا، كأن الجميع تذكّر في اللحظة نفسها من هو صاحب الكلمة الأخيرة هنا.

قال بصوت متزن، خالٍ من الانفعال:

_كما تعلمون، كان من المفترض أن تُقام مسابقة الصيد هذا الخريف في دوقية داركروك، تحت إشراف عائلة بلاكثورن.

توقّف قليلًا، ثم تابع:

_غير أن أزمة الضرائب التي تمر بها الدوقية أدّت إلى إلغائها هذا العام.

لم يتغيّر شيء في ملامحه وهو يكمل، وكأن الأمر إداري بحت:

_الدوق فكتور بلاكثورن رأى أن الإلغاء لا يليق بمكانة الدوقيات، فاختار التعويض.

رفع عينيه عن الطاولة  وقال:

_ستُقام مسابقة الصيد بعد أسبوعين.

تحرّكت أنفاس خفيفة في القاعة، اهتمام مكتوم لا يجرؤ على الظهور علنًا.

أضاف:

_الرحلة طويلة، والاستعداد لها لا يقل أهمية عن المشاركة نفسها. أريد أن تكونوا جاهزين قبل الغد.

ثم، وكأنه يضع نقطة في نهاية سطر:

_سنغادر باكرًا.

لم يحتج إلى أسئلة، ولم يفتح بابًا للنقاش. كان قراره نهائيًا.

جلست كلاريس في مكانها و هي تشعر بثقل الكلمات أكثر مما توقعت.

مسابقة صيد.

دوقية أخرى.

نبلاء آخرون.

عالم كامل من القواعد غير المكتوبة ...

وهي لم تمضِ سوى أيام قليلة تحاول فيه فهم هذا القصر وحده.

عادت إلى ذاكرتها صورة مختلفة تمامًا:

رحلات عائلية بسيطة، بلا ألقاب ولا مجاملات قسرية حيث كانت تُرمى القرارات عرضًا على الطاولة ويُعارَض بعضها بصوت عالٍ…

ثم يُضحك عليها لاحقًا....

أما هنا ...

فالكلمات تُقال مرة واحدة ..

ولا يُعاد النظر فيها..

لم تنظر إلى لوسيان، لكنها شعرت به.

بذلك الحضور الصامت ..

بذلك الاستعداد البارد ...وكأن هذا العالم خُلِق له وحده…

وهي مجرد وافدة تحاول اللحاق به.

انتهى العشاء، لكن شعور كلاريس لم يكن شعور نهاية.

كان أشبه ببداية طريق أطول… وأقسى مما توقعت.

كان الليل قد أرخى ستاره على القصر ، وسكن كل شيء إلا نور الشموع المرتعش حول طاولة الزينة.

جلست كلاريس على الكرسي الخشبي، ظهرها مستقيم على غير عادتها، تنظر إلى انعكاسها وكأنها تحاول أن تتعرّف إلى نفسها من جديد.

لون هذه العيون ليس أزرقًا خالصًا ولا أخضرَ كاملًا، بل هو تزاوج نادر بينهما، كأنه وُلد من ضوءٍ تاه بين السماء والماء.

أزرقٌ هادئ في عمقه يلمع كفجرٍ خجول تعانقه خضرة شفافة تشبه أوراقًا غُسلت بندى الصباح.

هي عيون تحمل برودة البحر وسكينة الأعشاب ..

نظرة واحدة منها تكفي لتوحي بعالمٍ رقيق، نبيل، كأنه خارج من زمنٍ قديم تُكتب فيه المشاعر بالحبر لا بالكلمات.

فيها نعومة فاتنة، وحزنٌ نبيل، وكأنها تحفظ أسرارًا لم تُخلق لتُقال…

بل لتُرى فقط.

من خلفها، كانت ليلى تمشّط شعرها البني الكستنائي بخفّة.

تمرّر المشط ببطءٍ محسوب فتنساب الخصلات على كتفي كلاريس كخيوط دافئة في ليلة باردة.

كل سحبة كانت تهدئ نبضها، وكل لمسةٍ تُعيد ترتيب أفكارها المتعبة.

ظلّت كلاريس صامتة، تراقب انعكاس العيون التي لا تقول شيئًا ، والشعر الذي يستسلم للمشط ... وكأن تلك اللحظة الصغيرة وحدها تمنحها حقّ أن تكون نفسها… ولو لوهلة.

رفعت ليلى عينيها قليلًا من المرآة، وتوقّفت يدها عن تمشيط الشعر لحظة، ثم قالت بنبرة تجمع بين الفضول والاستياء:

_أنا أتساءل عن سبب وجود مسابقة الصيد… هل هي فقط للمتعة؟ يرمون أموالًا طائلة على هذه الأمور بدل صرفها على عامة الشعب الذين يموتون جوعًا.

لم تُجب كلاريس فورًا. بقيت عيناها معلّقتين بانعكاسهما، ثم تحرّكت شفتاها بهدوءٍ رصين:

_نعم، هذه عادة النبلاء… الإنفاق على أمور تافهة.

توقّفت لحظة، وكأنها تزن كلماتها، قبل أن تُضيف بنبرة أعمق:

_لكن مسابقة الصيد ليست أمرًا تافهًا.

استأنفت ليلى تمشيط الشعر ببطء، مصغية.

_هي استراتيجية دفاعية ضد الوحوش. تقلّل أعدادها، وتصدّ نزولها من الجبال قبل أن تصل إلى القرى وتؤذي البشر. وقد اختير فصل الخريف بالضبط لإقامتها كل عام لسببين.

انعكس ضوء الشموع في عينيها وهي تتابع:

_الأول أن الخريف هو موسم تكاثر الوحوش، وهذا يمنحنا فرصة لتجنّب زيادة كبيرة في أعدادها. أمّا السبب الثاني، فأن صيدها في الشتاء يصبح شبه مستحيل.

سادت لحظة صمت. اتّسعت عينا ليلى بدهشة صادقة، وتباطأت حركة يدها حتى كادت تتوقّف.

_

لم أكن أعلم…

تمتمت، وكأن صورة المسابقة قد تغيّرت تمامًا في ذهنها.

ابتسمت كلاريس ابتسامة خفيفة لا تصل إلى عينيها، وبقي انعكاسها في المرآة ثابتًا،  لأن بعض الحقائق لا تُرى إلا لمن يسأل.

ساد الصمت للحظات. اتسعت عينا ليلى، وانخفضت يدها ببطء عن خصلات الشعر.

_لم أتخيل… أن الأمر يحمل كل هذا العمق.» قالتها بدهشة صافية.

لم تبتسم كلاريس، لكنها أمالت رأسها إيماءة خفيفة، وكأنها اعتادت أن تُخفى أكثر الحقائق أهمية خلف أكثر الطقوس بريقًا.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

بعد أسبوع من التحضيرات في الشمال، غادرت البعثة دوقية إيفرنورث متجهة غربًا نحو دوقية داركروك ، حيث تمتد سهولها الخصبة وجبالها الشاهقة وتنتظرهم مسابقة الصيد التي تعكس استراتيجية الدفاع عن المنطقة والتقليل من تهديد الوحوش.

لم تكن داركروك تستقبل زائريها بالبياض ولا بالصمت المهيب كما تفعل دوقية إفرنورث، بل بشيءٍ أثقل…

المطر...

انهمر المطر منذ الأميال الأخيرة بلا انقطاع ...

لا عاصفًا ...

ولا هائجًا ...

بل ثابتًا..مثابرًا..كأنه قرار قديم اتُّخذ ولن يُراجع.

الطريق المؤدي إلى القصر تحوّل إلى بساطٍ من الوحل الداكن.

تتشابك فيه آثار عجلات العربات مع حوافر الخيل، فتبدو الأرض وكأنها تحتفظ بذكريات كل من مرّ بها، دون أن تنظف نفسها منهم.

من خلف زجاج العربة، تابعت كلاريس المشهد بصمت.

السماء رمادية، منخفضة، كأنها تضغط على الأفق.

لا ثلج هنا، لا هواء نقي يلسع الوجه، بل رطوبة تتسلل إلى العظام، وثقلٌ يعلّق النفس بين الشهيق والزفير.

حين ظهرت أسوار قصر آل بلاكثورن أخيرًا ...

لم تلمع كما اعتادت قصور الشمال ..

بل ارتفعت داكنة، صلبة، يكسو حجرها أثر المطر، فيمنحها مظهرًا أشبه بقلعة صمدت طويلاً…

لكنها دفعت ثمن ذلك من روحها.

توقفت العربة أمام البوابة الرئيسية ...

حيث اصطف الخدم تحت المطر، رؤوسهم منحنية، وملابسهم الداكنة تبتلعها الأجواء الكئيبة.

نزل لوسيان أولًا، حركته محسوبة، ملامحه لا تحمل أي انطباع.

تبعه والده، الدوق إدوارد آشبورن، بخطوات ثابتة، قامته مستقيمة، وملامحه جامدة كعادته، لا يظهر على وجهه لا نفاد صبر ولا اهتمام، كأن المطر والوحل وكل ما حوله تفاصيل لا تستحق التسجيل.

أما الدوقة إليزابيث آشبورن، فنزلت بعده، تحيط نفسها بهالة من الاتزان البارد، تمسك أطراف ثوبها بعناية تامة كي لا تلوثه الأرض، وكأنها ترفض الاعتراف بالمكان من الأساس.

ثم التفت لوسيان، ومد يده وفق ما يفرضه البروتوكول.

وضعت كلاريس يدها في يده، ونزلت بثبات، رغم أن طرف فستانها تلطخ بالوحل فور ملامسته للأرض.

لم تُظهر انزعاجًا، لكن نظرتها انزلقت سريعًا إلى الأسفل، وكأنها سجّلت الفرق بصمت:

هنا، لا شيء يبقى نظيفًا طويلًا.

كان الدوق فكتور بلاكثورن بانتظارهما عند مدخل القصر، واقفًا تحت مظلة داكنة، قامته مستقيمة، وملامحه جامدة بلا قسوة.

انحنى انحناءة مقتضبة، لا ودّ فيها ولا جفاء.

_مرحبًا بكم في داركروك.

جاء صوته متزنًا، خاليًا من أي نبرة شخصية، كما لو أنه يحيّي منصبًا لا أشخاصًا.

ردّ الدوق إدوارد بانحناءة مماثلة، صامتة، رسمية، بينما اكتفت الدوقة إليزابيث بإيماءة خفيفة برأسها، نظرتها ثابتة، تقييمية، لا تخفي حذرها.

إلى جانبه، وقفت الدوقة كارولين بلاكثورن.

لم تكن بحاجة إلى مظلة وقفت كما لو أن المطر لا يعنيها ..

رأسها مرفوع ..

نظرتها ثابتة...

تمرّ على كلاريس ببطء مدروس... من أعلى رأسها حتى أطراف حذائها الموحلة، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة خفيفة… لا تحمل ترحيبًا بقدر ما تحمل حكمًا.

أما فكتوريا، فكانت خلف والدتها بخطوة واحدة.

لم تقل شيئًا.

لم تحتج إلى ذلك.

نظرتها وحدها كانت كافية؛ نظرة تعرف، وتغار، وتكره، وتعدّ.

شعرت كلاريس للحظة بأن المطر صار أثقل، وكأن داركروك نفسها تختبرها، لا كضيفة، بل كشيءٍ دخيل على توازنٍ قديم.

وبين صمت والدي لوسيان وبرودة نظرات آل بلاكثورن، أحست أن هذا الاختبار لا يخصها وحدها.

تحرك الجميع نحو الداخل، وأبواب القصر تُغلق خلفهم، حابسة صوت المطر في الخارج…

لكن أثره ظل عالقًا، في الهواء، في الحجر، وفي الصدور.

كانت هذه داركروك.

لا تُهاجمك بعنف، بل تُغرقك ببطء.

قادهم الدوق فكتور بلاكثورن عبر ممرات القصر الداخلية صعودًا نحو الطوابق العليا حيث خُصصت الأجنحة الفاخرة للنخبة الأعلى مرتبة في الإمبراطورية.

كانت الأرضيات الرخامية الداكنة تعكس ضوء الشموع على الجدران والهواء هنا أدفأ قليلًا  ...أكثر هدوءًا ...

كأن هذا الجزء من القصر معزول عن ثقل المطر الذي لا يزال يطرق النوافذ في الأسفل.

سارت فكتوريا إلى جوار والدها، متعلقة بذراعه على نحو طفولي يناقض فخامتها، تتبعه كظلٍّ معتاد، وكأن وجودها قربه حقٌّ طبيعي لا يُناقش.

توقف الدوق فكتور عند مفترق يؤدي إلى الأجنحة، ثم استدار إليهم، صوته هادئ، رسمي، خالٍ من أي حرج.

قال:

_بما أن إقامتكم ستدوم قرابة الأسبوعين، ومع توقع وصول عدد كبير من الضيوف من مختلف الدوقيات والقطاعات…

توقف لحظة، كأنه يزن كلماته.

_…سيكون هناك اكتظاظ غير معتاد هذا العام.

رفع نظره إليهم واحدًا تلو الآخر، ثم أكمل:

_ولهذا، وبدل أن يُخصص جناح مستقل لكل فرد كما جرت العادة، سيُخصص جناح واحد لكل زوجين.

ساد الصمت.

صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى صوت المطر البعيد.

اتسعت عينا كلاريس أولًا، حدقت في لوسيان بذهول صريح، وكأنها تحاول التأكد مما سمعته.

وفي اللحظة نفسها، التفت لوسيان إليها، عيناه متسعتان بالقدر ذاته، لا دهشة بريئة فيهما…

بل صدمة ممتزجة بنفور.

دامت النظرة بينهما لثوانٍ قصيرة، ثم تحولت إلى شيء أقرب للاشمئزاز المكتوم.

كأن الفكرة نفسها مسّت شيئًا لا يُراد لمسه.

وحده الدوق إدوارد آشبورن بقي على حاله.

لم تتغير ملامحه، لم يبدِ اعتراضًا ولا دهشة، كأن الأمر كان متوقعًا… أو لا يعنيه على الإطلاق.

إلى جانب فكتور، انحنت فكتوريا قليلًا نحوه و نكزته بطرف أصابعها وهمست بنبرة لا تخلو من حدة غيورة:

_أنت تحاول توطيد علاقة الشخص الذي أحبه… مع عدوتي.

لم يلتفت إليها.

لم يُجب.

وكأن كلماتها لم تُقل أصلًا.

وقبل أن ينطق لوسيان أو كلاريس بأي كلمة، تقدّمت الليدي إليزابيث  بخطوة وصوتها ثابت ..

نبرتها مهذبة لكنها حازمة.

_لوسيان وكلاريس ليسا زوجين، دوق فكتور. إنهما مخطوبان فقط.

توقفت لحظة ثم أضافت بنبرة أكثر دقة:

_وعلاقتهما لا تزال في طور التطور. مفاجأتهما بهذا الترتيب لن يكون مناسبًا، لا اجتماعيًا ولا نفسيًا.

استمع الدوق فكتور إليها دون أن يقاطعها، ثم أومأ برأسه ببطء، وكأن اعتراضها متوقع.

قال بهدوء:

_أدرك ذلك تمامًا، ليدي إليزابيث.

ثم تابع، بنبرة خالية من التبرير العاطفي:

_ولو كان الأمر بيدي، لوفّرت جناحًا مستقلًا لكل واحد منكم. لكن الظروف لا تسمح.

سكنت ملامحه قليلًا وهو يضيف:

_الدوقية خرجت لتوّها من أزمة ضرائب خانقة، والقصر سيستقبل هذا العام عددًا غير مسبوق من الضيوف. هذا… أفضل ما يمكنني تقديمه.

ساد الصمت مجددًا.

لم تعترض كلاريس.

لم ينطق لوسيان.

لكن النفور الذي تبادلاه قبل لحظات، لم يختفِ.

بل ترسّخ.

وكأن هذا القرار البسيط في ظاهره ....

قد فتح بابًا لشيءٍ لم يكن أيٌّ منهما مستعدًا لمواجهته…

ولا راغبًا فيه.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

كانت عائلة آشبورن أول من يصل.

وهو امتياز لم يمنح كلاريس أي شعور بالأمان… بل زاد ثقل اللحظة.

دخل لوسيان الجناح أولًا بخطوات باردة.... كأن المكان لا يعنيه، أو كأنه يرفض الاعتراف بوجوده أصلًا.

أما كلاريس فتبعته بصمت وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى بدا الجناح برغم فخامته أقرب إلى جحيمٍ مشترك منه إلى مسكن مؤقت.

لحق بهما عدد من الخدم من بينهم ليلى التي باتت رسميًا وصيفة كلاريس.

تحركوا بكفاءة صامتة :

وضعوا الحقائب فتحوا الصناديق، علّقوا الأثواب، ورتبوا المتعلقات...

وكأنهم يحاولون فرض نظام على فوضى غير مرئية.

لم يشارك لوسيان في شيء.

جلس على الأريكة المقابلة للمدفأة غير المشتعلة وأسند رأسه إلى الخلف.

كان شعر الذي لا يخرج عادة عن ترتيب صارم قد فقد شكله، أشعث قليلًا من كثرة ما مرّر يده خلاله

كأن هذه الحركة وحدها قادرة على تفريغ شيء من الضيق المتراكم في صدره.

عينيه الفحمّيتين ظلّتا معلقتين بالسقف.

ثابتتين.

باردتين.

فارغتين من أي اهتمام بمن حوله.

على الطرف الآخر من الجناح جلست كلاريس قرب النافذة المطلة على البوابة الرئيسية.

أسندت كتفها إلى الإطار الخشبي وراحت تراقب العربات الوافدة واحدة تلو الأخرى ..

النبلاء، الخدم، الأعلام التي تُنصب، والحركة التي لا تهدأ

مللٌ خفيف تسلل إلى نظرتها.

ملل ممزوج بترقّب لا تعترف به.

وفي بعض اللحظات من دون قصد واضح كانت عيناها تهربان من المشهد في الخارج ، لتستقر على لوسيان.

تتأمله بطرف نظرها.

ذلك الجسد المتصلب.

الهدوء المصطنع.

العينان اللتان لم تتحركا عنها السقف منذ دخولهما.

كان قريبًا… على نحو يزعجها.

وبعيدًا… على نحوٍ أشد إيلامًا.

لم يلتقِ نظرهما.

لم يتبادلا كلمة واحدة.

لكن الصمت بينهما لم يكن فراغًا.

كان ممتلئًا بثقلٍ خانق بأسئلة غير مطروحة  وبنفورٍ يحاول كلٌّ منهما إقناع نفسه بأنه لا يعني شيئًا.

وحين أنهى الخدم ترتيب الجناح وغادروا واحدًا تلو الآخر، أُغلق الباب مجددًا.

هذه المرة…

على صمتٍ خالص.

وعلى حقيقةٍ لا مهرب منها:

مهما حاول كلٌّ منهما إنكارها،

فقد صارا وحدهما…

في جحيمٍ واحد.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

نهض لوسيان فجأة...

لا بعجلة ولا بتردد...

بل بحركةٍ هادئة قطعت السكون كحدٍّ بارد.

وقف بطوله الممشوق أمام كلاريس .... فاضطرت من دون وعي أن تميل قليلًا إلى الخلف لتفسح له المجال.

لم ينظر إليها.

تقدّم خطوة واحدة فقط ...

ثم أخرى ...

حتى بلغ النافذة.

أسند كفّيه على إطارها الخشبي و ذراعاه ممدودتان على جانبيها.

جسده يشكّل حاجزًا صامتًا بينها وبين العالم الخارجي.

كان قريبًا بما يكفي لتشعر بوجوده .. بدفءٍ خافت يتسلّل رغم برود الجو وبرائحة خفيفة تعرفها جيدًا ولا تريد الاعتراف بأنها انتبهت لها.

أخذ يتأمل الخارج بهدوء تام.

العربات.

الطين.

الأمطار التي لا تتوقف.

كأنه نسي وجودها خلفه.

أما كلاريس، فبقيت مكانها، مشدودة الكتفين، أنفاسها أبطأ مما يجب.

رفعت عينيها دون قصد، فانزلقت نظرتها إلى جانبه، ثم إلى انعكاسه الخافت على زجاج النافذة.

وفي لحظة قصيرة، خاطفة

التقت أعينهما.

عينان فحمّيتان، مظلمتان أكثر مما اعتادت.

وعينان بلونٍ لا يشبه السماء ولا البحر، بل شيء عالق بينهما.

لم تدم اللحظة.

أدار لوسيان وجهه فورًا نحو الخارج، كأن النظر إليها كان خطأً يجب تصحيحه.

وفي الوقت نفسه تقريبًا ... أشاحت كلاريس بعينيها و شدّت أصابعها على طرف ثوبها وكأنها ضبطت نفسها متلبسة بشيءٍ لا يحق لها.

الصمت…

أثقل.

أشد وطأة.

وكان واضحًا، لكليهما، أن الكلمات إن خرجت الآن

فلن تكون رحيمة.

ظلّ كلاهما يتأمل الخارج و كان الهدوء بينهما مشدودًا كوترٍ مشبعٍ بالتوتر، لا ينقطع ولا يلين.

عند بوابة بلاكثورن الحديدية، توقفت عربات فاخرة تحمل شعارًا ذهبيًا متقنًا.

تحرّكت الخيول ببطء، واصطفت العجلات فوق الوحل الثقيل بثباتٍ مدروس.

تقدّم رئيس الخدم بنفسه هذه المرة، لا أحد غيره، وانحنى بانضباطٍ كامل وهو يعلن وصول عائلة روتشيلد.

لم يكن الدوق فكتور حاضرًا عند البوابة.

لم يكن ذلك تكبرًا، بل عرفًا صارمًا:

الترحيب الشخصي محفوظ فقط لأصحاب المكانات العليا، لا لكل نبيلٍ يملك لقبًا وثراءً.

تابعت كلاريس المشهد بصمت، عيناها تتتبعان التفاصيل بدقةٍ غير واعية ...

طريقة النزول من العربة، ترتيب الخطوات، نظرات الخدم…

كأن عقلها كان يبحث عن شيءٍ يشتت ثقل اللحظة التي تجمعها بلوسيان.

ثم، ومن دون أن تلتفت إليه، خرج صوتها أخيرًا، هادئًا لكنه واضح:

_هذه… عائلة روتشيلد، صحيح؟_

لم يجب فورًا.

تحوّلت نظرته إليها ببطء، نظرة طويلة، فاحصة، لا تحمل سخرية ولا دهشة، بل شيئًا أقرب إلى تقييمٍ صامت.

كأنه يتساءل لماذا يهمّها الأمر أصلًا.

ثم قال بصوتٍ منخفض، ثابت:

_نعم. عائلة الكونت روتشيلد.

لا شرح.

لا إضافة.

أعاد نظره إلى الخارج، إلى البوابة، إلى العربات التي بدأت تفرغ ركابها.

_____________________

ت

سلّل إليها شعورٌ خفيف بالملل، فحسمت أمرها وقررت الخروج إلى الحديقة رغم المطر.

ما إن خطت خطوة نحو الباب، حتى تحرّكت يد لوسيان دون كلمة.

رمى إليها مظلة شفافة، قماشها الرقيق يسمح برؤية السماء من فوقها كما هي .

رمادية، مثقلة بالغيوم.

لكن أطرافها محددة بخطٍ ذهبيٍّ ناعم ... يلمع بخفة تحت الضوء،

ومقبضها مزخرف بعناية و ثقيل في اليد.

يشي بأنها ليست مظلة عادية.

التقطتها بثبات.

لم ينبس هو ببنت شفة.

كأن هذا الفعل لا يعني اهتماما.

وكأن الصمت هو الطريقة الوحيدة التي يسمح لنفسه بها ليهتم.

نظرت إليه للحظة، ثم قالت ببرودٍ اكتسبته من أرض إيفرنورث نفسها:

_شكرًا.

برودٌ يوازي بروده.

فكما يُقال…

من عاشر قومًا أربعين يومًا، صار منهم.

ثم فتحت المظلة.

ومضت تحت المطر.

___________________________________

وقف لوسيان عند عتبة النافذة، يراقب انعكاس الضوء الشاحب على قطرات المطر المتساقطة، بينما كانت كلاريس تمشي في الحديقة ببطء، المظلة الشفافة تعلوها كقبة زجاجية تفصلها عن العالم.

بدت بعيدة، أصغر مما يجب، وغريبة عن هذا المكان كما لو أن داركروك نفسها لم تعترف بوجودها بعد.

لم يكن يهتم إن ابتلت أطراف ثوبها ...

ولا إن تجاهلته ...

ولا حتى إن كانت تكرهه كما يفعل هو...

ما أزعجه حقًا…

هو ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في صدره دون إذن.

كلاريس آشبورن أصبحت ضمن نطاقه.

ضمن اسمه.

ضمن حدوده.

ولوسيان كان يعرف أكثر من أيّ أحد…

أن من يدخل حدوده .

لا يخرج منها سالمًا.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

في عمقٍ لا تصله شمس .

حيث لا يعرف الزمن معنى للفجر .

كان القصر العتيق قائمًا كجرحٍ مفتوح في قلب العدم.

أعمدة شاهقة سوداء، وجدران تشبعت بقرونٍ من الدماء والصمت.

نوافذه العالية تكشف سماءً غريبة…

حمراء باهتة، تتكدّس فيها غيوم برغندية كثيفة،كأنها على وشك أن تمطر دمًا لا ماء.

على العرش ..

جلس رجل.

ليس مجرد ملك،

بل شيء أقدم من التاج ذاته.

ملامحه جامدة، قاسية،

عيناه غارقتان في ظلالٍ لا تعكس نورًا وصمته كان أثقل من أي تهديد.

انفتح باب القاعة ببطءٍ مرعب.

دخل رسول، رأسه منخفض، جسده منحنٍ حتى كاد يلامس الأرض.

كانت يداه ترتجفان وهو يقدّم رسالة مختومة،كأن الورقة نفسها تحمل حكمًا بالموت.

تقدّم خطوة واحدة فقط.

ثم توقّف.

لا صوت…

سوى خفقان قلبه الذي فضحه.

امتدت يد الملك، أخذ الرسالة.

فتحها ببطءٍ متعمّد و عيناه تتحركان على السطور بهدوء قاتل.

ثانية.

ثم أخرى.

تغيّرت ملامحه.

لا انفجار غضب ..

بل ذلك النوع الأخطر…

غضب بارد، صامت، يسبق المجازر.

كمش الورقة في قبضته،حتى تشققت أطرافها تحت قوة غير بشرية.

رفع رأسه قليلًا، وصوته خرج خشنًا، منخفضًا،كأنه زحف من أعماق القبور:

_كيف تجرأ…على إخفاء خطبته عني؟

صمت.

ثم أضاف، بنبرة لا تقبل النقاش ولا الرحمة:

_هذا الزواج لن يتم.لوسيان… لن يتزوج تلك الفتاة.

إنها غير مناسبة لخطتنا.

__________________________________

إنتهى الفصل 🌟✨✨

أعلم أن الفصل قصير و أظن أنني سأواصل الكتابة بهذا الحجم أو أكبر قليلا ... أي بين

4000 إلى 7000 كأقصى حد .

عارفة إني غبت كتييييرررر يعني من 11 أكتوبر ما نزلت ولا فصل 🙂 💔

لكن إن شاء الله اصير كاتبة جيدة لقراءها بتنزيل الفصول بانتظام

(رغم انو الرواية لسا ما انشهرت لكن لما تنشهر رح يعرف اي شخص جديد قديه أنا كسولة و مماطلة

الله يستر 👽 💔

احممممم الاهم من كل ذا

في رأيكم ماذاوسيحصل بعد هذا الجوالمتوتر😔🤌🏼✨

لنختمها الآن بخاتمتنا المعتادة: ....

▪إلى كل من عاش معي أحداث الفصل الرابع، وابتسم وتأثر واحتبس أنفاسه مع تقلبات هذا العالم...

▪شكرًا لأنكم منحتموني وقتكم ومشاعركم، وشكرًا لأنكم كنتم الرفاق الأجمل في هذه الرحلة.

▪أعدكم أن الفصول القادمة ستأخذكم إلى أعماق أكثر إثارة، حيث تتشابك الخيوط وتتصاعد المفاجآت، وتنكشف أسرار لم يكن أحد يتوقعها.

1

_عدد الكلمات هو :4216 كلمة

وتذكروا دائمًا... "أنتم نبض هذه الحكاية ، و لكم تنبض سطورها "

▪أحبكم ♡ يا نجومي ☆

-كاتبتكم آريا♤-

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الدوق الأزلي

المؤلف ar._ya
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة