⊹ الـفـصـل الـســادس || لماذا؟✧

⊹ الـفـصـل الـســادس || لماذا؟✧

15 0

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير الأنام

و أشرف الأنبياء والمرس

لا تنسوالتفاعل مع كل جزء لأرى رأيكم و لا تنسو

أيضا ترك قلب و الاشتراك بحسابي

☆يا نجومي☆

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

أطل القرص الأصفر في الافق، لينشر ضياءه على الأرض المليئة بقطرات الندى، بعد ليلة مشحونة بالتوتر و الكلمات التي علقت في الحناجر، دون أن تنطق.

لم يكن صباحا عاديا.

اصوات خطوات ثقيلة ملأت ممرات القصر ، ورنين معدن يلامس معدن تردد في الأرجاء، بينما كانت الخيول تضرب الارض و تثير النقع بنفاد صبر داخل الاسطبلات ، تبحث عن المساحات الواسعة التي تستطيع الركض فيها بحرية .

النبلاء كانوا يستعدون.

سيوف تنظف، اقواس تشد، وسروج تحكم على ظهور الخيول.

الكل ارتدى قناع الهدوء، لكن العيون كانت يقظة.

فالصيد لم يكن ترفا، بل ساحة اخرى لاثبات القوة والمكانة.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

بينما كانت أروقة القصر الخلفية تهتز تحت وطأة التحضيرات للنبيلات، حيث تحول كل جناح ملكي إلى خلية نحل تعج بالخادمات والحشم، ساد مشهد متكرر وممل من الفخامة العقيمة. هناك، خلف الأبواب الموصدة، كانت نساء الطبقة الراقية يخضن معاركهن الخاصة، معارك لا تُسفك فيها الدماء، بل تُسحق فيها الكبرياء تحت طبقات من الحرير والدانتيل الغالي.

في تلك الغرف المشبعة برائحة البخور والمسك التي تكاد تخنق الأنفاس، جلست كل نبيلة أمام مرآتها المذهبة كأنها صنم يُعبد.

تبارت الخادمات في طلاء وجوههن بطبقات دقيقة من المساحيق البيضاء المستوردة، وحمرة الخدود التي تُحاكي لون الخجل المصطنع، ورسم العيون بكحل أسود فاحم صُنع خصيصاً ليمنحهن نظرات ناعسة وآسرة.

كانت الأيدي الرقيقة، التي لم تعرف يوماً ملمس العمل أو خشونة السلاح، تُغمس في كريمات عطرية نادرة، وتُزين بأساور وخواتم مرصعة بأحجار كريمة تزن ثروات، ليس لجمالها فحسب، بل لتكون شاهداً صامتاً على جاه عائلاتهن.

وعلى الأسرّة الوثيرة، فُرشت فساتين الحفلات الضخمة، المصنوعة من أفخر أنواع المخمل والساتان بألوان زاهية وناعمة، من الوردي الشاحب إلى الأزرق السماوي، مطرزة بخيوط الذهب والفضة واللآلئ الصغيرة التي تتلألأ مع كل حركة.

كانت كل قطعة ملابس عبارة عن سجن أنيق، يُقيد الحركة ويفرض وضعية معينة للجسد، وضعية الضعف والاتكال التي تُتوقع من امرأة نبيلة.

ولم يكن العطر مجرد رائحة، بل كان درعاً غير مرئي من الورود والياسمين واللافندر، يُعلن عن قدومهن قبل وصولهن، ويملأ الفضاء بعبق ينوّم الحواس ويدعو إلى الاسترخاء والدلال. كان عالمهن عالماً من الجمال الساكن، المعد للعرض، لا للفعل.

لكن، في الجانب الآخر من القصر، حيث تسلل شعاع باهت من ضوء الصباح عبر نافذة ضيقة، كان المشهد مختلفاً تماماً، مشهد يضج بالحياة الفظة والتحضير الحقيقي للمواجهة. لم يكن هناك خدم، ولا مساحيق، ولا روائح عطرية ناعمة.

هناك، وسط هدوء حجرتها، كانت كلاريس تنهمك في طقوسها الخاصة، طقوس لا تعرف التدليل.

جثت على ركبتيها أمام خزانة خشبية قديمة، ملمس خشبه الخشن يبعث الراحة في نفسها أكثر من أي سرير وثير.

بين يديها، لم يكن هناك مشط عاجي أو زجاجة عطر، بل سيفها المستقيمة ذات النصل الفولاذي البارد.

أخرجت مسنّاً أسود خشِناً وبدأت تشحذ حافة النصل بحركات رتيبة ومدروسة.

كان صوت اصطكاك المعدن بالحجر

شححح...

شححح...

هو المعزوفة الوحيدة في الغرفة، صوت يبث الرعب في القلوب الضعيفة، لكنه بالنسبة لها كان صوت الأمان والاستعداد.

تتابعت الحركات بعناية فائقة، حتى أصبح حد السيف يلمع كالفضة تحت ضوء الصباح، قادراً على قطع شعرة واحدة في الهواء. لم يكن جميلاً، لكنه كان مميتاً، وكان هذا هو الأهم.

بعد أن اطمأنت على سيفها، انتقلت إلى قوسها الطويل، المصنوع من خشب الزان الصلب والمعالج.

أمسكت بخيط القوس السميك، المصنوع من أمعاء الحيوانات المجدولة بقوة، وبدأت تشده على القوس.

كانت عملية تتطلب قوة عضلية وتركيزاً عالياً، وهي عملية لا يمكن ليدين مدهونتين بالكريمات العطرية القيام بها.

تشنجت عضلات ساعديها وهي تضغط على الخشب المرن لتثبيت الخيط في تجويفه الطرفي.

عرق خفيف ظهر على جبهتها، لم تمسحه بقطعة منديل مطرزة، بل تركته شاهداً على جهدها.

حين استقر الخيط في مكانه، نقرته بإصبعها، فأطلق رنيناً عميقاً وواضحاً، رنيناً يبشر بسهم سينطلق بسرعة البرق ليصيب هدفًا ما.

نظرت إلى القوس والسيف برضا، فهما لم يكونا زينة، بل كانا امتداداً لإرادتها وقوتها.

في غرفتها، لم يكن هناك مكان للضعف أو التظاهر.

كان هناك فقط الاستعداد الفعلي والصلب لما هو قادم.

وقفت كلاريس امام المرآة.

لم ترتد فستانا، ولا اقمشة ناعمة.

كانت ملابس كلاريس بعيدة كل البعد عن فساتين القصر المعتادة.

ارتدت قميصا بلون النبيذ الداكن، ضيقا عند الخصر، مزينا بكشكشات متدرجة على الصدر، وأكمام واسعة عند المعصمين تنتهي بطبقات خفيفة تتحرك مع كل خطوة.

القماش بدا ناعما، لكن قصته حازمة، لا تسمح بالفوضى.

ثبتت القميص داخل سروال أسود مرتفع الخصر، مفصل بإتقان ليمنحها حرية الحركة دون أن يفقد أناقته.

عند خصرها، حزام عريض داكن، مشدود بإبزيم معدني، يحمل السكين القصير الذي لا تفارقه.

حذاؤها كان ثقيلا، مخصصا للأرض الوعرة، لا يشبه أحذية النبيلات بشيء، لكنه يناسبها تماما.

أما شعرها، فتركته منسدلا حتى كتفيها، مع زينة معدنية بسيطة تثبته جانبا، لا للزينة فقط، بل حتى لا يعوق رؤيتها.

بدت مختلفة.

ليس لانها امرأة، بل لانها بدت مستعدة.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

في اللحظة التي عبرت فيها كلاريس عتبة الرواق، تجمد لوسيان في مكانه كمن أصابته صاعقة باردة.

كان قد أعدّ في جعبته ألف كلمة ساخرة لينثرها على ثيابها الفاخرة، لكن الكلمات ماتت في حنجرته حين رأى السواد والعناقيد الداكنة والسكين الذي يزين خصرها.

اتسعت عيناه بذهولٍ مريب ، لم يرى امرأة، بل رأى محاربةً ترتدي كبرياءها كما يرتدي هو سيفه.

شدّ على فكه بقوة لدرجة كادت تُسمع لها فرقعة، بينما جالت نظراته الفاحصة على قميصها بلون النبيذ وحذائها الثقيل الذي كان يقرع الرخام بإيقاعٍ حربي.

لم ينطق بكلمة، لكن ارتباك يديه اللتين اشتبكتا خلف ظهره فضحه.

لقد كانت النسخة التي يكرهها 'النسخة الضعيفة' قد اختفت، وحلت محلها "كلاريس" التي جعلت قلبه يضطرب ليس حباً، بل رهبةً من ندٍّ لم يجرؤ يوماً على تخيله.

كان ينظر إليها وكأنها لغزٌ مظلم فُكّت شفرته فجأة، فتركه وحيداً في مواجهة حقيقته العارية.

بعدها رمش عدة مرات ليحول نظره سريعة عنها فقد خسر معركة البصيرة أمامها.

بعض النظرات توقفت، بعض الهمسات خفتت، والبعض ابتسم بسخرية لم تدم.

اليوم، لن تكون مجرد متفرجة.

واليوم، سيعرف القصر ان الصيد لا يميز بين رجل وامرأة، بل بين من يعرف كيف يثبت يده، ومن يرتجف عند اول سهم.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

وقفت المحاربة الانيقة في وسط الساحة، تنتظر من الخدم احضار حصانها ، كان أسود كليلة شتاء باردة، عرفه ينسدل على أحد جانبيه كشلال يلمع تحت أشعة الشمس المالقة، تتخلله ظفائر جميلة زادت من أناقته أضعاف ، ظفرتها له كلاريس قبل يومين مباشرة بعد ان اختارته.

إنها تعشق الحيوانات ، ربما تحبها أكثر من بعض البشر ، لأن هذه الكائنات الظريفة لا تخدع ، لا تنافق ، لا تكذب ... كائنات تعيش على الفطرة.

نعم!! و قد اعطت إسما للحصان... «كيلان» .

جاء بعض الخدم بحصانها كيلان ، يجره من لجامه برفق ..

لكن الحصان لم يقدر من شوقه أن يصبر فركض نحو كلاريس و وقف أمامها مباشرة ...

رغم أنه حيوان لا يملك لغة البشر ،لكن نظراته كانت كأسهم تخترق كلاريس ، ذلك كيلان أحبها حقا و اعتبرها مالكته رسميا.

لم تتردد كلاريس ولفت يداها حول رأسه ، لتسند جبهتها على خاصته ، اصدر الحصان صهلة خفيفة و ضرب قائمته اليمنى الأمامية بالأرض رفقا معبرا عن رضاه.

لم تدم اللحظة طويلا حتى ابتعدت عنه كلاريس لتشد حزام سراجه بعناية فائقة و أيادي ماهرة .

تقدم أحد النبلاء كان ابن الماركيز براوني ،السيد ايجيكيل براوني ...

شاب في 27 من عمره ..

وسيم، غني ، ذكي لكنه وقح و مغرور ، صفات تجذب النبيلات الشابات .

وضع ايجيكيل يده على ظهر حصان كلاريس، و مسح بيده على الفرو الأسود الناعم .

ضحك بصوت ناعم نبيل ... لكنها كانت ضحكة ساخرة نابعة من اهانة خرجت بعدها دون تردد :

"يا آنسة كاروث... او أناديك بالسيدة آشبورن أفضل..ألا ترين أن تصرفاتكِ عوجاء ولا تليق بامرأة نبيلة؟ الصيد للرجال، والإتيكيت للنساء".

توقفت كلاريس عن الحركة لثانية واحدة، ثانية ساد فيها صمتٌ ثقيل، ثم استدارت ببطء مذهل، ورفعت رأسها بشموخٍ جعل قامتها تبدو أطول من قامته. نظرت في عينيه مباشرة ببرودٍ جليدي، وقالت بصوتٍ تقطر منه السخرية الهادئة:

"تنعت المرأة بالعوجاء.. وأنت على اعوجاج خصرها تنحني!"

ثم إستدارت ببساطة كأنها لم تلقي قنبلة فجرت كرامته ، التي سيجمعها لغاية العقد القادم ربما .

تاركةً إياه يتجرع مرارة الإحراج أمام نظرات الجميع التي تحولت إليه فجأة.

كان لوسيان يقف بعيداً، ممسكاً بلجام حصانه الذي كاد ينقطع من شدة قبضته.

كان من المفترض أن يشعر بالحنق لأن خطيبته تتصرف "كعنيدة"، لكن شيئاً آخر غزا صدره؛ ذهولٌ مرّ.

حين نطقت كلاريس بتلك الجملة التي جمدت الدماء في عروق إيجيكيل، لم يستطع لوسيان منع نفسه من شد ظهره.

اتسعت عيناه لثوانٍ خلف قناعه البارد، وارتجفت عضلات فكه بقوة وهو يحاول كبت ابتسامة إعجابٍ شاذة كادت تفلت منه.

هو يكرهها، نعم.. لكنه في تلك اللحظة احتقر إيجيكيل أكثر، ورأى في كلاريس "رجلًا" بمواقفها أكثر من كل أولئك النبلاء المتأنقين حولها.

لم يرمش له جفن، لكن نظراته كانت تتبعها وهي تمتطي "كيلان" بخفة، وكأنه يراها لأول مرة دون غشاوة الازدراء.

لقد أدرك في تلك اللحظة أن "المحاربة" التي أمامه لن تنحني لأحد، لا لإيجيكيل.. ولا له هو شخصياً.

"كل رجل ذكر، لكن ليس كل ذكر رجل".. هذه القاعدة ستكون المحرك الأساسي لصراع لوسيان الداخلي ،كيف سيتعامل مع امرأة لا تكتفي بكسر القواعد، بل تكسر كرامة من يتطاول عليها؟

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

اصطفت النبيلات والفرسان في الساحة الداخلية للقصر، لحظة منح المناديل كانت دومًا لحظة صامتة..

لكنها محمّلة بما لا يُقال.

هواء الصباح كان بارداً، لكن الوجوه كانت تغلي بالتوقعات.

كل فارسة تختار بطلها، وكل منديل هو عهدٌ بالولاء.. أو إعلانٌ عن قصة حب خلف الستائر.

لكن القواعد كُسرت اليوم.

تقدمت الأميرة أليساندرا أولاً، بخطواتٍ واثقة تجر خلفها هيبة العرش. كانت تحمل منديلاً أبيض من الحرير الملكي، مطرزاً بخيط أزرق داكن يحمل شعار الإمبراطورية.

لم تتجه نحو صف الفرسان.

لم تنظر إلى أي نبيل .

توقفت أمام كلاريس مباشرة.

ساد صمتٌ خانق، صمتٌ يمكنك أن تسمع فيه دقات القلوب المرتبكة.

ابتسمت لها أليساندرا ابتسامة علنية، واضحة، لا لبس فيها.. ابتسامة تقول: "أنا هنا، ومعي الإمبراطورية بأكملها".

ثم رفعت صوتها الرخيم بما يكفي ليخترق جدران القصر ويسمع الجميع:

«هذا باسم كلاريس إيلانور»

لم يكن المنديل مجرد قماش.

كان اعترافاً صريحاً بالمكانة التي حاولوا سلبها منها.

صداقة إمبراطورية معلنة، كُتبت بخيوط الزرقة الملكية.

وحماية سياسية لا يجرؤ أحد على تجاهلها.. أو لمس طرف ثوب صاحبتها.

في تلك اللحظة، سقطت الأقنعة.

همسات خفيفة انتشرت كالنار في الهشيم، بعض الرؤوس انحنت احتراماً مضطراً، وبعض النظرات تغيّرت حساباتها في اللحظة ذاتها.

الرجل الذي كان يخطط للسخرية، ابتلع كلماته.

والنبيل الذي كان يزدري "عوجاء الخطوات"، أدرك أن انحناءه القادم لكلاريس لن يكون اختياراً.. بل ضرورة للبقاء.

كلاريس لم تعد مجرد مشاركة.

لقد أصبحت "ظل الأميرة" في الميدان.

بعدها بقليل، وجد جيمس نفسه محاطاً كعادته بجيشٍ من الجمال .

نبيلاتٌ يفوح منهن عبق الورد والكبرياء، مناديل حريرية ملونة تمتد نحوه كأشرعةٍ تبحث عن مرسى، وابتساماتٌ تم التدرب عليها أمام المرايا لساعات.

كان المشهد مسرحاً، وجيمس هو بطله الأوحد.

لم يتجهم، ولم يبعدهن بجفاء. بل غرق في تلك العيون الفاتنة بنظرةٍ جماعية دافئة، وكأنه يوزع قلبه قطعاً صغيرة على كل واحدةٍ منهن.

ضحك بخفة، تلك الضحكة الرخيمة التي تجعل القلوب ترتجف خلف المشدات الضيقة، ثم انحنى قليلاً برأسه، وبنبرةٍ تفيض غنجاً ، رفع يديه معتذراً وقال بلطفٍ صادق، لكنه مخادع:

-آه.. يا أيتها الجميلات، أقسمُ أن قلبي يتفطر وأنا أردّ هذه الأيادي الرقيقة خائبة.. لكن، وا أسفاه، لقد مُنحتُ منديلاً بالفعل، وسرقت إحداكنَّ شرف حمايتي اليوم قبل أن تشرق الشمس.

توقفت الأنفاس.

ساد صمتٌ مريب، تخللته شهقاتٌ مكتومة من الخيبة.

لم يذكر اسماً.

لم يفسر شيئاً.

اكتفى بتلك الغمزة الخفيفة التي وزعها كقبلةٍ في الهواء، قبل أن يسرق نظرةً خاطفة، نظرةً قصيرة جداً تبادلت بينه وبين فتاةٍ تقف بعيداً في الظل.

نظرةٌ لم يلتقطها إلا الرياح و الاشجار التي تحركها ، لكنها كانت كافية لزرع لغزٍ جديد في ردهات القصر. لغزٌ سيجعل النبيلات يسهرن الليالي ليفككن شفرته:

من هي تلك المحظوظة التي تملكُ مفاتيح قلبه .

استدار جيمس ببرودٍ أنيق، تاركاً خلفه عاصفةً من العطر والغيرة، وابتسامةً ماكرة ترتسم على شفتيه..

فهو يعلم تماماً أن المنع يزيد من شدة الرغبة

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

ثم جاءت اللحظة التي لم يكن أحد يجرؤ على انتظارها، اللحظة التي ستُحفر في ذاكرة هذا الصباح كوشمٍ لا يُمحى.

تقدمت كلاريس نحو لوسيان. كانت خطواتها هادئة، تسير فوق العشب الرطب المبلل بالندى، لكنها في الحقيقة كانت تسير فوق نصل سكين.

في يدها، استقر منديلٌ أبيض، بسيطٌ في أناقته، يحمل اسمه بخيوطٍ حريرية هادئة؛ تطريزٌ حاولت جاهدة أن يكون مثالياً، لكن عيوباً طفيفة في الغرز كشفت عن قلة خبرتها، وعن التوتر الذي صاحب كل غرزة.

مدت يدها إليه بثباتٍ ظاهري، وعيناها مثبتتان في عينيه الباردتين، بينما أحاطت بهما همسات النبلاء الجاهزون للصيد.

نظر لوسيان إلى المنديل. ثانية واحدة.. بدت وكأنها دهرٌ من الجليد.

لم يكتفِ بالنظر، بل التقطه بأطراف أصابعه بقلة اكتراث واضحة، تفحصه بنظرةٍ باردة وساخرة، ثم نطق بصوتٍ مسموع، حمل نبرة استخفافٍ قاتلة، تردد صداها في فضاء الغابة القريبة

_تطريز مبتدئ؟أليس كذلك؟ يبدو أن الجهد المبذول لم يشفع للنتيجة.

وبحركةٍ اتسمت ببرودٍ لا إنساني، ترك المنديل يفلت من بين أصابعه ليسقط على التراب المخلوط بقطرات الندى، تحت أقدام الجميع.

في تلك اللحظة بالذات، وشعرت بالعالم ينسحب من تحت قدميها، غرزت كلاريس أظافر يدها الأخرى في كفها بوحشية.

ضغطت لدرجة أن الجلد استسلم للوجع، تاركاً آثاراً غائرة كانت تنذر بكدماتٍ زرقاء ستظهر قريباً كشاهدٍ صامت على معركتها الداخلية الكبرى، معركة كتم الدموع وإطلاق الكبرياء.

تجمدت كلاريس. الأصوات تحولت إلى طنينٍ بعيد. لكن في أعماق ذلك الحطام، استيقظ الكبرياء .

رفعت رأسها، وعيناها اللتان اشتعلتا ببريقٍ جريح ثبتتا في عينيه. خرج صوتها متزناً، حاداً كالشفرة، وبنبرة قسوةٍ مباغتة، بلا ذرة ارتجاف:

_بالفعل، لوسيان.. هو مبتدئ، تماماً كقدرتك على تقدير ما هو "حقيقي". لكنني على الأقل لا أملك شغفاً غريباً بتشويه سمعتي بنفسي مثلك.

تراجعت خطوة، تاركةً الكلمات تدوي في فضاء الصباح الذي غرق فيه النبلاء والخيول في صمتٍ ثقيل، صمتٌ يكاد يُسمع فيه نبض القلوب المتسارع.

لكن هذا السكون لم يكن إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة.

اندفع جيمس كإعصارٍ هائج، كادت نيران غضبه أن تحرق العشب الذي يسير عليه. قبضته انقبضت حتى ابيضت مفاصله، وصوته انفجر كبركانٍ خامد:

-أيها الوغد.. أقسم بخالقي أنني سأسلخ جلدك عن لحمك وعظمك!

اقترب من لوسيان لدرجة أن أنفاسه الغاضبة لفحت وجه الدوق الساكن كتمثالٍ رخامي وسط الغابة. صرخ فيه والشرر يتطاير من عينيه:

-مكانتك اللعينة لا تمنحك الحق في الدوس على كرامة البشر وكأنهم هباء! وإذا لم يضع أحدٌ حداً لغطرسك.. فسأكون أنا ذلك الحد.

لوسيان لم يرمش. لم تتحرك عضلة واحدة في وجهه.

كان بروده "سادياً"، أفظع من أي شتيمة، وكأنه يخبر جيمس أن حتى غضبه لا يستحق الرد.

في تلك اللحظة، شعرت كلاريس بـ "جيمس" يوشك على الضياع في تهوره.

لفت ذراعها حول خصره بكل ما أوتيت من قوة، سحبته بعنادٍ يائس وهي تشعر بارتجاف عضلاته تحت ثيابه.

لم تنتظر أن يهدأ، قالت بنبرة منخفضة، حازمة، ومحملة بوجعٍ مكتوم:

-لا يهمني يا جيمس.. أقسم لك، لا يهمني حقاً.

كان صوتها ثابتاً بشكلٍ مرعب، ثبات الجثث التي لا تشعر بالألم بعد الآن.

وهنا.. تحرك كايلم.

بأناقةٍ مدروسة، انحنى كايلم بجسده الرشيق، والتقط المنديل من فوق التراب المدنس بالخيبة، ومن بين أعشاب البرية.

رفعه أمام العيون المترقبة للحظة قصيرة، وكأنه يعرض جوهرةً نادرة، ثم وبحركةٍ مباغتة، وضعه داخل جيب سترته.. مباشرةً فوق قلبه.

قال بنبرةٍ خفيفة، مشبعة بالدهاء، لتكسر حدة الموقف:

_تطريزٌ.. يحمل روحاً، وهذا ما يجعله نادراً. وبالطبع، فهو أثرٌ من يد الآنسة كلاريس إيلانور كاروث.

ثم التفت إلى جيمس، وضع يده على كتفه وضغط بخفة، ضغطةً تحمل تحذيراً وصداقة في آنٍ واحد. ابتسم ابتسامةً جانبية غامضة وأضاف:

-اعذروا صديقي "الأحمق".. إنه مزاجيٌ قليلاً حين يتعلق الأمر بالفن والكرامة.

لم يجرؤ أحد على الضحك، لكن التوتر الذي كان يوشك على تفجير الصباح انكسر.

عادت الهمسات تنسل كالأفاعي بين الحضور، والكل يدرك أن ما حدث ليس مجرد حادثة عابرة.

منديلٌ واحد..

إهانةٌ واحدة..

تطريزٌ عُيِّرَت به، فردت بقسوة الكبرياء..

ولكن توازن القوى داخل هذا الفضاء المفتوح بدأ يتصدع، والشرخ الذي أحدثه لوسيان، ربما سيكون هو نفسه القبر الذي سيُدفن فيه كبرياؤه لاحقاً وسط هذه البرية.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

لم تكد القاعة تستعيد أنفاسها بعد تدخل كايلم، حتى تقدمت فكتوريا.

خطواتها كانت محسوبة، بطيئة، كمن يعرف أن المسرح له وحده. توقفت أمام لوسيان، رفعت المنديل المطرز بخيوط داكنة، وابتسامة خفيفة على شفتيها.

لم تقل شيئا.

مدت يدها فقط.

لوسيان نظر إلى المنديل لثانية واحدة.

ثانية كافية ليحبس الجميع أنفاسهم.

ثم...

أخذه.

لا تردد.

لا تفسير.

قبض عليه ووضعه في يده.

تجمدت كلاريس.

ليس لأن الأمر فاجأها فقط، بل لأن الإهانة هذه المرة لم تكن صامتة... كانت معلنة.

____FLASHBACK____

عاد لوسيان بذاكرته إلى تلك الليلة، إلى اللحظة التي تراجع فيها داميان خطوة، وسحب ذلك الظرف المشؤوم.

الشمع الأحمر كان يلمع تحت ضوء الشموع كجرحٍ مفتوح، والختم الملكي للملك كيلان لم يكن مجرد شعار، بل كان "أمراً بالإعدام" لمستقبلٍ لم يمتلك يوماً حق اختياره.

فتح الورقة...

وفي تلك اللحظة التي رآها الجميع "صمتاً"، كانت هناك صرخة مكتومة داخل عقله وهو يقرأ الكلمات التي سُطرت بحبرٍ أسودٍ قاطع:

"إلى لوسيان... وريث دوقية الشمال العظيم.

إن العرش لا يُبنى على العواطف، والدوقية لا تُقاد بقلبٍ يميل. الوقت قد حان لترتدي تاجك، لكن ثمنه لن يكون ذهباً."

توقفت عيناه عند السطر التالي، السطر الذي شعر وكأن نصله يمر على حنجرته:

"عليك بفسخ خطوبتك من 'كلاريس إيلانور كاروث' فوراً. إنها حجر عثرة في طريق التحالفات الكبرى، وضعفٌ لا نملك ترف التستر عليه. استبدلها بـ 'فكتوريا'؛ تلك المرأة التي وُلدت وفي عينيها لهيبٌ يكفي لحرق العالم إن طُلب منها ذلك. هي وحدها من تليق بمقام إمبراطوريةٍ تُبنى على الرماد."

قرأ لوسيان الكلمات مرة ومرتين.

كان صوت الملك "كيلان" يتردد في ذهنه ببرودٍ يضاهي برود جبال الشمال:

"الخطة لا تنتظر يا لوسيان.. والتردد ليس سوى ثغرة يمر منها الأعداء. كُن القائد الذي يحتاجه الملك، أو كُن الذكرى التي سيمحوها التاريخ."

طوى الرسالة ببطءٍ شديد.

في تلك اللحظة، لم يكن الصمت الذي غلفه 'هدوءاً'، بل كان صوت تحطم آخر ذرة إنسان في داخله.

القرار تشكّل بلا صوت.

لم يكن يملك رفاهية الغضب أو الدهشة، فخلف تلك العيون الثابتة، كان لوسيان يغرس خنجر الرسالة في قلبه أولاً، قبل أن يغرس إهاناته في قلب كلاريس لاحقاً.

لقد أدرك حينها أن عليه أن يصبح "الوحش" الذي يحتاجه الملك، حتى لو كان ذلك يعني أن يدوس على المنديل، وعلى اليد التي طرزته، وعلى نفسه التي لم يعد يعرفها.

___FLASHBAEND END___

عاد إلى الواقع.

القاعة لم تعد صامتة.

همسات بدأت تنتشر كالنار في الهشيم...

_هل رأيت؟

_كان واضحا منذ البداية.

_إذن هما على علاقة.

_كلاريس السبب انفصالهما لم يحتملوا الفراق أكثر.

_انظروا كيف قبل منديل فكتوريا دون تردد.

وهمسات اخرى أكثر خطورة....

_لكن ولي العهد.

_هل لاحظتم نظرته لكلاريس.

_من الواضح انه معجب بها.

_يا للفضيحة

_لقد تبادلوا الادوار.

_كل واحد يحب شريك الاخر.

كلاريس كانت واقفة في مكانها..

ظهرها مستقيم ..

ملامحها جامدة .

لكن في الداخل ......

كان كل شيء ينهار ببطء ..

بهدوء ...

دون دموع ...

دون صراخ ..

التقت عيناها بعينيه.

لم يكن مقصودا.

ولا مدبرا.

حدث فقط.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

وقف لوسيان هناك، وسط ضجيج الغابة وصيحات الصيادين التي بدت وكأنها تأتي من عالمٍ آخر.

كانت أصابعه مشدودة حول منديل فكتوريا .

القماش الفاخر ذو الرائحة النفاذة كان يشعره بالاختناق، وكأنه يمسك بحبل مشنقته.

ملامحه كانت لا تزال قناعاً من الرخام البارد، لكن عينيه..

تلك العيون التي طالما ادعى أنها لا تبصر سوى الخرائط والخطط.. خانتاه.

في تلك اللحظة، التقت عيناه بعيني كلاريس.

لم يجد فيهما غضباً يحاربه، ولا دموعاً يستطيع تجاهلها، ولا حتى سؤالاً ينتظر إجابة.

كانت نظرتها هادئة، هدوء القبور بعد العاصفة.

كانت ثابتة، فارغة من أي رجاء، ومغسولة من كل أمل.

كانت نظرة امرأة أدركت في لحظة واحدة أن كل ما آمنت به كان سراباً، وأن الرجل الذي أمامها ليس سوى غريبٍ يرتدي ملامح من بدأ قلبها يلين أخيرا تجاهه.

شعر لوسيان بتلك النظرة كطعنة بطيئة، خنجرٌ صدئ ينغرس في صدره ويُدار بتمهّل. شيءٌ ما انقبض في أعماقه ، شعورٌ غير منطقي، غير مسموح به في قاموس "الوريث المثالي".

كأن تلك النظرة جردته من دروعه الملكية وتركته عارياً أمام حقيقته البشعة.

دون أن تنطق بحرف، كانت عيناها تقولان له بصوتٍ هزّ أركان روحه:

"انتهيت.. لقد قتلتَ شيئاً لم يكن ليُولد مرتين."

لم تطلب تفسيراً، لأن التفسير لن يرمم الحطام.

لم تنتظر اعتذاراً، لأن بعض الطعنات أعمق من أن تداويها الكلمات.

لم تحاول الفهم، فقد فهمت بما يكفي لتدرك أن لوسيان الذي يقف أمامها الآن هو مجرد ظل .

أدارت وجهها ببطء شديد..

حركة بسيطة، لكنها في نظره كانت زلزالاً.

ومع التفاتة رأسها، شعر وكأنها سحبت معها الهواء من رئتيه، وسحبت معها شيئاً غامضاً كان ينبض في داخله.

في تلك اللحظة القاتلة..

عرف لوسيان حقيقة واحدة، مرّة كالعلقم:

لقد ربح الخطة.. كسب الدوقية، أرضى الملك، وحجز مقعده في عرش الدمار.

لكنه خسر شيئاً لا يعرف له اسماً، شيئاً لم يعتد على امتلاكه..

لكن قلبه.. ذلك القلب الذي ظن أنه قد مات في ليلة الرسالة..

تعرّف على ذلك الشيء جيداً وهو يراه يبتعد عنه للأبد.

كانت تلك هي المرة الأولى التي يدرك فيها لوسيان أن "النصر" قد يكون أحياناً طعماً آخر للفشل الذريع.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

أدارت كلاريس وجهها ببطء شديد، ومع التفاتة رأسها، شعر لوسيان وكأنها سحبت معها آخر ذرة أكسجين في الغابة.

وبينما كان يقف متسمراً بانتصاره الفارغ، تحركت فكتوريا.

خطت فكتوريا خطواتها الواثقة، يجرّ ذيل ثوبها فوق العشب الذي دنسه منديل كلاريس قبل قليل.

مرت بجانبها كأفعى تنسلّ نحو فريستها، وتوقفت للحظة كانت كافية لتسميم الهواء.

مالت برأسها نحو أذن كلاريس، وبصوتٍ خفيض، رقيقٍ كالحرير وحادٍ كالموس، همست:

"ألم أخبركِ يا عزيزتي؟ لوسيان لا يقبل إلا الأفضل.. والمثالي. منديلكِ لا يليق إلا بمكانه الحالي؛ تحت الأقدام. لقد انتهى دوركِ في قصته قبل أن يبدأ."

شعرت كلاريس ببرودة الكلمات تحرق أذنيها.

وفي تلك اللحظة بالذات، بدأ ذراعها ينبض بألمٍ حارق.

تحت قماش فستانها، كانت الخدوش التي تركتها أظافر فكتوريا البارحة تلتهب وتصرخ.

تلك الآثار التي لم تندمل بعد، كانت تذكيراً جسدياً بأن هذه المرأة لم تكتفِ بنهش جلدها، بل أتت اليوم لتنهش ما تبقى من كرامتها أمام الملأ.

شدّت كلاريس على كفها، وغرزت أظافرها في جروحها القديمة لتستمد من الألم قوة تمنعها من السقوط.

لم تنظر لفكتوريا، ولم ترد على سمّها بكلمة.

بل رفعت ذقنها بشموخٍ كسر غرور فكتوريا لثوانٍ، وكأنها تقول لها:

"خدوشكِ ومؤامراتكِ نالت من جلدي، لكنها لن تنال من كبريائي."

لوسيان، الذي كان لا يزال يمسك بمنديل فكتوريا وكأنه جمرة تحرق يده، رأى هذا التبادل الصامت.

لمح التوتر في كتفي كلاريس، وعلم غريزياً أن هناك وجعاً تخفيه تحت ذلك الثوب، وجعاً تسببت فيه المرأة التي يقف بجانبها الآن.

ابتعدت كلاريس بخطواتٍ ثابتة، تاركةً وراءها حطام منديل، ورجلاً يملك كل شيء لكنه لا يملك شيئاً، وامرأةً تظن أنها انتصرت، بينما هي لم تفعل سوى إشعال فتيل حربٍ ستحرق القصر ومن فيه.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

بدأت المسابقة.. أو هكذا ظنوا.

بالنسبة للآخرين، كان صباحاً لتعقب الطرائد وإثبات الجدارة، صياح النبلاء يملأ الأفق، وقع حوافر الخيول يمزق صمت الفجر البارد، والضحكات المستفزة تتردد كخناجر في الهواء.

لكن بالنسبة لـ كلاريس، كانت هذه المسابقة "هروباً" لا "صيداً".

امتطت صهوة حصانها الأسود، ذلك الوحش الذي بدا وكأنه يشعر بارتجاف ساقيها ، جسده المشدود وعيونه التي تعكس توتراً غريباً كانا مرآة لاضطرابها.

وبينما تجمعت الحشود في مجموعات صاخبة، اختارت هي الطريق الذي يخشاه الجميع..

الطريق الذي لم يطأه أحد من قبل، حيث الأشجار تتشابك كأصابع الموتى، والضباب يلف المكان بكفنٍ بارد.

كان الهواء يلطم وجهها بقسوة، والريح تعبث بشعرها الثائر، لكن عقلها كان تائهاً، كسهمٍ انطلق من قوسٍ مكسور فلا هو أصاب هدفاً ولا هو وجد أرضاً يستقر عليها. وفجأة.. توقفت.

لم يكن هناك صيادون، ولا لوسيان، ولا فكتوريا. فقط هي، والحصان، وصمت الغابة المطبق.

هبطت برأسها ببطء، حتى كاد جبينها يلامس شعر الحصان الخشن.

سقطت خصلات شعرها لتغطي عينيها كستارٍ أخير يحميها من رؤية العالم..

ومن رؤية نفسها.

ثم سقطت الدمعة الأولى.

لم تكن دمعة حزن عادية، بل كانت قطرة من جمر.

سقطت على رقبة الحصان الدافئة، تلتها أخرى..

ثم انهمر السيل الذي حبسته طوال الصباح اللعين.

شهقات خافتة بدأت تخرج من صدرها، شهقات تمزق حنجرتها، لم تكن بكاءً على حبٍ ضائع، بل كانت صرخة الذل.

شعور الخسارة الذي نهش روحها العزيزة، تلك الروح التي طالما رفعت رأسها للسماء، والآن تجد نفسها مُلقاة تحت أقدام رجلٍ اختار السلطة على صدقها.

أدركت في تلك اللحظة المريرة أن قناع القوة قد تحطم إلى شظايا غرزت في قلبها.

هزت رأسها بهستيرية وهي تتنفس بصعوبة، كأن الهواء أصبح سمّا يرفض الدخول إلى رئتيها.

ترجلت عن الحصان بحركةٍ فاقدة للتوازن، كأن ساقيها لم تعدا تحملان ثقل خيبتها.

ربطت الحصان بجذع شجرة قديمة، وانكمشت خلفه، متقوقعةً على نفسها كجنينٍ يرفض الولادة في هذا العالم القاسي. وضعت وجهها بين ركبتيها، وغرزت أظافرها في ذراعيها..

فوق الخدوش التي تركتها فكتوريا.

لم تعد تهتم بالألم الجسدي، بل كانت تريد أن يغطي وجعٌ على وجع، أن تصرخ الندوب التي في الخارج لتسكت النزيف الذي في الداخل.

نظرت إلى الفراغ بعيونٍ ضبابية، ولم تعد ترى غابةً أو أشجاراً، كانت ترى مهزلة حياتها.

هي التي كانت "كلاريس إيلانور كاروث"، الفتاة التي لا تُواجه دون هرب، أصبحت الآن حطاماً بشرياً يختبئ خلف حصان في وسط برية موحشة.

في هذه اللحظة، لو مرت أمامها أغلى طرائد العالم، لم تكن لترفع قوسها.

لم تعد قادرة على صيد حتى حشرة واحدة، فكيف تصطاد وهي التي تشعر أنها الفريسة؟ الفريسة التي افترسها لوسيان ببروده، وفكتوريا بخبثها، والملك بكلماته.

كل خلية في جسدها كانت تصرخ..

"لماذا؟"

لكنها لم تحرك ساكناً.

النفسية انهارت تماماً، والقوة التي شيدتها لسنوات تلاشت كدخانٍ في مهب الريح.

اصطدمت بالحقيقة العارية التي كانت تهرب منها: هذا الصباح، لم تُفسخ خطوبتها فقط..

بل فُسخت صلتها بكل ما كانت تعرفه عن نفسها.

لقد دفنت كلاريس "القديمة" نفسها تحت ظل تلك الشجرة، ولم يتبقَ منها سوى جسدٍ يرتجف، وروحٍ تئن تحت وطأة قهرٍ لا يرحم.

وسط نوبة انهيارها، وبينما كانت دموع الذل لم تجف بعد على وجنتيها، شعرت بنفَسٍ ثقيل يلفح قفاها..

هواءٌ مسموم برائحة الموت والتحلل.

انقبض قلبها انقباضةً كادت توقف نبضه، وتجمد الهواء في رئتيها.

ثم سقطت تلك النقطة..

لزجة، باردة، وثقيلة كخطيئة، استقرت فوق رأسها لتسيل ببطء على جبينها.

رفعت كلاريس رأسها بآليةٍ مرعبة، وعيناها اللتان كانت غارقتين في الدموع اتسعتا لتستوعبا جحيماً لم يره بشرٌ من قبل. أمامها، كان يقف كابوسٌ تجسّد من عظامٍ وحقد.

لم يكن حيواناً، بل كان "هيكل الموت".

وحشٌ ضخم بحجم دبٍ هائج، لكنه يفتقر للجلد واللحم؛ مجرد هيكل عظمي مكشوف، مبيضّ بجمودٍ مرعب.

كانت أعضاؤه الحيوية تنبض بلونٍ أسود داكن تحت أقفاص عظام صدره، وفقرات عموده الفقري ممتدة كأشواكٍ حديدية نبتت من جحيم.

رأسه.. كان رأس خروفٍ بقرونٍ متشعبة كأغصان أشجارٍ محترقة، لكن فكه لم يكن للعشب، بل كان مدججاً بأنيابٍ كالخناجر، يقطر منها لعابٌ أسود لزج.

مخالبه الضخمة كانت تغرس في التراب بعمق، وكل حركة من عظامه كانت تصدر صوتاً يشبه تحطم الزجاج.

في تلك اللحظة، تلاشى حزن كلاريس، وحل محله رعبٌ بدائي صرف.

غريزة البقاء صرخت في عروقها، لكن جسدها كان قد أعلن العصيان؛ تجمدت في مكانها كتمثالٍ من ملح.

رفع الوحش مخلبه الطويل، مخلبٌ ينهي الحياة بلمسة واحدة، وصوّبه نحو وجهها الشاحب..

واقترب لدرجة أنها استطاعت رؤية انعكاس رعبها في عظام جبهته.

وفجأة.. سكن كل شيء.

توقف الزمن، وتوقفت الأنفاس، وبقيت كلاريس معلقة بين حياةٍ لم تعد تريدها، وموتٍ يقف أمامها بعظامٍ عارية.

_نهاية الفصل_

هيهيهيهيهيهيهيهيهيههيهيهيهيهيهيهيهيهيههيهيهيهيهيهيهيهيهيههيهيهيهيهيهيهيهيهيههيهيهيهيهيهيهيهيهيه

1

كالعادة دايما متأخرة و كسولة 🗿🗿✨

تبًّا لي 🙂💔✨

للعلم نزلت الفصل ذا بسسسس عشان ما اغيب شهرين لانو الأسبوعين الجايين كلهم فروض بعدها اسبوع ماندرس فيه بالمدرسة فقط لكن البيت اشنق حالي بالدراسة لانو الأسبوع لي بعدو الاختبارات الاخيرة و ناخذ عطلة 💃🏻💃🏻💃🏻✨✨✨

لو جمعناهم 4 اسابيع=شهر و انا أصلا مانزلت من شهر ...

فحسيت عيب ما أنزل شهرين🗿🗿💔

يلا شو رايكم بالفصل 🗿💔✨

كتبتو بالدموع ... و لككككك كلاريس بنتي 🤌🏻😑💔

لوسيان كل شوي اكرهو أكثر رغم انو عندو مبرر لكننن

🗿🗿🗿🗿🗿

حمار تراه هو يتحكم فيا 🙂💔

نختمها كالعادة 🙈🎀✨

إلى كل من عاش معي أحداث الفصل السادس، وابتسم وتأثر واحتبس أنفاسه مع تقلبات هذا العالم...

▪شكرًا لأنكم منحتموني وقتكم ومشاعركم، وشكرًا لأنكم كنتم الرفاق الأجمل في هذه الرحلة.

▪أعدكم أن الفصول القادمة ستأخذكم إلى أعماق أكثر إثارة، حيث تتشابك الخيوط وتتصاعد المفاجآت، وتنكشف أسرار لم يكن أحد يتوقعها.

_عدد الكلمات هو :4378 كلمة

وتذكروا دائمًا... "أنتم نبض هذه الحكاية ، و لكم تنبض سطورها "

▪أحبكم ♡ يا نجومي ☆

-كاتبتكم آريا♤-

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الدوق الأزلي

المؤلف ar._ya
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة