بسم الله الرحمن الرحيم
. والصلاة والسلام على خير الأنام
و أشرف الأنبياء والمرس
لا تنسوالتفاعل مع كل جزء لأرى رأيكم و لا تنسو
. أيضا ترك قلب و متابعة في الحساب
. ☆ يا نجومي ☆
══════⊱❀⊰══════
كست طبقة بيضاء ارض ايفرنورث و جبالها ، رغم ان الشتاء لم يحل بعد ....
الجو بارد حد التجمد....
و كأن برودة المكان أثرت على قلوب القاطنين في هذه الدوقية العظيمة ..
منذ وصول كلاريس لا أحد ، حرفيا لا أحد تكلم معها من أسياد القصر ، لا الدوق مهتم ، و الدوقة حاقدة ، و لوسيان لا يحتمل حتى أن تمر بجانبه او يتنفسا نفس الهواء..
كانت الغرفة .... أو لنقل الجناح الفاخر ، ملجأها الوحيد ... حبيسة أربعة جدران ....
هي ليست محبوسة ، انها لا تريد الخروج ... تخشى المواجهة .... تخاف من نظرات الازدراء .... حتى لو كانت تظهر العكس .... روحها هشة كفقاعة صابون ، لكنها دائما تحمي نفسها بدرع من القوة المصطنعة.
جلست على كرسي بجانب النافذة ... تتأمل بهدوء ندف الثلج و هي ترقص في السماء كجنيات هائمة ، ثم تتهاوي ببطء على الارض كفتات سكر ناعم يكسو العالم ببراءته .
فوق كتفيها بطانية تدفئها ،و تطوق بيديها كأس شاي أخضر ، ترتشف منه رشفات حارقة تذيب برودة صدرها .
لكن مهما ارتشفت من دفء الشاي ، بقيت البرودة مغروسة في قلبها
تغمض عيونها مع كل رشفة ، كأنها تحاول جمع ما تبقى من شجاعتها و قوتها.
و بينما هي في سكينتها فجأة .....
يقتحم أحد غرفتها... دون أن تلتفت للمقتحم ، ضربت كأسها بالطاولة الصغيرة التي أمامها بقوة ... و تكلمت بفحيح من بين أسنانها:
-أيها الوغد كم مرة قلت لك لا تقتحم غرفتي دون استئذان .
جاءها صوت ... جعلها تتيبس في مكانها ، تخثر دمها في برودته و قسوته ، أما قلبها فكان يركض في سباق لا نهاية له.
راودتها لحظة إدراك أنها ليست في بيتها ، من اقتحم غرفتها هذه المرة ليس أخوها جيمس ....
- هل نعتيني بالوغد للتو ، آنسة كاروث .... هل هذه هي الآداب التي تعلمتها في هورسلاند.
كان صوت لوسيان هدير متجمد يغلفه غضب بارد ، فكه مشدود بينما و كتفه مسنود على عتبة الباب ،بعيونه السوداء الغامضة التي تخفي أكثر مما تظهر بكثير .
عقلها يضج بحروف مبعثرة ، لكنها تعجز عن نسجها لتكوين كلمات ، اِنعقد لسانها ألف عقدة .... نظراته توترها كل ثانية في عيونه تعقد عقدة جديدة تصعب عليها الرد ، و تشد خيوط التوتر حولها.
و بعد عناء خرج صوتها خافت ، كأنه همس في الأذن .... فلو أن لوسيان بشري لما سمع ما تفوهت به :
-عذرا ... ظننتك أخي جيمس .
فلتت منه ضحكة قاسية مزقت هدوء الغرفة ،قصيرة لكنها كفيلة بأن تسكت أنفاسها و تربك قلبها .... دفع نفسه من العتبة و تقدم نحوها ببطء و هدوء ... خطواته متزنة و مهددة .
و مع كل خطوة يغرس سيف الخوف في قلب كلاريس أكثر فأكثر.
وقع خطواته على الأرضية الخشبية كدقات ساعة قديمة عند منتصف الليل .
عندما صار أمامها مباشرة وضع يديه الكبيرتين على الطاولة الخشبية المقابلة لها ،ولا يزال طيف ابتسامة ساخرة.و مريرة تعتلي ملامحه الشاحبة كأنها نذير بما هو قادم.
إنحنى حتى كادت شفتيه المحددتين تلمس شحمة اذنها...و أنفاسه الباردة كالصقيع في أيام شتوية تضرب الجلد الحساس .
همس بصوت يقطر سخرية و هو يخرج من جيبه ظرف مغلق :
_هذه رسالة من الذي نعته بالوغد للتو ،آنسة كاروث.
شدّ على كل حرف من الجملة كأنه يحاول حفرها في روحها المتزعزعة .
إستقرت عيونها على الظرف كان أبيض يميل للصفرة أغلق بشمع فضي بختم على شكل رأس حصان ،شعار عائلة كاروث الحديثة ،صاحبة اراضي هورسلاند .
بينما تجذب الظرف نحوها ،استدار بدوره معطيا بظهره لها ..
و عندما وصل الى عتبة الباب التفت مجددا كانه تذكر شيئا مهما :
_و لا تنسي تدريب وراثة منصب الدوقة بعد الغداء ،سأكون انا المشرف على تدريباتك.
قالها و لم يسمح لها حتى بهضم الكلمات ليغلق الباب ببطء حتى بدا صرير الخشب آخر جملة نطقها .
تاركا اياها غارقة في بحار خجلها من اهانته و انزعاجها من وقاحته .
جزء منها يقول أنه يستحق كلمة وغد ... و جزء آخر يرغمها على احترامه بطريقة ما رغم فظاظته .
ظلت كلاريس واقفة لثوانٍ، مشدودة الأعصاب، ثم التقطت الظرف من الطاولة. كان الشمع الفضي لا يزال صلبًا، والختم النافر لامس جلدها المرتعش.
جلست وأخذت نفسًا عميقًا، قبل أن تكسر الختم وتسحب الورقة المطوية. انزلقت الكلمات أمام عينيها، بخطّ تعرفه أكثر من أي شيء آخر:
-«كيف حالك أيتها الوغدة؟
أعلم… اشتقتِ إليّ. لا تتعبي نفسك بالإنكار. وأنا أيضًا اشتقتُ، لكن ليس لابتسامتكِ أو لطفكِ، بل لشدّ شعركِ ولمطاردتكِ في أرجاء البيت بعد كل مرة تجرئين فيها على ضربي.
أكتب لكِ هذه الرسالة فقط لأذكّركِ أنني ما زلت هنا، وأنني لن أسمح لأحد أن يجرؤ على أذيتك. إن تجرأ شخصٌ ما على قول كلمة واحدة بحقك، أقسم أنني سأجعله يتمنى لو لم يولد.
اسمعي جيدًا: لا أحد في هذا العالم مسموح له أن يضايقكِ… غيري أنا. وهذه قاعدة أبدية.
أجيبي بسرعة، أو سأعتبركِ تخططين لمكيدة ضدي.
مع كل السخرية والمحبة،
أخوكِ جيمس»
ارتجفت شفتاها، وفي اللحظة نفسها ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها. ضحكة مكتومة أفلتت منها رغماً عنها، ثم سرعان ما تبللت عيناها بالدموع.
وضعت الورقة على صدرها كأنها تحاول ضمّ أخيها البعيد بين ضلوعها، والدفء الذي بعثته كلماته كان أشبه بنار صغيرة تُضيء قلبها المتجمد.
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
كانت أروقة قصر كاروث تغرق في صمت ثقيل، كأن الجدران نفسها تفتقد صدى خطواتها. الخدم يتحركون بوجوه متجهمة، والحدائق التي لطالما ضحكت بعبيرها، بدت جافة بلا روح. غياب كلاريس جعل المكان كئيبًا، أشبه بسجن فاخر ينتظر عودة سيدته.
في ساحة التدريب، كان جيمس يفرغ توتره بضربات السيف المتكررة. صدره العاري يلمع بقطرات العرق تحت شمس ما بعد الظهيرة، وعضلاته المشدودة تتحرك بتناغم مع كل حركة للشفرة. بشرته الحنطية اكتسبت لمعانًا برونزيًا مع كل قطرة عرق تسقط، لكن ملامحه القاسية لم تخفِ الضيق الذي ينهش صدره.
ارتفعت أنفاسه الثقيلة، والسيف يلمع بضوء الشمس قبل أن يغرسه في الأرض بضربة حاسمة. عندها، اقترب كايل، رئيس الخدم، بخطوات حذرة مدروسة. وقف على بُعد مسافة، وانحنى قليلًا قائلاً:
ــ سيدي جيمس… وصلت رسالة من قصر آشبورن.
رفع جيمس رأسه فجأة، عينيه تضيقان بشكٍّ متأجج. مسح العرق عن جبينه بيده وهو يتمتم بصوت أجش:
ــ من آشبورن؟ … لا بد أنها منها.
مدّ كايل الرسالة باحترام، وأضاف بنبرة جادة لكنه لم يخفِ ابتسامة باهتة ارتسمت في عينيه:
ــ نعم، إنها من سيدتي كلاريس.
توقفت أنفاس جيمس لوهلة، قبض على الرسالة وكأنها أثمن من السيف نفسه.
مدّ جيمس يده وأخذ الرسالة من كايل، فتحها بعجلة وكأنه غريق تعلّق بخشبة نجاة. ما إن تعرّفت عيناه على خط أخته حتى انعقد حاجباه، ثم بدأت شفتاه ترتجفان بابتسامة صغيرة.
«جيمس أيها الوغد… كيف حالك وأنت بالتأكيد تحرق نفسك تحت الشمس كالعادة؟ لا تظن أنني لا أعرفك… عنيد كما كنت دائمًا. لا تقلق عليّ، أنا بخير… بل أفضل من أن أكون بجانبك وأتحمّل وقاحتك اليومية. على الأقل هنا لا أحد يشد شعري! … لكن، لا تفرح كثيرًا، فحتى وأنت بعيد يظل صداعك يلاحقني في رأسي. المهم… لا تفقد لياقتك أيها الكسول، لأنني سأعود يومًا ما لأريك من الأقوى. إلى ذلك الحين… اعتنِ بنفسك…»
ضحكة قصيرة أفلتت من جيمس، لكنها سرعان ما تلاشت. الرسالة مكتوبة بالأسلوب الساخر الذي يعرفه منها، ومع ذلك… شيء ما أزعجه. طريقة كتابتها لم تكن عفوية كما اعتاد، وكأنها تحاول إخفاء ثقل ما خلف كلماتها.
طوى الورقة ببطء، ثم حدّق في الفراغ، وصوت قلبه يعلو على صخب الساحة.
ــ ريس… لستِ بخير كما تقولين… أليس كذلك؟
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
وبينما كان جيمس يلتقط أنفاسه بعد جولة تدريب شاقة، اقترب منه كايل بخطوات هادئة، يضع يده خلف ظهره كعادته حين يحمل خبرًا مهمًا.
قال بصوت خافت لكن جاد:
-سيدي، كما أمرتني… سألت الخدم إن كان أحدهم مستعدًا لمرافقة الآنسة كلاريس إلى آشبورن كوصيفة.
مسح جيمس العرق عن جبينه، وأجابه بلهجة حادة:
-وماذا كان الرد؟
انخفض بصر كايل قليلًا قبل أن يتابع:
-لم يتطوع أحد بسبب الظروف القاسية في الشمال، يا سيدي… سوى خادمة واحدة.
تجمدت ملامح جيمس للحظة، قبضته تشدد على مقبض السيف:
-ومن تكون؟
رفع كايل عينيه بثبات، وقال بوضوح:
-إنها… ليلى.
في اللحظة ذاتها، ارتجفت أنفاس جيمس، وانفلت السيف من يده ليسقط على الأرض بخشونة. لم ينتظر أن يلتقطه، بل اندفع خارج ساحة التدريب بخطوات سريعة، كأن النار تشتعل تحت قدميه.
اندفع جيمس بخطواته الثقيلة حتى وصل إلى غرفة الخادمات المشتركة. ما إن دفع الباب حتى انفتح على مشهد لم يتوقعه:
ليلى واقفة وسط الغرفة، تجمع بعض الثياب البسيطة في حقيبة قماشية، بينما تحيط بها خادمات أخريات يتبادلن المزاح معها ويغمرنها بالأسئلة.
لكن لحظة دخوله قلبت الأجواء رأسًا على عقب.
وقف في المدخل، عاري الصدر، عرقه يتلألأ تحت ضوء الشمس المتسلل من النافذة، وعضلاته المشدودة تنبض من أثر التدريب.
صمتت الغرفة كليًا.
اتسعت عيون الخادمات، وارتبكت الابتسامات على وجوههن. بعضهن كتمت ضحكة مبهورة، وأخريات تبادلن نظرات إعجاب واضحة لم يخفينها.
أما ليلى، فتجمدت في مكانها، حقيبتها بين يديها، وعيناها ترفض أن تلتقيا بعينيه.
رفع جيمس حاجبه بصرامة، وصوته جاء حادًا قاطعًا:
-اتركنني معها. الآن.
تبادلت الخادمات النظرات المرتبكة، ثم انسللن واحدة تلو الأخرى خارج الغرفة، وهن يتهامسن، تاركات جيمس وليلى وحدهما وسط سكون ثقيل.
بقي واقفًا للحظة، صدره يعلو ويهبط من أثر غضبه، وعيناه مثبتتان عليها.
قال أخيرًا، بصوت منخفض لكنه مشحون:
-ليلى…
ليلى لم ترفع عينيها عن الحقيبة وهي تتمتم بثبات:
-لا فائدة يا جيمس… لقد قررت .
تقدم خطوة، ظل جسده العاري من أثر التدريب أسقط ثقلًا على المكان، وصوته جاء هادئًا لكنه مشدود:
-قررتِ أن تضعي نفسك وسط قصر لا يرحم؟
زفرت بخفة، وأخيرًا التفتت نحوه، ابتسامة قصيرة تلوح على شفتيها لتغطي ارتباكها:
- لا تقلق، لستُ ضعيفة كما تظن.
عيناه علقتا بها طويلًا، أكثر مما يجب، كأنها المرة الأولى التي يراها فيها بهذا الإصرار. ثم تنحنح، محاولًا استعادة صرامته:
-ليس الأمر أنك ضعيفة… بل أني لا أرتاح لفكرة وجودك هناك.
ارتبكت ملامحها لحظة، لكنها أخفتها بابتسامة ساخرة:
-إذن، فلنفترض أنني أفعل هذا لأجلك. كي يطمئن قلبك أن كلاريس بخير.
ساد الصمت بينهما، حتى صار صوتهما المكتوم أوضح من أي كلمة.
هو لم يرد… فقط اكتفى بنظرة طويلة جعلتها تسرع بإغلاق حقيبتها، كي لا يرى كم اضطرب قلبها.
مدّت ليلى يدها لتغلق الحقيبة، محاولة إنهاء الحديث والهرب من عينيه، لكن فجأة أحاطها جيمس من الخلف.
ذراعاه القويتان استقرتا حول كتفيها .... شدّها إليه بقوة لم تمنحهما الكلمات يومًا.
تجمدت، قلبها يقفز بعنف وهي تشعر بحرارة صدره يلتصق بظهرها... ورائحة عرقه الممزوجة برائحة السيف والتدريب تحاصر أنفاسها.
اقترب بفمه من أذنها، صوته منخفض، أجشّ، وكأنه وعد مخفي:
-كوني بخير…
لم تستطع أن تتحرك أو ترد.
فقط أغمضت عينيها للحظة، تستمع لوقع نبضاته خلفها، وتتمنى أن يطول العناق أكثر مما يجب…
لكن جيمس أطلق سراحها فجأة، كأنه تراجع عن خطأ، وابتعد خطوتين للخلف، صوته صار جافًا مجددًا:
-كوني عيني في آشبورن.
تركها متسمرة، فيما أصابعه ما زالت تشعر بحرارة كتفيها، وقلبها يرفض أن يهدأ.
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
قادها الخادم إلى قاعة التدريب الخاصة بالدوقات، غرفة غريبة الملامح لا يمكن تصنيفها في خانة واحدة.
دخلت القاعة بخطوات مترددة، تتفحص جدرانها العالية وما تحويه من زوايا متناقضة.....
توقفت أمام رفٍ خشبي يعلوه الغبار، مرّرت سبابتها على امتداد الكتب المصطفّة فيه، تحمل عناوين عن تاريخ الأسلاف وأمجاد آل آشبورن. تنهدت بصوتٍ خافت، كأنها تستشعر ثقل الإرث الملقى على كتفيها.
التفتت نحو الزاوية الأخرى، حيث يقبع بيانو أسود لامع، بدا غريبًا وسط هذه الفوضى المهيبة. جلست أمامه، رفعت الغطاء بخفّة وضغطت إحدى المفاتيح، فانطلقت نغمة وحيدة ترددت في فراغ القاعة، فارتجفت أصابعها ثم أطبقت الغطاء كأنها أغلقت سرًّا لا يخصها.
انتقلت إلى الطاولة الصغيرة حيث استقرت أدوات التطريز مبعثرة؛ التقطت إبرة وخيطًا ملونًا، قلّبتهم بين يديها باهتمامٍ عابر، ثم أعادتهم مكانهم دون أن تجرؤ على الغوص في هذا العالم الذي بدا بعيدًا عنها.
وأخيرًا، جذبتها المساحة الرحبة في وسط الغرفة؛ أرضية ملساء مرسومة عليها خطوط دقيقة كأنها دعوة إلى رقصة قديمة. خطت فوقها بحذر، محاولةً أن تتبع مسارها، حتى وقفت قبالة المرآة العريضة. هناك، انعكس وجهها المرتبك وعيناها المليئتان بالأسئلة؛ رفعت ذقنها قليلًا، حدقت في ملامحها، وتساءلت بصمت: هل هذه حقًا ملامح دوقة مستقبلية؟
كانت لا تزال تحدّق في انعكاسها في المرآة حين فُتح الباب ببطء، وصوت المفصلة أحدث صريرًا خافتًا تسلل إلى أعماقها. استدارت بخفّة، ليتجلى في الإطار جسد طويل القامة، خطواته ثابتة وملامحه جامدة كالصخر.
لوسيان.
تقدّم داخل الغرفة ببطء، كأن كل خطوة منه تحمل ثقل عالم كامل...
عيناه الباردتان مسمرتان عليها، لا دفء فيهما، فقط صرامة تُشعرها وكأنها موضوعة تحت مجهر لا يرحم. لم ينبس بكلمة، بل وقف قبالتها متكئًا بكتفيه إلى العمود القريب، ذراعيه مطويتان على صدره، ملامحه أشبه بقاضٍ يستعد لإعلان حكم لا رجعة فيه.
شعرت بالارتباك يتسلل إليها، فخفضت نظراتها للحظة، ثم رفعت ذقنها تحديًا صامتًا....
أمّا هو، فاكتفى بمتابعتها بعينين أشبه بصفحتين جليديتين، قبل أن يترك صوته ينساب أخيرًا...
منخفضًا...
حادًّا....
أقرب إلى همهمة جافة:
-من هذه اللحظة… سأكون أنا المشرف على كل خطوة تخطينها.
اقترب منها بخطوات بطيئة، عيناه لا تفارقها، حتى صار بينه وبينها سوى ذراعين.
حدّق في المرآة التي تعكس ملامحها المرتبكة، ثم أمال رأسه قليلًا، وصوت ساخر خرج منه كحدّ النصل:
--أيعقل أن مَن ترتجف أصابعها أمام آلة تطريز… ستقف يومًا كدوقة لآشبورن؟
شهقت خفيفة، لكنها تماسكت بسرعة، رفعت ذقنها في تحدٍ والشرر يلمع في عينيها:
-قد أكون متعثّرة الآن… لكنني لستُ عاجزة، وسترى ذلك بنفسك.
ضحك بخفوت، ضحكة باردة لا تحمل أي بهجة، ثم مال برأسه نحوها أكثر، صوته هذه المرة أشد قسوة، يهمس كأنه يطعنها دون دماء:
-لا تخدعي نفسك… أنتِ لستِ سوى عبء وُضع على كتفي، وسأذكّرك دائمًا أنكِ لا تستحقين هذا اللقب.
شدّت قبضتها على فستانها وهي ترفع رأسها بتحدٍ، وصوتها يتماسك رغم الانكسار الذي يهددها:
-سأكون دوقة تليق باسم آشبورن… وسترى بنفسك.
ابتسم بسخرية باردة، تلك التي تُشبه سكينًا يمرّ على العنق ببطء...
تقدّم منها، عينيه تلتهمان ضعفها قبل أن يتكلم بنبرة كالثلج:
-«دوقة؟»
توقف لحظة كأنه يزن الكلمة، ثم أردف بلا رحمة:
-أنتِ لا تصلحين حتى أن تكوني امرأة بحق، فكيف تُنصّبين دوقة على هذه العائلة؟
كانت كلماته صفعةً مزّقت كرامتها، نزعت عنها غطاء الكبرياء الذي تتشبث به. في تلك اللحظة رأت فيه حيوانًا مفترسًا، لا يكتفي بالتهام قوتها بل يفترس ما تبقى من أنوثتها وكبريائها معًا.
ارتجفت أصابعها للحظة قبل أن تشد قبضتها بقوة، رفعت ذقنها متحدّيةً كبرياءه المثلج، وقالت بوقاحةٍ مغلفة بثقة مهزوزة:
-تتصرّف وكأنك إله يُقرر مصيري… لكنك لا تعدو أن تكون رجلًا يختبئ خلف بروده، يخشى أن يلمس الحياة حقًا.
لم يرد...
لم يبدُ حتى أنه سمعها...
مرّ بجانبها ببطءٍ مدروس، وكأن كلماتها لم تتجاوز الهواء...
تقدّم نحو زاوية الغرفة حيث يستقر البيانو العتيق، جلس أمامه بانضباطٍ مهيب.
مدّ يده الطويلة ومسح بباطن كفه الأتربة التي تراكمت على سطحه، تاركًا وراءه خطًا واضحًا في الغبار.
لوسيان أبقى ظهره لها وهو يمسح الغبار عن البيانو، وكأن وقاحتها لم تكن أكثر من نفخة ريح عابرة. ثم نهض فجأة، وأدار جسده نحوها بملامح متجمدة، صوته بارد كالنصل:
-سنبدأ بالدرس الأول… الرقص.
اقترب منها بخطوات ثابتة، مدّ يده ببطء كأنه يقدّم عرضًا مشروطًا، وعيناه الداكنتان تلتهمان ارتباكها دون أن يرمش.
ابتسامة ساخرة مرت على طرف شفتيه وهو يضيف ببرود لاذع:
-متأكد أنك ستدوسين على قدمي في أول خطوة… حاولي ألّا تحطمي عظامي.
شعرت بإهانته تغرس أنيابها في كرامتها، لكن شيئًا من التحدي استيقظ في داخلها.
مدت يدها وأمسكت يده، باردة كانت كما توقعت، ثم وقفت أمامه بخطوات ثابتة.
الموسيقى لم تكن موجودة، لكن قلبها عزف الإيقاع.
تحركت بخفةٍ غير متوقعة، جسدها يتبع الخطوط المرسومة على الأرض بدقة، كأنها تدربت منذ سنوات. مع كل التفافة، كانت تنظر في عينيه بثبات، متحديةً حكمه القاسي.
مرت نظرة خاطفة من لوسيان فضحت ذهوله للحظة، ارتجافة صغيرة في جفنه كأنه لم يتوقع تلك الرشاقة… لكنه سرعان ما دفن صدمته خلف جدار بروده المعتاد.
شدّ قبضته أكثر على يدها، ومال قليلًا ليخفي توترًا لم يرد أن تراه، ثم تمتم بجفاف:
-لا بأس… لم تدوسي بعد.
انتهت الخطوات الأخيرة بسلاسة، ولفّها لوسيان بخبرة ليعيدها إلى موضعها الأول.
كاد يترك يدها، لكن كلاريس رفعت ذقنها بتحدٍّ، وعينيها تشعان بجرأة لم تكن موجودة منذ قليل.
في اللحظة الأخيرة… رفعت قدمها بخفة ودست على حذائه الأسود اللامع بقوة مباغتة، حتى غاص الكعب في جلده.
صدر منه تأوّه مكتوم، قصير لكنه حقيقي، ارتجّت له أجواء الغرفة الصامتة.
عضّ على أسنانه، وظهر التوتر في عرق نابض على صدغِه، فيما هي اكتفت بابتسامة هادئة، رقيقة… كأنها لم تفعل شيئًا.
قالت بنبرة تملؤها البراءة المصطنعة:
-أوه… هل آلمتك يا سيد آشبورن ؟ كنت متأكدا أنني سأدوس في النهاية.
رفعت يدها عن يده برشاقة، ثم أدارت ظهرها وغادرت منتصف الغرفة بخطوات أنثوية هادئة، تاركة وراءها صمتًا أثقل من أي إهانة لفظية.
أما لوسيان، فوقف مكانه جامدًا، يده لا تزال معلّقة في الهواء، ونظراته تشتعل بغضب مكبوت خلف برود متعمد.
لم يتحرك . بقي واقفًا في مكانه، ينظر إلى الأرض حيث تركت عقب حذائها أثرًا خفيفًا على جلده… أثرًا أشعل شيئًا غريبًا في أعماقه.
ارتفع صدره بانقباضٍ بطيء، والهواء المحبوس بين شفتيه تحول إلى زفير حادّ كأنما يحاول كبح وحشٍ يتململ بداخله.
رفع عينيه نحوها وهي تبتعد بخطواتٍ هادئة، شعرها يتمايل فوق كتفيها كستار من التحدي.
كان في داخله جوعٌ خفي ...
رغبةٌ عارمة في أن يمزّق تلك الغطرسة التي تتلاعب بأعصابه…
أن يقترب منها بما يكفي ليسمع دقات قلبها وهي تضطرب تحت جلده.
مدّ يده إلى الطاولة محاولًا التماسك.
أصابعه تضغط على الخشب بقوة حتى صدرت صريرًا خافتًا.
عيناه تحوّلتا للحظة إلى لمعانٍ دامٍ قبل أن يغلقهما بحدة ويبتلع أنفاسه.
تمتم بصوتٍ بالكاد يُسمع:
-تبًّا لكِ، آنسة كاروث...
ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا تشبهه، فيها شيء من الألم وشيء من الافتراس المكبوت.
لم يكن يعرف إن كان يريد خنقها... أم تذوّق طعم دمها المتغطرس.
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
كان المساء يوشك أن يسدل ستاره حين جلس لوسيان خلف مكتبه، وأصابعه تنقر على سطح الخشب ببطءٍ مدروس.
الأوراق مبعثرة أمامه، تقارير عن أراضٍ، مناجم، وتحركات تخص الدوقيات المجاورة، لكنه بالكاد قرأ سطرًا واحدًا.
كان ذهنه عالقًا عند تلك الفتاة التي داست على قدمه بابتسامة انتصارٍ صغيرة.
زفر بعمقٍ، رفع رأسه للخلف وأغلق عينيه للحظة، قبل أن يسمع صوت الباب يُفتح بخفّةٍ مألوفة.
-أنت متأخر، دارين.
دخل الشاب بخطواتٍ هادئة. ملامحه متقشّفة، شعره الفضي مربوط إلى الخلف، وعيناه الرماديتان تحملان وقارًا غير بشري. لم يكن أحدٌ في القصر يجرؤ على النظر إليه طويلًا، ليس لأنه مرعب… بل لأن شيئًا غريبًا كان يسكن سكونه.
وقف أمام المكتب وقال بصوته العميق:
-كنت أراقب حدود المقاطعة كما أمرتني، يا سيدي. ثم تلقيت رسالة من القصر الملكي.
(ملاحظة الكاتبة : ركزوا قلت الملكي و لم أقل الإمبراطوري أي ليست عائلة أليسندرا و كايلم )
فتح لوسيان عينيه ببطء، وأشار له بالمتابعة.
-الملك يبحث عنك.
ساد الصمت للحظة، كأن الهواء نفسه تجمّد. ثم قال لوسيان ببرودٍ يقطر تهكمًا:
-ليته يتعلم أولًا ألا يرسل الغربان في وضح النهار… يعلم أن الشمس لا تليق بأمثالنا.
دارين لم يعلّق. وضع الرسالة على المكتب بخفة وقال:
-ولي العهد أيضًا… دعاك لاجتماعٍ عاجل بخصوص المناجم المكتشفة في دوقية داركورد. يقول إنها مسألة أمنية.
رفع لوسيان حاجبه، ثم نهض من مكانه، يسير ببطء نحو النافذة العالية التي تعكس نصف وجهه في الظل والنصف الآخر في ضوء الشموع.
-داركورد…
تمتم ببرودٍ عميق.
-تلك الأرض التي لا تنبت إلا الموت.
اقترب منه دارين خطوة، صوته أكثر انخفاضًا:
-هل ستذهب؟
أجاب لوسيان دون أن يلتفت إليه:
-إن كان كايلم هو من طلب الاجتماع… فلا بد أن الأمر أخطر مما يبدو.
ثم التفت إليه أخيرًا، عينيه باردتان كالجليد:
-وجهّز عربة أخرى… كلاريس سترافقني.
ارتسمت على وجه دارين ابتسامة خافتة لم تستمر سوى لحظة، ثم قال:
-كما تشاء، سيدي. لكن هل… من الحكمة أن ترافقك؟
اقترب منه لوسيان حتى صار على بعد أنفاس:
-إن أراد القدر أن يلعب، فليبدأ بها.
ما إن أغلق دارين الباب خلفه حتى خيّم الصمت مجددًا على الغرفة، كأن الهواء نفسه يخشى التحرك. اكتفى لوسيان بالتحديق في ألسنة اللهب تتراقص على الشموع، يفكر فيما ينتظره خلف اجتماع الغد.
وفجأة، تحرك شيء خلف النافذة. لم يكن الصوت عاليًا، لكنه كافٍ ليجعل نظراته تتجه نحوه ببطءٍ محسوب.
انعكست عينان صفراوان كقطعتين من لهبٍ في العتمة، قبل أن يطلّ القط الأسود من بين الستائر، قافزًا بخفةٍ هادئة نحو حافة المكتب، ثم إلى كتف لوسيان، مستقرًا هناك بثقة من يعرف مكانه.
رفع لوسيان يده ببطء، يمرر أصابعه بين فرائه الكثيف، بينما صوت خرخرته يتردد كأنها أنغام طقوسٍ قديمة تُقام في صدر الليل.
-عدتَ أخيرًا، أوبيس...
تمتم بنغمةٍ باردة :
-ظننت أنك نسيت طريق الدم إلى هذا المكان.
رفع القط رأسه ونظر نحوه بعينين تلمعان كالشمس في بئر مظلمة.
ابتسم لوسيان بخفوتٍ مبهم، وقال وكأنه يهمس إلى ظلٍّ قديم:
-لقد حان الوقت، أليس كذلك؟... العالم بدأ يهمس باسمهم من جديد.
غرز أوبيس مخالبه بخفة في كتف سيده، كأنه يجيبه دون صوت .
ضحك لوسيان بخفّةٍ قاتمة، ثم أردف:
-كن صبورًا هذه المرّة... سنبدأ اللعب قريبًا، لكننا لن نكشف أوراقنا قبل أن ينزف أول نذير.
ثم مد يده وأطفأ شمعة واحدة، فغرق المكتب في ظلٍ كثيف لم يبقَ فيه سوى وهج العينين الصفراوين يحدّقان في العتمة... كأن الليل نفسه يراقب.
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
كان الليل ساكناً... لكن أنينًا متقطعًا اخترق الصمت.
أنين رجلٍ يختنق، يُسحب منه الهواء والدم دفعة واحدة.
كانت يدا لوسيان تلتفّ حول عنق الرجل بقوةٍ غير بشرية.
أصابعه الغارقة في اللحم تشق طريقها نحو الداخل.
والدم يتفجّر من بين مفاصله كنافورةٍ حمراء.
ينزلق على ساعديه حتى يقطر من أطراف أصابعه كخيوط حريرية قاتمة.
تتسع عينا لوسيان،يتراجع صدره في ذهولٍ صامت،كأنه يشاهد جسده يفعل ما لا إرادة له فيه.
نبضُ الضحية يتلاشى... ثم يتوقف.
صوت سقوط الجسد على الأرض يشبه سقوط شيء أثقل من جسد،كأنه سقط جزء من روحه معه.
أمام هذا المشهد الجحيمي،كانت هي واقفة .
شعرها الأسود يلتصق بوجهها من المطر والدم،وعيناها قرمزيتان تشتعلان كجمرٍ في العتمة.
شفاها ترتجف بين الدهشة والغضب والخذلان.
– «رافينا...»
صوته خرج متقطعًا، متوسلاً،
والدماء لا تزال تنزلق من كفيه لتلوث الأرض بينهما.
– هو من هاجمني أولاً... أقسم لكِ أني لم—
صرختها قطعت الهواء،
كأنها شفرة صدعت السماء نصفين.
– «أكرهك!!»
الدم على وجهه، على الأرض، في الهواء، في صدره...
كل شيء أصبح أحمر.
وفجأة،
ارتجّ العالم
.
اختفى صدى صرختها، وتحوّل كل شيء إلى سواد مطبق.
فتح عينيه وهو يلهث.
قطرات العرق البارد تتجمّع على جبينه، تنحدر إلى عنقه حيث لا يزال يشعر بحرارة الدم التي لم تعد موجودة.
تنفسه مضطرب، كأن الحلم لم ينتهِ بعد، وكأن أصابعه ما زالت مغروزة في رقبة شخصٍ لا وجود له.
جلس على السرير ببطء....
أصابع يده اليمنى ترتجف ...
وعيناه تبحثان في الظلال عن شيءٍ يعرف جيدًا أنه لم يعد هناك.
لكن اسمها...
اسمها لا يزال عالقًا على لسانه.
«رافينا...»
مرت لحظات ثقيلة قبل أن يستوعب أنه في غرفته، لا في كابوسٍ ملطّخٍ بالدماء.
من عند طرف السرير، تحرّك ظلّ أسود بخفّةٍ مدروسة.
أوبيس كان هناك ...
كما كان دائمًا ...
جالسًا على المقعد قرب النافذة.
يتأمل صاحبه بعينيه الصفراوين اللامعتين.
وحين سمع أنفاس لوسيان المضطربة، نهض ببطء..
وانساب على الأرض بخفةٍ تشبه دخانًا حيًّا.
اقترب القط حتى صار عند قدميه.
ثم قفز بخفةٍ على الفراش.
تقدّم أكثر حتى لامس صدر لوسيان.
ثم تمدد فوقه كأنه يحاول أن يطفئ اضطرابه بثقل جسده الدافئ.
مدّ لوسيان يده المرتجفة...
غاصت أصابعه في الفراء الكثيف الأسود....
وسكنت أنفاسه تدريجيًا مع خرير خرخرته....
ابتسم ابتسامة باهتة وقال بصوتٍ خافتٍ، مكسور النغمة:
-تعرف، يا أوبيس... لم يكن ذنبي، هو من بدأ...
توقّف قليلًا، نظر إلى عيني القط،فلمح فيهما ذكاءً غريبًا، ذكاءً يعرف الحقيقة.
-لكنها لم تصدقني... ولا أحد يصدقني.
خفض رأسه أكثر، حتى لامس جبينه فراء القط.
-أحيانًا أفكر أنني لو لم أحبّها... لما كنت الآن هكذا .
أوبيس يخرخر بصوتٍ أعمق، كأنه يهمس له بلغةٍ لا يسمعها أحد.
رفع لوسيان بصره نحوه وقال بابتسامة صغيرة، متعبة:
-أنت الوحيد الذي لا يخافني... ربما لأنك لا تنتمي إليهم.
وفي عيني القط اشتعل بريقٌ خافت،كأنما صدّق الجملة الأخيرة أكثر مما يجب.
سكنت أنفاسه أخيرًا، لكن عينيه ظلّتا مفتوحتين، كأن النوم نُزع منه إلى الأبد.
ببطء أبعد أوبيس عن صدره، فجلس القط عند الوسادة، يراقبه بعينيه الصفراء المتّقدتين،بينما نهض لوسيان عن السرير، خطواته الحافية تلامس الأرضية الباردة كأنها جليد نُحت من العظام.
اقترب من النافذة العالية...
سحب الستائر الثقيلة فاندفع ضوء فجرٍ شاحب من بين الغيوم الرمادية.
ضوء باهت لا يدفّئ شيئًا، بل يزيد من برودة المكان.
خارج الزجاج كانت نيفرنورث تغرق في البياض حيث
جبالها مكسوّة بالثلج حتى قممها.
والغابة السفلية تنام تحت عباءة من الصقيع،
حتى الهواء نفسه بدا كأنه متجمّد في مكانه.
وقف لوسيان يتأمل المنظر،
زفر بخارًا أبيض خرج من بين شفتيه كأنه اعتراف مؤجل،
ثم همس، بصوتٍ يحمل ثقل القرون:
-ما أبرد هذا العالم... حتى نيرانه تجمدت.
قفز أوبيس إلى حافة النافذة وجلس بجانبه، ذيله الأسود يتحرك ببطءٍ فوق الزجاج المثلّج.
مدّ لوسيان يده، مرّر أصابعه بين الفراء الكثيف،
وقال ببرودٍ عميق:
-سيأتي اليوم يا صديقي، حين تذوب هذه الثلوج... وسأذيبها بنفسي.
القط أطلق خرخرة خافتة، كأنها وعد أو تحذير،
وفي تلك اللحظة، اخترق ضوء الفجر الغائم الغرفة،
لينعكس على عيني لوسيان بلونٍ قرمزيّ خافت،
لون لا ينتمي للبشر.
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
هبَّت ريح باردة فحرّكت أطراف معطفها الصوفيّ، فيما كانت العربة السوداء بانتظارهم أمام البوّابة الشرقية للقصر.
كان الثلج لا يزال يتساقط بخفة، يذوب على الأرض المكسوّة بطبقة رقيقة من الجليد.
والخدم مصطفّون على الجانبين بوجوه جامدة.
تقدّم لوسيان أولاً، خطواته ثابتة وهادئة كعادته،
فتح باب العربة، فارتسم في ذهن كلاريس المشهد الذي اعتادت رؤيته .
حين كان والدها يمدّ يده لوالدتها قبل أن تصعد، بابتسامة دافئة تختصر كل النبل.
توقّعت للحظة أن يُعيد التاريخ نفسه،ان تمتد يده إليها ولو مجاملة.
لكنّه لم يفعل.
اعتلى العربة دون أن يلتفت،جلس في مقعده المقابل للنافذة، وعيناه معلّقتان على البياض في الخارج،كأن وجودها لم يُحسب أصلًا.
تجمّدت كلاريس في مكانها،ثم ارتسم على ملامحها عبوسٌ متحفّز،شهقت نفسًا حانقًا وسارت بخطواتٍ متزنة إلى العربة.
رفعت ذيل فستانها قليلاً وصعدت وحدها دون أن تنظر إليه.
جلست مقابله، تماسكت ببرودٍ مصطنع،
وفي داخلها كانت النار تشتعل...
نار الكرامة المجروحة، لا الغضب.
خارج العربة، وُصد الباب، وانطلقت العجلات فوق الثلج،
لتترك خلفها أثرًا طويلاً يتلاشى في البياض...
تمامًا كما تلاشى آخر أملٍ بأن يكون هذا اليوم بداية صلح بينهما.
ارتجّت العربة قليلًا وهي تشقّ طريقها بين الثلوج.
الصمت يملأ المكان، سوى صوت حوافر الخيل وهي تضرب الأرض المتجمدة بإيقاعٍ باردٍ رتيب.
جلست كلاريس مقابله، يداها في حجرها...
تُخفي ارتجاف أصابعها خلف قفّازيها المخمليين.
كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها ببطء ...
لكن الهواء داخل العربة بدا أثقل من أن يُستنشق.
رفع لوسيان نظره إليها للحظة....
ثم أعاد عينيه إلى النافذة كأن المشهد لا يستحق أكثر من نظرة عابرة.
انعكس وجهه في الزجاج ..
ملامحه كُتبت بالجليد..
جامدة ..
متقشّفة من أي دفءٍ إنساني..
قال أخيرًا بصوت منخفض لكنه حادّ كالسكين:
– أرجو أن يكون تدريب الأمس قد علّمكِ شيئًا... غير التذمّر.
رمشت بعينين مضطربتين ...
تجمّد الكلام في حلقها ثم قالت بلهجة متماسكة رغم الغضب الذي يعتمل فيها:
– بل علّمني أن أتعامل مع المتغطرسين بصبرٍ أكثر مما ظننت نفسي قادرة عليه.
ابتسم لوسيان... تلك الابتسامة التي لا تحمل أي دفء،
بل فقط ازدراءً راقياً، كما لو أنه يراقب لعبة صغيرة تحاول تقليد الكبار.
اقترب قليلًا للأمام، وأسند مرفقه إلى ركبته،
همس بصوت يكاد لا يُسمع:
– الصبر فضيلة يا آنسة كاروث...
لكنّه لا ينفع الضعفاء.
ثم استقام في جلسته مجددًا، وأدار وجهه نحو النافذة،
لينعكس الضوء الباهت على عينيه السوداوين فيبدو كأن فيهما دوّامة من ليلٍ لا نهاية له.
أمّا كلاريس فشدّت قبضتها على ثوبها كي لا تردّ،
ولم تدرك إلا متأخرة أنّها كانت تحدّق في انعكاسه في الزجاج .
وكأنها تحاول اكتشاف إن كان ما فيه إنسانًا... أم وحشًا يتقن الهدوء أكثر من القتل.
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
انفتح باب القصر الملكي على مصراعيه، واندفع هواء نيفرنورث البارد إلى البهو الذهبي الفخم.
دخل لوسيان بخطواتٍ هادئةٍ واثقة، يتبعه خدم الإمبراطورية بنظرات احترام، ثم كلاريس التي بدا على وجهها أثر السفر الطويل.
عند أسفل الدرج الرخامي، ظهر ولي العهد كايلم بابتسامته التي تجمع بين الوقار والمكر القديم.
رفع حاجبه وقال بصوتٍ يحمل نغمة ساخرة خفيفة:
-ظننت أنك فقدت إحساسك بالوقت يا لوسيان، لم أتوقع أن تصل في موعدك تمامًا... حدث نادر يستحق الاحتفال.
ضحكة خافتة خرجت من بين شفتي لوسيان وهو ينحني بخفة:
-ربما لأن من أرسل الدعوة هذه المرة لا يحتمل الانتظار... كما في طفولتنا تمامًا.
ردّ كايلم وهو ينزل الدرج ببطء:
-ولازلتَ تردّ بنفس الهدوء المزعج.
اقترب منهما ومدّ يده بحرارة نادرة بين النبلاء، صافح صديقه القديم ثم التفت نحو كلاريس بانحناءة بسيطة:
-آنسة كاروث، سُررت برؤيتك مجددًا. أليساندرا تذكرك كثيرًا، وتلومني أنني لم أستدعِك لزيارتها منذ مدة.
ابتسمت كلاريس بأدبٍ ناعم:
-أنقل لها مودّتي، سموّكم.
ثم أشار كايلم بيده ناحيتهما قائلاً بنبرة عملية:
-تعاليا، قاعة الاجتماع جاهزة. أمامنا ملف ثقيل عن مناجم داركورد... وأحتاج رأي نيفرنورث البارد كعادته.
علّق لوسيان بابتسامة جانبية:
-أتمنى ألا تذوب حرارة عاصمتكم قبل أن ننتهي من النقاش.
ضحك كايلم بخفوت وهو يسير أمامهما في الممر الطويل، بينما تبادلت كلاريس ولوسيان نظرة قصيرة — لم تكن نظرة عداء فقط، بل شيء آخر… غامض، غير مفهوم.
كانت قاعة الاجتماعات في القصر الملكي تضجّ بنقاشاتٍ جافة حول الحدود والمناجم والضرائب.
جلس كايلم في صدر الطاولة بخلفية النوافذ العالية التي تسرب منها ضوء باهت، وإلى يمينه لوسيان آشبورن بملامحه المتجمدة المعتادة، وإلى جانبه كلاريس التي جلست صامتة، تحاول أن تبدو صغيرة قدر الإمكان أمام الخرائط الممدودة والوثائق المعقدة.
قال كايلم وهو يقلب إحدى الخرائط:
-آخر التقارير من داركورد تؤكد أن المناجم الجديدة تمتد حتى تخوم نيفرنورث، لكن دوقية داركورد تزعم أن الحدود تعود لها تاريخيًا.
أجابه لوسيان بصوت هادئ لكنه يحمل حدّة مكتومة:
-داركورد تملك تاريخًا من الادعاءات، لكن الأرض كانت دائمًا ضمن سيادة نيفرنورث. لن نسمح بأن تُمسّ حدودنا، حتى لو استدعى الأمر استخدام القوة.
ابتسم كايلم بخفة، نظرة بين الجدّ والمزاح ارتسمت على محياه:
-أتعلم يا لوسيان؟ لا أحد يجيد التهديد بهذه الأناقة سواك.
لم يعلّق لوسيان، فقط نظر إليه ببرودٍ جعله يبدو وكأنه لم يسمع شيئًا.
لكن كايلم، وكعادته، لم يعبأ، بل حوّل نظره فجأة إلى الجالسة بصمت قربه وقال بنبرة مهذبة:
-يبدو أنكِ متعبة يا آنسة كاروث، اجتماعات السياسة ليست المكان الأنسب لزهور إيفرنورث الجميلة.
تصلبت ملامح كلاريس للحظة، لم تفهم إن كانت مجاملة أم سخرية، فاكتفت بابتسامة خفيفة مجاملة.
بينما كانت عينا لوسيان تتحولان ببطء نحو كايلم، نظرة قصيرة، هادئة... لكنها تحمل شيئًا لا يمكن تفسيره بسهولة.
أكمل كايلم كأنه لا يرى ذلك التوتر الخفي:
-على أي حال، نحتاج لتمثيل دوقيتك يا لوسيان في لجنة التعدين المشتركة. ستقودها بنفسك، أليس كذلك؟
«بالطبع.»
أجابه ببرودٍ لاذع، ثم أضاف بنبرة أقرب للجليد:
-وسأحرص أن لا تتحول بلاكثورد إلى ساحة نزاع كما حدث في الجنوب.
ضحك كايلم قليلًا، لكن نظرته عادت مجددًا إلى كلاريس، وكأنها استراحة بصرية من جدية الاجتماع.
حينها فقط شعر لوسيان بانقباض خفيف في صدره.
ما الذي يفعله؟ ولماذا يحدّق بها هكذا؟ ولماذا يضايقني هذا أصلًا؟
تحركت أصابعه ببطء فوق سطح الطاولة الخشبية، وكأنه يكبح شيئًا داخله.
الاجتماع استمر، والكلمات السياسية فقدت معناها في أذنيه، إذ لم يسمع سوى صوت أنفاسها بجانبه، ونظرات ولي العهد التي كانت تمرّ بينهما كل حين.
انتهى الاجتماع أخيرًا بعد ساعات من الجدل حول الخرائط والمعادن، وما إن نهض الحضور حتى تقدم كايلم بخطواتٍ واثقة نحو كلاريس.
قال بابتسامته الهادئة المعتادة:
-كان حضورك مشرفًا يا آنسة كاروث، نادرًا ما يضفي أحدٌ من إيفرنورث هذا القدر من الهدوء على قاعاتنا.
انحنى قليلًا، وأمسك يدها برفق، ثم طبع قبلة قصيرة على ظهرها علامة احترامٍ أرستقراطية.
كلاريس احمرّ وجهها على الفور، متوترة بين اللباقة والحرج.
أما لوسيان، فكان يقف على بعد خطوةٍ فقط، عيناه كجمرتين مطفأتين، يبتسم بخفّةٍ خالية من الحياة.
قال ببرودٍ مهذب:
-نشكر سموّكم على كرم الضيافة، سنغادر الآن.
ثم استدار دون انتظار ردّ، تاركًا كايلم يشيّعه بنظرةٍ غامضة لا يُدرى أهي تحدٍّ أم وداع.
سارت كلاريس خلفه في الممرّ الواسع حتى اختفى صدى خطواتهما بين الأعمدة الرخامية.
وفجأة، توقّف لوسيان دون سابق إنذار.
استدارت نحوه بدهشة، لتجده قد قبض على يدها التي لامسها وليّ العهد.
كانت أصابعه باردة، ضاغطة بخفةٍ لكنها تنطق بالكثير.
مرّر إبهامه على بشرتها ببطء، كأنه يمحو أثرًا خفيًا حيث مسح بأطراف أصابعه أثر شفتي كايلم عن يدها كما لو كان يزيل وصمة دنس. وقال بصوتٍ خافتٍ لا يحمل سوى الجليد:
-لا أظن أنّ من اللائق أن يسمح وليّ العهد لنفسه بلمس بما يخصّني.
رفعت كلاريس حاجبيها بدهشة، ثم قالت بنبرةٍ مشوبة بالاستفزاز:
-ظننتك لا تبالي ...
اقترب منها قليلًا، حتى صار صوته يلامس أنفاسها:
-لا أبالي، ما دمتِ تتذكرين لمن تنتمين.
ثم ترك يدها، وتابع سيره بخطواتٍ هادئة، بينما بقيت هي في مكانها لوهلة، تحدّق في راحة يدها التي ما تزال تشعر بحرارته رغم برود نبرته.
كان فعله عفوياً، لكن عينيه لم تحمل أي عفو.
تعلو وجهه ابتسامة باردة لا تعرف معناها هي نفسها.
لم يكن يدري لِمَ فعل ذلك… لا حبًّا، ولا غيرةً صريحة.
لكن شيئًا عتيقًا في دمه، شيئًا من جوهره المظلم كمصاص دماء...
رفض فكرة أن يلمس رجلٌ آخر ما صار – ولو سياسيًا – ملكًا له.
ربما يكرهها، نعم… وربما يتمنى لو لم يربطه القدر بها أبدًا،
لكن غرائزه الأقدم من المنطق همست له بوضوحٍ شيطانيّ:
"ما هو لي، لا يلمسه أحد."
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
كان صوت ضحكاتهم يملأ الفناء الحجريّ، يتردّد بين صدى السيوف المعلّقة.
جلس إيميل مع رفاقه الفرسان قرب الساحة، يمازحهم بمرحٍ صادق، إلى أن اقتربت خادمة بثوب رماديّ وانحنت بخفوت.
-الزجاج في جناح جلالتها الأميرة أليساندرا قد تحطّم مجددًا… يُرجى إصلاحه حالًا.
ساد الصمت بين الرفاق، واكتفوا بنظراتٍ خفية تحمل أكثر مما تقول.
نهض إيميل بهدوء، جمع معدّاته، وتبع الخادمة عبر الممرّات المضيئة بنور الصباح المتأخر.
عند الباب الكبير الموشّى بالذهب، سلّمته صندوق الأدوات ثم انسحبت.
طرق بخفة، فجاءه صوتها من الداخل، رخيمًا مألوفًا:
-تفضّل.
دفع الباب برفق، دخل الغرفة، ولمح الزجاج المحطّم يعكس أشعة الشمس.
لم يجد أحدًا...
وقبل أن يخطو خطوة أخرى، أحسّ بيدين ناعمتين تطوقان عنقه من الخلف، ودفء أنفاس يلامس عنقه.
تجمّد لحظة، ثم انحنى رأسه قليلًا نحو كتفها، فابتسم دون أن يلتفت.
ضحكت بخفة وهي تشدّ عليه أكثر، وكأنها تخشى أن يختفي.
رفع يده ببطء، ولمس أصابعها الملتفة حوله، يربّت عليها بطمأنينة، ثم همس بصوتٍ خافتٍ كأنما يخشى أن تسرقه الجدران:
-اشتقت إليكِ.
تجيبه بنغمةٍ صغيرة مرتجفة:
-وأنا أيضًا...
أفلت برفق أصابعها التي كانت تحيط بعنقه، وأدار جسده نحوها ببطء.
كانت مضطربة قليلاً من حركته، لكنّه ما إن التقت عيناها بعينيه حتى بدا كأن الزمن نفسه توقّف هناك.
مدّ ذراعيه، جذبها نحوه دون مقاومة، فتلاشت المسافة بينهما.
اختفت الأميرة أليساندرا خلف حدود ملامحه الخشنة وكتفيه العريضتين، فبدت وكأنها تنكمش داخله تمامًا.
هو أطول منها بعشر بوصات (20 سم) تقريبًا، يكسو ذراعيه أثر السنين التي حمل فيها الحديد لا الذهب، أما هي، فكانت مخلوقة من الحرير والضوء، تفوح منها رائحة العطور الإمبراطورية.
مشهدهما معًا بدا خطأً فادحًا في لوحة القدر:
أميرة الإمبراطورية، وريثة النقاء الملكيّ، بين ذراعي فارسٍ بالكاد يملك ثمن رغيف دافئ لأسرته.
ومع ذلك، في تلك اللحظة لم يكن بينهما تاجٌ ولا فقر، ولا عالمان يفصلان السماء عن التراب…
بل دفء واحد يتنفسه قلبان مذنبان، يعرفان أن هذا العناق، مهما طال، لن يُسمح له أن يعيش طويلًا.
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
جلست أليساندرا على حافة النافذة، تُدلّي قدميها بخفة وتتأرجحهما كما لو كانت تُداعب الهواء.
كانت تراقبه بصمت، عيناها تتنقلان بين ملامحه التي حفظتها عن ظهر قلب ..
الخطوط القاسية التي ترسم وجهه، واللون العسلي في عينيه الذي بدا أكثر دفئًا من وهج الموقد خلفهما.
أما هو، فكان ينزع قطع الزجاج المنكسرة بعناية، حذِرًا في لمس الحواف الحادة كما لو كانت أسرارها.
لكن بين كل لحظة وأخرى، كان يرفع نظره نحوها، تلك النظرات التي تفضح ما لا يُقال.
ابتسم أخيرًا، وهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع:
«كنت أشعر بالحماس كلما سمعْتُ أن زجاج نافذتك قد انكسر... لأن ذلك يعني أنني سأراكِ مجددًا.»
ضحكت بخفة، تقرّب وجهها منه حتى كاد أن يلمس شعرها كتفه، ثم ردّت بصوتٍ ناعمٍ يقطر صدقًا:
«وأنا، أيها الأحمق... أنا التي أكسر الزجاج كلما اشتقتُ إليك بشدة.»
توقف عن العمل للحظة، ينظر إليها بدهشةٍ خافتة، ثم ابتسم ..تلك الابتسامة الصغيرة التي تحمل وعدًا، وخطرًا في آنٍ واحد.
تجمّدت الكلمات بينهما للحظة، كما لو أن الزمن نفسه توقف احترامًا لاعترافها.
هو، الذي قضى عمره بين أوامر القادة وصخب السيوف، شعر لأول مرة أن جملة بسيطة من شفتيها كانت أوقع من ألف معركة.
ترك قطعة الزجاج التي كان يمسكها وسقطت من يده برنين خافت، ثم رفع بصره إليها ....
كانت تبتسم بخجلٍ ناعم، عيناها تهربان من نظراته لكن وجنتيها كانتا تحترقان بلون الورود.
اقترب منها ببطء، حتى غطّى ظلّه ضوء النافذة، وقال بصوتٍ أجشّ كأنه يخشى أن يوقظ الحلم من واقعه:
-أتعلمين... كنت أظن أنكِ لا تلاحظينني إلا عندما ينكسر الزجاج.
رفعت نظرها نحوه، نظرة خفيفة، مترددة لكنها مليئة بالعاطفة، فمدّ يده ومرّر أصابعه على خصلاتها بانتباه، كما لو كان يلمس شيئًا مقدّسًا لا يجوز تدنيسه.
لكن سرعان ما سحب يده، وكأن وعياً مؤلماً ذكّره من هي.
تراجع خطوة إلى الوراء، يستعيد قناع الهدوء الذي يرتديه أمام الجميع، ثم قال بابتسامة باهتة:
-يبدو أنني أصلحت كل شيء… هذه المرة حاولي ألّا تكسرينه مجددًا، جلالتك.
وقبل أن ترد، انحنى قليلًا احترامًا، جمع أدواته وخرج بخطواتٍ متزنة، تُخفي خلفها الارتباك الذي خلّفته كلماتها في صدره.
أما هي، فظلت تحدّق في الزجاج الجديد… تتمنى لو أنه تحطم مرة أخرى.
بقيت واقفة في مكانها بعد خروجه، والهواء البارد يعبث بخصلات شعرها الذهبي، كأن النافذة ترفض أن تُغلق بعد أن مرّ منها حضوره.
نظرت إلى الزجاج الجديد الذي أعاد تركيبه، كان صافياً تماماً… بلا شرخ، بلا أثر.
لكن قلبها هي ظلّ كما هو ...
مليئًا بالشقوق التي لم تُرمّمها أي يد.
اقتربت من عتبة النافذة وجلست بهدوء، كما اعتادت كل مرة بعد رحيله، وأصابعها تبحث بين بقايا الزجاج المكسور حتى وجدت قطعة صغيرة، شفافة ومسنّنة الحواف.
رفعتها إلى مستوى الضوء، فارتجف انعكاس وجهها فوقها ..
نصفه مضاء بالشمس، ونصفه الآخر غارق في الظل.
همست بخفة، كأنها تعترف لسرٍّ لا يحق لأحد أن يسمعه:
-أحمق… كنت لتحرق العالم كله لو علمت كم أحتاج أن أراك.
وضمّت الشظية الصغيرة إلى صدرها كأنها أثر منه، ثم أغلقت النافذة برفق، لتخفي في داخل القصر قصةً ما كان يجب أن تبدأ… لكنها بدأت.
✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦
أغلقت أليساندرا النافذة بهدوء، لكن لم تمضِ لحظة حتى لفت انتباهها مشهد من الحديقة أسفل جناحها.
هناك، وسط ممرٍّ من الورد الشتويّ المغطّى بطبقة خفيفة من الثلج، كانت كلاريس تسير إلى جانب لوسيان، يرافقها بصمتٍ متكبّر، بينما هي تنصت له بوجهٍ خالٍ من الملامح.
لم تستطع الأميرة أن تكبح حماسها، فتقدّمت نحو النافذة مجددًا ودفعتها لتُفتح على مصراعيها، دون أيّ اعتبار للبروتوكول أو لمكانتها الملكية.
ارتفع صوتها الصافي في أرجاء القصر، مفعمًا بالدفء والشوق:
«ريييييس!»
توقّفت كلاريس في منتصف الطريق، التفتت نحو مصدر الصوت بعينين متّسعتين من الدهشة قبل أن تشرق ملامحها بابتسامة خفيفة .
أما لوسيان، فرفع نظره إلى الأعلى ببروده المعتاد، نظرةٌ أقرب إلى الصمت المستخفّ منها إلى الردّ، بينما شعر في داخله بشيءٍ غريبٍ يضايقه دون أن يقدر على تسميته.
لوّحت أليساندرا بيدها بحماسٍ طفوليّ وهي تصيح:
-تعالي إليّ، عندي ما أريد أن أريكِ إيّاه!
ضحكت كلاريس بخفّة، ثم التفتت إلى لوسيان قائلة:
-لن أتأخر، سموّ الدوق.
لكنه اكتفى بنظرةٍ صامتةٍ طويلة، ثم قال ببرودٍ ساخرٍ دون أن يحاول إخفاء انزعاجه:
-يبدو أنّ أوامر الأميرة اشتاقت لصديقتها.
قالها، ثم أدار وجهه جانبًا بينما هي تمضي مسرعة نحو القصر، تاركًا إيّاه وحده بين الثلج ونبضٍ غامض لا يفهم سببه.
ركضت كلاريس عبر ممرّات القصر الواسعة، تنفّست هواءً دافئًا بعد صقيع الحديقة، وما إن وصلت إلى جناح الأميرة حتى فتحت الباب دون أن تنتظر إذنًا.
كانت أليساندرا تقف قرب النافذة، ما زال الحماس على وجهها، وما إن وقع بصرها على صديقتها حتى اندفعت نحوها بخفةٍ ملوّحة بيديها.
صرخت بصوتٍ مفعم بالفرح:
"ريييس!"
ضحكت كلاريس وهي تفتح ذراعيها على اتساعهما:
"اليس"
التقتا في منتصف الغرفة، واحتضنت كلٌّ منهما الأخرى بشدّة، كأنّ الغياب كان طويلاً حدّ الألم.
لم يكن في ذلك العناق أيّ أثرٍ للبروتوكول أو الرتب، فقط دفء صداقةٍ حقيقية تشقّ طبقات الحرير والتاج.
قالت أليساندرا وهي تبتعد قليلًا، تنظر إلى وجه صديقتها بعينين لامعتين:
-لا أصدق أنك هنا حقًا! كنت أعدّ الأيام منذ رحلتِ عن العاصمة.
ابتسمت كلاريس ابتسامة صغيرة لكنها صادقة، وأجابت بنبرةٍ متعبةٍ بعض الشيء:
-وأنا كنت أعدّ الأسباب لأعود.
ضحكت أليساندرا بخفة، ثم أمسكت بيدها لتجلسها قربها على الأريكة المزينة بالوسائد الزرقاء:
-أخبِريني عنكِ، عن كل شيء! سمعتُ أنكِ أصبحتِ أكثر صرامة بعد خطوبتك… هل هذا صحيح؟
نظرت إليها كلاريس من زاوية عينها، ورفعت حاجبًا ساخرًا:
-أوه، هل تقصدين أن أكون نسخة عن خطيبي البارد؟
انفجرت أليساندرا ضاحكة، وغطّت فمها بيدها وهمست بمكر:
- لوسيان هكذا منذ أن عرفته ...إذن ما زلتِ أنتِ… هذا يطمئنني.
تبادلت الاثنتان النظرات والضحكات التي غابت طويلًا، وكأنّ الوقت لم يفصل بينهما يومًا.
كانت أليس مستلقية على الأريكة الطويلة، فيما جلست ريس على الأرض قربها، وذراعاها متشابكتان حول ركبتيها.
ساد صمت قصير قبل أن تسأل أليس بصوتٍ خافتٍ وهي تحدق في السماء عبر النافذة:
-ريس... ما معنى الحب؟"
ابتسمت كلاريس وهي ترفع رأسها نحوها، ثم قالت بنبرةٍ دافئة:
-الحب يا أليس... ليس مجرد إعجابٍ بشخصٍ لأنه جميل أو قوي أو لطيف. الإعجاب يشبه النسيم، يمرّ بسرعةٍ فيحرك قلبك للحظة ثم يهدأ.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم تابعت بنظرةٍ شاردة نحو الأفق الفضي خلف الزجاج:
-أما الحب... فهو مثل المطر حين يقرر الهطول على أرضٍ واحدة، مرارًا، حتى تنبت الزهور فيها. هو رغبةٌ في البقاء إلى جانب شخص، لا لأنه كامل، بل لأنك تراه كما هو، وتختار البقاء رغم كل ما تراه.
صمتت أليس لحظة وهي تشد وسادتها الصغيرة إلى صدرها، ثم همست بخفوت:
-يعني... الحب لا يكون دائمًا جميلًا؟
ضحكت ريس بخفة، تلك الضحكة التي تشبه دفء الموقد في ليالي الشتاء، وقالت:
-أبدًا، بل في بعض الأحيان يكون مؤلمًا، لكنه الصدق الوحيد الذي لا يمكنك تزويره.
ثم نهضت واقتربت منها بخفة، ومدت يدها لتسحب خصلة من شعر أليس خلف أذنها برفق، وهمست مبتسمة:
-حين يأتي، لن تحتاجي أن تسألي إن كان حبًا أم لا... ستعرفين.
سكن الصمت بينهما لثوانٍ بعد كلمات ريس الأخيرة، لكن الابتسامة الماكرة بدأت تتسلل إلى شفتيها، لتنكز كتف أليس بخفة قائلة:
-هاه؟ ما هذا السؤال العميق يا صاحبة السمو؟ هل الأميرة الهادئة واقعة في حب شخصٍ ما؟
اتسعت عينا أليس قليلًا وهي ترد بسرعة، متلعثمة قليلًا:
-ماذا؟ لا! بالطبع لا، أنا فقط كنتُ... أُفكر.
لكن ريس لم تقتنع، مائلة برأسها نحوها، وابتسامة الفضول تتسع أكثر:
-تفكرين؟ أهذا ما يسمّونه التفكير هذه الأيام؟
ثم اقتربت منها أكثر، ووضعت يدها على ذقنها بخبثٍ ظريف:
-أليس... عيناكِ لا تكذبان أبداً، هيا اعترفي.
أدارت أليس وجهها بسرعة للجانب محاولة إخفاء احمرار وجنتيها، لكن ريس لم تتوقف عن الإلحاح، فتضرب الوسادة بخفة وهي تقول ضاحكة:
-سأعدّ إلى ثلاثة فقط! واحد... اثنان—
فصرخت أليس بانفعالٍ طفوليٍ غاضب:
-إنه إيمييل! أنا واقعة بحب إيمييل!
سكتت ريس فجأة، وكأن الهواء تجمّد بينهما.
ثم مالت برأسها قليلًا، ترفع حاجبها في دهشة:
-إيميل؟ من يكون هذا الأمير المحظوظ؟
خفضت أليس نظراتها، وصوتها يخرج بخفوتٍ أقرب للهمس:
-إنه... فارس، يعمل أحيانًا في إصلاح الزجاج.
خيم الصمت من جديد، لكن هذه المرة ثقيلاً، حتى أن أليس شعرت بأن قلبها توقف للحظة.
تراجعت ريس قليلًا، ووجهها لا يُقرأ، بين الدهشة والاستيعاب:
"فارس!؟!؟"
همست ببطء، ثم ضحكت بخفةٍ مصدومة وهي تضع يدها على جبينها:
-أنتِ... أميرة الإمبراطورية، وتقعين في حب فارس؟! ماذا تفعلين بحق السماء يا أليس...
لكن رغم صدمتها، لم تكن في ضحكتها سخرية، بل مزيج من الذهول والقلق والحنان الذي تحاول إخفاءه.
ساد الصمت لثوانٍ، لم يكن صمتًا محرجًا، بل أشبه بهدوءٍ يسبق الانفجار.
أليس كانت تحدّق في الأرض، وكأنها تتهيّب ردّ صديقتها، بينما ريس ما تزال تستوعب ما سمعت لتوّها.
أخيرًا، قالت ريس بهدوءٍ نادر على طبعها:
-أليس... هل تدركين ما تقولين؟ أنتِ أميرة الإمبراطورية، وحبك لفارس قد يدمّر كليكما إن كُشف.
رفعت أليس رأسها ببطء، ونظراتها ممتلئة بتصميمٍ غريب لم تره ريس فيها من قبل.
-أعلم. لكنني لا أستطيع التوقف عن حبّه، ريس.
ابتسمت بخفةٍ حزينة، ثم تابعت بصوتٍ متردد:
-هو لا يعاملني كأميرة... بل كفتاةٍ عادية. يراني، يسمعني... لا يخاف مني. عندما يبتسم أشعر أن العالم بأكمله يتلاشى من حولي.
لم تردّ ريس فورًا، بل بقيت تحدق بها طويلًا، قبل أن تتنهد وتغطي فمها بيدها متصنّعة الغضب:
-يا للجنون... يبدو أن أميرة الإمبراطورية فقدت عقلها حقًا.
ثم نظرت إليها بعينين أكثر دفئًا، تضيف بابتسامة خفيفة:
-لكن من أنا لأمنعك من الحب؟... طالما أنه يجعلك سعيدة، فسرّك في أمانٍ معي.
أضاء وجه أليس فرحًا، فقفزت لتعانق ريس بقوة حتى كادت تخنقها وهي تضحك.
-كنت أعلم أنكِ ستفهمينني!
ضحكت ريس أيضًا وهي تحاول التنفس:
-حسنًا، حسنًا! لكن بشروط! في المرة القادمة... أريد أن أراه بعيني.
تراجعت أليس للخلف بسرعة وهي تشير إليها محذّرة بنبرة نصف جادّة نصف ضاحكة:
-لا تفكّري حتى في إطالة النظر إليه، مفهوم؟ إنه لي وحدي!
تجمدت ريس للحظة، ثم انفجرتا الاثنتان بالضحك، ضحكة صافية صاخبة ملأت الغرفة، كأنهما نسيتا للحظة كل القيود التي تحكم العالم خارج جدرانها.
نظرت ريس من النافذة، ورأت الثلوج تتساقط برقة على حدائق القصر، فتذكّرت العالم الخارجي بكل قيوده، فتساءلت بخفاء: كم سيكون صعبًا الحفاظ على سرّ هذا الحب وسط كل هذا البذخ والسلطة؟
أمسكت أليس بيدها للحظة، ثم أومأت بابتسامة حنونة، وكأنها تقول:
"مهما كان، سيبقى سرنا بيننا."
وفي الخارج، بريق الثلج على النوافذ المكسورة يعكس ضوء الشمس، وكأن العالم كله يحتفل بالحب المحظور، الصغير والعظيم في آنٍ واحد.
-نهاية الفصل الثالث-
▪إلى كل من عاش معي أحداث الفصل الرابع، وابتسم وتأثر واحتبس أنفاسه مع تقلبات هذا العالم…
▪شكرًا لأنكم منحتموني وقتكم ومشاعركم، وشكرًا لأنكم كنتم الرفاق الأجمل في هذه الرحلة.
▪أعدكم أن الفصول القادمة ستأخذكم إلى أعماق أكثر إثارة، حيث تتشابك الخيوط وتتصاعد المفاجآت، وتنكشف أسرار لم يكن أحد يتوقعها.
والآن أخبروني…
كيف كان لقاء كلاريس ولوسيان في التدريب؟
ماذا لو كنتم مكان كلاريس، كيف ستواجهون نظرات لوسيان الساخرة وغروره؟
كيف وجدتم شخصية كلاريس بين الكبرياء والخوف والبرود الظاهري؟
كيف وجدتم علاقة إيميل و أليسندرا . وهل أعجبكم حديث ريس و اليس عن الحب وأسرار القلوب؟
ماذا عن جيمس و ليلى .. هل ماسيفعلونه مفيد حقا ؟
وأخيرًا، هل أعجبكم استقبال ولي العهد كايلم لهم، وكيف ظهرت الغيرة الخفية للوسيان؟
_عدد الكلمات هو :7226 كلمة
وتذكروا دائمًا… "أنتم نبض هذه الحكاية ، و لكم تنبض سطورها "
▪أحبكم ♡ يا نجومي ☆
-كاتبتكم آريا♤-
ar._ya