ما إن خرجت كيرا من الممر الجبلي الضيق حتى انفتحت أمام إيڤ أرض شاسعة جعلتها تحبس أنفاسها للحظة.
امتدت فالكورا تحت ضوء السماء الذهبية كعالمٍ كامل مخبأ خلف الجبال. سهول واسعة غطاها العشب الذي يتحرك مع الرياح كأمواج بحر هادئ، وقرى حجرية متناثرة بين التلال، تتصاعد من مداخنها خيوط الدخان الدافئة.
كانت هناك حياة في كل مكان، أطفال يركضون بين الأزقة الضيقة، تجار يعرضون أدوات غريبة تتوهج بألوان خافتة، وفرسان يمتطون مخلوقات لم ترَ إيڤ مثلها من قبل، لكن أكثر ما جذب انتباهها كان السحر.
رأت امرأة تمر بجانب نافورة وهي تحرك يدها فقط، فارتفعت المياه في الهواء على شكل طيور صغيرة شفافة قبل أن تتلاشى. وفي الساحة البعيدة كان شابان يتدربان، تتطاير الشرارات الزرقاء بين أيديهما وسط هتافات الآخرين.
اتسعت عينا إيڤ بدهشة.
_"كل هؤلاء… سحرة؟"
أجابها كايل بينما تتابع كيرا السير وسط الطريق الحجري:
_"معظمهم."
مر كيرا بين القرى حتى بدأت المباني تقل تدريجيًا، ليظهر في أعلى التلة بناء ضخم محاط بأشجار عالية وأسوار حجرية قديمة. كان قصرا قديما، نوافذه الطويلة مضاءة، وأصوات الانفجارات الخفيفة والضحكات تصل حتى الخارج، وما إن اقتربوا أكثر حتى رأت عشرات الأشخاص في الساحة الأمامية يتدربون، بعضهم يطلق النار من راحتيه، وآخرون يرسمون رموزًا مضيئة في الهواء، بينما كان آخرون يتبارزون بسيوف تتوهج بالطاقة.
توقفت كيرا أمام البوابة الحديدية الضخمة.
هبط كايل أولًا ثم مد يده إليها.
_"انزلي."
نظرت إيڤ إلى المكان بتوتر.
_"ما هذا المكان؟"
رفع كايل عينيه نحو القصر قبل أن يقول:_"من الآن فصاعدًا… هذا هو المكان الذي ستتعلمين فيه كيف تبقين على قيد الحياة."
-"كيف؟"
_"ستسجلين في هذه المدرسة وسأدربك وسأكون أستاذك بعد أن نقوم بإزالة الختم عنك"
فتح الحرس البوابة الحديدية الضخمة ببطء، مُصدرة صوتًا عميقًا ارتجت له الأرض تحت قدميها، وما إن انفتحت بالكامل حتى اتسعت عينا إيڤ بدهشة حقيقية. لم يكن المكان مجرد قصرٍ قديم كما ظنت، بل مدرسة لتعلم السحر، امتدت الساحات الحجرية الواسعة أمامها، تتصل بمبانٍ ضخمة ذات أبراج عالية ونوافذ مضيئة باللون الذهبي، جسور معلقة تربط بين الأبنية المرتفعة، بينما تدفقت المياه عبر قنوات رخامية تشق المكان بهدوء، وفي كل زاوية كان السحر حاضرًا، طلاب يرتدون أردية بألوان مختلفة يتدربون في الساحات، بعضهم يتحكم بالنار، وآخرون يرفعون الصخور في الهواء، بينما كانت مجموعة تقف تحت شجرة عملاقة ترسم رموزًا مضيئة تدور فوق رؤوسهم، حتى السماء فوق المدرسة لم تكن طبيعية، دوائر سحرية شفافة تتحرك ببطء فوق الأبراج، كأنها تحمي المكان بالكامل. شعرت إيڤ بأنها دخلت عالمًا آخر، مرّت بجانبها فتاة تحمل كتبًا تطفو حولها في الهواء، بينما ركض فتى عبر الساحة تاركًا خلفه شرارات زرقاء مع كل خطوة.
همست إيڤ بذهول: _"كم عدد السحرة هنا…؟"
_"أكثر مما تتخيلين."
بدأ كايل السير عبر الممر الرئيسي، والطلاب يبتعدون عن طريقه فور رؤيته. بعضهم كان يهمس باسمه، وآخرون ينظرون إليه بتوتر واضح.
لاحظت إيڤ ذلك فورًا. _"يبدو أنهم يخافون منك."
ابتسم كايل ابتسامة خفيفة دون أن ينظر إليها. _"ويفترض بكِ أنتِ أيضًا."
_"ولماذا؟"
_يمكنك أن تسأليهم بنفسك وبهذا تعرفين السبب"
وقبل أن ترد، توقف فجأة أمام الدرج الرخامي الضخم المؤدي إلى المبنى الرئيسي.
هناك… كانت تقف امرأة طويلة ترتدي رداءً أسود مطرزًا بخيوط فضية، وشعرها الأبيض الطويل يتحرك مع الرياح بهدوء. لكن عينيها كانتا مثبتتين على إيڤ منذ اللحظة الأولى. تجمدت إيڤ مكانها دون سبب مفهوم، بينما قالت المرأة بصوت هادئ لكنه حاد:
_"إذًا… وريثة فالمير وصلت أخيرًا."
_"نعم أنا إيڤ وريثة فالمير"
نظرت حولها بتوتر، لتتفاجأ بأن الساحة التي كانت مليئة بالطلاب قبل لحظات قد خفتت أصواتها تدريجيًا. الجميع توقفوا عن الحركة. بعضهم كان يحدق بها بصدمة، وآخرون بدأوا يتهامسون بخوف واضح.
_"وريثة فالمير…؟"
_"هل هذا حقيقي؟"
_"ألم يقولوا أنها ماتت؟"
_"ألم تنتقل عبر ألار؟"
_"كيف عادت؟"
_"ستصبح تلميذتنا ابتداءا من صباح الغد"
_"حسنا سنقوم بالإجراءات اللازمة لدلك"
_"شكرا لك انسة لوسي"
أومأت برأسها وابتسمت له ثم استدارت لتصعد عبر السلالم وفي هده الاثناء استدار كايل بدوره نحو الطلاب ليقول بصوته الخشن:
_"فليذهب الجميع لفصله الان!"
ساد صمت ثقيل لثوانٍ، قبل أن ينتفض الطلاب فجأة وكأنهم استيقظوا من تعويذة.
_"لكن يا أستاذ... "
لم يكمل صاحب الصوت جملته فقد رفع كايل حاجبًا واحدًا فقط، فابتلع الطالب كلماته فورًا وتراجع خطوة إلى الخلف.
_"قلت إلى فصولكم."
هذه المرة لم يعترض أحد، بدأ الطلاب يتفرقون على عجل، لكن نظراتهم ظلت معلقة بإيڤ. بعضهم كان يرمقها بفضول، وآخرون بخوف، بينما بدت على وجوه قلة منهم ملامح عداء واضح.
شعرت إيڤ بانقباض في صدرها.
كل ما كانت تريده هو الوصول إلى مكان آمن، لكنها أصبحت الآن محط أنظار المدرسة بأكملها.
تنهد كايل بضيق وهو يراقب آخر الطلاب يغادرون الساحة، ثم التفت إليها.
_"تعالي، سأريك مكان إقامتك."
ثم استدار متجهًا نحو المبنى الرئيسي. تبعته بصمت عبر الساحة الواسعة. كان القصر من الداخل أكبر مما بدا من الخارج، وممراته الطويلة تعج بالطلاب والأساتذة. وكلما مرّت بجانب أحدهم شعرت بالنظرات تلاحقها من كل اتجاه.
_"إنها هي..."
_"وريثة فالمير..."
_"أليست تلك التي اختفت؟"
تجاهلت الهمسات قدر استطاعتها، لكنها كانت تسمع كل كلمة. وأخيرًا وصلا إلى جناح هادئ بعيد عن ضوضاء المدرسة. توقف كايل أمام باب خشبي كبير ودفعه ليفتح، كانت الغرفة متوسطة الحجم، تضم سريرًا كبيرًا ومكتبة ممتلئة بالكتب وشرفة تطل على جزء كبير من أراضي المدرسة.
دخلت إيڤ ببطء وهي تتفحص المكان.
_"هذه الغرفة لي؟"
_"مؤقتًا."
رفعت إيڤ حاجبها باستغراب.
_"مؤقتًا؟"
أومأ كايل برأسه وهو يتجه نحو النافذة.
_"حتى يتم تحديد الفصيل الذي ستنضمين إليه."
_"الفصيل؟"
استدارت نحوه.
_"ألا يدرس الجميع معًا؟"
_"الدروس العامة نعم، لكن لكل فصيل جناحه الخاص وسكنه الخاص."
نظرت إليه بعدم فهم.
_"وكم عدد الفصائل هنا؟"
_"خمسة."
اقتربت من المكتبة وهي تمرر أصابعها فوق أغلفة الكتب القديمة.
_"وكيف يتم اختيار الفصيل؟"
ساد صمت قصير قبل أن يجيب:
_"الفصيل هو من يختارك."
التفتت إليه فورًا.
_"هذا لا يفسر شيئًا."
لأول مرة منذ وصولهما بدا وكأنه يحاول كبح ابتسامة.
_"لابأس سأشرح كل شيء لك غدا"
تنهدت بضيق وجلست على حافة السرير.
كانت الرحلة الطويلة والأحداث المتلاحقة قد استنزفتها بالكامل.
منذ أيام قليلة فقط كانت تحاول النجاة بحياتها، أما الآن فهي في مدرسة سحرية لا تعرف عنها شيئًا، والجميع ينظر إليها وكأنها لغز حي.
_"وهل سيعاملني الآخرون بشكل طبيعي؟"
رفع كايل نظره عنها.
_"لا."
أجابه بكل بساطة.
تأففت وهي ترمي وسادة صغيرة نحوه.
التقطها بسهولة قبل أن تصله.
_"كنت أتمنى أن تكذب هذه المرة."
_"وأنا لا أكذب."
ثم وضع الوسادة مكانها واستدار نحو الباب.
_"ارتاحي الليلة. غدًا سيكون يومًا طويلًا."
_"إلى أين أنت ذاهب؟"
_"لإكمال إجراءات تسجيلك."
توقف للحظة عند الباب قبل أن يضيف:
_"وحاولي ألا تثيري المشاكل قبل بداية الدراسة."
حدقت فيه بذهول.
_"أنا؟ أنت تتصرف وكأنني كارثة متنقلة."
_"لأن التجارب السابقة لا تطمئن."
_"هذا ظلم."
لكن الباب كان قد أغلق بالفعل.
بقيت إيڤ وحدها في الغرفة، فتنهدت واستلقت على السرير وهي تحدق في السقف، ولم تدرك متى بدأت الدموع تتجمع في عينيها، حاولت أن تحبسها، أن تتظاهر بأنها بخير كما فعلت طوال الأيام الماضية، لكن الأمر كان أكبر من قدرتها على التحمل، انهمرت الدموع بصمت على وجنتيها، كل شيء حدث بسرعة كبيرة، قبل فترة قصيرة كانت تعيش حياة عادية، ثم وجدت نفسها مطاردة، تتنقل من مكان إلى آخر، تسمع عن قوى لا تفهمها وأسرار لم تخبر بها قط، والآن هي في مدرسة غريبة، بين أشخاص لا تعرفهم، كانت تبدو غريبة بينهم ووحيدة تمامًا.
أغمضت عينيها لبرهة، لكن الكلمات التي سمعتها طوال اليوم عادت تتردد في رأسها.
_"وريثة فالمير..."
_"هل هذا حقيقي؟"
_"ألم تختفِ؟"
فتحت عينيها بسرعة، كانت تكره ذلك اللقب، الجميع يتحدث عن وريثة فالمير، عن الفتاة التي يفترض أن تكونها، لكن لا أحد يسألها من تكون كإيڤ فقط دون ذلك اللقب. جلست ببطء على حافة السرير وأخفضت رأسها، ثم شعرت بغصة تخنقها، فمنذ أن بدأت هذه الأحداث وهي تحاول أن تبدو قوية، تحاول أن تتماسك أمام كايل وأمام الجميع.
لكنها كانت متعبة، متعبة جدًا، انزلقت دمعة على خدها دون أن تشعر، تبعتها أخرى، ثم أخرى، رفعت يدها بسرعة تمسحها وكأن أحدًا يراها.
_"كم هذا سخيف..."
همست بصوت مبحوح، لكن الدموع لم تتوقف، احتضنت ركبتيها إلى صدرها وانحنت قليلًا. لم تكن تبكي خوفًا من المدرسة ولا من الطلاب بل من المجهول الذي ينتظرها، من الأسرار التي تُخفى عنها، ومن الشعور بأنها تُسحب نحو مصير لم تختره بنفسها.
عضّت شفتها محاولة كتم شهقة خرجت رغمًا عنها، ثم دفنت وجهها بين ذراعيها وتركت الدموع تنهمر بصمت.
وفي تلك اللحظة لم تكن وريثة فالمير...
ولا صاحبة قوة أسطورية...
بل مجرد فتاة وجدت نفسها فجأة في عالم أكبر بكثير مما تستطيع احتماله.
ومع مرور الوقت خفّ ارتجافها شيئًا فشيئًا، حتى استندت إلى الوسادة مجددًا، وعيناها مثقلتان بالتعب.
في النهاية، لم تعد تقاوم بل استسلمت للنوم بينما ما زالت آثار دموعها على وجنتيها.
في الصباح، تسللت أشعة خفيفة من نافذة الغرفة لتوقظ إيڤ تدريجيًا. فتحت عينيها بصعوبة، وجلست على السرير وهي تمسح وجهها ببطء. وتتذكر أحداث الليلة الماضية وبينما كانت على وشك النهوض سمعت صوت دق الباب.
_"من؟"
_"هذا أنا كايل"
_"ادخل"
انفتح الباب، ودخل كايل دون تردد.
كان يحمل بين ذراعيه طقمًا من الملابس مطويًا بعناية، ومعه عباءة داكنة اللون تحمل شعار الأكاديمية.
تقدّم نحوها ووضعها على طرف السرير.
_"ما هذه؟"
_"بما انك جديدة هنا فقد حرصت المدرسة على أن تهديك بعض الملابس كهدية لقبولك والعباءة هي الزي المدرسي الموحد ارتداؤها إلزامي لكل الطلاب"
_"حسنا شكرا لك"
_"ارتدي ملابسك بسرعة سأنتظرك أمام الباب، وقت الافطار سنتجه لقاعة الطعام"
أومأت ثم نهضت من السرير لتفعل ما قيل لها أما هو فاستدار وخرج من الغرفة ينتظرها أمام الباب.
مرّت دقائق قليلة قبل أن يُسمع صوت الباب يُفتح مجددًا، خرجت إيڤ من الغرفة بعد أن ارتدت الزي الجديد. كانت العباءة الداكنة تنسدل حولها بهدوء، وشعار الأكاديمية المطرز على صدرها بشعار صغير وفي ظهرها بشعار كبير.
رفع كايل نظره نحوها للحظة، ثم أومأ برأسه.
_"مناسب."
_"هذا كل ما ستقوله؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
_"أفضّل أن أقول إنك لن تلفتي الانتباه كثيرًا الآن."
_"هذا يفترض أن يكون مجاملة؟"
_"في هذه المدرسة؟ نعم."
لم يمنحها فرصة للرد، بل استدار وبدأ بالسير عبر الممر الطويل، تبعته وهي تنظر حولها بفضول، كان الجناح الداخلي للأكاديمية فخمًا بصورة غير متوقعة، جدران حجرية ناعمة، نوافذ عالية ملوّنة، وثريات سحرية معلقة في السقف تبعث ضوءًا أزرق هادئًا. وكلما اقتربا من الطابق الرئيسي بدأت أصوات الطلاب تصل إليهما، ضحكات وأحاديث.
ثم وصلا إلى بابين ضخمين من الخشب الأسود، دفع كايل أحدهما فانفتحت قاعة الطعام أمامها، تجمدت في مكانها للحظة، كانت القاعة هائلة الحجم، تمتد عشرات الأمتار، وصفوف الطاولات الطويلة تملأ المكان. مئات الطلاب كانوا يجلسون ويتحدثون ويتناولون إفطارهم، لكن ما إن دخلت حتى بدأ الصمت ينتشر تدريجيًا، طالب تلو الآخر، طاولة تلو الأخرى، حتى خفتت الأصوات بشكل ملحوظ، شعرت بعشرات العيون تستقر عليها، همسات خافتة بدأت تتردد في أنحاء القاعة.
_"أليست هي الفتاة الجديدة؟"
_"هذه التي وصلت أمس..."
_"سمعت أنها جاءت مع الأستاذ كايل شخصيًا."
_"غريب..."
حاولت تجاهلهم ومتابعة السير، لكن أحد الطلاب الجالسين قرب الممر رفع صوته عمدًا كي يسمعه الجميع.
_"إذن هذه هي الطالبة الجديدة؟"
التفتت نحوه، كان شابًا أشقر يرتدي عباءة الأكاديمية بإهمال واضح، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة.
نظر إليها من رأسها حتى قدميها ثم قال:
_"تبدو عادية جدًا."
ضحك بعض من حوله، ثم اسند ذقنه على يده وأكمل بنبرة ساخرة:
_"كنت أتوقع أكثر من ذلك، كل هذه الضجة منذ الأمس، وفي النهاية ليست سوى طالبة جديدة ضعيفة."
ساد بعض الهمس في القاعة.
_"ربما بالغت الشائعات في وصفها."
_"أو ربما لا تملك شيئًا مميزًا أصلًا."
ارتفعت ضحكات خافتة من الطاولة، توقفت خطواتها ببطء، واستدارت نحوه.
_"هل انتهيت؟"
ابتسم بثقة.
_"لا، ما زلت أحاول معرفة سبب اهتمام الجميع بك."
ثبتت نظرها عليه للحظة طويلة قبل أن تقول:
_"وأنا أحاول معرفة سبب اعتقادك أن رأيك مهم لهذه الدرجة."
انضم صوت ثالث حاد
_"كفى!"
ساد الصمت حولهما فورًا، واختفت الابتسامة عن وجهه تدريجيًا.
التفت الجميع نحو كايل الذي كان يقف على بعد خطوات منهما، وعيناه مثبتتان على الطالب.
ابتلع الشاب ريقه وقال بسرعة:
"أنا آسف، أستاذ كايل."
ظل كايل صامتًا لثوانٍ، ثم قال ببرود:
"هل انتهيت من إفطارك؟"
ارتبك الطالب من السؤال المفاجئ.
_"ن... نعم."
_"جيد."
رفع كايل يده وأشار نحو باب القاعة.
_"إذن لديك وقت كافٍ لتنظيف ساحة التدريب الغربية."
شهق بعض الطلاب، أما الشاب فشحب وجهه.
_"لكن أستاذ، أنا... "
_"هل طلبت رأيك؟"
تجمدت الكلمات في حلقه.
_"لا."
"إذن ابدأ قبل أن أضيف الأسبوع المقبل أيضًا."
انخفض رأسه فورًا.
_"مفهوم."
غادر مقعده وسط نظرات الشماتة من زملائه، بينما عاد الهمس ينتشر في القاعة من جديد.
أما كايل فلم ينظر إليه حتى وهو يغادر.
التفت إلى الفتاة وقال بنبرة هادئة:
_"تعالي، اختاري كرسيا وتناولي افطارك."
أومأت وتقدمت بين الطاولات بينما عادت القاعة تدريجيًا إلى ضجيجها المعتاد، اختارت مقعدًا فارغًا قرب إحدى النوافذ وجلست دون أن تقول شيئًا، وضعت بعض الطعام في طبقها. أما كيل فاتجه نحو المنصة المرتفعة في مقدمة القاعة، حيث وُضعت طاولة طويلة يجلس خلفها الأساتذة، صعد الدرجات القليلة بخطوات هادئة، ثم وقف في المنتصف، لم يرفع صوته كثيرًا، ومع ذلك وصل صوته إلى أنحاء القاعة كلها.
_"أيها الطلاب والأساتذة"
ساد الصمت تدريجيًا، والتفتت إليه عشرات الرؤوس، وتوقفت الأحاديث تمامًا، ألقى كايل نظرة على القاعة قبل أن يقول:
_"قبل أن تبدأ الحصص، هناك أمر يجب أن تعرفوه."
ثم وجه نظره نحوها، شعرت فجأة بأن جميع الأنظار انتقلت إليها.
_"كما يعلم معظمكم، انضمت إلى الأكاديمية طالبة جديدة."
توقف لثانية، ثم أعلن اسمها بوضوح وعيناه مثبتتان عليها:
"إيڤ."
انتشرت الهمسات بين الطلاب من جديد، بعضهم كان يسمع الاسم للمرة الأولى، وآخرون بدوا وكأنهم كانوا ينتظرون سماعه، أما كايل فأكمل بهدوء:
_"اعتبارًا من اليوم، ستكون زميلتكم في الدراسة."
ثم نظر إلى الطلاب نظرة جعلت الهمسات تتوقف بسرعة.
_"وأتوقع أن تُعامل كما يُعامل أي طالب آخر في هذه الأكاديمية."
ساد الصمت، ثم أضاف:
_"هذا كل شيء."
كانت تشعر أحيانًا بنظرات الفضول تتجه نحوها، لكن ما إن تلتقي عيناها بأحدهم حتى يعود إلى حديثه أو طعامه وكأن شيئًا لم يكن.
مرت دقائق في هدوء.
ثم جلست فتاة على المقعد المقابل لها بعد أن ترددت قليلًا.
_"أنتِ الطالبة الجديدة، صحيح؟"
رفعت رأسها.
_"نعم."
_"أنا ميرا."
صمتت للحظة ثم أضافت بابتسامة صغيرة:
_"لا تهتمي بآدم، إنه يتصرف هكذا مع الجميع."
ألقت نظرة سريعة نحو الطاولة البعيدة التي كان الشاب الأشقر يجلس عندها قبل قليل.
_"لم أكن أهتم أصلًا."
بدت الدهشة على وجه ميرا قبل أن تضحك بخفة.
_"جيد. لأن تجاهله أسهل من الاستماع إليه."
وقبل أن يطول الحديث، دوى جرس قوي في أنحاء القاعة.
توقف الطلاب عن الكلام فورًا تقريبًا، وبدأ الجميع يجمعون أغراضهم ويغادرون أماكنهم، عقدت حاجبيها باستغراب.
_"بهذه السرعة؟"
نهضت ميرا وهي تحمل حقيبتها.
_"أول يوم لكِ، أليس كذلك؟"
_"نعم."
_"إذن استعدي."
_"لماذا؟"
ابتسمت ميرا ابتسامة غامضة وهي تتجه نحو الباب.
_"لأن الحصة الأولى هي أكثر حصة يكرهها طلاب السنة الأولى."
ثم غادرت مع بقية الطلاب.
أما هي فبقيت جالسة لثانية، تنظر إلى القاعة التي بدأت تفرغ بسرعة.
قبل أن تسمع صوت كايل خلفها:
_"انتهيتِ من الإفطار؟"
_"تقريبًا."
_"جيد."
التقط معطفه من على الكرسي.
_"إذن حان وقت أن تكتشفي سبب كرههم للحصة الأولى."
سارت خلف كايل عبر عدة ممرات حتى وصلا إلى جناح هادئ يقع في أحد أطراف الأكاديمية، لم يكن فصلًا دراسيًا ولا قاعة تدريب، بل غرفة واسعة تشبه مكتبًا إداريًا فاخرًا به أرفف مليئة بالملفات، خرائط معلقة على الجدران ومكتب خشبي ضخم يتوسط المكان. دخل كايل أولًا ثم أشار إلى الكرسي المقابل له.
_"اجلسي."
جلست وهي تنظر حولها باستغراب، أما هو فجلس خلف المكتب وفتح ملفًا فارغًا وأمسك قلمًا ثم رفع عينيه إليها.
_"سنبدأ بالإجراءات الرسمية."
_"إجراءات؟"
_"ملفك الشخصي في الأكاديمية."
تنهدت.
_"حسنًا."
بدأ يكتب.
"العمر."
أجابته.
-"19سنة"
"زمرة الدم؟"
_"زمرة دمي B+
_"هل لديك حساسية من أي مواد أو أدوية؟"
_"إصابات سابقة؟"
استمرت الأسئلة لعدة دقائق وكان يدوّن كل شيء بدقة غريبة. حتى إنها بدأت تشعر وكأنها تخضع لتحقيق لا تسجيل أكاديمي، وأخيرًا أغلق الملف.
_"انتهينا."
تنفست براحة، لكن كايل لم يبدُ وكأنه انتهى بل وقف ببطء من خلف المكتب، فرفعت حاجبها.
_"ماذا الآن؟"
نظر إليها مباشرة.
_"السبب الحقيقي لإحضارك إلى هنا."
ساد الصمت.
ثم أخرج من جيبه سلسلة فضية رفيعة تتدلى منها قطعة معدنية سوداء، وفي اللحظة التي ظهرت فيها شعرت بحرارة غريبة داخل صدرها، اتسعت عيناها.
_"ما هذا؟"
_"سأزيل الختم."
تجمدت في مكانها.
_"الختم الذي يقيد قوتك."
وقف أمامها مباشرة.
_"منذ سنوات وقوتك مقفلة خلفه."
_"وستزيله الآن؟"
_"جزءًا منه فقط."
ارتفع التوتر في الغرفة فورًا، رسم كايل عدة رموز مضيئة في الهواء بيده، ثم رفع القطعة المعدنية نحوها.
فجأة...
اشتعل الضوء الأسود المنبعث من الختم، شعرت إيڤ بألم حاد يخترق صدرها، فشهقت وتراجعت خطوة، لكن الألم لم يتوقف، بل ازداد، وكأن شيئًا كان نائمًا في أعماقها يحاول الاستيقاظ بالقوة، بدأت العلامة المختومة قرب قلبها تتوهج من تحت ملابسها، ضوء ذهبي قوي.
ثم أقوى.
ثم أقوى.
اهتز الهواء داخل الغرفة وتناثرت الأوراق فوق المكتب، ارتجفت النوافذ، أما عينا إيڤ فبدأ لونهما يتغير تدريجيًا.
من لونهما الطبيعي إلى بريق ذهبي مخيف، شعرت بطاقة هائلة تتدفق في عروقها، طاقة لم تختبرها في حياتها.
وكأن بحرًا كاملًا من القوة كان محتجزًا خلف باب مغلق، وبدأ الباب يتشقق أخيرًا، شد كايل قبضته.
_"سيطري عليها!"
_"أنا لا أعرف كيف! "
كانت القوة تخرج أسرع مما توقع، ارتفع جسد إيڤ عدة سنتيمترات عن الأرض دون أن تشعر، أحاطها ضوء ذهبي كثيف، وأخذ الهواء يدور حولها كعاصفة صغيرة.
_"سيطري عليها!"
_"لا أستطيع!"
صرخت وهي تبكي.
_"لا أستطيع... لا أستطيع...!"
ثم جاء الانفجار، ليس انفجارًا حقيقيًا، بل موجة هائلة من الطاقة اندفعت من جسدها في جميع الاتجاهات، ارتطم كايل بالحائط بقوة، وانطفأت كل الرموز السحرية دفعة واحدة.
أما إيڤ...فشعرت بشيء ينكسر داخلها، قيد، سلسلة، باب مغلق منذ سنوات وفجأة انفتح جزء منه، في اللحظة التالية اندفعت قوة مرعبة عبر جسدها، قوة أكبر من أن يستوعبها إنسان عادي، صرخت حتى بحّ صوتها، ثم بدأ الدم ينزف من أنفها، ارتجفت يداها بعنف، وأصبحت رؤيتها مشوشة.
_"كايل..."
خرج اسمه بصعوبة، ثم فقدت الإحساس بساقيها فسقطت للأمام، وفي آخر لحظة وصل إليها كايل وأمسكها قبل أن ترتطم بالأرض، كانت ترتجف بين ذراعيه، حرارتها مرتفعة بشكل مخيف، وأنفاسها سريعة وغير منتظمة.
مرت ثلاثة أيام ولم تستيقظ.
استلقت على سريرها في جناح العلاج بالأكاديمية بينما بقي الأطباء والمعالجون السحريون يدخلون ويخرجون باستمرار، السبب لم يكن إصابة بل الصدمة، جسدها لم يعتد أبدًا على هذا القدر من القوة، كان الأمر أشبه بإجبار شخص لم يركض في حياته على قطع مئات الكيلومترات دفعة واحدة، في اليوم الرابع بدأت حرارتها ترتفع، وفي اليوم الخامس أصابتها حمى شديدة، كانت تستيقظ أحيانًا لثوانٍ ثم تعود للإغماء، أما كايل فكان يزور الغرفة يوميًا.
يقف بصمت قرب النافذة ويتأكد من أن حالتها مستقرة قبل أن يغادر.
وفي مساء اليوم السابع...
تحركت أصابعها أخيرًا ثم فتحت عينيها ببطء، شعرت بأن جسدها أثقل من الجبال حتى رفع يدها كان مرهقًا، لكن أكثر ما أخافها لم يكن الضعف، بل ذلك الإحساس الجديد في أعماقها، إحساس بأن شيئًا هائلًا استيقظ أخيرًا...
ارتجفت أناملها قليلًا فوق الغطاء، ذلك الشعور لم يختفِ، كان هناك شيء يتحرك داخلها، ليس ألمًا وليس طاقة عادية، ابتلعت ريقها بصعوبة.
_"ماذا... حدث لي؟"
خرج صوتها مبحوحًا وضعيفًا، حاولت الجلوس وبعد أن رفعت نصف جسدها اجتاحها دوار عنيف حتى اسودت رؤيتها وسقطت مجددًا فوق الوسادة، انفتح الباب مباشرة، دخل كايل بسرعة، كان يحمل بعض الملفات بين يديه لكنه ألقاها جانبًا فوق طاولة قريبة فور رؤيتها مستيقظة.
_"لا تتحركي."
توقفت.
اقترب حتى وصل إلى جانب السرير.
_"استيقظتِ أخيرًا."
نظرت إليه ببطء.
_"كم..."
توقفت لتلتقط أنفاسها.
_"كم نمت؟"
_"سبعة أيام."
اتسعت عيناها.
"سبعة أيام؟!"
أومأ كايل بهدوء.
"وكانت لتصبح أكثر لو استمر جسدك في مقاومة القوة."
ساد الصمت للحظة ثم همست:
_"أشعر بشيء غريب."
_"أعلم."
_"كأن هناك عاصفة داخل جسدي."
نظر إليها طويلًا قبل أن يقول:
_"لأنك تشعرين بقوتك الحقيقية للمرة الأولى."
خفضت نظرها نحو يديها، حتى وهي ساكنة كانت تشعر بشيء يسري في عروقها، نبضات خافتة من الطاقة تتحرك تحت جلدها، أحيانًا تتجمع في أطراف أصابعها ثم تختفي، أغمضت عينيها.
وفجأة...ارتفع طرف الغطاء عدة سنتيمترات قبل أن يسقط مجددًا ففتحت عينيها بفزع.
_"هل فعلت ذلك؟"
_"نعم."
اقترب كايل خطوة واحدة فقط.
_"لا تخافي."
لكنها كانت خائفة بالفعل، لأنها لم تشعر أنها فعلت شيئًا، مجرد خوفها للحظة جعل القوة تستجيب، حاولت تهدئة نفسها، فاهتز الكوب الزجاجي فوق الطاولة ثم انزلق ببطء حتى سقط وتحطم على الأرض، شهقت، وفي اللحظة نفسها اندفعت موجة غير مرئية من جسدها، ارتجفت النوافذ.
_"توقفي!"
صرخت وهي تمسك رأسها، لكن الأمر ازداد سوءًا، بدأت الحرارة تتصاعد داخل صدرها، وكأن بركانًا يحاول الخروج، شهقت بألم.
_"إنها تؤلمني..."
انحنت للأمام وهي تقبض على ملابسها فوق قلبها.
_"أشعر أنها ستمزقني..."
اقترب كايل فورًا ووضع يده على كتفها.
_"انظري إلي."
رفعت رأسها بصعوبة، كانت الدموع تملأ عينيها من شدة الألم.
_"اسمعيني جيدًا."
أصبح صوته حازمًا.
_"القوة ليست هي التي تؤذيك."
_"إذن لماذا أشعر بهذا؟!"
_"لأن جسدك ما زال يحاول التكيف معها."
ارتجفت بعنف وفجأة انطلقت شرارات ضوئية باهتة حول ذراعيها، اتسعت عيناها رعبًا.
_"كايل..."
قبل أن تكمل جملتها انفجرت موجة جديدة من الطاقة، اهتزت الغرفة كلها وتشقق جزء صغير من الجدار.
انكسر زجاج النافذة وتناثر على الأرض.
وفي اللحظة التالية اختفى كل شيء، كأن القوة استنفدت ما تبقى من قدرتها على المقاومة.
شحب وجهها وأصبحت أنفاسها متقطعة ثم ترنحت للأمام وقبل أن تسقط أمسكها كايل بسرعة بين ذراعيه.
كانت حرارتها مرتفعة بشكل مخيف، رفع يده إلى جبينها فعبس فورًا.
_"أحسنت..."
همست بصوت يكاد لا يسمع:
_"متعبة..."
_"أعلم."
بدأ جسدها يرتجف من الحمى وأصبحت رؤيتها ضبابية، وآخر ما رأته كان وجهه القريب منها وهو ينادي المعالجين، تثاقلت جفونها أكثر فأكثر، حاولت التمسك بآخر ذرة من الوعي، لكن جسدها لم يعد قادرًا على الاحتمال، تلاشت الأصوات من حولها تدريجيا، صوت كايل وخطوات المعالجين.
كل شيء ابتعد...
ثم غرقت في ظلام كامل.
مر يوم.
ثم يوم آخر ولم تستيقظ.
كانت الحمى تشتعل في جسدها كالنار، حتى أن المعالجين اضطروا إلى تبديل الكمادات السحرية باستمرار.
وقف أحدهم قرب السرير وقال بقلق:
_"لم أرَ حالة كهذه من قبل."
أجاب آخر:
_"لأن أحدًا لم يحرر هذا القدر من القوة دفعة واحدة."
أما كايل فبقي صامتًا، كان يقف قرب النافذة وعيناه لا تفارقان الفتاة الممددة على السرير. شحب وجهها كثيرًا خلال الأيام التالية، وأصبحت أنفاسها ضعيفة ومتقطعة أحيانًا، في الليلة الرابعة ارتجف جسدها فجأة، قفزت شرارات من أطراف أصابعها، ثم اشتعلت العلامات السحرية على ذراعيها للحظات قبل أن تختفي، هرع المعالجون نحوها.
لكن كايل رفع يده.
_"اتركوها."
نظروا إليه باستغراب.
_"سيدي؟"
_"جسدها يتأقلم."
ساد الصمت، وبالفعل هدأت الطاقة بعد دقائق، لكن حالتها لم تتحسن.
مر اليوم الخامس.
ثم السادس.
ثم السابع.
ولم تفتح عينيها.
وفي صباح اليوم الثامن...
حدث شيء مختلف، للمرة الأولى منذ انهيارها اختفت الحمى تمامًا، واستقر نبضها، نظر أحد المعالجين إلى الأجهزة السحرية حول السرير ثم اتسعت عيناه.
_"لقد نجحت."
التفت الآخر بسرعة.
_"ماذا؟"
_"القوة استقرت."
في تلك اللحظة تحرك إصبعها ببطء شديد ثم ارتجف جفنها، وكأنها بدأت أخيرًا تصعد من أعماق الظلام نحو الوعي من جديد. تقدم كايل نحوها وجلس على طرف السرير ثم مد يده ليبعد خصلة شعر شاردة عن وجهها.
_"إيڤ؟"
فتحت فمها بصعوبة.
_"ماء..."
ناولها كأس الماء الموضوع فوق الطاولة بجانبها وساعدها في الجلوس. شربت ببطء، كانت حلقها جافة لدرجة أن مجرد ابتلاع الماء سبب لها ألمًا خفيفًا، أغمضت عينيها للحظة وهي تلتقط أنفاسها.
ثم همست:
_"كم... مر من الوقت؟"
نظر المعالج إلى كايل الذي كان يقف قرب النافذة.
أجاب بهدوء:
_"ثمانية أيام."
_"مجددا"
_"نعم، لكن لا تقلقي لقد اعتاد جسدك عليها ولم يعد يقاومها"
_"جيد"
_"سنتركك قليلا لترتاحي"
_"كلا، أريد الخروج قليلا"
_"ولكنك متعبة"
_"أريد ان امشي سئمت من البقاء في السرير"
نظر كايل إليها للحظات ثم تنهد باستسلام.
_"خمس دقائق فقط."
ابتسمت إيڤ فورًا.
_"عشر."
_"خمس."
_"ثمانٍ."
_"خمس."
تأففت وهي تتمتم بشيء غير مفهوم، ثم أزاحت الغطاء عن نفسها، وضعت قدميها على الأرض بحذر. توقعت أن تشعر بالضعف بعد ثمانية أيام من النوم لكن المفاجأة أنها استطاعت الوقوف بسهولة، بل بسهولة أكبر مما كانت تتذكر. عقدت حاجبيها.
_"غريب..."
_"ماذا؟"
_"كنت أظن أنني سأكون أضعف."
اقترب كايل منها قليلًا.
_"قوتك تدعم جسدك الآن."
نظرت إلى يديها، كانت تشعر بطاقة هادئة تدور في أعماقها لم تعد تلك العاصفة المجنونة التي كادت تقتلها بل شيء مستقر. فتحت باب الغرفة وخرجت إلى الممر، كان هادئًا بشكل مريح، سارت ببطء وهي تتأمل المكان من حولها، لأول مرة منذ أيام شعرت أنها تتنفس بحرية، وصلت إلى نافذة كبيرة مطلة على الحدائق الخارجية.
توقفت أمامها، أشعة الشمس الذهبية ملأت المكان، فأغلقت عينيها للحظة مستمتعة بالدفء. مرّت ثوانٍ من الهدوء التام، لا أصوات أجهزة العلاج، لا رائحة الأدوية ولا ألم يمزق جسدها، فقط دفء الشمس ونسيم خفيف يتسلل من النافذة المفتوحة. تنفست بعمق ثم مرة أخرى وشعرت أخيرًا أنها حرة، فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى الحدائق الممتدة أسفل المبنى، كان بعض الطلاب يسيرون في الممرات الحجرية البعيدة، وآخرون يجلسون تحت الأشجار يتحدثون ويضحكون، مشهد عادي جدًا لدرجة أنها ظلت تراقبه بصمت كأنها نسيت كيف تبدو الحياة الطبيعية.
_"يبدو أنكِ تستمتعين بالمنظر."
التفتت قليلًا.
كان كايل يقف خلفها وعلى وجهه تلك النظرة الهادئة المعتادة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
_"أفضل من النظر إلى سقف غرفة العلاج."
_"أتفهم ذلك."
عادت تنظر عبر النافذة.
_"متى يبدأ تدريبي؟"
_"حتى تتعافي تماما"
_"أنا بخير أريد أن أرى إن صار بإمكاني استخدام قوتي"
_"انت عنيدة حقا"
_"أعلم ذلك"
_"حسنا لنذهب لمساحة فارغة حتى لا تدمري شيئا"
رفعت حاجبًا بابتسامة صغيرة.
"إذن أنت موافق؟"
تنهد كايل وكأنه نادم مسبقًا على قراره.
"موافق على التجربة، لا على التهور."
"سأحاول."
"هذه الجملة لا تطمئنني إطلاقًا."
ضحكت بخفة. استدار وسار في الممر، فلحقت به. خرجا من المبنى الرئيسي للأكاديمية واتجها نحو منطقة التدريب الخارجية، أرض واسعة تحيط بها حواجز حجرية مرتفعة ونقوش سحرية محفورة في الأرض.
توقفت في منتصف الساحة.
_"وماذا الآن؟"
وقف كايل على مسافة آمنة منها.
_"حاولي استدعاء جزء صغير من قوتك فقط."
أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا، لم يحدث شيء.
_"ماذا تنتظرين؟"
_"لا أعرف ماذا أفعل"
تنهد كايل وضغط بإصبعيه على المكان بين عينيه وأخرج زفيرا ثم رفع رأسه نحوها ثم أشار إلى قلبها.
_"هل تشعرين بالقوة داخلك؟"
أغمضت عينيها للحظة، كان ذلك الإحساس موجودًا، تيار هائل هادئ في الأعماق.
_"نعم."
_"جيد. لا تحاولي دفعه للخارج."
فتحت عينيها.
_"ماذا؟"
_"معظم المبتدئين يرتكبون هذا الخطأ، يتعاملون مع القوة كشيء يجب إجباره على الخروج."
ثم أشار إلى يده، فوق راحته ظهرت كرة صغيرة من الضوء الفضي هادئة ومستقرة.
_"تخيلي أنكِ تفتحين بابًا، لا أنكِ تحطمينه."
نظرت إلى الضوء باهتمام.
_"باب؟"
_"نعم، افتحيه قليلًا فقط."
أخذت نفسًا عميقًا من جديد وأغمضت عينيها، هذه المرة لم تحاول سحب الطاقة أو دفعها، اكتفت بالشعور بها. في الأعماق، هادئة وقوية. انتظرت لحظة ثم تخيلت بابًا صغيرًا ينفتح ببطء، فجأة شعرت بدفء يسري نحو يدها.
فتحت عينيها. كانت خيوط رقيقة من الضوء تدور حول أصابعها، اتسعت عيناها.
_"نجحت!"
ابتسم كايل أخيرًا.
_"هذا أفضل."
رفعت يدها تتأمل الضوء الذي يلتف حولها كالدخان اللامع لأول مرة منذ إزالة الختم لم تكن القوة تندفع بعنف، كانت تستجيب لها ببطء وبهدوء. بقيت إيڤ تحدق في الخيوط الفضية وهي تدور حول أصابعها بانسيابية، وكأنها كائن حي يتعرف عليها للمرة الأولى. ابتسامتها اتسعت قليلًا.
_"إنها مختلفة."
أومأ كايل.
_"لأنكِ توقفتِ عن محاربتها."
أغلقت أصابعها ببطء، فتجمعت الخيوط فوق راحة يدها لتشكل كرة صغيرة من الضوء النقي. لم يكن هناك انفجار أو اهتزاز للجدران هذه المرة، فقط وهج هادئ ومستقر. نظرت إلى كايل.
_"هل سأتمكن يومًا من استخدام كل هذه القوة؟"
ساد الصمت للحظة قبل أن يجيب:
_"ربما."
عبست.
_"ربما؟"
_"قوتك أكبر مما تتخيلين يا إيڤ حتى أنا لا أعرف حدودها الحقيقية."
اختفت الابتسامة من وجهها قليلًا.
"إذن ما الذي سيحدث الآن؟"
_"الآن تبدئين التدريب الحقيقي."
_"ظننت أن هذا تدريب."
ضحك بخفة.
_"هذا كان مجرد تعلم كيفية عدم تدمير الغرفة."
تذكرت غرفة العلاج التي ما زالت تحمل آثار انفجاراتها السابقة، فاحمر وجهها قليلًا.
_"أوه..."
_"غدًا ستخرجين إلى ساحات الأكاديمية."
اتسعت عيناها.
_"مع الطلاب الآخرين؟"
_"نعم."
شعرت بمزيج من الحماس والتوتر. _"والأن يجب عليك اجتياز اختبار القبول"
_"ألم أجتزه؟"
_"لقد غبت عن الوعي قبل أن نبدأ حتى"
_"هل تسخر مني؟ "
_ربما"
_"كايل!"
تنهد كايل وهو يهز رأسه، وعقدت إيڤ ذراعيها أمام صدرها.
_"أنت أسوأ معلم عرفته في حياتي."
_"وأنتِ أكثر طالبة أغمي عليها قبل بدء الاختبار."
حدقت فيه لثوانٍ قبل أن تنفجر ضاحكة رغماً عنها أما هو فاكتفى بابتسامة صغيرة، ثم استدار نحو باب القاعة.
_"هيا."
_"إلى أين؟"
_"إلى ساحة الاختبارات."
تجمدت ابتسامتها.
_"الآن؟!"
_"هل تفضلين الأسبوع القادم؟"
_"نعم!."
_"مرفوض."
أطلقت تنهيدة طويلة وهي تتبعه خارج القاعة. كانت ممرات الأكاديمية أكثر ازدحامًا مما توقعت. طلاب من أعمار مختلفة يعبرون في كل اتجاه، بعضهم يرتدي عباءات تحمل ألوانًا مختلفة، وآخرون كانوا يتدربون على استخدام قدراتهم، شعرت بعشرات النظرات تستقر عليها للحظة، ليس بعدائية بل فضولًا، فهي الفتاة الجديدة التي وصلت إلى الأكاديمية وكادت تدمر جناح العلاج في أسبوعها الأول.
_"أشعر أنهم يحدقون بي."
_"لأنهم يحدقون بك فعلًا."
_"كايل!"
_"ماذا؟ إنها الحقيقة."
رمقته بنظرة غاضبة بينما تابع السير وكأنه لم يقل شيئًا، وبعد دقائق وصلا إلى ساحة ضخمة مكشوفة تحيط بها مدرجات حجرية، كان هناك عشرات الطلاب يشاهدون اختبارات القبول الجارية. وفور دخول كايل خفتت الأصوات قليلًا. الساحة بدت أكبر بكثير مما تخيلت، وفي وسطها منصة حجرية دائرية تقف عليها امرأة ترتدي عباءة سوداء مزينة بخيوط فضية، رفعت المرأة نظرها نحوهما ثم ابتسمت.
_"إذن هذه هي وريثة فالمير أخيرًا."
تقدمت خطوة للأمام وأضافت بصوت سمعه الجميع:
_"أهلًا بكِ في اختبار القبول الرسمي للأكاديمية."
ابتلعت إيڤ ريقها ثم همست لكايل:
-"يمكنني الهرب الآن، أليس كذلك؟"
أجاب فورًا:
_"لا."
_"والاختباء؟"
_"لا."
_"والتظاهر بالإغماء؟"
نظر إليها للحظة.
_"جربتِ ذلك مسبقًا."
_"لم يكن متعمدًا!"
فضحك كايل بينما بدأت الأستاذة تنادي اسمها للنزول إلى ساحة الاختبار.، فتقدمت إيڤ إلى أن أصبحت أما الاستاذة.
_"اسمي سيرينا وانا أستاذة في هذه الأكاديمية، لإجتياز الامتحان عليك وضع يدك فوق اللوح هنا ونعرف بذلك نوع قوتك ومستواها اذا تخطت قوتك نسبة القبول سوف تنجحين وإذا العكس فلن تقبلني هنا"
_"فهمت"
وضعت إيڤ يدها فوق لوح نقشت عليه بعض الدوائر السحرية والتعويذات، حبس كل من كان في القاعة أنفاسهم ينتظرون، دقيقة، دقيقتين، لا شيء، ثم تعالت الهمسات مما جعلها تتوتر.
_"أليس لديها قوة سحرية"
_"هذا غير معقول كل تلك الاشاعات كاذبة؟"
_"اظنها مجرد فتاة عادية"
_"آنستي يبدو انك فشلتي في الاختبار، نأسف لذلك ولكن لايمكننا قبول انضمامك"
_"آنسة سيرينا، امنحيها فرصة اخرى"
_"سيد كايل أتفهم موقفك ولكن على مايبدو انها لاتملك المستوى المطلوب"
_"ربما لأنها متوترة"
_"حسنا، معك دقيقتين يافتاة"
اقترب كايل من إيڤ ووقف خلفها وانحنى ليهمس في أذنها
_"انت ترتجفين"
_"الجميع ينظر لي"
_"خذي نفسا عميقا وافعلي ما علمتك إياه"
_"تقصد الباب؟"
_"نعم، تخيلي قوتك خلف باب وعليك فتحه ببطىء"
أغمضت إيڤ عينيها محاولة تجاهل الهمسات من حولها.
_"تخيلي قوتك خلف باب..."
أخذت نفسًا عميقًا، في البداية لم ترَ شيئًا، ثم ظهر في ذهنها باب ضخم من الضوء الفضي، يقف وسط ظلام لا نهاية له، مدت يدها نحوه.
_"افتحيه قليلًا فقط..."
تذكرت صوت كايل، وضعت أصابعها على المقبض وأدارته ببطء، طقطقة خافتة، ثم انفتح الباب مقدار شبر واحد فقط. وفي العالم الحقيقي، بدأت الدوائر السحرية المنقوشة على اللوح تتوهج بلون أزرق باهت.
ساد الصمت.
اتسعت عينا سيرينا.
_"هذا...؟"
ازدادت الإضاءة تدريجيًا.
فتحت إيڤ الباب أكثر قليلًا، فانفجرت الدوائر كلها بالضوء دفعة واحدة.
ارتفع عمود هائل من الطاقة الفضية نحو سقف القاعة حتى اهتزت النوافذ فتراجع بعض الطلاب مذعورين.
_"مستحيل!"
_"كمية الطاقة هذه جنونية!"
_"اللوح لا يستطيع قياسها!"
بدأت الرموز السحرية على اللوح تتوهج واحدة تلو الأخرى بسرعة متزايدة.
الأولى...
الثانية...
الثالثة...
الرابعة.
ثم ظهر صدع صغير في سطح اللوح.
شهقت سيرينا.
_"أوقفيها! أوقفيها فورًا!"
لكن إيڤ لم تسمع شيئًا كانت لا تزال أمام ذلك الباب في عقلها، وكلما حاولت إغلاقه اندفعت منه قوة أكبر. ارتجف جسدها، وارتفعت خصلات شعرها بفعل الطاقة التي تدور حولها.
_"إيڤ!" صاح كايل.
فتحت عينيها فجأة، وفي اللحظة نفسها انفجر اللوح السحري إلى عشرات القطع، دوّى صوت الانفجار في القاعة كلها، ثم اختفت الطاقة كما ظهرت تمامًا، ترنحت إيڤ للخلف وكادت تسقط لولا أن كايل أمسكها بسرعة.
ساد صمت ثقيل، لم ينطق أحد بكلمة.
وأخيرًا قالت سيرينا بصوت مذهول وهي تنظر إلى بقايا اللوح:
_"تشبهين أمك حقا، أنتما فقط من حطمتا لوح الطاقة"
ثم رفعت نظرها نحو إيڤ.
_"مرحبًا بكِ في الأكاديمية."
وفجأة انفجرت القاعة بالتصفيق والضجيج، بينما وقفت إيڤ تحدق في الجميع بعدم تصديق.
_"هل... نجحت؟"
ابتسم كايل.
"أظن أنكِ حطمتِ الاختبار بدل أن تنجحي فيه فقط."