وما إن اقترب الصوت قفزت من مكانها رعبا ولقد خاب أملها عندما لم تجده كايل بل وقد ازداد جسدها ارتعاشا من ما رأته عيناها. ظل طويل يخرج من بين الظلام والاشجار حتى اقترب منها ولامسه نور النهار حتى ارتجفت بيداها وتراجعت للخف حتى التصقت بصخرة الكهف.
_"فتاة لبشرية، جيد يبدو انني وجدت طعاما"
_"ياالهي لماذا الجميع يريد اكلي، أنا لست طعاما!"
اقترب الوحش منها اغلقت عينيها بذراعيها وما ان اندفع ليهاجمها حتى اخترق جسده نور أحمر قسمه إلى نصفين فانهارت جثته بجانبها.
_"فتاة متهورة"
انزلت يديها عندما سمعت صوته، واقف هناك فوق صخرة ببنيته الضخمة وهالته المرعبة إلا انها لم تخف منه بل ارتاح قلبها لرؤيته.
_"أين كنت؟ لقد كنت ابحث عنك كنت خائفة لماذا تركتني وحدي؟"
قفز من الصخرة واقفا أمامها مباشرة
_"انت لست طفلة"
_"ولكنني في مكان خطير! كان ذلك الوحش على وشك أكلي"
_"لماذا لا تستخدمين سحرك؟"
_"قلت لك انني لست ساحرة"
شبك ذراعيه ونظر لها بشك
_"هراء! ماذا عن المرة الاولى عندما هاجمك ذلك الوحش، لقد استخدمت القلادة والكتاب معا، لقد رأيت لذا لا تكذبي علي"
توقفت عن الكلام لتتذكر الحدث، صحيح ان القلادة والكتاب قاما بحمايتها ولكنها لا تعلم كيف قامت بذلك.
_"أنا لا اعلم ماذا حدث حينها، لو انني حقا اعرف لكنت استخدمتهما أمام ربون وجنوده عندما قاموا بتعذيبي"
ركز كايل في عيونها محاولا معرفة الحقيقة ثم أدرك ان معها حق فلا أحد يتحمل الأذى ومعه طريقة لصده.
_"وعن كوني ساحرة هذا غير صحيح فأنا لم استخدم السحر في حياتي، كما ان الوحوش يأتون لأكلي ويقولون أنني بشرية"
اقترب منها ببطء حتى أصبحت محاصرة بينه وبين صخرة الكهف، كان طوله يحجب عنها ضوء النهار بينما انعكست هالته الحمراء الخافتة داخل عينيه السوداوين. فتسارعت أنفاسها وهي ترفع رأسها نحوه بتوتر.
"إذن كيف وجدت فالمير؟"
انقبض قلبها فور سماع اسم الكتاب.
أبعدت نظرها عنه وهمست بصوت مرتبك: "قامت عجوز بإعطائي اياه كهدية، وعندما عدت للمنزل فتحتتها وتبين انها كتاب ثم فتحته"
_"اكملي"
_"لم افهم اللغة المكتوبة كانت برموز ولغة لم أراها من قبل، سوى صفحة واحدة كان اسمها ألار بوابة الزمن استطعت قراءتها ظننت انها مجرد كذبة وخرافة كباقي الكتب ثم فتحت البوابة حقا وسحبت الى هنا"
ظل يحدق بها لثوانٍ طويلة وكأنه يحاول اختراق أفكارها، ثم رفع يده ببطء نحو القلادة المعلقة حول عنقها.
ارتجفت إيڤ فور ملامسته لها، توقفت ملامحه للحظة، القلاة كانت تتوهج.
ثم فجأة…
اشتعلت القلادة بضوء بنفسجي قوي أجبرها على إغلاق عينيها، وفي اللحظة نفسها ابعد كايل يده بسرعة بعد ان احس بألم الحرق.
_"اللعنة"
_"كايل؟ ماذا حدث لك؟"
_"كما توقعت، انها قلادة أمبريس"
أمالت رأسها لعدم فهمها لمصطلحاته تنتظر شرحه، فأدرك ان عليه شرح كل شيء من البداية لها.
_"سأشرح كل شيء لك ولكن اولا دعينا نجلس"
ترددت للحظة ثم جلست ببطء دون أن تبعد عينيها عنه، أما هو فبقي واقفًا لثوانٍ، وكأنه يحاول ترتيب الكلمات داخل رأسه، ثم مرر يده على شعره الأسود بضيق.
"قلادة أمبريس ليست مجرد زينة،" نظر لها ثم تنهد وجلس بجانبها
_"اسمعيني جيدا، منذ سنوات عديدة وببل أن تولدي أصلا كانت هناك امرأة عرفت بقوتها السحرية حيث تعلمت كيف تبرأ لغات السحر كلها وتعلمت جميع التعاويذ ومن شدة حبها لعالم السحر كتبت كتاب سمته باسمها حتى يتذكرها العالم، كان يحتوي على جميع التعاويذ السحرية كالسحر العادي والقديم والمحظور، ولكن كان الجميع يسعى للكتاب بطريقة سلبية، أدركت فالمير ذلك فوضعت ختما عليه وتعويذة حيث لن يلمسه إلا صاحبه او شخص يرثه"
_"واذا لمست شخص اخر؟"
_"في هذه الحالة إما ان يصعق ان يحرق حيا"
_"هذا مخيف"
_"كلا بل انها الطريقة الوحيدة لكي لا يقع في أيدي خاطئة، وبهذا استطاعت فالمير ان تبعد السحرة عن الكتاب، أخطر الوحوش ليست تلك التي في الظلام بل البشر والسحرة حين يطمعون بالقوة، مع مرور السنوات التقت فالمير بآرثر كان ساحرا بويا أيضا وكان يعلمها بعض السحر لأنها كما كانت تقول السحر لاينتهي فكانت مولعة بتعلمه سواء كان بسيطا ام معقدا، حسنا لكن تزوجا واستمر السحرة والوحوش بملاحقة فالمير لتفتح لهم الكتاب، وعندما ادركت ان هذا العالم لا يستحق ان يعرف اكثر مما يعلم، قررت حرقه ولكن للأسف التعاويذ التي فيه رفضت الاحتراق، ثم أتت لها فكرة تعويذة لتدميره بدأت في البحث عن طريقة وجمعت من هنا وهناك وعندما بدأت في ترتيب افكارها داخل الكتاب اكتشفت خطتها فتم القبض عليها واجبروها بالتعذيب على ان تخبرهم اين مكان الكتاب ولكنها رفضت مرارا وتكرارا، وعندما علموا انها رزقت بابنة أرادوا قتلها "
_"ولكن لماذا؟ انها طفلة صغيرة"
_"هذا ما تظنينه ولكن تلك الطفلة كانت وريثة فالمير وآرثر وبالتأكيد لديها قوة كليهما وبهذا تعد تهديدا على باقي السحرة، كان آرثر يحمل ابنته والكتاب، وبالطبع الكتاب ملفوف بقماش حتى لايقضي عليه، في تلك الاثناء امر من طرف قبيلته ان يسلم الفتاة والكتاب كما اخبرتك سابقا ولكنه رفض وفتح فالمير بسرعة وردد تعويذة ألار نفسها التي نقلتك الى هذا العالم ودفع الفتاة داخلها ولأنه ليس صاحب الكتاب، فهذا الاخير لم يستجب له جيدا فأغلقت البوابة بسرعة مباشرة بعد دخول تلك الفتاة أما آرثر فلا يعلم أحد ما حدث له النصف يقول لقد اخترقه سهم ومات وهذا بالنسبة لي مستبعد لانه قوي والنصف الاخر يقول ان فالمير قتله وهذا مقبول، والمرأة التي رأيتها في حلمك هي بالطبع فالمير، لاأعلم لماذا رأيت ذلك الحلم ولكن هذه الحقيقة، وفالمير وآرثر... "
_"والداي؟"
_"نعم والداك"
اهتز نفسها فجأة وخرجت منها ضحكة قصيرة مرتجفة أشبه بالبكاء.
"إذاً… كانوا يهربونني؟"
لم يجبها كايل مباشرة، لكن صمته كان كافيًا.
بدأت الدموع تتجمع في عينيها تدريجيًا.
"لقد بقيا هناك… وحدهما."
شعرت بحرقة في حلقها وهي تحاول الكلام، لكن الكلمات خرجت متقطعة وضعيفة.
"أمي… تعرضت للتعذيب بسببي…"
أنزلت رأسها أكثر بينما سقطت دمعة فوق القلادة البنفسجية.
"ووالدي… كان يحاول حمايتي حتى اللحظة الأخيرة"
ارتجفت كتفاها بقوة، ثم رفعت يدها لتغطي فمها محاولة منع شهقاتها، لكن دون جدوى، كل شيء انهار دفعة واحدة داخلها.بعد أدركت انها لم تترك أو تم التخلي عنها كما كانت تعتقد، بل تم إنقاذها، تم إرسالها بعيدًا بينما كان والداها يواجهان الموت وحدهما.
أغمضت عينيها بقوة وانهمرت دموعها أخيرًا.
"لقد ماتا… لكي أعيش أنا…"
راقبها بصمت بينما كانت تبكي بصوت مكتوم، تضم القلادة إلى صدرها وكأنها آخر شيء تبقى لها منهما.
_"هل هذه قلادة أمي ايضا؟"
_"نعم، كانت ترتديها طوال الوقع لحمايتها من السحرة ولكن يبدو أنها منحتك إياها"
ازداد بكاءها ودموعها حين سمعت كلماته فأمها تخلت عن قلادتها وعن الوسيلة التي تحميها فقط لحماية ابنتها.
_"لا تبكي فوالداك فعلا ذلك حبا لك لذا عليك أن تكوني سعيدة بتضحيتهما من أجلك"
_"ولكنني تمنيت ان أراهما"
تنهد كايل وفكر في تغيير الموضوع قليلا فأشار الى القلادة
_"تلك، هل تعلمين كيف تعمل؟"
مسحت دموعها واستجمعت شتات نفسها لتجديده بصوت شبه مستقيم.
_"لا، لقد حمتني من ذلك الوحش ولكن لم تحميني من ريون"
_"هذا لأنها ربما ضد الوحوض والسحرة وليس البشر، اكما للت فالمير ساحرة قوية لن تخاف أو يهزمها بشري"
_"كون أمي ساحرة وأبي كذلك ساحر لماذا أنا بشرية"
_"أخبرتك أنك ساحرة"
_"ولكن... "
قاطعها "قوتك كانت مختومة طوال حياتك الى أن بلغت 19سنة"
_"ولكن لم يحن يوم ميلادي ال19"
_"انت بالطبع تظنين ان يوم ميلادك هو اليوم الذي وجدتك فيه عائلتك الجديدة"
_"معك حق، ولكن كيف عرفت تلك العجوز انني ابنة فالمير وكيف عرفت أن ذلك يوم ميلادي الحقيقي؟"
_"لا أعلم ولكن لدي شك أنه عندما فتحت البوابة تم إرسال شيكيغامي معك من طرف أحد السحرة وكان ينتظر الوقت المناسب"
_"هذا يعني أن كل هذا مخطط له؟"
_"نعم، هذا ما يبدو، والأن اذا لم يكن لديك سؤال آخر علينا الذهاب قبل أن يتم العثور علينا"
وقف كايل باستقامة ليجمع الأغراض الى أن قاطعته بسؤالها.
_"انت قلت أن قوتي السحرية مختومة، إذا كيف يمكنني تحريرها؟"
_"أنا سأفعل هذا ولكن أولا علينا المغادرة، اذا نزعت الختم هنا ربما سيتم الكشف عن أن وريثة فالمير قد عادت إلى هذا العالم والآن اصعدي على كيرا"
ترددت إيڤ للحظات وهي تنظر إليه، ثم قالت بصوت خافت:
"وإذا أزلتَ الختم… هل سأصبح مثل فالمير؟"
توقفت يد كايل للحظة فوق الحقيبة التي كان يغلقها، لكنه لم يجب مباشرة.
رفع نظره إليها ببطء، وكأنه يفكر جيدًا قبل اختيار كلماته.
_"لا."
تنفست بخفة وكأنها ارتاحت، لكنه أكمل:
_"قد تصبحين أخطر."
شعرت بانقباض في صدرها.
اقترب من النار المنطفئة وركل بقايا الحطب بقدمه قبل أن يتابع:
_"فالمير كانت تملك قوة عظيمة، لكن آرثر…"
توقف قليلًا ثم أكمل بنبرة جادة:
_"آرثر كان من أخطر السحرة أيضا في عصره، حتى القبائل كانت تخشاه."
رفعت إيڤ رأسها نحوه ببطء.
_"وأنتِ تحملين قوة الاثنين معًا."
ساد الصمت للحظة، ولم تعد تسمع سوى صوت الرياح بين الأشجار.
_"لهذا ختموا قوتي؟"
_"جزء من السبب."
عقدت حاجبيها بعدم فهم، فأكمل:
_"الختم لم يكن فقط لإخفاء سحرك… بل لإخفاء وجودك بالكامل."
_"ماذا تقصد؟"
نظر مباشرة إلى القلادة حول عنقها.
_"هناك سحرة يستطيعون تعقب الطاقة السحرية عبر العالم كله، ولو ظهرت قوتك الحقيقية منذ طفولتك… لكنتِ ميتة الآن."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
_"إذن عندما أزيل الختم…"
_"سيشعر الجميع بك."
اتسعت عيناها فورًا.
_"الجميع؟"
_"القبائل، السحرة، الوحوش… وحتى أولئك الذين اختفوا منذ سنوات بحثًا عن وريثة فالمير."
أخفضت إيڤ نظرها نحو الأرض بصمت، بينما بدأ الخوف يمتزج داخلها بشيء آخر… فضول.
_"وهل… سأستطيع التحكم بها؟"
ضحك كايل بخفوت، لكنها لم تكن ضحكة حقيقية.
_"أنتِ لم تستطيعي حتى التحكم بفتح بوابة واحدة."
_"لم أفعل ذلك بإرادتي!"
_"وهذا أسوأ، ولكن لا تقلقي أخبرتك أنني سأدربك لذا ارتاحي"
_"ولكن ان أزلت ختمي... "
_"إذا لم تزيليه ستموتين أيضا، كما أن عليك إنهاء ما بدأته والدتك وهو تدمير الكتاب"
أنهى كايل ترتيب الأغراض في الحقائب وصعد كلاهما كيرا إلى وجهتهم.
اخترق كيرا الغابة والأشجار كما بسرعة كسهم يخترق الهواء و مر بممر جبلي ضيق.