الفجر الجديد

الفجر الجديد

17 0

في الساحة الخارجية، كانت المعركة ملحمية. اندفع آدم وسط مئات المتحولين، يضرب بقبضتيه الحديديتين في كل اتجاه، يطيح بالرؤوس ويمزق الأجساد التي تحاول عرقلته. كان هدفه واضحاً: الألفا الأحمر العملاق.

التقى العملاقان في منتصف الساحة تحت غيوم الغبار والدخان. زأر الوحش العملاق واندفع نحو آدم، لتبدأ معركة كسر عظام وحشية. تلقى آدم ضربات قاسية حطمت بعض أضلاعه، وأسقطته أرضاً عدة مرات، لكنه في كل مرة كان ينهض مستمداً قوته من وجه فريدة المحفور في ذاكرته الميتة.

على السطح، كانت فريدة تقف عند باب المروحية والدكتور مجدي يلح عليها لتركب، لكنها كانت تراقب المعركة من الأعلى بدموع تفر من عينيها. رأت آدم ينجح أخيراً في الإمساك برأس الوحش وبلواية عنيفة خارقة، كسر عنقه ليسقط الزعيم جثة هامدة بلا حراك.

بمجرد موت الوحش، تشتت القطيع وأصابهم التشوش، وبدأوا يتراجعون هاربين في عشوائية. لكن الثمن كان فادحاً؛ سقط آدم على ركبتيه وسط الساحة، وجسده مغطى بجراح لا حصر لها، والدم الرمادي ينزف منه كالشلال.. كان يلفظ أنفاسه الأخيرة كمتحول.

"آدم!" صرخت فريدة، وبقوة غير بشرية، أفلتت من يد الدكتور مجدي وركضت نحو السلالم عائدة للأسفل، غير مبالية بالخطر أو المتحولين الشاردين.

وصلت إلى الساحة وارتمت بجوار جسده الساقط على التراب. رفعت رأسه وضمنته إلى صدرها. "آدم.. أرجوك متسبنيش.. إحنا كسبنا.. العالم هيرجع.. لازم ترجع معايا!"

فتح عينه الرمادية بضعف شديد، وكانت النبضات الفيروسية في جسده تخبو ببطء، معلنة عن موت الخلايا بالكامل.

في تلك اللحظة، تذكرت فريدة شيئاً؛ فتحت حقيبتها الصغيرة التي كانت معلقة بكتفها، وأخرجت منها آخر أمبول من المصل الذهبي النقي المركّز الذي كانت قد أخذته من المختبر كاحتياط.

"أنت مش هتموت يا آدم.." همست بعزم وإصرار، وغرزت الحقنة مباشرة في صدره، فوق قلبه الميت تماماً، وضغطت بكل قوتها لتفرغ السائل الذهبي المشع داخل عضلات قلبه.

تصلب جسد آدم فجأة، واتسعت عيناه، وبدأ يرتجف بعنف غير مسبوق، وصدرت منه صرخة ألم هزت أركان حلوان كلها.. صرخة المعركة الأخيرة بين الحياة والموت داخل عروقه.

(بعد مرور عام كامل)

أشعة شمس الصباح الدافئة كانت تشرق فوق شوارع القاهرة، ولكنها لم تعد نفس الشوارع الكئيبة الميتة. كانت حركة التعمير والبناء في كل مكان؛ البشر يسيرون في الشوارع بلا خوف، المحلات تفتح أبوابها، والأطفال يعودون للمدارس برضحكاتهم المفتقدة. بفضل المصل الشافي الذي استُخلص من جينات آدم وتم توزيعه بالطائرات والمروحيات في كل أنحاء مصر والعالم، انتهى كابوس الفيروس إلى الأبد، وعاد ملايين المتحولين إلى إنسانيتهم.

في شقة ريفية هادئة تطل على النيل في أطراف المعادي، كانت النوافذ مفتوحة لتدخل نسمات الهواء العليل.

في المطبخ، كانت فريدة تقف أمام البوتاجاز، ترتدي مريلة مطبخ ملونة، وتدندن بأغنية سعيدة وهي تقلب البيض بالبسطرمة.. وفي يدها، نفس الطاسة التيفال القديمة والمقشرة، والتي رفضت التخلي عنها واعتبرتها تميمتها الخاصة للبقاء.

شعرت بلمسات ذراعين قويتين تحيطان بخصرها من الخلف برقة وحنان. التفتت لتنظر في وجه صاحب الذراعين.

كان رجلاً وسيماً، بشرته مليئة بالحيوية والدم الإنساني الأحمر النقي، وعيناه.. عيناه لم تعودا رماديتين أو بيضاوين، بل كانتا عينين بنيتين دافئتين تلمعان بالحياة والحب الكامل.

كان آدم.. بني آدم بكل ما تحمله الكلمة من معنى. قلبه الذي استمعت لجنونه وصمته في الأنفاق كان الآن ينبض بانتظام ودفء تحت صدرها.

"البيض هيتحرق يا فريدة لو فضلتي تبصيلي كده." قال آدم بصوت رخيم وناعم، وابتسامة ساحرة تزين وجهه.

ضحكت فريدة من قلبها، ووضعت الطاسة جانباً، والتفتت بكامل جسدها لتعانقه بشدة، مستندة برأسها على صدره، وتستمع بانتشاء إلى دقات قلبه المنتظمة: دوم.. دوم.. دوم.

"عارف يا آدم؟" همست وهي تغمض عينيها بأمان، "الطاسة دي حمتني من الزومبي.. بس قلبك أنت هو اللي حماني من الدنيا كلها."

قبل آدم رأسها بحنان، ونظرا معاً عبر النافذة إلى النيل الساحر وقاهرة الجديدة التي عادت للحياة، مدركين أن الحب والوفاء هما المصل الحقيقي الذي يمكنه شفاء أي عالم، مهما كان خراباً.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حبيبي المتحول

المؤلف 💛🧡Esraa💛🧡
2026/05/22 مكتملة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة